← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 10326–10365 · переход к 10331.

стр. 10326

وقال الكلبي: يقول أنكر الظلم وأظهر العدل (١). وقال غيره: المنكر معاصي الله ومخالفة أمره (٢). ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ فيهما من الأذى، يريد واصبر على ما أصابك من الأذى في طاعة الله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا قول ابن عباس ومقاتل (٣). ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ قال ابن عباس: يريد من حقيقة الإيمان (٤). وقال مقاتل: إن ذلك الصبر على الأذى فيهما من حق الأمور التي أمر الله بها (٥). وقال الكلبي: إن ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من عزم الأمور (٦). فعلى قول ابن عباس ومقاتل: ذلك، إشارة إلى الصبر. وعلى القول [قول] (٧) الكلبي إشارة إلى الأمر والنهي. والصحيح أن ذلك إشارة إلى جميع ما ذكره قبله من الأمر والنهي والصبر. وذكرنا بيان هذه المسألة عند قوله ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]. وهذه الآية دليل على وجوب

стр. 10327

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على المكروه وإن أصابه فيهما وفي هذا دليل أن خوف المكروه لا ينبغي أن يمنع من الأمر بالمعروف، إلا أن يخاف مكروهًا لا يطيقه ولا يحتمله. ١٨ - وقوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ وقرئ: تصاعر (١). قال أبو الحسن: [لا تصاعر لغة أهل الحجاز، ولا تصعر لغة بني تميم، والمعنى فيه لا تتكبر على الناس، ولا تعرض عنهم تكبرًا عليهم. قال أبو عبيدة: (أجل هذا من الصعر الذي يأخذ الإبل في رءوسها وأعناقها). فكأنه يقول: لا تعرض عنهم ولا تزور كازورار الذي به هذا الداء، الذي يلوي منه عنقه ويعرض بوجهه، ومثل ذلك قوله: يهدي إلى حياة ثاني الجيد] (٢) (٣). وقال أبو علي: (يشبه أن يكون لا تصعر ولا تصاعر بمعنى، كما قال سيبويه في ضعف وضاعف) (٤). قال أبو إسحاق: أما تصعر فعلى وجه المبالغة، وتصاعر على تفاعل كأنك تعارضه بوجهك (٥).

стр. 10328

وقال المفضل (١): يقال للذي يفعل ذلك ومن صعر خده وصاعر (٢). وأنشد للمتلمس: وكنا إذا الجبار صاعر خده ... أقمنا له من درأه فيقوما قال ابن عباس: يريد ولا تتعظم على خلق الله (٣). وقال مقاتل: لا تعرض بوجهك تكبرًا عن فقراء المسلمين إذا كلموك (٤). وروى ابن أبي نجيح ومنصور عن مجاهد قال: هو الصدود والإعراض بالوجه عن الناس، كالرجل بينه وبين أخيه إحنة فيراه فيعرض عنه (٥). وقال أبو الجوزاء في هذه الآية: إذا ذكر الرجل عندك تلوي شدقك كأنك تحقره (٦). وهذا معنى ما روي عن إبراهيم أنه قال: هو التشديق (٧).

стр. 10329

وقال يزيد [بن الأصم] (١): هو الرجل يكلم الرجل، فيلوي وجهه عنه محقرة له (٢). وقال قتادة: هو الإعراض عن الناس، يكلمك أخوك وأنت معرض عنه تتكبر (٣). وقوله: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ مفسر في سورة سبحان (٤). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ فسر في سورة النساء (٥). ١٩ - قوله: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ قال الليث: يقال قصد فلان في مشيه، إذا مشي مستويًا (٦). وقال المفضل: القصد: ما بين الإسراف والتقصير (٧). قال مقاتل: لا تختل في مشيك (٨).

стр. 10330

وقال الكلبي: تواضع لله فلا تختل (١). وعلى هذا أمر بالقصد في المشي، والمراد به النهي عن الخيلاء. وقال آخرون: المراد به النهي عن الإسراع في المشي (٢). فدل عليه بما روي أن النبي ﷺ قال: "سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن" (٣). وقوله: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ قال أبو إسحاق: معنى اغضض: انقص، ومن ذلك: غضضت، وفلان يغض من فلان، أي يقصر به (٤). وذكرنا تفسير الغض فيما تقدم (٥). والصوت: مصدر صات يصوت [صوتًا] (٦) فهو صائت، وصوت تصويتًا فهو مصوت، وهو عام غير مختص، يقال: سمعت صوت الرجل، وصوت الحمار، وصوت كل شيء (٧). قال ذو الرمة -وهو من أبيات الكتاب-:

стр. 10331

كان أصوات من إيغالهن (١) بنا أواخر الميس أصوات الفراريج (٢) ويقال: رجل صات، أي (٣): شديد الصوت بمعنى صائت، كما يقال: رجل مال كثير المال، ونال كثير النوال (٤). قال الكلبي: يقول أكفف من صوتك لا تكن سليطًا على الناس (٥). وقال مقاتل: اخفض من صوتك، يعني: من كلامك، يأمر لقمان ابنه بالاقتصاد في المشي والمنطق (٦). وروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد إذا ناجيت ربك فخفض [صوتك] (٧) (٨). وخفض الصوت المأمور به هاهنا بالدعاء، وذكر قوله (٩): ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] والقول هو الأول العام. قال المبرد: (والمحمود

стр. 10332

من المشي والصوت ومن جملة الأشياء ما كان قصدا) (١). قال مقاتل: ثم ضرب للصوت الرفيع مثلا، فقال: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (٢). قال: وأنت تقول: له وجه منكر، إذا كان قبيحًا. وقال ابن قتيبة: أنكر الأصوات أقبحها (٣). واختلفوا لم جعل أقبح الأصوات؟ صوت الحمير أوله زفير وآخره شهيق (٤). وقال قتادة: لشدة صوتها (٥). وهو المختار. قال المبرد: تأويله الجهر بالصوت ليس بمحمود، وأنه داخل في باب الصوت المنكر (٦). وقال ابن قتيبة: عرفه أن قبح رفع الصوت في المخاطب وفي الملاحاة كقبح أصوات الحمير؛ لأنها عالية (٧). ووحد الصوت وهو مضاف إلى الجماعة؛ لأنه مصدر، والمصادر تدل على الكثرة، وإذا كانت منفردة الألفاظ. وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩] وفي مواضع. ٢٠ - قوله: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ قال ابن عباس:

стр. 10333

يريد المطر، ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يريد: الأنعام لتركبوها (١). وقال مقاتل: (يعني: الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح، وما في الأرض: يعني: الجبال والأنهار والبحار والأشجار والنبت عام) (٢) بعام. قال أبو إسحاق: ومعنى تسخيرها للآدميين: الانتفاع بها (٣). وقوله: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: أوسع وأكمل من قولهم: سبغت النعمة إذا تمت، ويقال: شعر سابغ، ودرع سابغة. وقوله: ﴿نِعَمَهُ﴾ وقرئ: نعمه جمعًا، ومعنى القراءتين واحد؛ لأن المفرد أيضًا يدل على الكثرة كقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] وهذا يدل على أنه يراد به الكثرة. وقوله: ﴿ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ لا يدل على ترجيح إحدى القراءتين، ألا ترى أن النعم توصف بالباطنة والظاهرة كما توصف النعمة بذلك (٤). قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد شهادة ألا إله إلا الله ظاهرة باللسان باطنة في القلب (٥). وروى عكرمة عنه قال: الظاهرة: القرآن والإسلام، والباطنة: ما ستر عليكم من الذنوب ولم يعجل عليكم بالنقمة (٦).

стр. 10334

وقال مقاتل: الظاهرة: تسوية الخلق والرزق والإسلام، والباطنة: ما ستر من الذنوب فلم يعلم بها أحد ولم يعاقب فيها (١). وهذا معنى ما روى الضحاك عن ابن عباس عن النبي ﷺ في هذه الآية (٢). قال الضحاك: الظاهرة: حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء، والباطنة: المعرفة (٣). وقال محمد بن كعب: الظاهرة: محمد ﷺ ، والباطنة: المعرفة (٤). وقال المحاسبي (٥): الظاهرة: نعيم الدنيا، والباطنة: نعيم العقبى. قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ﴾ مفسر إلى آخر الآية في سورة الحج (٦). ٢١ - قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا﴾ مفسرة في سورة البقرة (٧).

стр. 10335

٢٢ - ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ مفسر في تلك السورة أيضًا (١). ٢٤ - قوله: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾ يعني أيام حياتهم إلى انقضاء آجالهم. قال ابن عباس ومقاتل (٢). ٢٧ - وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ﴾ قرئ رفعًا ونصبًا، فمن نصبه عطفه على ما، ومن رفع استأنف كأنه قال: والبحر هذه حاله (٣). ﴿يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ أي: ينصب فيه ويزيده سبعة أبحر. ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ولا نفد علمه. قال السدي: لو كان ما في الأرض من شجر فبريت أقلامًا، وكان البحر مدادًّا ومعه سبعة أبحر مدادًا مثله، فكتب بتلك الأقلام، نفد ذلك المداد قبل أن ينفد علم الله (٤). وقال الحسن: لو أن ما في الأرض من شجرة أقلام، لأملى الله من

стр. 10336

كلامه حتى ينفد المجر وتتكسر الأقلام (١). وقال مقاتل: يقول لو أن كل شجرة على وجه الأرض بريت أقلامًا، وكانت البحور مدادًا وكتبت تلك من البحور، لنفدت تلك الأقلام وتلك البحور ولم ينفد علم الله (٢). فالمفسرون قالوا في كلمات الله: إنها علم الله، والمعنى: الكلمات التي هي عبارات عن معلوم الله، ولما كان معلومه لا يتناهى له، فكذلك الكلمات التي تقع عبارة عن معلومه لا تتناهى (٣). قال أبو علي: والمراد بذلك -والله أعلم- ما في المقدور دون بما خرج منه إلى الوجود (٤). قال قتادة: إن المشركين قالوا في القرآن: يوشك أن ينفد، يوشك أن ينقطع، فنزلت هذه الآية. يقول: لو كان شجر الأرض أقلامًا، ومع البحر سبعة أبحر، إذا لانكسرت الأقلام ونفد ماء البحر قبل أن تنفد كلمات الله وحكمه وخلقه وعلمه (٥).

стр. 10337

قال أبو عبيدة: هذا مختصر، تقديره: فكتب هذه الأقلام والبحور ما نفد كلام الله (١). والمعنى (٢): فكتب ما في مقدور الله لمنفد ذلك قبل أن ينفد المقدور، ونحو هذا من الجمل قد تحذف لدلالة الكلام عليه كقوله: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٢٨] ، ثم قالت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ [النمل: ٣٢]، والمعنى: فذهب، فألقى الكتاب، فقرأته، وقالت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾. ونظير هذه الآية قوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف ١٠٩] الآية. ٢٨ - قوله تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ قال مقاتل: (نزلت في كفار قريش، قالوا للنبي ﷺ : إن الله خلقنا أطوارًا، نطفة علقة مضغة عظامًا لحمًا، ثم يزعم أنا نبعث خلقًا جديدًا جميعًا في ساعة واحدة، فقال الله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ﴾ أيها الناس جميعًا في القدرة إلا كخلق نفس واحدة، ما بعثكم جميعًا إلا كبعث نفس واحدة) (٣). قال أبو إسحاق: أي قدرة الله على بعث الخلق أجمعين، وعلى خلق الخلق أجمعين، كقدرته على خلق نفس واحدة، وبعث نفس واحدة (٤).

стр. 10338

والآية من باب حذف المضاف في قول جميع المفسرين، وأهل المعاني كلهم ذكروا ذلك (١). قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٢). قال ابن عباس: سميع لقولكم، بصير بكم (٣). قال مقاتل: سميع لما قالوا من الخلق والبعث، بصير به (٤). ٣١ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس: يريد أن ذلك من نعمة الله عليكم (٥). قال الكلبي: منة الله (٦). وقال مقاتل: برحمة الله (٧). ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِه﴾ من صنعه وعجائبه في البحر، وابتغاؤكم الرزق. وقال الكلبي: ليريكم من عجائبه بتيسيرها (٨). ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ قال مقاتل: يعني المؤمن، يقول: لكل صبار على أمر الله عند البلاء في البحر، شكور لله في نعمه حين أنجاه من أهوال البحر (٩).

стр. 10339

وقال عطاء عن ابن عباس: يريد صبر عن معاصي الله (١). ٣٢ - وقوله. ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ﴾ يعني الكفار، يقول: إذا علاهم ﴿مَوْجٌ﴾ وهو ما ارتفع من الأرض. ﴿كَالظُّلَلِ﴾ قال مقاتل: كالجبال (٢). وقال الكلبي: كالسحاب، يزيد في عظمها وارتفاعها يكون كالجبال والسحاب التي تظل من تحتها (٣). وقال ابن عباس: يريد مثل السعائف (٤) (٥). قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ أي من هول ما هم فيه، نجاهم حين أفضوا وانتهوا إلى البر. قال صاحب النظم: المراد من قوله: فلما نجاهم: الاستقبال، وإن كان لفظه لفظ الماضي، بدليل قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾. ولما لا يقتضي جوابًا بالفاء، وأراد فمنهم مقتصد ومنهم جاثر، ودل على هذا المضمر قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ فأومأ بهذا إلى هذا، نقيض قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِد﴾. ونقيض الاقتصاد: الجور، والجور هاهنا: الجحد بآيات الله، وإذا كان معنى الجور هاهنا الجحد، وجب أن يكون الاقتصاد الذي هو عند الإقرار بآيات الله، وهذا كله معنى قول مقاتل، فإنه يقول في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ عدل في الوفاء

стр. 10340

في البر بما عاهد الله عليه في البحر من التوحيد له يعني المؤمن، ثم ذكر المشرك الذي ترك التوحيد في البر بعد أن دعاه مخلصًا في البحر (١)، بقوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ غدار ﴿كَفُورٍ﴾ لله نعمه حين ترك التوحيد في البر. وقال الكلبي في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ هم المؤمنون (٢). وقال ابن عباس: مقتصد موف بما عاهد عليه الله في البحر (٣). وقال مجاهد: مقتصد في القول، وهو كافر مضمر للكفر (٤). والوجه هو الأول، وقوله: ﴿كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ قالوا: كلهم: كل غدار بعهد الله (٥). وقال أهل اللغة: الختر أسوأ الغدر وأقبحه (٦)، وأنشدوا (٧) للأعشي (٨): بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير ختار يقال: [ختر] (٩) ويختِر ويخترُ بالكسر والضم [لغتان] (١٠) خترًا وختورًا.

стр. 10341

ثم خاطب كفار مكة فقال: ٣٣ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ قال ابن عباس: كل امرئ تهمه نفسه (١). وقال مقاتل: يعني لا تغني والدة عن ولدها شيئًا من المنفعة يعني الكفار (٢). وهذه الآية كقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] وقد مر تفسيره، والكلام في الراجع إلى اليوم في سورة البقرة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي بالبعث. ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ هو عن الإسلام. ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ﴾ أي حلم (٣) الله وإمهاله. ﴿الْغَرُورُ﴾ يعني الشيطان. قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهما (٤). قال مقاتل: هو إبليس (٥). والغرور: الذي من شأنه أن يغر ويخدع. ٣٤ - وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾. قال مجاهد ومقاتل: نزلت في رجل من أهل البادية اسمه: الوارث بن عمرو المجازي (٦) أتى النبي ﷺ فقال: إن أرضنا أجدبت فمتى

стр. 10342

الغيث؟ وتركت امرأتي حبلى فماذا تلد؟ وقد علمت أين ولدت فبأي أرض أموت؟ وقد علمت ماذا عملت اليوم فما أعمل غدًا؟ ومتى الساعة؟ فأنزل الله في مسألة المجازي: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (١). وروي عن أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: "ما المسئول عنها بأعلم بها من السائل، ولكن خمس لا يعلمهن إلا الله"، ثم قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (٢). روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم ذكر ما في الآية" (٣). وقال ابن عباس في هذه الآية: الخمس لا يعلمها ملك مقرب ولا

стр. 10343

نبي مصطفى، فمن ادعى أنه يعلم شيئًا من هذه فقد كفر بالقرآن؛ لأنه خالفه (١). قال مقاتل: فلما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ : "أين السائل عن الساعة؟ " فقال المجازي ها أنا، فقرأ عليه النبي ﷺ هذه الآية (٢). قوله تعالى: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾. قال الفراء: (اجتزأ بتأنيث أرض من أن يظهر في أي تأنيثا آخر) (٣). قال الأخفش: (وتقول: مررت بجارية أي جارية، وأية جارية) (٤) وجئتك بملاة أي ملاة وأية ملاة، كل جائز.

стр. 10344

(٣٢) سورة السجدة

стр. 10345

سورة السجدة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ٣ - (الم) مضى تفسيره في مواضع. وقال ابن عباس: ألف الله، واللام [لام] (١) جبريل، والميم محمد ﷺ (٢). قوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ ذكر أبو إسحاق فيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه خبر ابتداء، على إضمار الذي نتلوا (٣) تنزيل الكتاب. قال: ويجوز أن يكون خبر عن آلم أي آلم من تنزيل الكتاب قال: ويجوز أن يكون رفعه على الابتداء، ويكون خبره الابتداء. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (٤) قال مقاتل: يعني لا شك فيه أنه تنزيل (٥). ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ﴾ قال الزجاج: معناه بل أيقولون (٦). وذكرنا تفسير (بل) إذا لم يتقدمه استفهام، عند قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا﴾ [البقرة: ١٠٨] وفي مواضع.

стр. 10346

وقوله: ﴿افْتَرَاهُ﴾ قال ابن عباس: تقوله (١). وقال مقاتل: افتراه محمد من تلقاء نفسه فكذبهم الله (٢). فقال: ﴿بَلْ هُوَ﴾ أي القرآن. ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ قال الكلبي: يعني العرب (٣). قال قتادة: كانوا أمة أمية (٤) ، لم يأتهم نذير قبل محمد ﷺ (٥). قال أبو إسحاق: (هذا كقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ أي لم يشاهدوا هم ولا آباؤهم نبيا، قال: والحجة ثابتة عليهم بإنذار من تقدم من الرسل وإن لم يأتهم نذير (٦). وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ قال مقاتل وابن عباس: لكي يرشدوا من الضلالة (٧). ٤ - قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٨) مفسر في سورة الأعراف (٩) ويونس (١٠).

стр. 10347

وقوله: ﴿مَا لَكُمْ﴾ يعني كفار مكة ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد غيره (١). ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ قريب ينفعكم في الآخرة، ويرد سخطه عنكم. قاله ابن عباس ومقاتل (٢). ﴿وَلَا شَفِيعٍ﴾ من الملائكة وغيرهم يشفع لكم. ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أفلا تتعظون. ٥ - قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ فيه قولان للمفسرين وأصحاب المعاني: أحدهما: قول ابن عباس في رواية عطاء قال: ينزل القضاء والقدر من السماء إلى الأرض] (٣) ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ يريد يرجع إليه ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ من أيام الدنيا. وهذا القول اختيار صاحب النظم، وقد شرحه وبينه، فقال: قوله ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يعني به (٤) أمر الدنيا إلى آخره، يدبره الله مدة أيام الدنيا، ثم يعرج إليه ذلك الأمر والتدبير بعد إنقضاء الدنيا وفنائها، ومعنى يعرج يرتفع، ومعنى يرتفع يصير، كقولك: ارتفع أمرنا إلى الأمير، أي صار إليه (٥). قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ وهو يوم القيامة، مقداره ألف سنة، هذا كلامه. وأما قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فسنذكر الكلام فيه إذا انتهينا إليه إن شاء الله. القول الثاني: أن معنى

стр. 10348

الآية تنزل الوحي والقضاء مع جبريل من السماء إلى الأرض، ثم يصعد جبريل إلى السماء في يوم واحد من أيام الدنيا -وقدره مسيرة ألف سنة- خمسمائة نزول وخمسمائة صعودة لأنه ينزل مسيرة خمسمائة عام ويصعد مثله، فذلك ألف سنة، كل ذلك في يوم واحد من أيام الدنيا. وهذا قول مقاتل والسدى وقتادة (١). وذكره مقاتل فقال: يقضي الأمر في السماء وينزله مع الملائكة إلى الأرض، فيوقفه ثم يصعد إلى السماء، فيكون نزولها به ورجوعها في يوم واحد مقداره ألف سنة مما تعدون، يريد مقدار المسير فيه على قدر مسيرنا وعددنا ألف سنة؛ لأن بعد ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام لابن آدم، إذا (٢) قطعته الملائكة بادية وعائدة في يوم واحد فقد قطعت مسيرة ألف سنة في يوم. فعلى القول الأول (يعرج) خبر (الأمر)، والهاء في إليه كناية عن الله، والمراد باليوم يوم القيامة. وعلى القول الثاني (يعرج) خبر عن الملك ولم يجر له ذكر، والهاء في (إليه) كناية عن السماء على لغة من يذكِّرُه. وقوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ﴾ أي مقدار المسير فيه، يعني مسير الملك، والأول أليق بظاهر اللفظ، وهذه الآية مما ترك ابن عباس الكلام فيه، فقد روي أن عبد الله بن فيروز سأله عن هذه الآية وقوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال ابن عباس: أيامًا سماها الله، وما أدر ما هي،

стр. 10349

وأكره أن أقول فيها ما لا أعلم، ثم سأل سعيد (١) بن المسيب عن هذه الآية فلم يدر ما يقول فيها حتى أخبر بما قال ابن عباس، فقال للسائل: هذا ابن عباس فقد اتقى أن يقول فيها، وهو أعلم مني (٢). ٦ - وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ قال مقاتل: يعني الذي صنع ما ذكر من هذه إلاَّشياء (٣). ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ وقال ابن عباس: عالم ما غاب عن خلقي، وعالم ما حصره خلقي (٤). ﴿الْعَزِيزُ﴾: المنيع في ملكه ﴿الرَّحِيمُ﴾: باوليائه وأهل طاعته. ٧ - قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ وقرئ (خَلَقه) بفتح اللام على الفعل، فمن قرأ (خَلْقه) بسكون اللام، ففيه وجهان: أحدهما (٥): أن التقدير الذي أحسن خلق كل شيء. وهو قول قتادة (٦)،

стр. 10350

واختيار الأخفش (١) وصاحب "النظم". وذكره أبو إسحاق وأبو علي (٢). قال الأخفش في قوله: (خَلْقَه) على البدل، يعني أنه أبدل خلقه من كل شيء (٣). وقال صاحب النظم: من سكن اللام فيه تقديم وتأخير على تأويل: أحسن خلق كل شيء، إلا أنه لما قدم كل شيء، والمراد خلق كل شيء، أبدل منه دلالة عليه بالكناية عنه. وقال أبو علي: فجعل (خلقه) بدلاً من (كل)، فيصير التقدير الذي أحسن خلق كل شيء (٤). وأما معنى ﴿أَحْسَنَ﴾ فقال (٥) ابن عباس في رواية عطاء: أتقن ما خلق. وهو لفظ مجاهد (٦). ومعنى الإحسان هاهنا الإتقان والإحكام. وروي عكرمة عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: أما أن است القرد ليست بحسنة ولكن أحكم خلقه (٧). وقال مقاتل: علم كيف يخلق الأشياء من غير أن يعلمه أحد (٨). قال السدي: أحسنه لم يتعلمه من أحد (٩). ومعنى الإحسان على هذا القول

стр. 10351

العلم، قال: فلان يحسن كذا، إذا كان يعلمه. وقال صاحب "النظم": معنى الخلق التقدير، ومعنى ذلك أنه لما طول رجل البهيمة، والطائر طول عنقه؛ لئلا يتعذر عليه ما لا بد به من قوته، [ولو] (١) تفاوت ذلك لم يكن له معاش، وكذلك كل شيء من أعضاء الحيوان مقدر لما يصلح له معاشه. وقال أبو إسحاق: تأويل الإحسان في هذا أنه خلقه على إرادته، فخلق الإنسان في أحسن تقويم، وخلق القرد على ما أحب، وخلقه إياه على ذلك من أبلغ الحكمة (٢). الوجه الثاني في هذه القراءة: أن قوله: ﴿خَلَقَهُ﴾ وإنتصب على المصدر الذي دل عليه أحسن، والمعنى الذي خلق كل خلقه. قاله الزجاج (٣). وشرحه أبو علي فقال: خلقه ينتصب على أنه مصدر دل عليه ما تقدم من قوله: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾؛ لأن قوله أحسن كل شيء [يدل على خلقه كل شيء] (٤) (٥). والضمير في خلقه كناية عن اسم الله تعالى، والذي يدل على ذلك أنه مصدر لم يسند الفعل المنتصب عنه إلى فاعل ظاهر، وما كان من هذا النحو أضيف المصدر فيه إلى الفاعل نحو: صنع الله. ووعد الله، وكتاب الله، فكما أضيف هذه المصادر إلى الفاعل كذلك يكون خلقه

стр. 10352

مضافًا إلى ضمير الفاعل، وهذا الذي ذكرنا مذهب سيبويه (١). وعلى هذا التقدير معنى الآية الذي خلق كل شيء. ومن قرأ خلق بفتح اللام، كان صفة للنكرة المتقدمة، وموضع الجملة يحتمل وجهين: أحدهما: إن جعلتها صفة لكل كانت في موضع نصب، وإن جعلتهما وصفًا لشيء كانت في موضع جر، ومثل وصف النكرة بالجملة قوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢]، فقوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ وصف لكتاب، وموضع الجمل رفع، والدليل على ذلك رفع مبارك بعده فتعلم بارتفاع المفرد أن الجملة قبله في موضع رفع (٢). ومعنى الإحسان على هذه القراءة يحتمل العلم ويحتمل الأحكام. قال الكلبي: أحكم كل شيء عمله، فلم يعنه عليه أحد (٣). قوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ قال مقاتل: يعني آدم، كان أوله طينًا فلما نفخ فيه الروح صار لحمًا (٤). ٨ - وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: ولده وذريته (٥). ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾ تقدم تفسيرها (٦). ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ قال ابن عباس

стр. 10353

والكلبي ومجاهد ومقاتل: من ماء ضعيف، وهو النطفة، كل هؤلاء قالوا: المهين: الضعيف (١). قال الزجاج: هو فعيل من المهانة، وهي القلة (٢). وذكر ذلك في قوله: ﴿كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠]. وقال الليث: رجل مهين حقير، وقد مهن مهانة (٣). قال أبو زيد: رجل مهين للضعيف من قوم مهناء (٤). ٩ - قال مقاتل: ثم رجع إلى آدم فقال: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ يعني: سوى خلقه ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾، ثم رجع إلى ذرية آدم فقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ﴾ يعني بعد أن كنتم [نطفًا] (٥) السمع والأبصار والأفئدة (٦). وهذه نعم فلم يشكروا ربهم، فذلك قوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ يعني بالقليل أنهم لا يشكرون رب هذه النعمة في حسن خلقه فتوحدونه (٧) هذا كلامه (٨). وبعض المفسرين يجعل (٩) قوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ من صفة قوله: ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ (١٠).

стр. 10354

ثم نزل في منكري البعث. ١٠ - قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: يريد أئذا صرنا (١) ترابًا ورفاتًا (٢). وقال مجاهد ومقاتل: (هلكنا في الأرض وصرنا ترابًا) (٣). وقال السدي: بليت أجسادنا في التراب (٤). وقال أبو عبيدة: (همدنا) (٥) في الأرض (٦). وقال أبو إسحاق: صرنا ترابًا (٧) فلم يبين شيئًا من خلقنا (٨). وقال ابن قتيبة: (بطلنا) (٩) [الأرض] (١٠). وأصل هذا من الضلال بمعنى الغيبوبة، يقال: ضل اللبن في الماء إذا غاب، وأضل الميت في القبر إذا غيبته في التراب (١١).

стр. 10355

قال المخبِّل (١): أضلت بنو قيس (٢) بن سعد عميدها ... وفارسها في الدهر قيس بن عاصم (٣) يعني: دفنته. وقال النابغة: فتاه مضلوه بعين جليةٍ (٤) يريد مضليه: دافنيه. وقوله تعالى: ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ استفهام بمعنى الإنكار، أنكروا أن يعاد خلقهم جديدًا بعد الموت. قال ابن عباس: أنكروا قدرة سيدهم ﷻ (٥).

стр. 10356

قال أبو علي: موضع إذا نصب بما دل عليه قوله: ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وذلك أن هذا الكلام يدل على: تعاد، والتقدير: أتعاد [أئذا ضللنا] (١) في الأرض، وقد تقدم ذكر ذلك (٢). قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ يعني بالبعث [كافرون] (٣) لا يؤمنون به. قاله ابن عباس ومقاتل (٤). ١١ - وقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ قال أبو إسحاق: تأويله أنه يقبض أرواحكم أجمعين، فلا ينقص واحد منكم، كما تقول: قد استوفى فلان، وتوفيت مالي عنده، تأويله أنه لم يبق لي عليه شيء (٥). قوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ﴾ قال ابن عباس: يريد وكل بقبض أرواحكم (٦). ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾. قال مقاتل: يريد بعد الموت تصيرون إليه أحياء، فيجزيكم بأعمالكم (٧). ١٢ - قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ إذ تكون للماضي، وهذا إخبار عما هو آت بعد، وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى

стр. 10357

النَّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧]. قال مقاتل: يعني كفار مكة (١). قوله: ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ أي مطأطئوها. وقال [ابن عباس] (٢): من الندامة (٣). وذلك أن النادم من شأنه أن يطأطئ رأسه متفكرًا متحيرًا، فالإضافة في قوله: ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ في تقدير الانفصال؛ لأنه لم يأت بعد لا (٤) للماضي، وقد مضى مثل هذا كثير كقوله: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: ٩] ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وذكرنا استقصاء هذه الآية عند قوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ في سورة النساء [: ٩٧]. وقوله: ﴿رَبَّنَا﴾ أي: يقولون ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ ما كنا نجهل، وسمعنا ما كنا ننكر ﴿فَارْجِعْنَا﴾ إلى الدنيا ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ نقول: لا إله إلا الله. ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ يريد: أيقنوا ذلك اليوم ما كانوا ينكروا (٥). قاله ابن عباس (٦). قال أبو إسحاق: وهذا متروك الجواب، والجواب: لرأيت ما يعتبر به غاية الاعتبار (٧). ١٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ (٨) قال ابن

стр. 10358

عباس ومقاتل: رشدها وبيانها (١). وهذا كقوله ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥]. ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد هذا قضائي وقدري في ملكي وربوبيتي (٢). وقال مقاتل: يعني من كفار الإنس والجن جميعًا (٣). والقول الذي وجب من الله، قوله لإبليس يوم عصاه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] والآية صريح (٤) في تكذيب القدرية (٥)؛ لأن الله تعالى قد أخبر بهذه الآية أن من لم يؤمن فإنما ذلك لأنه لم يشأ أن يؤتيه هداه. ١٤ - وقوله: ﴿فَذُوقُوا﴾ قال مقاتل: إذا دخلوا النار، قالت لهم الخزنة: فذوقوا العذاب (٦). ويجوز أن يكون المعنى: ويقال لهم: فذوقوا، فيكون القائل هو الله تعالى. قال أبو علي: المعنى فذوقوا العذاب بما نسيتم، فحذف واستغني

стр. 10359

عن ذكره للعلم به وكثرة تردده، في نحو: [ذوقوا العذاب] (١) و ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ [السجدة: ١٤]، و ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ﴾ [السجدة: ٢٠، سبأ: ٤٢]. ومثل ذلك في الشعر [قوله] (٢): كأنَّ لها في الأرض نسيًا تقصه ... على أمها وإن تحدثك تبلت (٣) أي: تقطع الحديث (٤). قوله تعالى: ﴿بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد تركتم لقاء يومكم، يريد حيث لم تعملوا لله بما يحب [ويرضى] (٥) (٦). وقال مقاتل: بما تركتم الإيمان بيومكم هذا (٧). وقال السدي: بما تركتم أن تعملوا للقاء يومكم هذا (٨). ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ تركناكم في العذاب ومن الرحمة. قاله مقاتل والسدي (٩). وتأويل النسيان هاهنا الترك في قول المفسرين وأهل

стр. 10360

المعاني (١). ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ قال مقاتل: الذي لا ينقطع (٢). ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الكفر والتكذيب. ثم ذكر المؤمنين فقال: ١٥ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: وعظوا بآيات القرآن (٣) ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ سقطوا على وجوههم ساجدين. ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ قالوا: سبحان الله وبحمده، وسبحان ربي الأعلى. وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن السجود كفعل كفار مكة. ١٦ - قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ قال الليث: يقال: جفا الشيء يجفو جفاء ممدودًا، إذا سأل السرج (٤)، يجفو عن الظهر إذا لم يلزمه وكالجنب يجفوا عن الفراش وأنشد: إن جنبي عن الفراش لنائي (٥) ... كتجافي الأسر فوق الظراب (٦) (٧)

стр. 10361

ومن هذا يقال: جفت عيني فلان عن الغمض، إذا نبت عنه لم ينم، ومنه قوله: جفت عيني عن التغميض حتى ... كأن جفونها عنها قصار (١) قال أبو عبيدة والزجاج وابن قتيبة: تتجافي ترتفع (٢). وقال الفراء: تقلق (٣). وقوله: ﴿عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ المضجع: الموضع الذي يضطجع عليه، وجمعه المضاجع، وقيل ما يستعمل ضجع يضجع من باب الثلاثي، إنما يشعمل مضجع واضطجع. قال ابن عباس في تفسير المضاجع: هي الأوطية (٤). واختلفوا في الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع من هم؟ فقال الحسن ومجاهد وأبو العالية: هم المجتهدون بالليل (٥). وهو بمعنى قول ابن عباس في رواية عطاء.

стр. 10362

وروي ذلك مرفوعًا في حديث معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال في قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ هو: "هو قيام العبد بالليل" (١). وقال آخرون: هم الذين كانوا لا ينامون حتى يصلون العشاء الآخرة، وهو قول أنس بن مالك ومجاهد وعطاء (٢). قال أنس: نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة. وقال مجاهد: نزلت في ناس من الأنصار، كانوا لا ينامون حتى يصلون العشاء الآخرة. وقال عطاء: هي العتمة، يعني يصلونها ولا ينامون عنها (٣). وقال آخرون: هم الذين يصلون بين صلاة المغرب إلى صلاة العشاء (٤) الآخرة، فأنزل الله هذه الآية (٥). روى قتادة عنه قال: نزلت فينا معاشر الأنصار، كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع النبي ﷺ (٦). قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ قال ابن عباس: خوفًا من

стр. 10363

النار، وطمعًا في الجنة (١). وقال مقاتل: خوفًا من عذابه، ورجاء في جنته (٢). قال أبو إسحاق: (وانتصاب (٣) خوفًا وطمعًا؛ لأنه مفعول له، وحقيقته أنه في موضع مصدر؛ لأن ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ في هذا الموضع يدل على أنهم يخافون ويرجون، فهو في تأويل: يخافون خوفًا ويطمعون طمعًا (٤). قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال الكلبي: في الواجب عليهم والتطوع (٥). ١٧ - وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [أو] (٦) لا يعلم أحد ما خبئ لهؤلاء الذين ذكرهم مما تقر به أعينهم، وتفسير هذه الآية ما رواه الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "يقول الله : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بله ما أطلعتكم عليه، اقرأوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (٧) ".

стр. 10364

قال ابن عباس في هذه الآية: هذا مما لا تفسير له، الأمر أعظم وأجل مما يعرف تفسيره (١). وقال أبو إسحاق: هذه الآية دليل على أنه يجازي عليه أخفي لهم (٢). وهذا الذي ذكره أبو إسحاق جيد موافق لما ذكره القرطبي (٣) في هذه، قالوا: إنهم [أخفي] (٤) أخفوا لله عملًا فأخفى لهم ثوابًا، فقدموا على الله فقرت تلك الأعين. وقال الحسن: أخفوا أعمالاً في الدنيا فأثابهم الله بعملهم (٥). وروى ابن عباس في هذه الآية أنه دخل على بعضهم وذكر له هذه الآية فقال: العبد يعمل سرًا أسره إلى الله لم يعلم به الناس، فأسر الله له يوم القيامة قرة أعين (٦). وقرأ العامة: أخفى، على الفعل الماضي فعل ذلك، اختاره أبو عبيدة قال: لأن الله تعالى قد فرغ منه هو كائن. وقرأ حمزة: أخفى بإسكان الياء، أي ما أخفى لهم أنار حجته، قراءة عبد الله: نخفي بالنون (٧). قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال أبو إسحاق: انتصب جزاء،

стр. 10365

لأنه مفعول له (١). ١٨ - قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ قال السدي: نزلت في علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة (٢) بن أبي معيط، وذلك أنه جرى بينهما تنازع وسباب، فقال له الوليد: اسكت فإنك صبي، وأنا والله أبسط منك لسانًا (٣). فقال له علي: اسكت، فإنك فاسق تقول الكذب فأنزل الله هذه الآية تصديقًا لما قاله علي (٤). وقال ابن عباس في رواية عطاء: الفاسق عقبة بن أبي معيط. واختار الزجاج هذا (٥). والباقون قالوا: هو الوليد بن عقبة (٦). قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ قال الفراء: (ولم يقل: يستويان؛ لأن
следующие страницы →