← Тараджим

Тараджим · id 13226

الروض النضر في ترجمة أدباء العصر

عصام الدين العمري

Полный текст (1 258 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مراد العمري (١) وأما الجد القريب مراد، صاحب الحيثية والاستعداد. فهو البحر الزاخر، والغمام الهموع المتقاطر. ربيع الحكم وصاحب المجد والكرم. روض الإفادة وغصن ساحة الكمال والسعادة. أمام فن العربية وترجمان لسانها، وعين أعيان البلاغة وإنسان إنسانها (٢). لا ترجون له المثيل فإنه ... شمس الهدى وعناية الآداب أحيا أموات العلوم، وعمر ربع المنثور والمنظوم. ملأ (٣) بآدابه جنبات الأرض، ونشر لواء فضله في طولها والعرض. جال في ميدانها، واسترق أدباء عصرها وأوانها، صارم العزم، حاضر الحزم، ساري الفكر ثبت المقام، صلب العود، تهادت أهل العلوم، بفضله المرسوم. فتحقيقاته كثيرة حقيقة، وتدقيقاته غزيرة أنيقة. وتعاليمه رايقه، وتصانيفه فائقة. فضله ظاهر، وقد تعاطت سلافة أدبه الأكابر والأصاغر. ومما أخبرني الوالد عن أبيه هذا الكريم الماجد قال: كان في

стр. 37

علوم العربية فريد الزمن، وآثاره الآن دالة على توغله في كل فن. أمة بالحديث (١) وعلامة بالتفسير، مرجع في كليهما للقليل والكثير. كأنه روض هذه العلوم الذي اعتدلت اسطاره، وابتسمت في حدائقه من أكمامها أنواره. قد منع الشمس من فضله ان ترمق ثراه، وعن أن تدرك خيال كماله في مروره ومسراه. وقد شهدت له بذلك الفضل ليالي وأيام، وتلت محاسن مواهبه الزاهية محابر وأقلام، وتعليقاته على المشارق نعم الأثر، وهو الذي يرشدك إلى صحة هذا البيان وثبوت هذا الخبر. وقد اثبت من نظمه الساطع، ما هو لكماله برهان قاطع. فمن شعره قوله: بح بالغرام فما عليك ملام ... إن التستر بالغرام حرام (٢) واترك ملامة لائم في حبه ... إن الملامة في هواه هيام كيف التعرض للسلو وصده ... برء ووصل سواه لي أسقام (٣) ذكر العلامة إبراهيم بن حيدر (٤) في كتابه الملهمات، فيما نقل من أن ملاحظة الخيال، ألطف من مشاهدة الوصال، بل

стр. 38

الوصال إذا لم يكن مراد المحبوب، فهو عندهم على الحقيقة غير مطلوب، والفراق ألذ من الوصل لأنه مراد المعشوق، والوصال مراد العاشق المشوق، وحصول مراد المعشوق على كل حال، هو عند العاشق غاية الطلب ونهاية الآمال. وقد قيل في هذا المعنى: أريد وصاله ويريد هجري فأترك ما أريد لما يريد وفي البيت المذكور ما يفيد ذلك. ومن القصيدة المذكورة: كيف التخلص من محاسنه التي ... فيها لأرواح الكماة حمام فالطرف يرمي بالنبال ولحظه ... قد سل للعشاق منه حسام وبقده الخطي أوهن مهجتي ... وحشاشتي فكلاهما أوهام بالروح أفدي من إذا أبصرته ... لم أستطع ولهاً عليه سلام ما لابن مقلة صاد مقلته ولا ... مثل العذار بما تحفظ لام (١) بين السيوف المرهفات وجفنه ... عهد على سفك الدماء دوام أأروم من كلفي عليه تخلصا ... هيهات ذاك جرت به الأقلام أو كيف تخل من الصبابة مهجتي ... ولنارها في الخد منه ضرام (٢)

стр. 39

هذا البيت لطيف جدا في بابه زائد على بيت ابن النبيه (١) في قوله من قصيدة مدح بها الملك الأشرف موسى (٢) ومطلعها: صن ناظراً مترقباً لك ان ترى ... فلقد كفى من دمعه ما قد جرى (٣) يا من حكى في الحسن صورة يوسف ... واهاً لو انك مثل يوسف تشتري والبيت المطلوب منها: تعشو العيون لخده فيردها ... ويقول ليست هذه نار القرى فإنه زاد على هذا نكتة لطيفة لا تخفي على المتأمل، إذ ما على خده من النار المضرمة إنما هي مستعارة من قلبه الذي هو منزله ومكانه. وأما بيت ابن النبيه فخلاصة ما فيه النار فقط (٤). ومثله للشيخ تقي الدين (٥) قوله:

стр. 40

وطال علينا الستر في ليل شعرها ... فهنا كانا قط لم نعرف الفجرا ولكن بأعلى خدها رفعت لنا ... من النار في الظلماء ألوية حمرا *** ومن القصيدة المذكورة: فاقت بدور التم طلعة وجهه ... فله عليها للطلوع ذمام فإذا تبدى أو ترنح شاديا ... فالليل صبح والغصون حمام وإذا رنا أسباك من ألحاظه ... سحر له هاروت فيه غلام لله أي سويعة قضيتها ... فكأنها من طيبها أحلام نادمته والعيش برد نعيمه ... صاف وما للحادثات نظام أبرا بلذة أنسه وكلامه ... قلباً برته من الصدود كلام في روضة عبق النسيم بطيبها ... وتفتحت عن نورها الأكمام صدحت بلابلها على أغصانها ... فنمت لطيب سماعها الأجسام كأنه أشار بهذا البيت إلى ما قاله مروان بن أبي حفصة (١) إن الغناء غذاء الأرواح، كما إن الشراب غذاء الأشباح، وذلك لأن أصوات البلابل والحمائم ونحوها يختلف باختلاف السامع، فمنهم من جعله غناء، ومنهم من جعله عناء. إذ الإيقاعات المطربة لها في النفوس منزلة وتأثير عجيب، وموقع لطيف في تصفية الذهن، وتفريج القلب، وجلب السرور حتى قال بعضهم: أن أمهات لذات النفوس اربعة: لذة المطعم والمشرب

стр. 41

والنكاح والسماع. فالثلاثة الأولى لذات (١) جسمانية، ولا يتوصل إلى واحدة منها إلا بحركة تكلف. ولذة السماع نفسانية، ونشوة روحانية (٢)، تدب في البدن، وتسري في الروح من غير تكلف فتنمي الأرواح كما تنمي الأشجار. وأصوات الحمائم من هذا القبيل وفي تسميتها غناء قال ابن عبد الظاهر (٣): نسب الناس للحمامة حزنا ... وأرى في الشجي ليست كذلك خصبت كفها وطوقت الجيد ... وغنت وما الحزين كذلك ومثله كثير. ومنها: في ساعة سمح الزمان بطيبها ... وتفضلت بصفائها الأيام والكأس في يده تدار وبيننا ... تب به لصدا القلوب رهام من خمرة مثل الشموس وكأسها ... بدر إذا ما زال عنه غمام ومثل هذا التشبيه كثير كقول بعضهم: رأيت الحميا في الزجاج بكفه ... فشبهتها بالشمس في البر والبحر ومنها: وبمزجها تبدو نجوم سمائها ... من فوقها أنى يكون ظلام حلت لنا وجلت فليس بشربها ... إثم ولا عنها يقال حرام هذا لعمري للمحب هو المنى ... وهو الحياة وغيره أوهام ***

стр. 42

علي العمري أبو الفضائل (١) نجله الوالد علي صاحب الفضل العلي: نشأ في حجر الشرف والافتاء، فبلغ من الكمال مالا بلغته الفضلاء، تفرد في كل فن وفاق أبناء العصر والزمن. فهو مركز قطب فلك المعال، وشمس سماء الفصاحة والكمال. له فضائل

стр. 43

ومآثر، لا تحيط بها الكتب والدفاتر. لسانه فصيح، وميدان كماله فسيح. قضى عمره بتعاطي كئوس الفضائل، فتسامرت بحديث فضله وفضل حديثه الأندية والمحافل. ورد مناهل الكرم، فكان سحاب الفضل وديمة النعم. فالأدب مدينة وعلي بابها، وما في زمانه فضيلة إلا وإليه انتسابها. شرح الفقه الأكبر، في مذهب الإمام الأعظم الأفخر، عمان العرفان، أبو حنيفة النعمان. كتاب في سرائره سرور ... مناجيه من الأحزان ناجي فكم معنى بديع تحت لفظ ... هناك تزاوجا أي ازدواج وله من الآثار، شرح الآثار (١). بكلام لو أن للدهر سمعا ... مال من حسنه إلى الإصغاء هذا وكان حفه الله بغفرانه، وأسكنه بحبوحة جنانه، ميالا للأدب وأربابه، متمسكاً في الغاية بتحصيل أسبابه. يهتز لأبياته طربا، ويدفع بتلميحاته أحزانا وكربا. يقتطف لأزهاره وينتعش بأنواع نثاره. فناديه على الصباح مجمع العلماء، ومعدن الفضلاء، ومرتع الأدباء. يقري لكل فن، ويطوق بدر تقريره جيد الزمن. فتفسير القاضي (٢) أنيسه، والكشاف (٣) جليسه.

стр. 44

وسعدي (١) في لسانه، والبخاري من جملة بيانه. ثم أثر ذلك يفكه بنوادر الأدب، ودواوين دهاة العرب. وبعض أشعار البلغاء، وطبقات الأدباء. كالتحفة (٢) والأطباق (٣) والمفاكهة (٤)، والأطواق (٥). وتنتشر الرجال، كأقمار الليال. ويبقى وحده، وليس غيري عنده. وأنا إذ ذاك في العشرة الأولى وهو في العشرة الثامنة، ولم يكن عندي من نفائس الأدب ولا كامنه. فيناديني يا عصام، شنف أسماعنا بديوان البحتري وأبى تمام. فاجثو بين يديه، وأقرأ ما تيسر منهم عليه. وكنت أرى منه ما يبهر العقول، ويوقف الفحول، في تقرير الأدب، وتعريف أيام العرب. يحرضني على تحصيل المعارف، واقتناء اللطائف. ومطالعة الكتب والدواوين، لكون ذلك سيرة آبائه الغر الميامين. هذا وأيامه كلها أعياد ومواسم، وأوقاته بأجمعها ثغور

стр. 45

بواسم. قد انقادت الدنيا لديه، وأقبلت بكليها عليه. مع كثرة خدم، وتضاعف حشم. وتعدد أولاد وذراري، ووفرة غلمان وجواري. ولم تشغله عن مجده، او تؤخره عن رشده. قد اتخذ الفضل صناعة، وصحبة الكمّل خير بضاعة. فله على بهذا حقوق، لم تقبل العقوق. جزاه الله عنا خير الجزاء الجسيم، في جنان الخلد والنعيم. فمن جملة آثاره، والسكر المكرر من نثاره، قوله يمدح شيخ الإسلام فيض الله: خد تورد بارتشاف الأكؤس ... فرنت لواحظه بطرف أنعس أم ذا احمرار بان في وجناته ... وأظن أورثه لهيب تنفسي أم ذا شقيق الحسن أحمر ساطع ... أوراقه آس العذار المغرس أم غادة حسرت قناع جمالها ... فبدت بواتر لحظها المتنكس قد زادها عجباً رحيق شبابها ... فغدت تقابلنا بثغر ألعس هيفاء قد لعب الجمال بعطفها ... وكساها تاج الحسن أفخر ملبس لا شك طرتها الأصيل وفرقها ... صبح تبلج عن ظلام مغلس أو روضة عبث النسيم بزهرها ... وكساها وقع الطل حلة سندس فبدت بها الأشجار شبه عرائس ... تحكي ببهجتها الجواري الكنس رقصت بلابلها على أغصانها ... طرباً لبهجة وردها المتورس فالياسمين معانق قضبانها ... قد قلدته حمائلا من سندس أما الشقيق فشققت أطواقه ... والخال في فيه كمسك أنفس والأقحوان الثغر منه باسم ... وكذلك الغض العيون النرجس

стр. 46

يختال في قضب الزبرجد مارحاً ... والرأس منه مائلا بتنكس وبنفسج آس وورس أخضر ... ومضاعف المنثور نزهة مجلس والورق تشدو والغصون رواقص ... والسحب تبدي القطر عند تنفس فاشرب معتقة الدنان شمولة ... تذر الهموم صحيفة المتلمس وأسطو على خطب الزمان ببأسها ... إن المدام أنيسة المستأنس (١) هذا هو العيش الهني ففز به ... والجأ بخطبك للمحل الأقدس فهو المحل المستنير بمن غدت ... آراؤه عوناً على الزمن المسي الفاضل الحبر الهزبر ومن غدا ... أمن المروع ورأس مال المفلس ركب الفضائل وارتقى حتى غدت ... من دون رتبته مجاري الأطلس لا شك أن الدهر طوع يمينه ... فيرى التصرف لا بشق الأنفس عرضت عواقبه الأمور عليه ان ... قادت تخاطبه بقلب أوجس فأمدها عزماً وبرثن سطوها ... فمضت محتمة بغير تهجس تلقى سهام مصابها عن قوسه ... فتصيب نحراً للحسود الأتعس مولاي فضل الله أنت مؤملي ... من جودك الطامي بكأس أحتسي (٢) رضت الفضائل والمكارم والعلى ... ولأنت أجدع كل قرم أشوس ورفعت عن بكر العلوم براقعاً ... وخطبت منها عوانساً لم تمسس لا زلت راق في العلا مترديا ... في حلة المجد الأتم الأنفس (٣) قوله تذر الهموم صحيفة المتلمس، هذا مبني على حكاية لطيفة

стр. 47

لا بأس بذكرها. كان من خبر المتلمس فيما أورده الميداني (١) إن عمرو بن المنذر بن امري القيس كان يرشح أخاه قابوس ليملك بعده، فقدم عليه المتلمس وطرفة، فجعلهما في صحبة قابوس، وأمرهما بلزومه. وكان قابوس شاباً يعجبه اللهو، وكان يركب إلى الصيد، فيركض ويتصيد. وهما يركضان حتى يرجعا عشية وقد تعبا. ويكون قابوس مولعا بالأكل والشراب فيقفان بباب سرادقه إلى العشي. وكان قابوس يوماً على الشراب فوقفا النهار كله ببابه ولم يصلا إليه، فضجر طرفة وقال: فليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبتنا تخور من الزمرات أسبل قادماها ... وجرتها مركبة تدور يشاركنا لنا خلان فيها ... وتعلوها الكباش فما تنور لعمرك إن قابوس بن هند ... ليخلط ملكه نوك كثير (٢) قسمت الدهر في زمن رخي ... كذاك الحكم يقصد أو يجور فأما يومهن فيوم سوء ... يطاردهن بالحرب الصقور وأما يومنا فنظل ركباً ... وقوفاً ما نحل وما نسير فبلغ عمرا هذه المقالة فمكث غير كثير، ثم دعا المتلمس

стр. 48

وطرفة، فقال: لعلكما قد اشتقتما إلى أهلكما ويسركما أن تنصرفا. فقالا: نعم. فكتب لهما إلى أبي كرب عامله على هجر أن يقتلهما، واخبرهما أنه قد كتب لهما بحباء ومعروف، وأعطى كل واحد منها شيئا فخرجا. وكان المتلمس قد أسن فمر بنهر الحيرة على غلمان يلعبون. فقال المتلمس لطرفة: أعط (١) الكتب لهؤلاء الغلمان يقرءوهما (٢) لنا، إن فيهما خير مضينا، وإن فيهما شر (٣) اتقينا. فأبى طرفة عليه. فأعطى المتلمس كتابه بعض الغلمان فقرأه عليه، فإذا فيه السوء، فطرحه في الماء. فقال لطرفة أطعني وأطرح كتابك .. فأبى طرفة ومضى بكتابه. وكان من شأنه أن قتله عمرو، ونجا المتلمس بنفسه فسارت مثلا. وهذا خلاصة ما ذكر الميداني في كتابه مجمع الامثال. ***

стр. 49

عبد الباقي بن مراد العمري (١) عمي عبد الباقي. فاضل كامل، وكامل فاضل. جبلت طينته بماء الرئاسة، وسارت فواضله بأنواع المكارم والنفاسة. ففضله آية النهار، ومجده هلال جميع الأمصار. ملك زمام الفوائد، فحسن المبادئ والمقاصد. وصاغ قلائد المجد لجيد العلا، ونظم عقود اللآلي لكل الملا. البسه الله ثياب العلا ... فلم تطل عنه ولم تقصر نظم ونثر، وهطل فقطر. فكان في الشعر أبلغ من أبي نواس، وفي الذكاء أفرط من إياس (٢). حتى اخبرني الوالد الماجد ﵀ عن فرط ذكائه أنه قال: كان مصطفى البصير (٣)،

стр. 50

في المعارف خبير، وكان في الحفظ لا يقبل النظير. وكان يلازم المومى اليه، ويجعل معوله دون الناس عليه. ويلازم ناديه، متوقعاً لنثار أياديه. وقد أرجت منه نوافج الند، وماست معاطف الرند. وهو في مجلسه، متشرف بتأنسه. فيتناشد الأشعار ويتذاكر عن مواقع النثار، في تلك النضار. ويتفكهون بالنشيد ويتسامرون بالقصيد. فينتعش البصير ويتمايل، ويهتز طرباً بكل ما يتناول. ويحفظ قصائد من نشيد واحد، ويدعي سماعه في الزمان المتباعد. وينشدها فإذا هو كما قال، من غير ضميمة نقص واختلال. فيهتز عمي به طرباً، ويستخرج من معادن فكره جواهر وذهبا. وكان في الغاية سريع النظم، قوي الفهم، منظوم الكلم. غريب النباهة، عجيب البداهة. رايق النشيد، فائق النظم والقصيد. فنظم مرة قصيدة، كاللئالئ (١) نضيدة. وهي في بابها عجيبة، وحشية الألفاظ غريبة. متقاربة الألفاظ، مشكلة على الحفاظ. من قبيل ما ذكره صاحب المستطرف (٢) نقلا عن الأصمعي (٣) قوله: صوت صفير البلبل ... هيج قلب الثمل امتحانا للبصير، وتجربة لحفظه الغزير. فلم يسعه حفظها. وسلم

стр. 51

له بالذكاء والفهم بالحال، وجرت مداعباتهم على هذا القبيل والمنوال. فكان يتأسف الوالد على فقده إذ مات شاب وفات هباب (١)، وغابت شمس فضله في التراب. فمن منظوم نظمه قوله يمدح قاضي العسكر يحيى بقصيدة وهي: كيف حال امرئ (٢) يبات شجيا ... ساهر الطرف لا يزال بكيا (٣) مولع القلب ليس ينفك يملي ... صحف البين بكرة وعشيا كلما هبت الصبا من أقاصي ... شعب حدبائه تزايد غيا وتردى برد السقام وأضحى ... شوقه في طوى الضلوع وريا وتلافى بعد الديار فنادى ... ربه في الدجى نداءً خفيا (٤) كيف أنسى من أرضعتني أفا ... ويق اغتباط وكان بالي رخيا وطني موئلي قرارة صفوي ... دار أنسي ما بت فيها شقيا (٥) كل يوم لي اجتلاء جديد ... في رباها وناظري يتحيا بين ورد ونرجس وأقاح ... وصحاب بيض الوفا والمحيا فسقى الله ساحة الجوسق ال ... فرد من الديمة المسحة ريا (٦) كم ليال مرت بها ذات أنس ... حادث الدهر كان عنه غبيا زمن قد سحبنا فيه فضول ال ... عيش بالأنس لا نخاف غويا (٧)

стр. 52

تركتنا أيدي النوى بعده اليو ... م بقلب بالهم أمسى مليا نتلقى الخطوب يوماً فيوما ... ونوافي من المكاره غيا أأعاني من الهوى ما أعاني ... وملاذ الورى غدا لي وليا ذاك قاضي عساكر الروم من قد ... أصبح الفضل بين برديه طيا ذاك يحيى بن صالح في المعالي ... والموالي من لا يزال صفيا ألف العلم والمروءة والسؤ ... دد والجود منذ كان صبيا قلدته جدوده صارم المجد ... علاء فحاز كف الثريا وغدا يجتني ثمار المزايا ... حيث ما كان يابسا وطريا ورقى ذروة الفضائل حتى ... جعلته أولو العلاء وصيا تترامى صرعى لديه الأماني ... فتلاقي كنز الرخاء جليا (١) ما أتاه المقل إلا وأمسى ... بعد إقلاله المهيض غنيا يا عزيز الوجود يا كعبة الجو ... د ويا من غدا عزيزاً سنيا إن لي حاجة إليك فحقق ... بك ظني فلا برحت رضيا بسلام حيث اتجهت وتمسي ... اين ما كنت بالسعود نجيا فاقض لي حاجة وفز بدعائي ... بانفصال ففيه أغدو سميا لا برحت الرشيد في كل أمر ... سنداً مسنداً سعيداً عليا *** وله وقد مدح بها الصدر الشهيد علي باشا: بشرى لقد جاء نصر الله منذولي ... سعد الصدارة مولانا الوزير علي بدر الوزارة شمس الدين من فخرت ... به الليالي على أيامها الأول

стр. 53

نتيجة الدهر فرد العصر من طبعت ... أخلاقه بصحيح القول والعمل مغني الألوف ووهاب الألوف ومن ... بعدله زال قبح الجور والخلل مولى لو استامه الراجي لصيره ... بجوده يصحب الدنيا بلا أمل له يد لو يباهيها السحاب لما ... شام الورى غير صوب العارض الهطل معاشر الكفر زال الضر وانفرجت ... طرق الفتوح بهذا الضيغم البطل هذا الذي خافه الدهر الخئون وقد ... أطاعه بزوال الحادث الجلل فلا يغرنكم تكثير جمعكم ... فسيفه الموت فيه سابق الاجل هبوا قبيل استداد السبل ويحكم ... إلى الفرار وملء السهل والجبل (١) أو فى السلامة في التسليم لو سلمت ... عقولكم لا بجم الجمع والحيل بشراك يا أيها الصدر الخطير ومن ... شاعت مناقبه في معظم الملل فالسعد والنصر مقرون كما رقموا ... في الكتب في يمنك المضروب بالمثل

стр. 54

فسر لنصرة دين الله معتصما ... بالله انك محفوظ من العلل يا من غدا بسخاء الكف مشتهراً ... ومن له كل أمر في الأمور جلي طال اغترابي حتى حن راحلتي ... ورحلها وقرى العسالة الذبل فارحم فديتك من جلت نوائبه ... واشتاق للأهل والأصحاب والطلل عبداً غريباً بعيد الدار صيره ... هذا الزمان بلا خل ولا خول (١) مستلقياً ببلاد الروم ليس له ... خل يوازره في دهره العطل لا زلت مفتاح باب البشر متزرا ... بالفتح والنصر مقروناً وأنت علي *** والشيء بالشيء يذكر، وتلك قاعدة عند أهل الأدب لا تنكر. في سنة أربع وستين ومائة وألف، من هجرة من له المجد والشرف اتفق لي سفرة إلى بلاد الروم، ونهضة إلى تلك المعالم والرسوم. وامتدت الغربة إلى أربع سنين وأيام، وقد عاركت فيها الأمور الجسيمة العظام. وأقمت في تلك المدة أتدرج في مسارحها،

стр. 55

واتصرف في منازهها ومسائحها. وكانت لي تلك البلاد نزهة أربت على نزه الحدباء والرصافة (١)، وأنافت عليها أي انافة. وفي أثناء ذلك المقام، وفي خلال اتساق الأنس والانتظام، صادفت ما أزعجني وإلى حب الوطن هيجني. وتبدلت انعامات الدهر بوسا، وانقلب ابتسامه عبوسا. وأنحفني البعد وميلني، وأنهلني القلق وعلني. وحنيت إلى الوطن حنين العاشق إلى الخدود النواضر، فأنشأت قصيدة على هذا الوزن والروي فوقع الحافر على الحافر. وهي: ما فاح نشر صبا تلك المعالم لي ... إلا وأذريت دمع العين في وجل ولا شدا الورق في أيك على فنن ... إلا وصرت لشوقي عادم المقل (٢) ولا تذكرت أوطاني ومنزلتي ... إلا وأيقنت إن العز بالنقل أين العراق وتلك الدار أين سنا ... تلك الجنان ففيها قد حلا غزلي (٣) أين الأهيل أصيحابي بنو أدبي ... يا حسرتي لفراق الأهل والخول

стр. 56

ففي تذكرها زاد الغرام وكم ... قد زدت وجداً بذكرى عيشها الخضل لله إذ كنت فيها في صفاً وهناً ... وطيب عيش مضى أحلى من العسل (١) إذ كنت من حادث الأيام في دعة ... مصان من كل سوء حائز الأمل (٢) مبلغا من لدن دنياي كل هنا ... مؤملا كل صفو غير منتقل (٣) العيش فيها لذيذ قد حلا وغلا ... ونلت فيها منى خال من الزلل (٤) والدهر قد ضمنت أيامه جللا ... وأكمنت لي ليالي السود للجلل فما شعرت بغدر الدهر من سفه ... وما انتبهت له حتى تنبه لي فصار يلفظني أيدي سبا حنقا ... على معاملتي إياه في الأزل يوما بحزوى ويوما بالعقيق وبال ... حزون يوما ويوما ذروة الجبل

стр. 57

والعز يوماً ويوماً رفعة وعلا ... والذل يوماً ويوماً رتبة السفل فانحل عقد اصطباري لوعة وغدا ... صحيح حالي محل الفكر والعلل فصرت لا أهتدي من عظم غائلتي ... إلى طريق الهدى للختل والغيل (١) أبيت حلف السها والعجز يبعدني ... عن السهاد ملي القلب من وجل كيف الوصول وهذا الدهر يقعدني ... عن النهوض إلى لذاتنا الأول بذلت جهدي ولم تنفع مجاهدتي ... واحتلت فيه فلم تنفع به حيلي ظللت في الروم حيراناً وذا كمد ... وذا أسى وجوى أرعى مع الهمل (٢) فلا صديق يرجى يوم حادثة ... ولا اخا ثقة ينفعك في جلل (٣) فالشهم ذو المجد من يعرف حقيقته ... ولم يكل أمره للعجز والكسل (٤)

стр. 58

«وإنما رجل الدنيا وواحدها ... من لا يعول في الدنيا على رجل» (١) فالدهر ذو الغدر لا يصفو إلى أحد ... فدع مكائده للغدر واعتزل فكم صفا قبلنا للطالبين له ... أيام حتى أخذهم غير محتفل وكم اعز وكم ذلت به دول ... وكم أناخ له من فارس بطل وظل في رفع أنذال ذوي سفه ... أراذل من ذوي الأوغاد والسفل وهذه سنة الدهر الخئون فكم ... أنال شخصاً رذيلا أعظم الدول وألبس الحر أثواب الرذالة وال ... هوان بعد سني الحلي والحلل فصار بعد نعيم العيش في غصص ... يبيت منها ملي البال غير خلي تبت يدا قلبه أضحى أبا لهب ... وذا أسى وعنا حيران ذا ملل (٢) أوقاته كلها للحزن مصحبة ... وعن مكابدة الآلام لا تسل

стр. 59

فاصبر على المركي تلقى حلاوته ... فان نيل العلا قسم من الأزل وكن إذاً هدفاً في كل حادثة ... «فربما صحت الأجسام بالعلل» (١) واشدد لها حزم صبر غير مضطرب ... واسلك لنيل مناها أصعب السبل وانهض لنيل العلى واركب لها خطراً ... ولا تكن قانعاً في مصة الوشل فهامة المجد عندي ليس يركبها ... من كان يقنع من دنياه بالبلل فكن أبياً نبيها غير مكترث ... بحادث الدهر واسمع صحة المثل إذا عراك عناء الضيم في بلد ... فانهض إلى غيره في الأرض وانتقل من كان ترقى إلى الجوزاء همته ... فغير صنع الليالي غير محتمل وحيث ينقصك قرب الخلق منزلة ... فاحذروكن عن تعاطي الغير في شغل (٢) وكن عن الخلق مهما اسطعت مجتنباً ... فان قربهم ضرب من الشلل

стр. 60

فالناس أجناس إن عاشرت أكثرهم ... ألفيت باطنهم فجاً من الدغل «فجانب الخلق واصحبهم على حذر ... فإن صحبتهم نوع من الخطل» (١) إن رافقوا نافقوا أو صادقوا فإذاً ... لم يصدقوا فإلى ما خذله الخجل فالزم نصيحك واحذر كل غائلة ... فغير ذلك معدود من الخبل ومن شعر صاحب الترجمة قوله في المديح يمدح والده: أسهرني ذكري لذات الوشام ... وقرح الأجفان هجر المنام (٢) وأضرمت في القلب نار الجوى ... لما رأت عيناي تلك الخيام هيفاء إن ماست تخلي الحشى ... من مقلتيها مثخناً بالسهام لو صنم عابده إن رأى ... طلعتها يوما لصلى وصام أو قوم لوط أبصروا حسنها ... لما استحالوا دهرهم للغلام

стр. 61

أو أن هاروت رأى لحظها ... لقال إني قد تركت الحرام يا طيفها ذرني لكي تنطفي ... نار التي قد وقدت بالعظام وبلغ الشوق إليها عسى ... تجود للمضني برد السلام وربما تسمح لي أن أرى ... ذاك اللمى والجيد والابتسام (١) اخبرها عن حالي ونوحي الذي ... علم فوق الأيك نوح الحمام لعلها يوماً تصل مدنفا ... صيره الهجر شبيه الحطام (٢) مع أنه لم يدر طرق الهوى ... والرأس منه قد غدا كالثغام دعها وروحي لا أريد الفدى ... قتلي حلال وعليها السلام لا عجب إن لامني لائم ... لأنه قبل يرى الخال لام عدمته ما كان في لومه ... إلا ضريرا وعديم الكلام

стр. 62

ما باله هل إنه ما درى ... حتى غدا مستنداً للملام نعم فلو شاهدها لاغتدى ... صريع لا يدري الضيا والظلام (١) فإنما بدر السما خادم ... من حسنها قد استعار التمام فاعجب لخال كافر عابد ... لنار خد زائد الاضطرام ما عجب هذا ولكن ما ... مثلي غلام في هواها استهام لا أعرف العشق ولا أدره ... لان عهدي لقريب الفطام (٢) اخترتها مالكة لي وما ... يوما تقل بشراي هذا غلام (٣) سقيت يا داراً لها هاطلا ... من صيب المزن وسح الغمام (٤) كم جليت فيك شموس الضحى ... على قدود مائسات القوام أعرت غصن البان لينا فلو ... سلبته ما مال كلا وقام

стр. 63

لله كم جند لمن مغرم ... طريح لا يصحو ليوم القيام (١) تركن كل الناس في حبهم ... يعذرهم عذري الهوى في الهيام (٢) هذا اصفرار الشمس فيما ترى ... لما برزن وأزلن اللثام أما ترى الورقاء في أيكها ... ساجعة تتلو حديث الغرام (٣) لا كان يوم حملوا للسرى ... وخلفوا المضني حليف السقام حيران ولهان سليب القوى ... ظمآن لا يرجى وان كان دام لما رأيت العيس قد أشعرت ... وأقلعوا في أثرها كالنعام (٤) بكيت دمعاً بدم سائح ... من مقلة قرحها الانسجام فقلن دع هذا وعن ذكر من ... في مدحه لو كان قيس لهام

стр. 64

واترك سبيل الغي والزم إلى ... جناب عز جاره لا يضام ذاك مراد الفضل من بابه ... كعبة جود كل يوم ترام محتجب بالجود يوم القرى ... متوج بالمجد بين الأنام غوث اليتامى كنز جود له ... من جوده في كل جيد زمام ما كل من يبغي العلا سيد ... كلا ولا من في المعالي إمام لو كل مرفوع غدا ناصبا ... لارتفع الجيش وحط القتام فإنما الفخر إلى من له ... شاهده صم الحصا والآكام أما ترى الحدباء في عزها ... تحسدها زوراء دار السلام (١) أما ترى الأعداء قرت له ... وصار يسعى نحوه كل هام (٢)

стр. 65

ما شاهدت هيبته ساعة ... وإلا وخرت سجداً كالفدام (١) له يراع ما بكى وارتكى ... الا وهام الجود يسقى الركام (٢) كالبحر بل استغفر الله قد ... أخطأت في قولي لهذا الكلام فإنما أبحره عشرة ... وكل بحر ما له من صرام (٣) يا أيها الأعداء ما بالكم ... قطعتم دهركم بالخصام وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في ذا الهمام (٤) هذا المعني وهو اجتماع العالم في واحد معنى متداول قد تداوله الشعراء ومنه قوله السلامي (٥) من قصيدة: إليك طوى عرض البسيطة جاعل ... قصارى المطايا أن يلوح بها القصر

стр. 66

وكنت وعزمي في الظلام وصارمي ... ثلاثة أشياء كما اجتمع النسر فبشرت آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر قال ابن خلكان (١) هذا هو على الحقيقة السحر الحلال، والماء العذب الزلال. وقد اخذ هذا المعنى القاضي الارجاني (٢) فقال: يا سائلي عنه لما جئت أمدحه ... هذا هو الرجل العاري من العار (٣) لقيته فرأيت الناس في رجل ... والدهر في ساعة والأرض في دار ولكن أين هذا من ذلك وأين الثريا من الثرى. ولأبي الطيب المتنبي في هذا المعنى: هو الغرض الأقصى ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق ومع هذا فليس لأحد طلاوة بيت السلامي وعذوبته. ومنها: يا أيها الفاضل في عصره ... ومن له في كل فن مقام

стр. 67

هنيت في ذا العيد يا عيده ... وحزت في شهرك أجر الصيام وفزت في ليلة قدر غدت ... منصوصة بالخير في كل عام هلال شوال كرام الورى ... وأنت في ذا الدهر بدر التمام خذها إلى علياك يا سيدي ... وإن تكن مقصورة في النظام لا عتب ان قصر مدحي لكم ... مالي وللقول وأنت الامام لا زلت ترقى في العلا مسعداً ... في رتبة تختالها باحتشام ودولة ما فاح نشر الصبا ... وما شذا العطر ونشر الخزام وكلل الطل خدود الربى ... وابتسم الزهر عن الاكتتام هذا دعائي وثنائي لكم ... ما دمت في الدنيا لفض الختام وللقاضي محي الدين بن عبد الظاهر (١) قصيدة مثلها، منسجمة الألفاظ والمعاني لا بأس بذكرها:

стр. 68

يا جفن عيني قد جفاك المنام ... فاقرأ على الطيف الطروق السلام وأنت يا قلبي لا تعتقد ... أنك تنجو فالغريم الغرام (١) تروم سلوانا وتصبو إذا ... ما قيل قد أومض برق الشآم هيهات هيهات ترى ناجيا ... وأنت مرشوق بتلك السهام وقد تبدى لك غصن النقا ... مع لينه يحمل بدر التمام (٢) بدر اذا عاين بدر الدجى ... يقول يا بشراي هذا غلام (٣) مجوهر الثغر له ريقة ... أظنها شيئاً تسمى المدام تزاحم النمل على وردها ... «والمنهل العذب كثير الزحام» (٤) ظبي من الترك ولكنه ... من عارضيه قد أدار اللثام

стр. 69

ذو منطق بعت به مهجتي ... فكيف من يبتاعها بالكلام في خده الحسن غدا مودعا ... أما ترى الخال عليه ختام وأحسن منها قصيدة الأديب البارع تقي الدين أبي بكر ابن حجة (١) التي أولها: خاطبنا العاذل عند الملام ... بكثرة الجهل فقلنا سلام فإنه أجاد بحسن الابتداء، وهو حسن المطلع، فإنه عبارة عن أن يكون مطلع القصيدة واضح المعنى، صحيح السبك، خليا من الحشو والتعقيد، سهل الألفاظ غير متعلق بما بعده، متناسب القسمين، ومن أخل بشيء من ذلك لم يكن يأتي به. والمستوفي منه قول المتنبي: أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في المآقي واكتفت الأدباء بحسن الابتداء عن براعة الاستهلال، وهو أن يأتي الناظم أو الناثر بابتداء كلامه بما يستدل به على المقصود من غير توقف على ما بعده، كقول مهيار الديلمي (٢) في

стр. 70

قصيدة له حين وشي (١) به إلى ممدوحه، فتنصل من ذلك بألطف عذر، وأبرزه في معرض الغزل والتشبيب، وهو: أما وهواها حلفة وتنصلا ... لقد نقل الواشي إليها فامحلا (٢) وللمتني في مرثية يرثي بها أم سيف الدولة: نعد المشرفية والعوالي ... وتقتلنا المنون بلا قتال وينبغي للبليغ الاجتهاد بجميعها، لان سبب تسميتها براعة الاستهلال فهم المقصود من ابتداء كلامه، كما ترى مما ذكرنا. والقصيدة برمتها هي هذه: خاطبنا العاذل عند الملام ... بكثرة الجهل فقلنا سلام ما لامنا من قبل لكنه ... لما رأى العارض في الخد لام وليس لي من عشقه مخلص ... لكنني أسأل حسن الختام والجفن في لجة دمعي غدا ... من بعده يسح شهراً وعام ونار خديه التي أضرمت ... عذابها كان لقلبي غرام اخترته مولى ويا ليته ... لو قال يا بشراي هذا غلام (٣) سلامه يبخل فيه وما ... قصدي إلا رده والسلام عني حمى الثغر بألحاظه ... وكان حالي معه بانتظام

стр. 71

وفيه قد زاحمني شارب ... «والمنهل العذب كثير الزحام» (١) لبرق هذا الثغر كم عاشق ... قد هام جداً بين مصر وشام دمعي ونظمي في هواه غدا ... يألف كل منهما الانسجام مالي سهم قط من وصله ... لكن من اللحظ لقلبي سهام مذحل ذاك الشعر قلبي غدا ... يرقص لكن رقصه في الظلام (٢) ماس وقد غطى بأكمامه ... خديه خوفاً من عيون الأنام فقلت ما ألطف غصن النقا ... وأحسن الورد الجني في الكمام جرت دموعي حين قبلته ... فهل رأيت البدر تحت الغمام وقال لي نظمك بين الورى ... معظم ذو شرف واحتشام فقلت نظمي علوي ولى ... غدا علي في البرايا امام

стр. 72

ومن شعر صاحب الترجمة: تبدت فكاد البدر أن يختفي قهرا ... وأما نجوم الليل ما ظهرت طرا مليحة خدر لا يرى الدهر مثلها ... وإن شط في حزن وسهّل واستقرا تريك فعال البيض والسمر في الوغى ... إذا نظرت تيهاً وان خطرت سحرا فلا وأبيك الغر ما هام عاشق ... بها واعتلى في ملك قيصر أو كسرى (١) رأتني مشوقاً مغرماً فتمايلت ... بقامة هيفا تخجل الصعدة السمرا فلاح بخديها بياض وحمرة ... فقلت اجتماع قد تولد يا بشرى (٢) فشاكت فؤادي ثم داوت بجفنها ... فخيل لي من طرفها أخذوا السحرا فقلت لأصحابي بها آمنوا فقد ... رأيت بعيني أنها الآية الكبرى (٣) ومذ علمت أني فتنت بحبها ... فغضت حياء فهي ترمقني شزرا

стр. 73

بزند كبلور ليستر وجهها ... وما شعرت أن سوف يقضي لنا أجرا أرادت لتخفي فتنة من جمالها ... بمعصمها فاستأنفت فتنة أخرى (١) ألمت بي الأحزان مما تسترت ... فهمت فلم أدر يمينا ولا يسرى (٢) وساومت منها الضرب والجسم لم يكد ... يبين وان بانت فقوته قسرا في هذا البيت إشارة إلى قول أبي الطيب المتنبي (٣): أبلى الهوى أسفا يوم النوى بدني ... وفرق الهجر بين الجفن والوسن روح تردد في مثل الخيال إذا ... أطارت الريح عنه الثوب لم يبن كفى بجسمي نحولا أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني ذكر علماء البديع إن هذا «لا يمتنع عقلا أن ينحل الشخص حتى يصير مثل الهلال (٤) ولا يستدل عليه إلا بالكلام، إذ الشيء

стр. 74

الدقيق إذا كان بعيدا لا يرى، بخلاف الصوت. ولكن صيرورة الشخص في النحول إلى مثل هذا الحال ممتنع عادة». لكن الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض (١) أخذ هذا المعنى الدقيق ووشحه بنفائس العقود حيث قال من قصيدة: كأني هلال الشك لولا تأوهي ... خفيت فلم تهد العيون برؤيتي وقوله من أخرى: كهلال الشك لولا أنه ... أن عيني عينه لم تتأي فأين هذا من ذاك؟ فان المتنبي نفى الوجود، والشيخ ﵁ أثبته لكن بالنحول كهلال الشك. والصدق والارتكاب بينهما واضح، وعلامات السعادة على أحد (٢) الكلامين لائح. ومنه قول ابن حجة من قصيدة نبوية، عارض فيها كعب بن زهير (٣):

стр. 75

وفوق طرس مشيبي أرخوا تلفى ... وذلك الطرس فوق الرأس محمول وقد تجاوز جسمي حد كل ضنى ... فها أنا اليوم في الأوهام تخييل *** ومنها: فلو مر بي واش لغادر ميتا ... صريع الغواني بات ينتظر الحشرا كتمت ولي نفس تذلل في الهوى ... فأنفاسها حرى وأدمعها عبرى (١) ومن قبل هذا كان عشقي مضمراً ... خفياً ولام العهد مستغرقاً سرا ولكن دمعي مظهر وشواهدي ... تخبر أن الهجر قد قصم الظهرا وما كان لي عطفا ولا خبرا أرى ... من الوصل كلا لا ولا جملة صغرى (٢) ولما دعاني الصد حرفا مضارعاً ... ملياً من الحالين ساومني ضرا رفعت لها رأسي وعهدي بنصبه ... ولكن حالي فيه قاعدة أخرى (٣)
следующие страницы →