بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة [التحقيق]
مؤلف الكتاب:
مؤلف الكتاب أبو النور عصام الدين عثمان الدفتري ابن علي أبي الفضائل ابن مراد بن عثمان بن علي بن الحاج قاسم العمري من الأسرة العمرية في الموصل.
والأسرة العمرية أسرة عريقة تنتمي الى الفاروق عمر بن الخطاب ﵁. وقد توزعت هذه الأسرة في مختلف الأقطار فسكنت فروعها مكة ودمشق ومصر والموصل.
وكان اشهر فروع الأسرة فرع دمشق والموصل وقد ظهر منهم كثير من العلماء والأدباء والشعراء (١).
ان اول من قدم الموصل من العمرية الحاج قاسم بن علي ابن محمد بن الحسين وهو من سلالة عاصم بن عمر بن الخطاب
стр. 2
رضي الله عنه (١) وقد قدم الحاج قاسم الى الموصل مع ولده علي. ولا نعرف على وجه التحقيق تاريخ قدومه. ويستنتج مما يقوله لونكريك: أن الأسرة العمرية قد جاءت الى الموصل بعد سنة ٩٨٠ هـ. اذ يقول «ان زلزالا شديدا حدث في أذربيجان، فسرى تأثيره جنوبا حى الموصل ... وجئ بالأسرة العمرية المعروفة في هذه الفرة؟ ؟ ؟ لعل قدسيتها تهدئ الزلزال المفجع الذي هز المدينة» (٢).
وحدد لونكريك وقوع الزلزال سنة ٩٨٠ هـ.
ولكنا نعلم أن الحاج قاسم العمري قد شيد بعد قدومه الى الموصل جامع العمرية عام ٩٧١ هـ. ولدينا وقفيته لهذا الجامع حررها في أوائل رجب الفرد سنة تسعمائة وتسع وسبعين للهجرة أوقف فيها على الجامع ما يمتلكه في الموصل من حمامات ودكاكين ودور وأراض زراعية. ولذلك فاننا نرجح انه قدم الى الموصل في النصف الاول من القرن العاشر الهجري.
ويعتقد كثير من أفراد الأسرة العمرية أن جدهم الحاج قاسم قد قدم الى الموصل من دمشق. غير ان القس سليمان صائغ يذكر في كتابه تاريخ الموصل (٣) أنه من مكة المكرمة، ويذكر لقدومه سببا غير الذي ذكره لونكريك. وهو يعتمد فيما يقوله
стр. 3
علي اوراق تتضمن تاريخ العائلة العمرية لكاتبها الفاضل حسن أفندي ابن محمود أفندي العمري، لم نستطع الوقوف عليها.
فهو يقول «لبثت الموصل بعد التحاقها بالبلاد العثمانية مدة غير يسيرة في ادارة مضطربة، وغير مطردة لفوضى الحال وسوء أخلاق بعض أهاليها يومئذ، فرأت الحكومة العثمانية خير وسيلة كافلة لتقويم أود الأهالي، واصلاح هذا الخلل الفاشي أن تسير معهم على مبادئ الرفق واللين، من غير سفك دماء، وقتل رجال ولا استعمال عنف وشدة، بل بالتثبت بوسائط الانذار والارهاب ومن ثم أرتأت أن تسكن في الموصل بعضا من أهل الشرف والتقوى».
وصدرت الارادة السلطانية بجلب ذاتين محترمين من اشراف السادة والعمرية القاطنين في الحرمين الشريفين، لانذار الأهالي. فدعي السيد عبد الله الأعرجي الحسيني من المدينة المنورة، ودعي الحاج قاسم العمري من مكة المشرفة. فسكن السيد عبد الله في المحلة الواقعة في شمالي الموصل، وتعرف بمحلة السادة. وسكن الحاج قاسم العمري في المحلة المسماة باب العراق في جنوب الموصل وتعرف ايضا بمحلة الشيخ محمد».
ويقول الكاتب إنه «لم يقع على زمن قدومهما وانما استدل عليه استدلالا من عهد تشييد الجامع العمري الذي أقامه الحاج قاسم جد العائلة العمرية على نفقته في الموصل سنة ١٥٦٣ م (٩٧١ هـ) في محلة باب العراق وضريحه فيه».
ويفهم من كلام الاستاذ سعيد الديوه جي في المقدمة التي
стр. 4
كتبها لكتاب منهل الأولياء ان عمريين كانوا يسكنون الموصل قبل قدوم الحاج قاسم اذ يقول «وسكن (يعني الحاج قاسم) مع العمريين الذين كانوا قرب باب الحديد». (١) ولم يشر الى المصدر الذي اعتمد عليه. ولم نعثر فيما رجعنا اليه من المصادر على ما يؤيد قوله هذا.
ولا نعلم عن الحاج قاسم جد الأسرة شيئا الا ما ذكرناه من أمر قدومه الى الموصل وبنائه جامع العمرية وما ورد في وقفية الجامع من املاك كان يمتلكها أوقفها على الجامع وما ذكره عنه صاحب الدر المكنون من أنه توفي سنة ١٠٠١ هـ.
ولا بد أنه «كان احد كبار الفضلاء وخيار الفصحاء» كما يقول القس صائغ استنتاجا على ما نعتقد. غير أن الأستاذ الديوه جي يضيف بعد أن يذكر انه بنى الجامع العمري أنه «اتخذ فيه مدرسة، وكان من العلماء الفضلاء، يدرس في مدرسته، وتخرج على يده كثير من علماء الموصل» (٢)
ولم يذكر الاستاذ المصادر التي اعتمد عليها في ذلك ايضا.
ولم نجد في المصادر ما ينص على أن الحاج قاسم قد اتخذ في جامعه مدرسة وأنه كان يدرس فيها. بل أن المصادر تنص على أن مدرسة جامع العمرية انما اسسها أحد أحفاده وهو أبو الفضائل علي بن مراد بن عثمان بن علي بن الحاج قاسم، حين جدد عمارة الجامع العمري سنة ١١٣٣ هـ وفرغ منها سنة ١١٣٤ هـ وانقطع الى التدريس فيها عشر سنين.
стр. 5
وكذلك فاننا لا نعلم عن علي بن الحاج قاسم شيئا سوى انه قدم الى الموصل مع أبيه، ولعله توفي قبله اذ لم يرد له في الوقفية ذكر. كما أننا لا نعلم عن عثمان بن علي هذا شيئا.
اما مراد بن عثمان جد المؤلف. فقد كان مدرسا في الحضرة اليونسية وخطيب جامعها. وكانت له اليد الطولى في علمي المعقول والمنقول. وكانت اليه الرياسة في الموصل، وهو مرجع الفضلاء.
وكان عارفا بعدة لغات عدا العربية وهي التركية والفارسية والكردية وانه توفي سنة ١٠٩١ أو ١٠٩٢ هـ (١).
وقد ترجم له حفيده مؤلف الكتاب وأورد له قصيدة من شعره.
أما والد المؤلف أبو الفضائل علي بن مراد فقد ولد سنة ١٠٦٠ هـ في الموصل. وصارت اليه الرئاسة فيها. وسافر الى القسطنطنية ينازع ابن عمه فتح الله العمري تولية جامع العمرية، فأصلح بينهما صاحب الصدارة الكوبرلي، وجعلها بينهما، ثم استقل بهذه التولية عند ما توفي فتح الله العمري عام ١١٠٧ هـ. وتولى قضاء بغداد سنة ١١١٢ هـ ولكنه عاد الى الموصل بعد سنة. ثم تولى افتاء الموصل سنة ١١٢٢ هـ ثم عزل عنه، وأعيد اليه سنة ١١٢٥ هـ واستمر الى أن غلبه الكبر فنزل عنه لحفيده يحيى بن مراد بن علي. وأسس في الجامع العمري مدرسة بعد ان جدد عمارته وتولى التدريس فيها عشر سنوات واحرز شهرة عظيمة، وأقبلت عليه الدنيا، وكثرت ثروته واقطاعه (٢).
стр. 6
وكان يتمتع بمنزلة كبيرة وقد حدثت بسببه فتنة الموصل المشهورة سنة ١١٣٨ هـ والتي عرفت بفتنة علي أفندي.
وله من المصنفات شرح الفقه الأكبر للامام أبي حنيفة، وشرح كتاب الآثار لمحمد بن الحسن. وقيل إنه ترك ذيولا وتعليقات على كل فن وتوفي سنة ١١٤٧ هـ.
*** في هذا الوسط من العلم والثراء والجاه ولد مؤلف الكتاب عصام الدين عثمان سنة ١٠٣٤ هـ فنشأ في كنف والده الذي تقدمت به السن. حتى اذا ما ترعرع سلك طريق العلم والدراسة فدرس على أساتذة أجلاء من علماء عصره هم:
١ - الشيخ اسماعيل ابن أبي جحش الموصلي المتوفي بعد سنة ١١٤٠ هـ وقد ترجم له المؤلف في الروض النضر وقال عنه «قضى أوقاته مع الوالد، فكان له المنجد المساعد ... اتخذه لنا مؤدبا ولحلي معارفنا صائغا، فكلنا قرأنا عليه، وجثونا بين يديه».
٢ - يحيى بن مراد بن علي ابي الفضائل توفي بعد سنة ١١٦٠ هـ.
وهو ابن أخي المؤلف وقد تولى افتاء الموصل بعد جده. وقد ترجم له وقال عنه «قرأت عليه في الصغر، واستقصيت منه الأثر وأحييت بمكارمه ما دثر، فكان كالمطر، في كل ما قطر.
٣ - الشيخ درويش الكردي العقراوي المتوفى بعد سنة ١١٧٠ هـ وقد ترجم له في الروض وقال عنه «وهو شيخي وأستاذي، إليه رجوعي والتياذي قد أركبني من الأدب ظهراً، ونصب لي من الفصاحة
стр. 7
جسرا. انقطع عني سنين .. ففي اثناء تحريري هذا السفر والكتاب ... أتى الي، ونزل علي، فانتعشت بقدومه .... واعدت القراءة عليه والتقطت لؤلؤ الفضل الذي لديه».
٤ - مصطفى الخوشناوي. وقد ترجم له في الروض. فقال «فهو أحد أشياخي الذي استفدت منه، وبحر الجواهر الذي أخذت عنه. له في كل علم يد، وهو في العربية جدار فصاحة ممتد.»
ثم رحل المؤلف الى قرية «ماوران» ودرس فيها على السادة الحيدرية وقد وهم المرادي صاحب سلك الدرر (٣: ١٦٤) فقال «إنه سافر الى صوران على وزن سحبان قرية من قرى اليمن فقرأ على عامة علمائها، كالشيخ الصالح فضل الله الحيدري، والشيخ فتح الله والشيخ صالح». وتابعه في وهمه هذا القس سليمان صائغ الموصلي صاحب تاريخ الموصل اذ قال (٢: ١٨١) «ثم سافر الى صوران من قرى اليمن وأخذ عن الشيخ صالح الحيدري. كما تابعهم خير الدين الزركلي في الاعلام فقال عنه ولد في الموصل رحل الى اليمن وصوران هذه فيما يذكر ياقوت في معجم البلدان قرية للحضارمة باليمن بينها وبين صنعاء اثنا عشر ميلا. ولم يعرف عنها انها كانت مركزا من مراكز العلم على الرغم من ان بعض العلماء كانوا ينسبون اليها. فيما ذكر ياقوت.
ونرجح ان كلمة «ماوران» قد كتبت «موران» بغير الف كما
стр. 8
رايناها في سلك الدرر (٤: ٦) فتصحفت على المرادي فقراها صوران، او ان نسخة من كتاب المرادي تصحفت فيها هذه الكلمة. ثم قرأها ناشر كتاب المرادي صوران وقال (على وزن سحبان قرية باليمن).
و«ماوران» هذه قرية من قرى قضاء راوندوز في شمال العراق. كان اول من اتخذ فيها مدرسة من السادة الحيدرية حيدر بن حيدر قال عنه المؤلف في الروض «حيدر جد الحيدرية الأعلى، نشر ابنه الثاني حيدر ألوية التدريس في قرية ماوران، فقصدته رجال التحصيل في كل مكان ... وقد اشتهرت مدرسة ماوران هذه وقصدها الطلاب من كل قطر. وقد ترجم المؤلف لشيوخه الحيدرية وليس فيهم من يدعى بالشيخ صالح كما ذكر المرادي والقس صائغ. كما انه ترجم لفضل الله بن ابراهيم فلم يقل انه درس عليه.
وشيوخه الحيدرية هم:
١ - إبراهيم بن حيدر. قال عنه في الروض «هو علامة العصر ...
أخذت منه ورويت عنه ... صنف بكل فن من الفنون ... واستأذنته بتحرير تصنيفه «الملهمات» و «شرح بانت سعاد».
٢ - صبغة الله بن ابراهيم بن حيدر. قال عنه إنه «علامة الزمان ... وهو رئيس هؤلاء الرجال، وجميع فضلاء هذا الكتاب عليه عيال ... قرأت عليه وجثوت بين يديه».
٣ - فتح الله بن ابراهيم بن حيدر. قال عنه إنه «شيخ الادب
стр. 9
وشابه، ونجد الكمال وهضابه ... ملأ بمزامير فضله مسامع الآفاق ... فهو شيخي الذي أخذت عنه، وزندي الذي قدحت منه، درجني الى حلبة الادب. فعن أدبه رضاعي وحثني في أوان الطلب، فبفضله تعمرت رباعي».
٤ - عبد الغفور بن أحمد بن حيدر، قال عنه «اشتهر بفضله في الآفاق ... فغدت الطلبة عاكفين على بابه ... هو أحد أشياخي، وشاه رقعتي في المعارف وإرخاخي. وهو شيخي الكريم الوجيه، وأستاذي القويم النبيه. استفدت من عبارته، واكتسبت من اشارته، ولازمت ناديه، وجنيت المعارف من أياديه».
كما درس على الشيخ الملا درويش الكردي وقد ترجم له في الروض وقال عنه «فهو شيخي وأستاذي الذي إليه رجوعي والتياذي، قد أركبني من الأدب ظهراً. ونصب لي من الفصاحة جسرا».
ودرس على الشيخ مصطفى الخوشناوي وقد ترجم له في الروض أيضا وقال عنه في العنوان شيخي مصطفى الخوشناوي ثم قال في اثناء الترجمة «فهو أحد أشياخي الذين استفدت منه، وبحر العلوم الذي أخذت أدبي عنه».
ولا ندري على وجه التحقيق متى رحل الى «ماوران» ولكنا نرجح ان رحلته اليها كانت بعد وفاة والده. كما انا لا ندري. كم اقام فيها ومتى عاد منها. ولكنا نعلم أنه كان لا يزال فيها سنة ١١٥١ هـ.
فقد جاء في مخطوطة من مخطوطات المدرسة الأحمدية في الموصل
стр. 10
وهي «ملهمات ربانية في أسرار ذوقية وجدانية» لابراهيم حيدر الصفوي التي أشار المؤلف الى أنه استأذن استاذه إبراهيم بن حيدر بتحرير تصنيفه الملهمات: «كتبه عثمان العمري ابن الحاج علي العمري الموصلي وهو عند المصنف في قرية ماوران نقلا عن مسودته سنة «١١٥١ هـ». (١)
وقد ذكر المرادي وتابعه القس الصائغ أن المؤلف درس على العلامة جرجيس الأربلي ولكنا نلاحظ ان المؤلف على الرغم من انه نعته حين ترجم له في الروض بشيخي جرجيس فانه لم يذكر في اثناء الترجمة انه قد درس عليه كما ذكر عن غيره من شيوخه. ولعل كلمة شيخي التي جاءت في العنوان تدل على اعتباره شيخا في التصوف.
فان الذي يدقق في ترجمة الشيخ جرجيس الاربلي يرى انه قد درس على نفس الشيوخ الحيدرية الذين درس عليهم المؤلف وأنه حين درس في الموصل كان المؤلف قد جاوز سن الطلب.
*** اتصاله بالحاج حسين باشا الجليلي:
بعد أن أنهى المؤلف دراسته في «ماوران» عاد الى الموصل واتصل بخدمة الحاج حسين باشا الجليلي والي الموصل حينئذ. ولا نعلم على وجه التأكيد متى كان اتصاله هذا. فقد تولى الحاج حسين الجليلي ولاية الموصل عدة مرات. ولعله اتصل به اثناء ولايته الرابعة على الموصل
стр. 11
(من سنة ١١٥١ - ١١٥٣ هـ) او أثناء ولايته الخامسة عليها التي بدأت سنة ١١٥٤ هـ واستمرت أربع سنين وشهرا. (١)
ويظهر أن الوالي قربه كثيرا، فالمؤلف يقول في سنة ١١٥٦ هـ أثناء حصار نادر شاه للموصل: «وكنت في ذلك الحصار، ملازما في الليل والنهار، لحضرة هذا المشار (حسين باشا) فرأيت من شجاعته ما يبهر، ومن بذله ما يغمر».
كما يقول حين يتحدث عن الحصار «وكنت اذ ذاك في خدمة السيف والسنان».
وصمدت الموصل صمودها الرائع في وجه نادر شاه فاضطر الى قبول الصلح والانسحاب فأوفد الوالي حسين باشا المؤلف الى الآستانة صحبة ابنه أمين باشا يحمل البشرى الى عاصمة الدولة بهذا النصر المبين.
ولما نقل حسين باشا الى ولاية قارص ثم الى ولاية كوتاهية صحبه المؤلف سنة ١١٦٤ هـ الى بلاد الروم هذه. وبقي في خدمته أربع فهو يقول في ترجمة عمه عبد الباقي العمري «في سنة أربع وستين ومائة وألف، من هجرة من له المجد والشرف، اتفق الى سفرة الى بلاد الروم ... وامتدت الغربة الى اربع سنين وأيام».
كما يقول في ترجمة أمين باشا الجليلي ابن الحاج حسين الجليلي «ولما رجعت من بلاد الروم من خدمة أبيه ذلك الضرغام النبيه، وذلك ليلة عيد رمضان، بعد امتداد الغربة أربع سنين، وقد أثر بي حب الوطن ... أمرني أن أشنف الأسماع بقصيدة في مديحه
стр. 12
الذي لا يستطاع».
ولا ندري طبيعة العمل الذي كان يتولاه المؤلف في ولاية حسين باشا الجليلي غير أن المرادي يقول، وتابعه على ذلك القس صائغ أنه ولاه في الروم بعض البلاد الصغيرة كارويش. وهما يذكران أيضا أن المؤلف كان قد صحب الحاج حسين الجليلي الى وان حين ولي عليها. ولعل ذلك وهم منهما، اذ انه انما تولى وان سنة ١١٤٧ هـ وقد كان المؤلف في الثالثة عشرة من العمر حينذاك وأنه كان لا يزال في ماوران إلى سنة ١١٥١ هـ. ولم يكن قد اتصل به حينئذ.
وحين عاد المؤلف من بلاد الروم اتصل بخدمة أمين باشا الجليلي وكان واليا على الموصل من سنة ١١٦٦ حتى سنة ١١٦٨ هـ فقربه اليه ويقول صاحب غاية المرام (ص ٣٤٣) انه كان مقدما عنده بمنزلة كتخدا». وظل متصلا به حتى بعد أن صرف عن ولاية الموصل حتى سنة ١١٧٠ هـ فالمؤلف يقول في ترجمة أمين باشا: «وفي سنة تحرير هذا المؤلف وهو سنة سبعين ومائة وألف يسره الله لبناء جامع في الحدباء ... وكنت قد أنشأت لعمارة الجامع تاريخا وللمنارة آخر، وهو مكتوب عليها، وأنشأت بعض نثر مسطور في الباب فضلا ومنة من ذلك الجناب العالي».
ثم انفصل عنه فسافر الى استانبول سنة ١١٧٠ هـ في رواية، وسنة ١١٧١ في أخرى، قاصدا الصدر الاعظم محمد راغب باشا (١).
стр. 13
وقدم اليه كتابه الروض النضر وجعله باسمه، وكان راغب باشا عالما أديبا. فأنعم على المؤلف وولاه حساب ولاية بغداد (دفتردار).
وقدم المؤلف بغداد سنة ١١٧٢ هـ في أرجح الروايات وتولى عمله، وكان مقدما عند واليها سليمان باشا. حتى اذا توفي سليمان باشا سنة ١١٧٥ هـ قام المؤلف مقام الوالي بضعة أشهر حتى تم تعين علي باشا واليا على بغداد في السنة نفسها. فحاسبه على أموال سليمان باشا، اذ أنه لم يجد منها الا اليسير، فحبسه بالقلعة وهم بقتله ثم اكتفى بنفيه الى الحسكة (١) وسجنه فيها.
فلما قتل الوالي علي باشا وتولى الولاية عمر باشا سنة ١١٧٧ هـ، هم بقتله، فقد كانت بينه وبين المؤلف عداوة قديمة. وأقدمه الى الحلة، فانجاه من القتل شفاعة عائشة خانم بنت الوزير أحمد باشا زوجة سليمان باشا فسجنه في الحلة واصيب فيها بفالج أبطل شقه فنفاه الى كركوك وسجنه فيها. ثم هم بقتله، فأدركته شفاعة عائشة خانم ثانية، فأطلق سراحه. وقدم الى اربيل وعاد الوالي فامر بالقبض عليه فيها وقتله، فسجنوه ولم يقتلوه. ثم شفع له فاطلقه وعاد الى الموصل.
وتحسنت صحة المؤلف في الموصل بعض التحسن، فتوجه الى استانبول ليشكو ما لقيه من عمر باشا، غير أن هذا حين بلغه نبأ مسيره أرسل وراءه من اتبعه في الطريق، واستطاع أن يغرر به فعاد قبل أن يبلغ استانبول، حتى اذا بلغ ماردين في عودته قبضوا عليه فيها وسجنوه. ثم أطلقوه بعد مدة، وأخذوه الى اربيل وسجنوه
стр. 14
فيها وأخيرا أطلق سراحه فعاد الى الموصل.
وأقام في الموصل فترة توجه بعدها الى استانبول، وعرض ما أصابه على رجال الدولة حتى السلطان فما افاد ولا استفاد (١).
واقام في استانبول مدة ومات فيها بالطاعون سنة ١١٨٤ هـ (١٧٧٠ م)
*** نشأ المؤلف ميالا الى الادب وكان أبوه منذ طفولته يرغبه فيه ويقوي ميله اليه. فهو يقول: أنه كان بعد أن ينفض سامر أبيه «ويبقى وحده، وليس غيري عنده، وأنا إذ ذاك في العشرة الأولى وهو في العشرة الثامنة، ولم يكن عندي من نفائس الأدب ولا كامنه فيناديني: يا عصام: شنف أسماعنا بديوان البحتري وأبي تمام.
فاجثو بين يديه وأقرأ ما تيسر منهم عليه. وكنت أرى منه ما يبهر العقول ويوقف الفحول، في تقرير الأدب وتعريف أيام العرب، يحرضني على تحصيل المعارف، واقتناء اللطائف، ومطالعة الكتب والدواوين».
فأخذ ينظم الشعر وهو صبي وغلب الشعر والأدب على دراساته الاخرى ولذلك نرى أن الذين ترجموا له وصفوه بالأديب الشاعر. وأثنوا عليه
قال عنه المرادي في سلك الدرر (٣: ١٦١) «الأديب الشاعر البارع المفتن، الناظم الناثر، له في الأدب النوادر الغضة والمحاسن التي هي انقى وأظرف من الفضة».
وقال عنه صاحب منهل الاولياء ص ٢٣٣ «كان فاضلا بارعا وشاعرا ماهرا له مشاركة في كل فن، شعره رقيق ومعانيه كلها رشيقة. بألفاظ
стр. 15
فصيحة، وحسن سبك، وجودة نظم. وانشاؤه أعلى طبقة من نظمه.»
ولم يجمع شعره في ديوان. وقد أورد طائفة كبيرة منه في أثناء كتابه الروض النضر، كما عقد في آخر الكتاب فصلا في مراسلاته النثرية والشعرية. وفي الموصليات شيء ليس بقليل من شعره.
وبعض شعره في مخطوطة (رقم ٤٩) من كتب المرحوم داود الجلبي وهي مجموعة حوت قصائد لعدد من الشعراء منهم المؤلف. وكذلك في شمامة العنبر، وله في آخرها تقريظ مع من قرضها من الشعراء. وفي منهل الأولياء قليل من شعره نقله عن الروض. وكذلك في سلك الدرر.
واكثر شعره في المديح وبعضه في الغزل والخمريات والاخوانيات والتشوق. وقد التزم في كثير من شعره الصنعة الشعرية التي كانت غالبة على الشعر في العصر المظلم من التزام البديع والصناعة اللفظية. وهو يحاول في كثير مما نظم أن يظهر براعته في البديع وأن يعارض في ذلك من سبقه من الشعراء. وقد نظم لاظهار مهارته في الصناعة اللفظية قصيدة في مدح حسين باشا الجليلي على شكل شطرنجي تقرأ على أوجه شتى، التزم فيها قافيتين مطلعها.
هذا الحسين المحتشم ... صدر النوال في الندى
مولى المكارم للامم ... سيف الجلاء في العدى
وهي طويلة تجدها في كتابه الروض النضر والموصليات وله قصيدة أخرى في مدحه ايضا تقرأ على سبعة أوجه. ومع ذلك فقد حاول في بعض شعره أن يتخلص من التزامه بهذه الصناعة اللفظية متأثرا بشعر الشعراء المتقدمين في العصر العباسي وشعراء الأندلس. فخطا بذلك الخطوة
стр. 16
الأولى في سبيل نهضة الشعر العربي التي سارت قدما بعد ذلك في القرن التاسع عشر حين تحول كثير من الشعراء من تقليد شعراء العصر المظلم، وعادوا في ثقافتهم الشعرية الى شعراء العصر العباسي يقلدونهم، وينسجون على منوالهم. كما فعل الشيخ صالح التميمي في تقليده لأبي تمام. والسيد حيدر الحلي في تقليده للشريف الرضي. وعبد الغفار الأخرس في تقليده لمهيار الديلمي. وعبد الغني جميل في تقليده للأموي الأبيوردي.
ومهما يكن من شأن عصام الدين العمري فانه لم يكن بالشاعر المجيد على الرغم من ثناء من ترجم له عليه. فلم يؤت خيالا خصبا يسعفه بالشعر الرائع. ولم يمتلك ناصية اللغة لتروق ديباجته وتروع.
فمعانية مكررة وصوره مبتذلة. وأسلوبه يغلب عليه التكلف، ويبرز فيه أثر الجهد في تركيب الألفاظ وتأليف الجمل، والضعف فيه واضح والركة ظاهرة والحشو كثير. وقد ينزلق فيه الى الخطأ في اللغة والعبارة.
اما نثره فيلتزم فيه السجع ويتجلى في هذه التراجم التي كتبها للأدباء والشعراء في كتابه الروض النضر كما يتجلى في مقامته في التصوف وفي «المناظرة بين الأزهار والمفاخرة بين الشموع والأقمار».
وهو وان كان يبدو أفضل من شعره فانه لا يخلو من عيوب شعره التي ذكرنا.
*** الروض النضر:
ان كتاب «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» يمثل حلقة من
стр. 17
سلسلة المصنفات التي عنيت بتراجم الشعراء المعاصرين وتسجيل أشعارهم على مدى العصور ابتداء بيتيمة الدهر في شعراء أهل العصر لأبي منصور الثعالبي، وقلائد العقيان للفتح بن خاقان عن شعراء المغرب.
وخريدة القصر وجريدة العصر للعماد الكاتب الاصبهاني. ودمية القصر للباخرزي. ووشاح الدمية والذخيرة لابن بسام وعقود الجمان في شعراء هذا الزمان لابي البركات مبارك بن ابي بكر الشعار الموصلي.
وريحانة الالبا وزهرة الحياة الدنيا لشهاب الدين الخفاجي، ونفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة للمحبي. وسلافة العصر في محاسن الشعراء في كل مصر لابن معصوم المدني.
غير ان صاحب الروض لم يتناول في كتابه أدباء الأقطار العربية جميعا وانما اقتصر فيه على ترجمة مائة وثلاثة وعشرين أديبا من أعلام الأدباء في القرن الثاني عشر الهجري، منهم مائة واربعة عشر من أدباء العراق وتسعة من أدباء الروم.
ويذكر المؤلف في مقدمته طريقته في تأليف الكتاب فيقول: إنه «قد أولع بالادب منذ صغره، وكان قد ادخر من نفائس الكنوز ...
من مسودات ومناظرات ومحاورات ومفاخرات، من كل رسالة فائقة ومحاورة رائقة، ومجالس أنيسة، ومباحث نفيسة. فنسخ تلك الأوراق ورتبها وأضاف اليها ترجمة المعاصرين من الأدباء ... وانه حذا فيه حذو الريحانة وقلائد العقيان».
وهذه المقدمة تتفق في معناها وغرضها وطريقة عرضها مع مقدمة النفحة، ومقدمة السلافة. فمقدمات هذه الكتب قد كتبت على
стр. 18
غرار واحد لا اختلاف بينها الا في الفاظها.
وهو مثل صاحب الريحانة، حين يترجم لأدبائه لا يذكر سني ولادتهم ووفاتهم بل لا يكاد يذكر شيئا عن أحداث حياتهم. وانما يصف فضلهم وأدبهم وشعرهم بنثر مسجوع تتساوق فيه أغلب أوصاف المترجم لهم في المعنى والتعبير. ثم يورد شيئا من شعرهم ونثرهم في أغلب الأحوال، وقد يورد أشعار من سبق المترجم له الى ذلك المعنى ويرد المعاني الى مبتكريها، وقد يستطرد فيورد فيه كثيرا من الفوائد الأدبية. ويظهر أنه اعتمد في ذلك على أصحاب كتب البديع مثل ابن حجة الحموي والصلاح الصفدي وكتب تراجم الشعراء ينقل النص منها نقلا او يختصره اختصارا. وهو يذكر المصادر في أحيان قليلة ويغفل ذكرها في أغلب الاحيان، وكل ذلك يدل على اطلاع المؤلف على اشعار القدماء وثقافته الأدبية الواسعة.
والكتاب في جملته سجل لشعر عدد كبير من الشعراء والادباء في العراق ونثرهم في القرن الثاني عشر الهجري. وهو مصدر مهم من مصادر الأدب في هذه الفترة الغامضة في تاريخ العراق الأدبي.
لقد صرح المؤلف في ترجمة محمد امين باشا الجليلي أن «سنة تحرير هذا المؤلف، هو سنة سبعين ومائة والف، من هجرة الرسول ﷺ .
وتختلف نسخ الكتاب فيمن قدم المؤلف كتابه اليه. ففي مقدمة نسخة مكتبة الأوقاف المرقمة (٩٢٨) يقول المؤلف في مقدمة الكتاب: «وقد خدمت به الساحة العلياء، والدوحة العظماء والراحة
стр. 19
الرحباء، ساحة الحضرة العظمى، والسدة الأسمى، وشمس سماء الوزارة، وقمر أفلاك الامارة، دوحة الوزراء، أسعد الوكلاء والمشير الاكرم ... الى أن يقول «زبدة وزراء آل عثمان، ونخبة أمراء هذا الزمان، الفريد الكامل، والأسد الباسل. إمامة سبحة الفرسان حضرة محمد امين باشا، نجل الوزير الغيور، والهزبر الجسور حضرة الحاج حسين باشا، أبقاهما الله ويسرهما لما يحب ويشا، أنار الله بمصباح آرائه ليل الخطوب وأزهرها، ومحا بنور عزمه ظلم الكروب ونورها، بمحمد وآله وأصحابه، السالكين لطرقه وشعابه، ما لاح فجر، وضاء مصباح، وغرد قمري الأنامل على الأقلام وناح، وهو ولي الإجابة فيما دعوت، وهو العون القوي لي فيما نحوت. فعليه اتكالي، وبه عزيمتى واحتفالي».
كما انه يقول في ترجمة محمد امين باشا الجليلي «ألفنا الكتاب بجنابه. وعنونا الدفاتر بسامي ألقابه».
ولكنا نجده في نسخة مكتبة الاوقاف المرقمة ٥٨٩٤ يصرح انه خدم به الصدر الأعظم محمد راغب باشا فقد جاء في المقدمة التي أشرنا اليها من قبل بعد قوله زبدة وزراء آل عثمان: «الذي ماله في الفضائل ثان، ولا في المجد والهمم مدان، سلسبيل ماء الكرم نمو اعضاء شجرة العطاء والنعم، واحد العلم والادب. ومنتهى الآمال والطلب. قبلة الطالب، مجمع المناقب، واحد المآرب، صاحب المحامد والمواهب، أحد رجال هذا الكتاب، الصدر الاعظم محمد راغب، أنار الله بمصباح آرائه ليل الخطوب وأزهرها.
стр. 20
الى آخر المقدمة.
ونجد العبارة التي وردت في ترجمة محمد امين باشا الجليلي قد أصبحت «الفينا الكتائب بجنابه. وعنونا الدفاتر بسامي ألقابه».
فلمن قدم المؤلف كتابه؟ .
اننا اميل الى الظن انه قدم كتابه أول الامر حين انتهى من تاليفه سنة ١١٧٠ هـ الى امين باشا الجليلي، اذ انه كان لا يزال متصلا به حينذاك كما صرح في ترجمته له.
حتى اذا ما انفصل عنه وقاده طموحه الى استانبول اراد ان يتقرب به الى الصدر محمد راغب باشا فبدل الاسم كما بدل جملة «الفنا الكتاب بجنابه» بجملة «الفينا الكتائب بجنابه».
وقد يبدو لاول وهلة ان جملة «الفينا الكتائب» تحريف من الناسخ لجملة «الفنا الكتاب» اذ ان معناها لا يستقيم استقامة «الفنا الكتاب»، ولكنا نجد في سجعات المؤلف كثيرا من امثالها.
ولذلك فنحن اميل الى أنها من تغيير المؤلف ليزيل امام الصدر كل اثر لتقديمه الكتاب الى محمد امين باشا الجليلي من قبل. والذي يقوي هذا الرأي انه لم يذكر في ترجمة محمد راغب ما يشير الى انه الف الكتاب باسمه ولعل ذيوع هذه النسخة المقدمة الى الصدر الاعظم هو الذي حمل كلا من صاحب غاية المرام وصاحب منهل الاولياء على القول «أنه جعله باسم الوزير الاعظم محمد راغب باشا وتحفة له».
***
стр. 21
وتوجد من مخطوطات الكتاب
١ - نسختان في مكتبة الاوقاف العامة ببغداد سنأتي على ذكرهما
٢ - نسخة في المتحف البريطاني برقم ١١١٠
٣ - نسخة في خزانة برلين (فهرست آلورد برقم ٧٤٣٠) ومخطوطات برلين محفوظة اليوم في خزانة جامعة توينجن. وعن نسخة برلين هذه صور معهد المخطوطات العربية نسخة ذكرها فؤاد السيد «فهرس المخطوطات المصورة» الجزء الثاني («التاريخ» القسم الثالث. الرقم ١٠٨٠) وقد كتب الاصل في القرن الثاني عشر للهجرة.
٤ - نسخة في خزانة السيد حسن الصدر في الكاظمية تاريخها ١١٧١ هـ؟ ؟ ذكرها الدكتور حسين علي محفوظ في «مجلة معهد المخطوطات العربية» (٤ «١٩٥٨» ص ٢٤٢ الرقم ٤٢).
٥ - نسخة في خزانة الاستاذ عباس العزاوي
٦ - نسخة كانت لدى الشيخ ابراهيم الدروبي بخطه لا يعرف مصيرها
٧ - نسخة في خزانة المرحوم احمد ناظم العمري في الموصل. يقال انها بخط المؤلف وقد حاولنا الوقوف عليها فلم يتيسر لنا ذلك ثم اخبرني بعض الاصدقاء الذين وقفوا عليها انها ليست بخط المؤلف.
*** وقد اعتمدنا في تحقيق الكتاب على نسختي مكتبة الاوقاف العامة ببغداد.
стр. 22
والنسخة الاولى برقم ٩٢٨، حجمها ٢٤* ١٥ سم، وعدد اوراقها ٣٦٩ ورقة وليس فيها ما يدل على تاريخ كتابتها ولا اسم كاتبها وهي مكتوبة بخط نسخي جميل.
وقد كتب في أعلى الصفحة الاولى التي تحتوي الفهرس «تاريخ التأليف سنة ١١٧٠ محرر في ورقة ١٥٣.
وفي اعلى الصفحة الثالثة ختم مدور فيه «هذا الكتاب وقف المرحوم الحاج محمد امين افندي الكهيا في بغداد سابقا على كتبخانة جامعه الواقع في محلة دكان شناوة.
ونجد نفس هذا الختم في هامش الورقة ١٨٣ - ب كما نجده في هامش الورقة ٣٦٧ - ب أيضا.
وفي منتصف الصفحة الثالثة مكتوب بخط جميل «هذا الكتاب وقف المفتي محمد امين الكهيا (انظر الختم في الورقة ١٨٣/ ب)».
*** والنسخة الثانية رقمها ٥٨٩٤، وحجمها ٢٦* ١٩ سم. وعدد اوراقها ٣٧٢ ورقة. وهي مكتوبة بخط نسخي جميل أيضا. وليس في النسخة ما يدل على تاريخ كتابتها ولا اسم كاتبها. وما ذكره المرحوم الدكتور أسعد طلس في «الكشاف عن مخطوطات خزائن كتب الاوقاف» أنها كتبت ١١٧١ هـ. وهم منه. فالتاريخ المذكور ليس تاريخ كتابة النسخة وانما هو تاريخ تقريظ فتح الله الشريف المتولي للكتاب، وقد ذكرت نفس السنة في تقريظ محمد بن مصطفى بن علي بن غلام. كما
стр. 23
ذكرت هذه السنة في تقريظ قاسم الرامي للكتاب أيضا. وهي السنة أخرج فيها المؤلف كتابه للناس. وهذه السنة نفسها مذكورة في التقاريض في النسخة الاولى المرقمة ٩٢٨.
وفي أعلى الورقة الاولى كتب «الروض النضر» وكتب اسفل منه منحرفا الى الاعلى البيتان
جاءت تفتر عن الجوهر ... هيفاء بمقلتها تسحر
كتب الرحمن على فمها ... انا اعطيناك الكوثر
وفي وسط الصفحة ختم كبير مدور كتب فيه من مواهب ذي الفيض المدرار سيد حسني بن العطار الفقه والآثار.
وتحت الختم كتب «الموال» الآتي منحرفا الى الاعلى.
هنا طيور السعد والجو صاحبنا ... العزما يوم صوط الذل صاحبنا
لله فضل من العوجات صاحبنا ... السيف يشهد لنا والماضيات الحرب
نهجم على القوم لو كانوا قبائل حرب ... نكسر خشوم العدا واندوس نار الحرب
وانجود بارواحنا لعيون صاحبنا
وفي الصفحات الثانية والثالثة والرابعة والخامسة فهرست الكتاب جاء في آخره عدد الرجال ١٢٣ وأسفل منه الخاتمة فيما وقع لنا من المراسلات ثم آخر الكتاب فيما وقع في التقاريض عليه.
وقد تملك هذه النسخة المرحوم نعمان الالوسي فقد كتب في هامش
стр. 24
الصفحة الخامسة «اشتريته في اسلامبول المحمية وأنا الفقير الى رب البرية نعمان بن السيد محمود أفندي آلوسي زاده مفتى الحنفية ببغداد صانها الله عن الفساد سنه ١٢٩٥»
وتحت ذلك «لمحرره على آلوسي زاده في مدح هذا الكتاب.
ان تبتغي منتزها ... يا ذا الفؤاد المنحصر
بادر الى منتزه ... يدعونه الروض النضر
سنة ٢٩٧ (كذا)
وقد جاء في الورقة التي بعدها ما يلي: لمحرره الفقير السيد علي الالوسي زاده سنة ٩٩.
وغزال نرجسي العين اضحت ... عينه النجلاء يا لله رمدا
فلحاني عاذلي منذ رآها ... قلت دعني قد غدا النرجس وردا
وله عفي عنه:
وقائلة ما بال دمعك أحمرا ... فقلت لها قد جفف الحب مدمعي
وذي كبدي ذابت أسى فتصاعدت ... لعيني فسالت فوق خدي كأدمعي
وله غفر له:
قلت للخال بصحن ال ... خد اذ لاح محبر
انت يا اسود عبد ... قال لا بل أنا عنبر
وله أيضا:
اذا فئة العذال يوما تجمعوا ... وراموا سلوي عن حبيب يواسيني
تحصنت عنهم بالصبابة والهوى ... وعوذت نفسي من لقاهم بياسين
стр. 25
وله ايضا في الزمان:
إن الزمان لئيم ... ولؤمه في خباثه
يحب خفض الأعالي ... برفع أهل الدياثه
وله ارتجالا:
قالوا طلبناك حينا ... ولم تك قط تحضر
فقلت خلوا عتابي ... الاجتماع مقدر
ويوجد في الورقة الاولى من بدء الكتاب ختمان متشابهان كتب فيها وقف المكتبة النعمانية في المدرسة المرجانية ببغداد ١٣١٧.
وقد اطلقنا على هذه النسخة في الحاشية نسخة «ب» اختصارا كلما دعت الحاجة الى الاشارة اليها.
*** والمخطوطتان جيدتان، حسنتا الخط، لا اختلاف بينهما الا فيما اشرنا اليه من اهداء، والا فيما يمكن أن يجري من خطأ يرتكبه ناسخان مختلفان في الاملاء وتصحيف الكلمات. ولذلك فقد وجدنا أن الاعتماد عليهما يكفي لنشر الكتاب وتقويم نصه تقويما صحيحا. ولم نجد ما يدعو الى جمع النسخ الأخرى، فلن يعود ذلك على الكتاب بنفع، بل قد يزيد النشر عسرا، اذ يضطرنا الأمر الى أن تتضخم الحاشية بالاشارة الى الاخطاء التي لا بد أن يرتكبها النساخ حين ينسخون الكتاب.
والله نسأل أن ينفع به. وله الحمد على توفيقه
سليم النعيمي
стр. 26
مقدمة [المؤلف]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي نزه العيون في محاسن المعارف، وسرح الجفون في رياض الأدب. رياض تحاكى الروض النضر، وأزاهير تشاكل حسان العصر، قد البت أصناف اللطائف، وجمعت ضروب الأدب. فكم حديقة قد حدقت بصنوف شقائقه فرقت وراقت، وكم جنة تزخرفت بنور أنوار أزهاره فتاقت وفاقت. فيا لله ما ارفع منار الأدب قدرا. وما أوسع أمة الكمال (١) صدرا. يعطي المتعاطي به على أقرانه امتيازا، ويرفعه على أبناء عصره وأوانه حقيقة ومجازا. فيكسب من ورود مناهله العذبة فضلا وكمالا، ويحوز في ارتضاع ثديه الشهدي المذاق مجدا وجلالا. فمورده الصافي الشهي أعذب الموارد، والوصول إلى كنه ذاته الضافي البهي غاية المآرب والمقاصد.
أحمده حمدا على نعم لا تفنى من معادن المعارف دررها، ولا تأفل من جباه وجوه العوارف غررها. واشكره على ما خصنا به من الخوض في بحور بديع البيان والمعاني، وإرسال العنان في حلبة ميدان المكارم ومعجز الألفاظ من غير توقف
стр. 27
وتواني. حتى جعل ضوامر صافناته العتاق تحت طوعنا فنغير بها على حصون المعال، ونطلق أزمة أعنتها من غير توقف على بطون اليراعة ومتون الكمال. فانقاد أصعبه إلينا انقياد العبد الطائع، واستطعنا له نقبا بعد أن كان كالسد المانع. فكل روضة من رياضه بانبات شقايقنا أنيقة، وكل جريدة من صحف معجزاته بإثبات دقائقنا وثيقة. فما من صك إلا وقد تصدر بختمنا، وما من سجل إلا وقد افتخر برسمنا. فهو الآن بدوننا بلا واسطة، ريشة بمهب الريح ساقطة.
ونهدي من الصلاة ما راق، ومن السلام ما فاق، ومن التحية ما علا، ومن الاثنية ما غلا. إلى السيد الذي رفع رتبة الأدب إلى هام الجوزاء، وشيد بروج حصونه فشاكلت الثريا وشاكهت السماء. أوتي جوامع الكلم وفصل الخطاب، فغرفنا على قدر الطاقة البشرية من ذلك البحر العباب. فهو العلة الغائية في ظهور الوجود وإيجاد الكمالات في عالم الشهادة، وهو الذي حصلت بشرف ذاته إلى أرباب الأدب أنواع المكارم وأصناف السعادة. نور العالم. مادة حياة أبينا (١) آدم، محمد ﷺ . وعلى آله الذين تفتحت لهم كمائم زهره الوضاح، وتحلت عقود عهودهم النيرة في كل مصباح. وصحبه الذين (٢) اكتسبت منهم أيدي المنى بشاشة الأرواح. ولا زال وبل الرحمة
стр. 28
متقاطرا (١) عليهم، ولا برحت ديمة اللطف منساقة إليهم، ما لفظت الأقلام بدائع الحكم، وظهر الأدب ظهور النار على علم.
وبعد، فيقول العبد الفقير إلى لطف ربه الغني، عثمان الملقب بعصام الدين بن علي بن مراد بن عثمان العمري الموصلي:
أني منذ رتعت وعلمت نفسي، وبرعت وميزت بين يومي وأمسي. يعني منذ لفظني المهد وكنت صبيا، إلى أن صرت في مدائن الأدب هاديا والى معالمها مهديا، ارضع من ثديه ما در وحلا، وساغ مذاقه لكل الملأ. فاركب من متونه كل صعب وذلول، وأطرق من مسالكه الوعرة شعاب الأطواد والتلول.
حتى اهتديت إلى ناهج طريقه الأقوم، وعبرت إلى معارج تدقيقه الأجسم. فما عبرت طريقا من طرقه إلا وأنا العابث في وهاده، ولا اجتمع اثنان إلا وأنا الثالث في عقد عداده.
فكل روض له بنا ازهر، وكل ليل له بضيائنا أقمر. أنسر بمعاطاة أقداحه كل حين، والتقط من فرائد نثاره النفيس والثمين. فأنا نسيم روضها العاطر العليل، وسلسبيل حوضها الماطر البليل. وديمتها الهاطلة الماطرة، وسحابتها المتقاطرة الزاخرة متولعا باكتساب فوائدها التي لا تحصى، ومعتنيا بانتخاب عوائدها التي لا تستقصي. ففي ذلك الوجد الوافر، والشغف الذي ما له آخر. كنت أتضوع بنفيس طيبه، وأتغزل برقيق النظم وتشبيبه. وانظم فيه عقدا وجمانا، واستخرج من قعر
стр. 29
بحاره لؤلؤاً ومرجاناً. فكل يوم بواد، وكل حين بناد.
لنا نفوس لنيل المجد عاشقة ... ولو تسلت أسلناها على الأسل
لا ينزل المجد الا في منازلنا ... كالنوم ليس له مأوى سوى المقل
انظم فيها، واستخرج خوافيها، وافتح مقفلاتها، وافض الختم عن معضلاتها. فمضت على ذلك أيام، وانقطع عني (١) ذلك ذلك الشوق اللهام، لعوائق وحوادث عاقت، وموانع ظهرت وظهورات تلاقت. اعتزلت عنه حينا من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، فظن أرباب هذه الصناعة أني لم أجد إلى هذا الباب مدخلا ولا إلى هذا البحر عبورا.
عجب الناس في اعتزالي وفي ال ... أطراف تلقى منازل الأشراف
وقعودي عن التقلب في الأر ... ض لمثلي رحيبة الاكناف
ليس عن فايت بلغت مداها ... غير أني امرؤٌ كفاني كفافي
وقد كنت ادخرت لمثل هذا اليوم، ما هو في العمل المثاب كالصوم. من نفائس المكنوز والمدخر، حتى يكون لأولى النهى كالمنتظر (٢). من مسودات مناظرات ورسائل، ومحاورات
стр. 30
ومفاخرات ووسائل. شاملة لتلك الفوائد، نفيسة بتلك الخرائد لذيذة بتلك الموائد. من كل رسالة فائقة، ومحاورة رائقة.
ومجالس أنيسة، ومباحث نفيسة. أرق من السحر الحلال، وأعذب من الماء العذب الزلال. ولما غلب عليهم الوهم، وظن بي وإن بعض الظن إثم، أني قد رفضت الأدب، وانتحيت عن سنة فصحاء العرب، أحببت أن أنسخ تلك الأوراق، وأضم أصول تلك الأعراق. وأرتبها ترتيبا يحسن بها الجمع، وتكون للأديب موضع النطق والسمع. لتحصل في الفوائد مطبوعة، وكالفرائد مصبوغة مصنوعة، وكالشهب متفرقة مجموعة.
مضيفا إليها ترجمة المعاصرين، الذين هم لعناقيد كروم الأدب عاصرين، ولأثمار غصون البلاغة هاصرين. معتصما فيها من الخطأ والزلل، والله المعين على القضاء إذا نزل. وقد حذوت فيها حذو الريحانة (١) وصاحب القلائد (٢)، وجمعت فيها النادر من النظم والرائق من الفرائد. وإن شط المزار، ولم تتناسب الآثار. لكن الشاعر مشغوف بشعره، والجميل بذوائبه وشعره.
فمن عذر انصف، ومن عذل أسرف (٣)، فالجواد قد يكبو، والزناد قد يخبو، والصارم قد ينبو (٤)، وقد سميتها الروض
стр. 31
النضر في ترجمة أدباء العصر.
وقد خدمت به الساحة العلياء، والدوحة العظماء، والراحة الرحباء. ساحة الحضرة العظمى، والسدة الأسمى، شمس سماء الوزارة، قمر أفلاك الإمارة، أوحد الوزراء، أسعد الوكلاء. المشير الأكرم، والدستور الأعظم، قامع الجبابرة قاصم القياصرة. آدب الأدباء، أعظم الملوك الفضلاء. غيث سماء الجلالة، ليث غاية البسالة. المفضال لمواليه، المغوار على أعاديه. نامي الوجود، سامي السعود. القرم القمقام، الصنديد الصمصام. حامي الغزاة، ما حي الطغاة. قاهر الأعادي، قاسم الأيادي. مجد الإسلام، ملجأ الأنام. غرة أيام الملوك الأعالي، طراز أكمام المكارم والمعالي.
هو الملك الجعد الذي في ظلاله ... تكف صروف النائبات وتصرف
طلاقة وجه في مضاء كمثلها ... يروق فرند السيف والحد مرهف
على السيف من تلك الشهامة مبسم ... وفي الروض من تلك الطلاقة زخرف
صاحب المجد الاثير، والسحاب المطير. والمحامد والميامن، والمآرب والمحاسن. والأنواء والأنوار، والمبار والمسار.
والصباح والصلاح، والسخاء والسماح. والبذل والنوال، والنجح والآمال. والظبا (١) والبواتر، والعلى والمآثر. والسيف
стр. 32
المصقول، والنصل المسلول. والشهم الكبير، والعادل النحرير والمشار الذي ما له نظير.
وزير لم يزل للمجد باني ... يؤسس (١) للمكارم في الزمان
الغيث الهاطل (٢)، والهمام الباسل، والواحد الذي ماله مماثل.
العظيم الشان، البليغ العنوان، والكثير الإحسان، زبدة وزراء آل عثمان (٣)، ونخبة أمراء هذا الزمان. الفريد الكامل، والأسد الباسل. امامة سبحة الفرسان، حضرة محمد أمين باشا، نجل الوزير الغيور، والهزير الجسور حضرة الحاج حسين باشا أبقاهما الله ويسرهما لما يحب ويشا. أنار الله بمصباح آرائه ليل الخطوب وأزهرها، ومحا (٤) بنور عزمه ظلم الكروب ونورها.
بمحمد وآله وأصحابه، السالكين لطرقه وشعابه. ما لاح فجر وضاء صباح، وغرد قمري الأنامل على أيك الأقلام وناح.
وهو ولي الإجابة فيما دعوت، وهو العون القوي لي فيما نحوت. فعليه اتكالي، ويه عزيمتي واحتفالي. ومما قلت فيه.
وما زلت سهماً للمصائب كلها ... رمتني يد الأقدار من كل جانب
стр. 33
بغيضا لهذا الدهر حتى تعلقت ... يميني بمن حاز العلا بالقواضب (١)
متين العرى رحب القرى ضيغم الشرى ... أبو المجد والجود الذي كالسحائب
فلما رآني الدهر إن قد تعلقت ... يداي بطود في المكارم راسب
رأى جبلا لا يرتقي ومعالما ... تجود على رفادها بالجنائب
لديها الثريا كالثراء وهامها ... إلى القطب زهواً بين تلك الكواكب
فتى جبلا في المكرمات وأبحرا ... إلى البذل بدرا في ظلام الغياهب
فقال إذاً دم بالمسرة والهنا ... وكن في أمان من سهام المصائب
***
стр. 34
بيت العمرية
ومن البيوت العامرة في بلدتنا الحدباء بيتنا العمرية.
نسب كان عليه من شمس الضحى ... نوراً ومن فلق الصباح عمودا
وإذا سرحت الطرف حول فنائه ... لم تلق إلا نعمة وحسودا (١)
بيت غرست نبعته في ساحة المجد والكرم، وانتشت شباته في ذرى الفضل والنعم. تسابقوا في ميدان الكمال فالأهم مقدم.
توارثوا الفضائل عن أب وجد وكل نالها، واستمسكوا بهذه العروة التي لا انفصام لها.
*** أما الجد المشهور، ذو الفضل المأثور، الحاج قاسم ونجله علي (٢)، ففضلهم معروف. وجدهم علي، وعمر (٣)،
стр. 35
وأبو بكر (١) ويحيى (٢) وفتح الله (٣) وأحمد (٤) ففضلهم لا ينكر، ورداء مجدهم في ربيع المكارم اخضر. معلومو (٥) المحل والمقام، وطرة كمالهم منسدلة على طلعة الليالي والأيام.
стр. 36
مراد العمري (١)
وأما الجد القريب مراد، صاحب الحيثية والاستعداد. فهو البحر الزاخر، والغمام الهموع المتقاطر. ربيع الحكم وصاحب المجد والكرم. روض الإفادة وغصن ساحة الكمال والسعادة. أمام فن العربية وترجمان لسانها، وعين أعيان البلاغة وإنسان إنسانها (٢).
لا ترجون له المثيل فإنه ... شمس الهدى وعناية الآداب
أحيا أموات العلوم، وعمر ربع المنثور والمنظوم. ملأ (٣) بآدابه جنبات الأرض، ونشر لواء فضله في طولها والعرض.
جال في ميدانها، واسترق أدباء عصرها وأوانها، صارم العزم، حاضر الحزم، ساري الفكر ثبت المقام، صلب العود، تهادت أهل العلوم، بفضله المرسوم. فتحقيقاته كثيرة حقيقة، وتدقيقاته غزيرة أنيقة. وتعاليمه رايقه، وتصانيفه فائقة. فضله ظاهر، وقد تعاطت سلافة أدبه الأكابر والأصاغر.
ومما أخبرني الوالد عن أبيه هذا الكريم الماجد قال: كان في
стр. 37
علوم العربية فريد الزمن، وآثاره الآن دالة على توغله في كل فن. أمة بالحديث (١) وعلامة بالتفسير، مرجع في كليهما للقليل والكثير. كأنه روض هذه العلوم الذي اعتدلت اسطاره، وابتسمت في حدائقه من أكمامها أنواره. قد منع الشمس من فضله ان ترمق ثراه، وعن أن تدرك خيال كماله في مروره ومسراه. وقد شهدت له بذلك الفضل ليالي وأيام، وتلت محاسن مواهبه الزاهية محابر وأقلام، وتعليقاته على المشارق نعم الأثر، وهو الذي يرشدك إلى صحة هذا البيان وثبوت هذا الخبر. وقد اثبت من نظمه الساطع، ما هو لكماله برهان قاطع. فمن شعره قوله:
بح بالغرام فما عليك ملام ... إن التستر بالغرام حرام (٢)
واترك ملامة لائم في حبه ... إن الملامة في هواه هيام
كيف التعرض للسلو وصده ... برء ووصل سواه لي أسقام (٣)
ذكر العلامة إبراهيم بن حيدر (٤) في كتابه الملهمات، فيما نقل من أن ملاحظة الخيال، ألطف من مشاهدة الوصال، بل
стр. 38
الوصال إذا لم يكن مراد المحبوب، فهو عندهم على الحقيقة غير مطلوب، والفراق ألذ من الوصل لأنه مراد المعشوق، والوصال مراد العاشق المشوق، وحصول مراد المعشوق على كل حال، هو عند العاشق غاية الطلب ونهاية الآمال. وقد قيل في هذا المعنى:
أريد وصاله ويريد هجري فأترك ما أريد لما يريد وفي البيت المذكور ما يفيد ذلك.
ومن القصيدة المذكورة:
كيف التخلص من محاسنه التي ... فيها لأرواح الكماة حمام
فالطرف يرمي بالنبال ولحظه ... قد سل للعشاق منه حسام
وبقده الخطي أوهن مهجتي ... وحشاشتي فكلاهما أوهام
بالروح أفدي من إذا أبصرته ... لم أستطع ولهاً عليه سلام
ما لابن مقلة صاد مقلته ولا ... مثل العذار بما تحفظ لام (١)
بين السيوف المرهفات وجفنه ... عهد على سفك الدماء دوام
أأروم من كلفي عليه تخلصا ... هيهات ذاك جرت به الأقلام
أو كيف تخل من الصبابة مهجتي ... ولنارها في الخد منه ضرام (٢)
стр. 39
هذا البيت لطيف جدا في بابه زائد على بيت ابن النبيه (١) في قوله من قصيدة مدح بها الملك الأشرف موسى (٢) ومطلعها:
صن ناظراً مترقباً لك ان ترى ... فلقد كفى من دمعه ما قد جرى (٣)
يا من حكى في الحسن صورة يوسف ... واهاً لو انك مثل يوسف تشتري
والبيت المطلوب منها:
تعشو العيون لخده فيردها ... ويقول ليست هذه نار القرى
فإنه زاد على هذا نكتة لطيفة لا تخفي على المتأمل، إذ ما على خده من النار المضرمة إنما هي مستعارة من قلبه الذي هو منزله ومكانه. وأما بيت ابن النبيه فخلاصة ما فيه النار فقط (٤).
ومثله للشيخ تقي الدين (٥) قوله:
стр. 40
وطال علينا الستر في ليل شعرها ... فهنا كانا قط لم نعرف الفجرا
ولكن بأعلى خدها رفعت لنا ... من النار في الظلماء ألوية حمرا
*** ومن القصيدة المذكورة:
فاقت بدور التم طلعة وجهه ... فله عليها للطلوع ذمام
فإذا تبدى أو ترنح شاديا ... فالليل صبح والغصون حمام
وإذا رنا أسباك من ألحاظه ... سحر له هاروت فيه غلام
لله أي سويعة قضيتها ... فكأنها من طيبها أحلام
نادمته والعيش برد نعيمه ... صاف وما للحادثات نظام
أبرا بلذة أنسه وكلامه ... قلباً برته من الصدود كلام
في روضة عبق النسيم بطيبها ... وتفتحت عن نورها الأكمام
صدحت بلابلها على أغصانها ... فنمت لطيب سماعها الأجسام
كأنه أشار بهذا البيت إلى ما قاله مروان بن أبي حفصة (١) إن الغناء غذاء الأرواح، كما إن الشراب غذاء الأشباح، وذلك لأن أصوات البلابل والحمائم ونحوها يختلف باختلاف السامع، فمنهم من جعله غناء، ومنهم من جعله عناء. إذ الإيقاعات المطربة لها في النفوس منزلة وتأثير عجيب، وموقع لطيف في تصفية الذهن، وتفريج القلب، وجلب السرور حتى قال بعضهم: أن أمهات لذات النفوس اربعة: لذة المطعم والمشرب