← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 10291–10330 · переход к 10296.

стр. 10291

﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال الحسن: نصر المؤمنين: إنجاؤهم مع الرسل من عذاب الأمم. وهو قول الكلبي ومقاتل (١). ومعنى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾ واجبًا، يعني: وجوبًا هو أوجبه على نفسه من حيث أخبر به، وإذا أخبر بشيء حق ذلك الشيء ووُجِد على ما أخبر به. وقد أخبر أنه ينجي المؤمنين من عذاب المكذبين. ولا يجب على الله شيء ابتداءً بخلاف ما قالت القدرية. وفي هذا تبشير النبي ﷺ بالظَفَر في العاقبة، والنصر على مَنْ كذبه. ٤٨ - قال مقاتل: ثم أخبر عن صُنعه ليعرفوا توحيده فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ (٢) يزعجه من حيث هو ﴿فَيَبْسُطُهُ﴾ الله ﴿فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ قال مقاتل: إن شاء بسطه مسيرة يوم، أو بعض يوم، أو مسيرة أيام (٣) ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ أي: قطعًا (٤)، بعد أن بسطه الله يجعله قطعًا متفرقًا يسير بها الريح. وتفسير الكِسْف، قد ذكرناه في أواخر سورة بني إسرائيل (٥).

стр. 10292

وقوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ مفسر في سورة: النور (١) ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ﴾ بالمطر ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يفرحون بنزول المطر عليهم (٢). ٤٩ - ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ﴾ اختلفوا في تفسير ﴿قَبْلِ﴾ فذكر أبو إسحاق وابن الأنباري فيه قولين؛ أحدهما: أن الأُولى: داخلة في الإنزال، والثانية: على المطر، والمعنى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ﴾ إنزال المطر، من قبل المطر، فلما دخلت الثانية على غير ما دخلت عليه الأولى صلح الجمع بينهما، كما تقول: أجيئك من قبل أن تجلس، مِنْ قبل أن تبلغ إلى المجلس، فلا تُنكر الإعادة إذا اختلف الشيئان. هذا كلام أبي بكر (٣)، وهو قول قطرب (٤). القول الثاني: أن تكرير ﴿قَبْلِ﴾ إطناب بمعنى: التوكيد (٥). والمعنى: وإن كانوا من قبل إنزال المطر ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ قال أبو إسحاق: والقول ما

стр. 10293

قال (١)؛ لأن تنزيل المطر بمعنى: المطر؛ لأن المطر لا يكون إلا تنزيلاً، كما أن الرياح لا تُعرف إلا بمرورها (٢)؛ يعني أن قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ﴾ بمعنى: من قبل المطر عن الإنزال حتى يقال: إن قبل الأولى للإنزال، والثانية للمطر، كما قال قطرب (٣). وقوله: ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ أي: آيسين قانطين من المطر. قاله ابن عباس ومقاتل (٤). والتقدير: وما كانوا إلا مبلسين. وقد تقدم لهذا نظائر. ٥٠ - قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ أي: بعد إنزال المطر، فانظر إلى حُسنِ تأثيره في الأرض. وتقرأ (آثَارِ) على الجمع (٥)؛ فمن أفرد فلأنه مضاف إلى مفرد. ومن جمع جاز؛ لأن رحمة الله يجوز أن يراد بها:

стр. 10294

الكثرة، كما قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٣٤، النحل: ١٨] (١). قال مقاتل: ﴿آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ يعني: النبت، وهو أثر المطر (٢). والمطر: رحمة الله ونعمته على خلقه. وقوله: ﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي: كيف يجعلها تنبت بعد أن لم يكن فيها نبت. (إِنَّ ذَلِكَ) الذي فعل ما ترون؛ وهو الله تعالى: ﴿لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ في الآخرة، فلا تكذبوا بالبعث (٣) ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من البعث والموت. ثم عاب كافر النعمة، والجاهل بأن الله تعالى يفعل ما يشاء فقال: ٥١ - ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ قال ابن عباس: يريد عذابًا، يعني: ريحًا هي العذاب كما قال مقاتل: ريحًا باردة مضرة (٤). والريح إذا أتت على لفظ الواحد أريد بها: العذاب، ولهذا كان رسول الله ﷺ يقول عند هبوب الرياح: "اللَّهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا" (٥).

стр. 10295

قوله تعالى: (فَرَأَوْهُ) يعني: النبت والزرع الذي كان من أثر الريح رحمةِ الله ﴿مُصْفَرًّا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: متغيرًا من البرد بعد الخضرة (١). وقوله: ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ قال: معناه: لَيَظَلُنَّ، معنى الكلام: الشرط والجزاء (٢)، قال الخليل: معناه: لَيَظَلُنَّ، فأوقع الماضي موقع المستقبل (٣)، كقول الحطيئة: شَهِدَ الحطيئةُ حين يلقى ربَّه أي: يشهد (٤). وقوله: ﴿بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد اصفرار النبت يجحدون ما سلف من النعمة. وهذا بيان عن حال الجاهل عند المحنة من كفره ما سلف من النعمة. قال أبو إسحاق: يعني فهم يستبشرون بالغيث، ويكفرون إذا انقطع

стр. 10296

عنهم الغيث، وجف النبت (١). قال الكلبي: يقول الله تعالى: لو فعلت ذلك بهم لفعلوا (٢)؛ يعني: أنهم يفرحون عند الخصب، فلو أرسلت عذابًا على زرعهم كفروا سالف نعمتي، وكفروا ما كانوا يستبشرون به، وليس كذا حال المؤمن؛ لأنه لا يستشعر الخيبة والكفران عند الشدة والمحنة. ٥٢، ٥٣ - قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ هذه الآية، والآية التي بعدها مفسرتان في سورة: النمل (٣). ٥٤ - قال مقاتل: ثم أخبر عن خلق أنفسهم ليتفكر المكذب بالبعث في خلق نفسه فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ (٤) قال قتادة والكلبي: يعني من نطفة (٥). قال الزجاج: تأويله أنه خلقكم من النُّطفِ في حال ضعف (٦). قال أبو علي: المعنى: خلقكم من ذي ضعف، أي: من ماء ذي ضعف، كما قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠] (٧). ومعنى ضَعفِ ذلك الماء: أنه قليل.

стр. 10297

وقرئ ﴿ضَعْفٍ﴾ بفتح الضاد (١)، وهما لغتان (٢)؛ قال الفراء: الضم لغة قريش، والفتح لغة تميم. والاختيار: الضم؛ لما روي أن ابن عمر قرأ على النبي ﷺ بالفتح، فردَّ عليه بالضم (٣).

стр. 10298

وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ يعني: قواكم في حال الشبيبة، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ﴾ يعني: ضعف الطفولة ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ قال ابن عباس: يريد: عند الكبر أدركه الضعف والهرم. والشيبة: مصدر كالشَّيب، قال المبرد: يعني: من حملة الشيب، فخرج من حملة الشيب مخرج الواحد، ويعني به: الجمع (١)، وكذلك القوة

стр. 10299

والضعف، وجاز هذا؛ لأنها مصادر فهي تحيط بالشيء، تقول: قوي قوة، وشاب شيبة، وضعف ضعفًا؛ لأنها هيآت تقع على النوع. ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: من ضعف وقوة وشيبة وشباب ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ بتدبير خلقه ﴿الْقَدِيرُ﴾ على ما يشاء. ٥٥ - وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يريد يوم القيامة ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ يحلف المشركون ﴿مَا لَبِثُوا﴾ في القبور ﴿غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ إلا ساعة واحدة (١) وقال قتادة: ما لبثوا في الدنيا غير ساعة (٢). والقول هو الأول؛ لأن الآية الثانية دلت عليه (٣). قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ قال الزجاج: مثل هذا الكذب كذبهم؛ لأنهم أقسموا على غير تحقيق (٤). وقال الكلبي: كذبوا في قولهم: ﴿غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ كما كذبوا في الدنيا (٥). وقال مقاتل: يقول: هكذا كانوا يكذبون بالبعث في الدنيا، كما كذبوا أنهم لم يلبثوا في قبورهم إلا ساعة (٦).

стр. 10300

وقال ابن قتيبة: أي: كَذبوا في هذا الوقت كما كانوا يكذبون من قبل، ويقال: أُفِك فلانٌ؛ إذا عُدِل به عن الصدق وعن الخير (١). وهذا إخبار عن حال المجرم من إقدامه على الإفك، عاقبة أمره كإقدامه في ابتدائه. وذكر مقاتل وغيره في سبب كذبهم: أنهم استقلوا قدر لبثهم في الدنيا في القبور لَمَّا عاينوا الآخرة (٢). والصحيح في معنى الآية: أنهم كذبوا من غير عذر، بل حلفوا كاذبين كذبًا صريحًا؛ لأنهم لو استقصروا مدة لبثهم وخُيل إليهم أنهم لم يلبثوا إلا ساعة كانوا معذورين في كذبهم، وليس الأمر على ذلك، ولكن الله تعالى أراد أن يفضحهم فحلفوا على شيء يتبين لأهل الجمع من المؤمنين أنهم كاذبون في ذلك، ويستدلون بكذبهم هناك على كذبهم في الدنيا بالشرك والكفر، وكان ذلك من قضاء الله وقدره بدليل قوله: ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ أي: يُصرفون، يعني: كما صُرفوا عن الصدق في حلفهم حتى حلفوا كاذبين، صرفوا في الدنيا عن الإيمان, ولو أراد: كذلك كانوا يكذبون؛ لقال: يَأفكون، فلما قال: ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ دلَّ على إثبات القَدَر. ثم ذكر إنكار المؤمنين عليهم كذبهم بقوله: ٥٦ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ أي: لبثتم في القبور في خبر الكتاب إلى يوم القيامة (٣)، وهو قوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] وقيل: المعنى فيما كتب الله لكم من اللُبث.

стр. 10301

وقال الزجاج: في علم الله المثبت في اللوح المحفوظ (١). وقال صاحب النظم: في حكم الله الذي حكم به في قوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. وأما المفسرون فإنهم يقولون: هذا على التقديم؛ على تقدير: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ وهو قول الكلبي وقتادة (٢). وهذا يحتمل تأويلين؛ أحدهما: الذين يعلمون كتاب الله فلهم فيه علم. والثاني: الذين حكم لهم في كتاب الله بالعلم، وأخبر في الكتاب عن علمهم. قوله تعالى: ﴿فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ أي: اليوم الذي كنتم تنكرونه في الدنيا، وتكذبون به. ﴿وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وقوعه في الدنيا فلا ينفعكم العلم به الآن؛ يدل على هذا المعنى قوله تعالى: ٥٧ - ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد: لا يُقبل من الذين أشركوا عذر، ولا عتاب، ولا توبة ذلك اليوم. وقرئ ﴿لَا يَنْفَعُ﴾ بالياء (٣)؛ لأن التأنيث ليس بحقيقي، وقد

стр. 10302

فصل القول بين الفاعل وفعله (١). وإذا انضم إلى أن التأنيث ليس بحقيقي، قوي التذكير (٢). ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا يطلب منهم العتبى والرجوع في الآخرة. ٥٨ - وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ﴾ بينا ووصفنا (٣) للمشركين ﴿فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ احتجاجًا عليهم، وتنبيهًا لهم ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ﴾ يا محمد ﴿تَنفَعُ﴾ قال ابن عباس: يريد كما أرسل الأولون قبلك، يعني بآية؛ كالعصا واليد، وغير ذلك من آيات الأنبياء ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ﴾ ما أنتم يا محمد وأصحابك ﴿إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ أصحاب أباطيل. وهذا إخبار عن عنادهم وتكذيبهم، وأنهم لا يعقلون عن شركهم وكفرهم بالآيات الواضحة إن أُتوا بها. ثم ذكر سبب ذلك فقال: ٥٩ - ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ بتوحيد الله، وكل من لم يؤمن بالله ويعلم توحيده فذلك لأجل طبع الله على قلبه. ٦٠ - ولما أخبر عن الطبع على قلوبهم أمر نبيه ﷺ بالصبر إلى وقت النصر فقال: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ بنصر دينك، وإظهارك على عدوك حقٌ (٤) ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ قال أبو إسحاق: أي: لا يستفزونك عن دينك ﴿الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ أي: هم ضالون شاكون (٥).

стр. 10303

وقال الأزهري: استخف فلانٌ فلانًا إذا استجهله فحمله على اتباعه في غيه، ومنه قوله: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (١) ولا يستخفن رأيك وحلمك. وهذا هو المعنى. وهو الذي يليق بالصبر؛ أمره الله تعالى بالصبر وأن يثبت إلى أن يأتي وقت نصره، وإهلاك من ناوأه. وقال ابن عباس: ﴿الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ ما جئت به. وقال مقاتل: لا يوقنون بنزول العذاب عليهم في الدنيا؛ وهم الذين عذبهم الله ببدر (٢). وقيل: ﴿الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ بالبعث والحساب.

стр. 10304

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) من أول سورة لقمان إلى آخر سورة يس تحقيق د. محمد بن عبد الله بن سابح الطيار

стр. 10305

سورة لقمان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١، ٢ - ﴿الم﴾ تقدم تفسيره في سورة البقرة (١) ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ تقدم تفسيره هناك (٢)، وفي سورة يونس (٣) . ٣ - [قوله] (٤): ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ القراءة بالنصب على الحال، المعنى: تلك آيات الكتاب في حال الهداية (٥) والرحمة قاله الزجاج (٦). وهو معنى قول الكسائي والفراء.

стр. 10306

وقرأ حمزة: هدى ورحمةٌ، بالرفع على إضمار هو، وعلى معنى: تلك هدى ورحمة هذا قول أبي إسحاق، وهو معنى قول الفراء (١): رفعها حمزة على الاستئناف؛ لأنها مستأنفة في آية منفصلة من الآية التي قبلها (٢). وقال أبو علي: وجه النصب أنه انتصب على الاسم المبهم، وهو من كلام واحد، والرفع على إضمار المبتدأ، أي هو هدى ورحمة (٣). قال ابن عباس ومقاتل والكلبي: بيان من الضلالة والرحمة من العذاب (٤) . ﴿للمحسنين﴾ (٥) للموحدين من أمة محمد ﷺ . ٤ - وقوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ قال صاحب النظم: يحتمل أن يكون هذا متصلًا بما قبله على أن يكون نعتًا للمحسنين، ويحتمل أن يكون منقطعًا مبتدئًا، ويكون: ٥ - قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ خبر له، وعلي القول الأول: ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ مما قبله وخبره في قوله: ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾. ﴿وَأُولَئِكَ﴾ مبتدأ ثان معطوف على ما قبله وخبره في قوله: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وتفسير هذه الآيات [ماض] (٦) فيما تقدم (٧). ٦ - وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث الداري وكان يشتري كتبًا فيها أخبار

стр. 10307

الأعاجم ويحدث بها أهل مكة، ويقول: محمد يحدثكم أحاديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم حديث (١) فارس والروم وملوك الحيرة (٢). قال مقاتل: لهو الحديث: باطل الحديث، يعني باع القرآن بالحديث الباطل حديث رستم وأسفنديار، فزعم أن القرآن مثل حديث الأولين (٣). وهذا القول هو [قول] (٤) الفراء وابن قتيبة (٥)، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء قال: ومن يشتري (٦) هو النضر بن الحارث خرج إلى الحيرة فاشتري أحاديث الأولين، وجاء بها إلى مكة، واجتمع إليه المشركون يقرأها عليهم، ويقول: أنا اقرأ عليكم كما يقرأ عليكم محمد أساطير الأولين. هذا قول معمر (٧) (٨).

стр. 10308

وأكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث: الغناء، وهو رواية سعيد بن جبير ومقسم عن ابن عباس (١)، وأبي الصهباء (٢) عن ابن مسعود (٣)، وهو قول مجاهد وعكرمة (٤). وروى ابن أبي [...] (٥) عن أبيه عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: اشتراء الجارية تغنيه ليلاً ونهارًا (٦).

стр. 10309

وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية، قال: اشترى المغني والمغنية بالمال الكثير والاستماع إليه وإلي مثله من الباطل (١). وهو قول مكحول (٢). وروي ذلك مرفوعًا، روى القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن، وأثمانهن حرام"، وفي مثل هذا نزلت الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ (٣) وهذا القول اختيار أبي إسحاق قال: أكثر ما جاء في التفسير أن لهو الحديث هاهنا الغناء؛ لأنه يلهي عن ذكر الله (٤). قال أهل المعاني: ويدخل في هذا كل من اختار اللهو والغناء والمزامير والمعازف على القرآن (٥). وإن كان اللفظ قد ورد بالشراء ولفظ

стр. 10310

الشراء يذكر في الاستبدال والاختيار، وهو كثير في القرآن، ويدل على هذا ما قال قتادة في هذه الآية: أما والله لعله ألا يكون (١) أنفق مالاً، وبحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق (٢). وهذه الآية -على هذا التفسير- تدل على تحريم الغناء، وفيه تفصيل يحتاج إلى ذكره هاهنا. قال الشافعي ﵀: وإن كان يديم الغناء، ويغشاه المغنون معلنًا فهذا سفه يرد به معنى الشهادة، وإن كان ذلك بقل لم يرد، فأما استماع الحداء ونشيد الأعراب والرجز فلا بأس به (٣)، هذا كلامه. قال أصحابنا: نشيد الأعراب يجوز استماعه، وإن أنشد في الألحان في الحداء وغيره، وأما الغناء المحض فالقليل منه لا يعد سفهًا، والمداومة عليه من جملة السفه لا سيما مع الإعلان، وأما الأوتار والمزامير والمعازف كلها حرام، وكذلك طبل اللهو، أما الراع فمكروه استماعه مع تخفيف فيه؛ لما روي عن نافع عن (٤) ابن عمر سمع صوت زمارة راع، فجعل أصبعيه في أذنيه، وعدا عن الطريق، وجعل يقول: يا نافع: أتسمع؟ فأقول: نعم، فلما قلت: لا، راجع الطريق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعله (٥).

стр. 10311

فلما اقتصر رسول الله ﷺ على وضع الأصبع في الأذن ولم يصرح بالنهي عنه، دل على ما ذكرنا. وأما غناء الفساق فذلك أشد ما في الباب. وذلك لكثرة الوعيد الوارد فيه، وهو: ما روي أن النبي ﷺ قال: "من استمع إلى قينة صب في أذنيه الآنك يوم القيامة" (١). وأما الدف فمباح، ضرب بين يدي رسول الله ﷺ يوم دخل المدينة فهم أبو بكر بالزجر، فقال رسول الله ﷺ : "دعهن يا أبا بكر حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح" فكن يضربن ويقلن: نحن بنات النجار ... حبذا محمد من جار (٢) وأما الحركة التي تعتري الإنسان عند السماع، فما حصل منه والإنسان فيه كالمغلوب فذلك لا يعد سفهًا. فقد روي أن زيد بن حارثة لما نزل اسمه في القرآن حجل (٣) (٤). وأما حالة الاختيار فذلك غير حميد. فمعناه:

стр. 10312

قوله تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فقال مقاتل: يعني لكي يشترك بحديث الباطل عن دين الله (١) ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يعلمه. وقال أبو إسحاق: من قرأ: ﴿لِيُضِلَّ﴾، بضم الياء، ليضل غيره إذا أضل غيره فقد ضل هو أيضًا ومن قرأ ﴿لِيُضِلَّ﴾ فمعناه: ليصير أمره إلى الضلال، وهو إن لم يقدر أن يضل فإنه يصير أمره إلى أن يضل (٢). ومعنى قوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي جاهل فيما يفعله عن علم. وقوله: ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ بالرفع عطف على يشتري، وبالنصب على ليضل (٣). واختلفوا في الكناية، فقال مجاهد: الكناية للسبيل (٤) [ويتخذ سبيل الله هزوًا. قال مقاتل: آيات القرآن هزوًا (٥). وذكر الفراء والزجاج وأبو علي القولين فقالوا: قد جرى ذكر الآيات في قوله: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ فيجوز الضمير للآيات، ويجوز أن يكون للسبيل] (٦)، والسبيل يؤنث قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠ ٨] (٧) وما بعد هذا من الآيات مفسر في مواضع مما تقدم. ١٠ - وقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ مفسر في ابتداء سورة

стр. 10313

الرعد (١). وقوله: ﴿رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ مفسر في سورة النحل (٢). ١٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ قال سعيد بن المسيب: كان لقمان أسود من أهل مصر، خياطًا (٣). وقال مجاهد: كان لقمان الحديث (٤) رجلاً أسود عظيم المشافر (٥) (٦). وأكثر العلماء على أنه لم يكن نبيًّا (٧). وروي ذلك عن النبي ﷺ أنه قال: "لم يكن لقمان نبيًّا, ولكن كان عبدًا كثير التفكر، حسن اليقين، أحب الله فأحبه" (٨). وقال عكرمة والسدى: كان نبيًّا (٩). وهو قول ابن عباس في رواية عطاء (١٠). وهؤلاء فسروا الحكمة في هذه الآية بالنبوة. وقال مجاهد في تفسير الحكمة هاهنا: الفقه والعقل وإصابة في القول

стр. 10314

في غير نبوة (١). وقال قتادة: الفقه في الإسلام ولم يكن يوحى إليه (٢). وقال مقاتل: أعطيناه العلم في غير نبوة (٣). وقال الكلبي: العلم والفهم (٤). قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ قال المبرد: أي اشكر لله، وكان هذا تأويل الحكمة، كقولك: قد تقدمت إلى أن رأيت عمرًا، أي أنت عمرًا (٥)، ومثله قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ١١٧]، وكذلك ما كان مثله. قال سيبويه: معناه أي: اعبد الله، وكذلك ما كان مثله، قال: ويجوز أن يكون أن التي هي والفعل مصدر، تقول: كتبت إليك أن قم، فتصل أن بلا كما تصل، بفعل وهذا جائز وليس بالوجه عند سيبويه (٦). وذكر أبو إسحاق القول الأول فقال: يجوز أن يكون أن مفسرة فيكون المعنى أي: اشكر لله (٧). وقال صاحب النظم: هذا على تأويل أن من أوتي الحكمة شكر لله، فكأنه لما قال: ﴿آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾، أعلم أنه قد أمره بالشكر له،

стр. 10315

بقوله (١): ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦] قال ابن عباس: أن اشكر لله يريد على ما أعطاك الله من الحكمة (٢). وقال مقاتل: فقلنا له أن اشكر لله فيما أعطاك من الحكمة (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ يريد من يطع الله، فإنما يعمل لنفسه. قاله ابن عباس (٤). وقال مقاتل: ومن يشكر لله في نعمه فيوحد الله، فإنما يعمل الخير لنفسه (٥). ومن كفر النعم، فلم يوحد ربه، فإن الله لغني (٦) عن عباده وخلقه. قال عطاء عن ابن عباس: حميد إلى خلقه (٧). ١٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ قال أبو إسحاق: موضع إذ نصب بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ أي: ولقد آتيناه الحكمة إذ قال لابنه؛ لأن هذه الموعظة حكمة (٨). ﴿وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ قال ابن عباس: في الله (٩). قال مقاتل: كان ابنه وامرأته كفارًا فما زال بهم حتى أسلموا (١٠). قوله: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ ذكرنا القراءات ووجوهها في ﴿يَا بُنَيَّ﴾ عند: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ [هود: ٤٢]. وقرأ ابن كثير: يا بني، مخففة

стр. 10316

ساكنة الياء، وكذلك: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ في رواية الحواس. ووجه ذلك أن الأصل: يا بنيي بثلاث ياءات، ثم تحذف ياء الإضافة كما يقال: يا غلام أقبل، وذكرنا ذلك في سورة هود (١) فلما حذف ياء الإضافة بقيت ياء مشددة، فخففها في الوقف كما تخفف سر وضر، وكقولك عمران (٢): قد كنت جارك حولاً لا يروعني ... فيه روائع من إنس ولا جان (٣) فخفف النون للوقف وأطلقها [كما شددها للوقف وأطلقها في] (٤) نحو سببا ويمهل، فلما حذفت الياء المدغم فيها للوقف بقيت الياء الساكنة، وهي ياء التصغير [هذا إذ وقفها، وإن وصلها هذا] (٥) إذا وقف، فإن وصلها ساكنة فقد أجرى الوصل مجرى الوقف، وهو قياس "من إنس ولا جان" فإنه خفف وأدرجه بحرف الإطلاق وهذا يعلمه جاء في الكلام، وغير هذا الوجه في القراءة أولى، ولو كان هذا في فاصلة كان أحسن؛ لأن الفاصلة في حكم القافية. فإن قيل: ياء التصغير لا يوقف عليها ولا تلحق آخر الكلمة، قيل: إنها ليست في حكم الآخرة وإن كان اللفظ على ذلك من حيث كان الحرف المحذوف للتخفيف في الوقف في حكم المثبت؛ لأن

стр. 10317

الحذف ليس بلازم له ويدل على ذلك قول الشاعر: ارهن بنيك عندهم أرهن بني (١) فالياء (٢) من بني مخففة للوقف، والتقدير بني يا هذا، فلما وقف عليه أسكن وخفف، والياء المحذوفة في نية (٣) الثبات، وحكمه يدلك على ذلك أنه كان على خلاف هذا الرد (٤) النون في بنين، فلما لم يرد النون في بنين علمت أنها في حكم الثبات (٥). وقد ذكرنا مثل هذا في أول الكتاب عند قوله في اسم الله. وقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد ليس من الذنوب شيء أعظم من الشرك بالله (٦). قال أبو إسحاق: يعني أن الله هو المحي المميت الرازق المنعم وحده لا شريك له، فإذا أشرك به أحدًا غيره فذلك أعظم الظلم؛ لأنه جعل النعمة لغير ربها، وأصل الظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه (٧). ١٤ - قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ نزلت في سعد بن أبي

стр. 10318

وقاص لما أسلم، وذكرنا القصة في أول سورة العنكبوت. وقوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ ذكرنا تفسير الوهن عند قوله: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ (١) قال ابن عباس والكلبي والسدي: ضعفا على ضعف (٢). قال أبو إسحاق: أي لزمها لحملها إياه أن (٣) تضعف مرة بعد مرة (٤) وانتصب هاهنا وهنا على المصدر، ودل قوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ على أن المعنى وهنت بحملها إياه وهنا على وهن. وهذا غير متصل بالكلام الأول في الآية. قال صاحب النظم: قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ مبتدأ يقتضي جوابًا فلم [يأت به] (٥) وابتدأ في وصف الإنسان فقال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ ونظم [به وصفًا] (٦) آخر فقال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ فإنما عدد الله ذلك ليبين وجوب حق الوالدة بما لزمها من التعب والنصب في الولادة، فلما فرغ من ذلك رجع إلى خبر الابتداء فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ على تأويل ووصينا الإنسان بوالديه أن اشكر لي ولوالديك. قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ الفصال: الفطام، وهو أن يفصل الولد عن الأم كي لا يرضع. والتقدير: وفصاله في انقضاء عامين. قاله

стр. 10319

الأخفش (١). وجعله من باب حذف المضاف، والمعنى لانقضاء عامين. وهو أنه إذا تم للولد حولان فطم، وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] الآية. فقوله: ﴿وَفِصَالُهُ﴾ مبتدأ، وخبره في الظرف على تقدير: وفصاله يقع في انقضاء عامين. والمعنى ذكر مشقة الوالدة بإرضاع الولد بعد الوضع عامين. قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ قال ابن عباس: يريد أطعني وأطع والديك (٢). قال مقاتل: أن اشكر لي إذ (٣) هديتك للإسلام، ولوالديك بما أولياك من النعم (٤). وقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي﴾ تفسير لمعنى الوصية، وجاز ذلك؛ لأن الوصية قوله، فكأنه قال: قلنا للإنسان أن اشكر لي ولوالديك. قال صاحب النظم [وقال صاحب] (٥) المعني: ووصينا الإنسان أن اشكر لي ولوالديك، أي: وصيناه شكرنا وشكر والديه. وقوله: ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: إلى المرجع والمنقلب فأجزيك بعملك (٦).

стр. 10320

١٥ - ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ مفسر في سورة العنكبوت (١) إلى قوله: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ قال ابن عباس: يريد اصحبهما في الدنيا بالمعروف (٢). وقال مقاتل: يعني بإحسان (٣). وقال أبو إسحاق: أي مصاحبًا معروفًا، يقول: صاحبته مصاحبًا ومصاحبة، ومعنى المعروف: ما يستحسن من الأفعال (٤). قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ قال السدي: يعني محمدًا ﷺ (٥). ونحوه قال مقاتل: يعني دين من أقبل إلى طاعتي، وهو النبي ﷺ (٦). قال عطاء عن ابن عباس: يريد أبا بكر ﵁، وذلك أنه حين أسلم أتاه (٧) عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعثمان، وطلحة بن [...] (٨) والزبير فقالوا لأبي بكر ﵁: آمنت وصدقت محمدًا؟ فقال أبو بكر: نعم، فأتوا رسول الله ﷺ فآمنوا وصدقوا، فأنزل الله تعالى لسعد: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ يعني: أبا بكر ﵁ (٩).

стр. 10321

وهذه تدل على وجوب مصاحبة الوالدين بالمعروف وإن كانا كافرين مع ملازمة الإيمان, ومن مصاحبتهما بالمعروف نفقتهما عند فقرهما، وهي واجبة على الابن المسلم وإن (١) كانا كافرين كما تجب إذا كانا مسلمين. قال عطاء عن ابن عباس: نزلت الآيتان في سعد بن أبي وقاص، وذلك أنه أسلم في أول ما ظهر رسول الله ﷺ بمكة، وأسلم أخواه عامر وعويمر، فلم يبق منهم مشرك إلا عتبة، فمشت بنو زهرة إلى أم سعد، فقالوا لها: إن بنيك سفهوا ديننا وغمصوا على آبائنا -ولم يكن أحد بمكة [فذلك] (٢) أبر بأمه من سعد- فقالت لهم: إن سعدًا ما عصاني قط، فسأرده إلى ما تحبون، وأما عامر فلم يزل (٣) لي عاصيًا، وأما عويمر فهو صبي صغير السن، فلما أتاها سعد قالت له أمه: يا سعد، إن الأشراف من قومك مشوا إلى يذكرون أنك سفهت أخلاقهم وطغيت على آلهتهم، فوعدتهم أن أردك إلى ما يحبون. فقال لها سعد: قد علمت بري بك وأني لم أعصك، وأنا لا أعصيك إلا أن تأمريني بمعصية الله، فإن أمرتيني بمعصية الله فلم أطعك، فأنزل الله ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾ الآيتين (٤).

стр. 10322

١٦ - قوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ الآية. قال السدي: ابن (١) لقمان لأبيه: يا أبتاه، لو كانت حبة من خردل الآية في البحر أكان الله يعلمها؟ فقال له يا بني: إنها إن تك (٢). وقال مقاتل: قال ابن لقمان لأبيه: يا أبت، إن عملت (٣) بالخطيئة حيث لا يراني أحد، كيف يعلمه الله؟ فرد عليه لقمان: يا بني، إنها إن تك مثقال حبة من خردل (٤). [قال أبو إسحاق: المعنى إن التي سألتني عنها إن تك مثقال حبة من خردل] (٥). قال: ويجوز أن يكون المعنى إن فعلة الإنسان وإن صغرت يأت بها الله. قال: ويجوز أن يكون الكناية للقصة على أن القصة كذا كما تقول: إنها هند قائمة، وإنها زيد قائمة (٦). وهذا من الضمير على شريطة التفسير، وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦] وفي مواضع.

стр. 10323

وقوله: ﴿إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ (١) قرئ: مثقال بالرفع والنصب، فمن نصب باسم كان لينبغي أن يكون مضمرًا على تقدير: إن تكن الخطيئة أو المظلمة أو السيئة مثقال حبة من خردل راجع إلى معنى خردلة، فهو بمنزلة إن تك حبة من خردل، أو يقال: المراد بمثقال حبة من خردل هو السيئة والحسنة، [فأنث] (٢) تك على المعنى كما قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] فأنث وإن كان المثل مذكرًا، فإنه يراد به الحسنات، فحمل (٣) على المعنى، وكذلك المثقال (٤) (٥). و ﴿تَكُ﴾ هاهنا بمعنى تقع، ولا خبر له. قوله تعالى: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس في رواية: يعني: الصخرة التي تحت الأرضين السبع، وهي التي يكتب فيها أعمال الفجار (٦). ونحو هذا قال مقاتل، قال: وهي صخرة خضراء مجوفة (٧).

стр. 10324

وقال عبد الله بن الحارث: هي صخرة خضراء على ظهر الحوت (١). قال الكلبي: هي الصخر التي الأرض عليها (٢). ونحو هذا قال السدي: هذه ليست في السموات ولا في الأرض، إنما هي تحت سبعة أرضين عليها ملك قائم (٣) (٤). وقال قتادة: فتكن في صخرة، أي: جبل (٥) ﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ إن قيل: هذه الصخرة لا يخلو من أن تكون في الأرض، وإذا حصل بكونه في الأرض أغنى ﴿أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ عن قوله: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾. قيل: قد صرح السدي بأن هذه الصخرة ليست في الأرض، على أن هذا النحو من التأكيد والتكرير لا ينكر، وعلى هذا قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] ثم قال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] قوله: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ قال ابن عباس: يقول يعلمها الله (٦). وهذا قول السدي (٧). وهو معنى وليس بتفسير. قال أبو إسحاق: وهذا مثل لأعمال

стр. 10325

البلاد (١) إن الله يأت بأعمالهم يوم القيامة، فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال شرًّا يره (٢). قال أبو علي: هذا يثبت أن المظالم لا تخفى عليه، وأن الله تعالى يأت بها، ولن يدع أن يثيب أو يعاقب عليها إن لم تكن قد كفر عنها أو أحبط (٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل والزجاج: لطيف باستخراجها، خبير بمكانها (٤). ١٧ - قوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد الإيمان بالله والتوحيد (٥). وقال غيرهما: وأمر بطاعة الله واتباع أمره. ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ قال ابن عباس: يريد عن الشرك لنفسه (٦). قال مقاتل: يعني الشرك الذي لا يعرف (٧).

стр. 10326

وقال الكلبي: يقول أنكر الظلم وأظهر العدل (١). وقال غيره: المنكر معاصي الله ومخالفة أمره (٢). ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ فيهما من الأذى، يريد واصبر على ما أصابك من الأذى في طاعة الله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا قول ابن عباس ومقاتل (٣). ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ قال ابن عباس: يريد من حقيقة الإيمان (٤). وقال مقاتل: إن ذلك الصبر على الأذى فيهما من حق الأمور التي أمر الله بها (٥). وقال الكلبي: إن ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من عزم الأمور (٦). فعلى قول ابن عباس ومقاتل: ذلك، إشارة إلى الصبر. وعلى القول [قول] (٧) الكلبي إشارة إلى الأمر والنهي. والصحيح أن ذلك إشارة إلى جميع ما ذكره قبله من الأمر والنهي والصبر. وذكرنا بيان هذه المسألة عند قوله ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]. وهذه الآية دليل على وجوب

стр. 10327

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على المكروه وإن أصابه فيهما وفي هذا دليل أن خوف المكروه لا ينبغي أن يمنع من الأمر بالمعروف، إلا أن يخاف مكروهًا لا يطيقه ولا يحتمله. ١٨ - وقوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ وقرئ: تصاعر (١). قال أبو الحسن: [لا تصاعر لغة أهل الحجاز، ولا تصعر لغة بني تميم، والمعنى فيه لا تتكبر على الناس، ولا تعرض عنهم تكبرًا عليهم. قال أبو عبيدة: (أجل هذا من الصعر الذي يأخذ الإبل في رءوسها وأعناقها). فكأنه يقول: لا تعرض عنهم ولا تزور كازورار الذي به هذا الداء، الذي يلوي منه عنقه ويعرض بوجهه، ومثل ذلك قوله: يهدي إلى حياة ثاني الجيد] (٢) (٣). وقال أبو علي: (يشبه أن يكون لا تصعر ولا تصاعر بمعنى، كما قال سيبويه في ضعف وضاعف) (٤). قال أبو إسحاق: أما تصعر فعلى وجه المبالغة، وتصاعر على تفاعل كأنك تعارضه بوجهك (٥).

стр. 10328

وقال المفضل (١): يقال للذي يفعل ذلك ومن صعر خده وصاعر (٢). وأنشد للمتلمس: وكنا إذا الجبار صاعر خده ... أقمنا له من درأه فيقوما قال ابن عباس: يريد ولا تتعظم على خلق الله (٣). وقال مقاتل: لا تعرض بوجهك تكبرًا عن فقراء المسلمين إذا كلموك (٤). وروى ابن أبي نجيح ومنصور عن مجاهد قال: هو الصدود والإعراض بالوجه عن الناس، كالرجل بينه وبين أخيه إحنة فيراه فيعرض عنه (٥). وقال أبو الجوزاء في هذه الآية: إذا ذكر الرجل عندك تلوي شدقك كأنك تحقره (٦). وهذا معنى ما روي عن إبراهيم أنه قال: هو التشديق (٧).

стр. 10329

وقال يزيد [بن الأصم] (١): هو الرجل يكلم الرجل، فيلوي وجهه عنه محقرة له (٢). وقال قتادة: هو الإعراض عن الناس، يكلمك أخوك وأنت معرض عنه تتكبر (٣). وقوله: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ مفسر في سورة سبحان (٤). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ فسر في سورة النساء (٥). ١٩ - قوله: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ قال الليث: يقال قصد فلان في مشيه، إذا مشي مستويًا (٦). وقال المفضل: القصد: ما بين الإسراف والتقصير (٧). قال مقاتل: لا تختل في مشيك (٨).

стр. 10330

وقال الكلبي: تواضع لله فلا تختل (١). وعلى هذا أمر بالقصد في المشي، والمراد به النهي عن الخيلاء. وقال آخرون: المراد به النهي عن الإسراع في المشي (٢). فدل عليه بما روي أن النبي ﷺ قال: "سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن" (٣). وقوله: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ قال أبو إسحاق: معنى اغضض: انقص، ومن ذلك: غضضت، وفلان يغض من فلان، أي يقصر به (٤). وذكرنا تفسير الغض فيما تقدم (٥). والصوت: مصدر صات يصوت [صوتًا] (٦) فهو صائت، وصوت تصويتًا فهو مصوت، وهو عام غير مختص، يقال: سمعت صوت الرجل، وصوت الحمار، وصوت كل شيء (٧). قال ذو الرمة -وهو من أبيات الكتاب-:
следующие страницы →