← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 10571–10610 · переход к 10576.

стр. 10571

الله أعلمهم أن الملائكة الذين يعبدونهم بهذه الحال من الخوف والفزع، كيف يعبدون من هو بهذه الصفة. أفلا يعبدون من تخافه الملائكة؟! ومذهب مجاهد والحسن وابن زيد في هذه الآية: أن الكناية في قوله: ﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ للمشركين، يقول: حتى إذا كشف الفزع عن قلوبهم في الآخرة إقامة الحجة عليهم، قالت الملائكة لهم: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ في الدنيا ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ فأقروا حين لا ينفعهم (١). وعلى هذا القول أيضًا وجه النظم ما ذكر. وقوله: ﴿الْحَقَّ﴾ قال الزجاج وأبو علي: التقدير: قالوا: قال الحق (٢). ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، قال مقاتل: يعني الرفيع الذي فوق خلقه، الكبير العظيم فلا شيء أعظم منه (٣). ٢٤ - قوله: ﴿قُلْ﴾ أي: لكفار مكة. ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تقدم تفسيره في سورة يونس (٤). وهذا احتجاج عليهم بأن الله الذي يرزق هو المستحق للعبادة لا غيره مما لا يرزق، وأخبر عنهم في سورة يونس أنهم يعتقدون بأن الرزاق هو الله، وهو قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾. وهاهنا أمر النبي ﷺ بأن يقول: الرزاق هو الله، هو قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ والمعنى: استفهم عن الرزاق، ثم أخبر أني أنا الرزاق، وذلك أنه إذا استفهم لم يمكنهم أن يثبتوا رازقًا غير الله، فثبت الحجة عليهم بقوله ﷺ ،

стр. 10572

أي: هو الله. وقال صاحب النظم: هذا محمول على أنه لما أمر بقوله: ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ﴾ بعد الأمر قل لهم ذلك، فقالوا له: فمن يرزقنا، فأجابهم الله بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ وتم الكلام، ثم أمره بأن يخبرهم أنهم على الضلال بعبادة غير الله بقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ الآية، على تقدير: ثم قل: وإنا أو إياكم. روى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية: الألف صلة للكلام يريد ألف أو (١). وشرح صاحب النظم هذا فقال: أو هاهنا بمنزلة واو النسق، وتأويلهما مبتدآن مجموعان لها جوابان مجموعان، فيرد إلى كل واحد منهما ما يقتضي، وهو أن يكون الهدى لقوله: ﴿وَإِنَّا﴾، والضلال لقوله: ﴿إِيَّاكُمْ﴾، قلنا في أشباهه مثل قوله: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] فابتغاء الفضل بالنهار والسكون بالليل، ومنه قول امرئ القيس: كأن قلوب الطير رطبا ويابسًا لدي ... [ذكراها] (٢) العناب والحشف البالي (٣) وهذا الذي ذكره صاحب النظم، هو معنى قول أبي عبيدة قال: معناه

стр. 10573

إنا لعلى هدى، وإنكم لفي ضلال مبين (١). وهو معنى قول مقاتل: نحن وأنتم أمر واحد أن أحد الفريقين لعلى هدى، يعني: النبي نفسه وأصحابه، وإنكم لفي ضلال مبين، يعني: كفار مكة (٢). وعلى هذا القول يجب أن يكون أو في، قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ وقوله: ﴿أَوْ فِي ضَلَالٍ﴾ يعني واو النسق، وهو مذهب المفسرين. قال الفراء: (معنى " أو" معنى الواو عند المفسرين، والعربية على غير ذلك، لا تكون "أو" بمنزلة الواو كما تقول: خذ درهمًا أو اثنين، فله (٣) أن يأخذ واحداً أو اثنين، وليس له أن يأخذ الثلاثة، وفي قول من لا يبصر العربية ويجعل "أو" بمنزلة الواو يجوز له أن يأخذ الثلاثة؛ لأنه في قولهم بمنزلة: خذ درهمًا واثنين. والمعنى في ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾: إنا لضالون أو مهتدون، وهو تعالى يعلم أن رسوله المهتدي وأن غيره الضال، وأنت تقول في الكلام للرجل: والله إن أحدنا لكاذب، نكذبته كذبًا غير مكشوف، وهو في القرآن وكلام العرب كثير أن يوجه الكلام إلى أحسن مذاهبه إذا عرف، كقولك لمن قال فلان وهو كاذب في ذلك قل: إن شاء الله، أو قل: فيما أظن، فتكذبه بأحسن من صريح التكذيب) (٤). ونحو هذا قال الكسائي والأخفش والمبرد، قالوا: ليس معنى أو هاهنا الشك، وقد يتكلم بمثل هذا من لا يشك، كقول القائل: أنا اختار كذا ويختار ابن (٥) كذا وأحدنا مخطئ،

стр. 10574

وليس يشك في خطأ صاحبه، وأنشدوا لأبي الأسود. يقول الأرذلون بني (١) قشير ... طوال الدهر ما ننسى عليا بنو عم النبي وأقربوه ... أحب الناس كلهم إليا فإن يك حبهم رشدًا أصبه ... ولست بمخطئ إن كان غيا (٢) فقاله عن غير شك، وقد أيقن أنه ليس بغي، ولكنه استظهار في الحجاج (٣). وقال أبو إسحاق: في التفسير وأنا على هدى وإنكم إلى ضلال، وهذا في اللغة غير جائز لكنه يؤول إلى هذا المعنى، والمعنى: إنا لعلى هدى أو في ضلال، وهذا كما يقول القائل: إذا كانت الحال تدل على أن أحدنا صادق أو كاذب ويؤول معنى الآية إلى: إنا لما أقمنا من البرهان لعلى هدى، وإنكم لفي ضلال مبين هذا كلامه (٤). وهو موافق لقول الفراء (٥). وتلخيص الآية: أن أو ظاهرة للشك وليس المعنى على ذلك، والمفسرون راعوا حقيقة المعنى، ولذلك جعلوا أو بمنزلة الواو. ٢٥ - قوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: لقومك. ﴿لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ قال ابن عباس: لا تؤاخذون بجرمنا، ولا نسأل عن كفركم وتكذيبكم، وهذا

стр. 10575

على التبري منهم ومن أعمالهم (١) كقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]. وهذا مما نزل قبل السيف (٢). ٢٦ - ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ يعني بعد البعث في الآخرة يوم القيامة. ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ ثم يقضى ويحكم بيننا بالعدل. ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ﴾ القاضي. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما يقضى. ٢٧ - قوله: ﴿قُلْ﴾ للكفار ﴿أَرُونِيَ﴾ أعلموني. ﴿الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾ أي: ألحقتموهم بالله في العبادة معه شركاء، وهو نصب على الحال، وفي الآية محذوف به يتم المعاني (٣) بتقدير: هل يرزقون ويخلقون وينفعون ويضرون، ثم قال: ﴿كَلَّا﴾ [قال أبو إسحاق: معنى كلا] (٤) قالوا لما قال لهم: ﴿أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾ هم (٥) هذه الأصنام أو ما أشبه ذلك من الكلام، فرد الله عليهم بقوله: ﴿كَلَّا﴾.

стр. 10576

قال أبو إسحاق: (معنى كلا ردع وتنبيه، المعنى: ارتدعوا عن هذا القول وانتهوا عن ضلالكم) (١). وهذا يدل على أنهم أجابوا النبي ﷺ بما يوجب زجرهم وردعهم. قوله: ﴿بَلْ﴾ أي: ليس الأمر على ما ذكرتم إلحاق الشركاء (٢) به الذي يضر وينفع ويخلق ويرزق. ﴿هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾ في ملكه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أمره. ٢٨ - قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ قال ابن عباس: يريد لجميع الخلق (٣). وقال مقاتل: يعني عامة (٤). وهو قول أبي عبيدة وابن قتيبة (٥). وعلى هذا يجب أن يكون التقدير: إلا للناس كافة، كقوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾، فيكون المعنى: وما أرسلناك إلا للناس كلها عامة أحمرهم وأسودهم (٦). وذكرنا معنى الكافة (٧) فيما تقدم.

стр. 10577

وقال أبو إسحاق: (المعنى: أرسلناك جامعًا للناس بالإنذار والإبلاغ) (١). والكافة على هذا معناه: الجامع الذي يمنع أن يشذوا (٢)، النبي ﷺ جامع للناس كلهم في الإنذار والتبشير [جامع] (٣) مانع من أن يشذ واحد عن حكم رسالته. والهاء في الكافة تكون للمبالغة، ويجوز أن يكون الكافة مصدرًا على فاعلة، كالخاينة والكاذبة واللاعنة، ويكون (٤) التقدير على حذف المضاف بمعنى: إلا ذا كافة للناس، أي: ذا منع لهم من أن يشذوا عن تبليغك. وهذا الوجه يقوي قول من ذهب في معنى الآية إلى أنه بعث ليكف الناس عما هم عليه من الكفر. ولا يحتاج في هذا القول إلى تقدير التقديم والتأخير، وقوله: ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال مقاتل: يعني كفار مكة (٥). ٢٩ - وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ يعنون بالوعد (٦) للعذاب الذي ينزل بهم بعد الموت في قول ابن عباس (٧). وإنما قالوا هذا؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث. وقيل: يعنون العذاب النازل بهم في الدنيا. وهو قول

стр. 10578

الربيع (١). ٣٠ - فقال الله: ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ﴾ الآية. قال ابن عباس: يريد يوم القيامة (٢). وقال الضحاك: يوم النزع والسياق. وعلى قول الربيع هو يوم بدر؛ لأن ذلك اليوم كان ميعاد عذابهم في الدنيا (٣). ٣١ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: مشركي مكة. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يعني التوراة والإنجيل (٤). قال الفراء: لما قال أهل الكتاب صفة محمد ﷺ في كتابنا، كفر أهل مكة بكتابهم (٥). ثم أخبر الله عن حالهم في الآخرة بقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ قال مقاتل: يعني: مشركي مكة (٦). ﴿مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قال ابن عباس: يريد يوم القيامة. ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ قال: يجادل بعضهم بعضًا (٧).

стр. 10579

وقال مقاتل: يرد بعضهم على بعض القول (١). ثم أخبر عن جدالهم وما يجري بينهم فقال: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ وهم الأتباع. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ يعني: الذين تكبروا عن الإيمان، وهم الأشراف القادة. ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾ معشر الكبراء. ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ مصدقين بتوحيد الله. ٣٣ - وقوله: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، قال قتادة: بل مكركم بالليل والنهار (٢). وقال الكلبي ومقاتل: بل قولكم لنا بالليل والنهار (٣). قال الأخفش: الليل والنهار لا يمكران لأحد، ولكن يمكر فيهما، كقوله (٤): ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣] وهذا من سعة العربية (٥). وقال المبرد: (أي بل مكركم بالليل والنهار، كما تقول العرب: نهاره صائم وليله قائم، أي: هو قائم في ليله صائم في نهاره. وقال جرير: لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطي بنائم) (٦) (٧)

стр. 10580

وأنشد سيبويه: قيام لي ويحل هي .. (١) أي: نمت فيه، ونحو هذا قال الفراء (٢) والزجاج (٣). وذكر في مكر الليل والنهار قولان آخران، كلاهما غير سائغ في اللغة والتأويل فتركتهما، وذكرنا معنى قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ [يونس: ٥٤] (٤). قوله: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس: غلو بها في النيران والشركاء، وهم من الشياطين (٥). وقوله: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ استفهام معناه التوبيخ، والتقدير: إلا جزاء ما كانوا يعملون. قال مقاتل: من الشرك في الدنيا (٦). ٣٤ - وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ﴾ أي: نبي ينذر أهل تلك القرية ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ قال ابن عباس: الملوك وأهل الغنى (٧). وقال

стр. 10581

مقاتل: أغنياؤها وجبابرتها (١). وقال أبو إسحاق: أو (٢) الترفه وهم رؤساؤها (٣). ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ وهو التوحيد ﴿كَافِرُونَ﴾. ٣٥ - قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ قال ابن عباس: يعني مشركي [مكة] (٤)، افتخروا على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين بأموالهم وأولادهم، وظنوا أن الله تعالى إنما خولهم بالمال والولد الكرامة لهم عنده فقالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أي: أن الله قد أحسن إلينا بالمال والولد فلا يعذبنا، فقال ابن عباس (٥): أنكروا البعث والقيامة، فقال الله تعالى لنبيه: ٣٦ - ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ يعني: أن بسط الرزق وتضييقه من الله تعالى يفعله ابتلاء وامتحانًا، وليس شيء منه يدل على ما في العواقب، فلا البسط يدل على رضا الله، ولا التضييق يدل على سخطه. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: أهل مكة. ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك حيث ظنوا أن أموالهم وأولادهم دليل على كرامة لهم عند الله. ٣٧ - ثم صرح بهذا المعنى فقال: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ قال الفراء: (جعل التي جامعة للأموال والأولاد؛ لأن الأولاد يقع عليها التي وكذلك الأموال، فصلح أن يقع عليهما جميعًا التي، ولو قيل بالتي أو بالذين جاز، كما تقول: أما العسكر والإبل فقد أقبلا، ولو قيل: بالذين،

стр. 10582

يذهب إلى تذكير الأولاد وتغليب بني آدم لجاز، ولو قال: لو وجهت التي إلى الأموال واكتفيت بها من ذكر الأولاد لصلح، كما قال الأسدي (١): نحن بما عندك وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف (٢) (٣) واختار أبو (٤) إسحاق هذا القول فقال: (المعنى: وما أموالكم بالتي تقربكم، ولا أولادكم بالذين يقربونكم، ولكنه حذف اختصارًا وإيجازًا) (٥). قوله تعالى: ﴿تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ قال ابن عباس: يريد قربي (٦).

стр. 10583

وقال مقاتل: يعني قربة (١). قال الأخفش: زلفى هاهنا اسم المصدر، كأنه أراد بالتي تقربكم عند تقربنا (٢). وذكرنا معنى الإزلاف عند قوله: ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾ (٣) ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠]، وقوله ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ﴾ (٤) قال الفراء: إن شئت أوقعت التقريب على من، أي: لا تقرب الأموال إلا من كان مطيعًا (٥). ونحو هذا قال الزجاج، قال: موضع من نصب بالاستثناء على البدل من الكاف والميم، على معنى: ما تقرب الأموال إلا من آمن وعمل بها في طاعة (٦). وعلى هذا يجب أن يكون الخطاب في قوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ﴾ للمؤمنين والكافرين. والوجه أن يكون قوله: إلا من، استثناء منقطعًا، على تقدير: لكن من آمن وعمل صالحًا. وعلى هذا يدل تفسير ابن عباس، [فإنه] (٧) قال في قوله: إلا من آمن وعمل صالحًا [يريد] أن عمله

стр. 10584

وإيمانه يقر [بأنه] مني (١). ولم يفسر بان أمواله وأولاده تقربه حتى يكون مستثنى من الخطاب الأول. وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾ قال ابن عباس: يريد يضعف الله لهم حسناتهم (٢). وقال مقاتل: يجزي بالحسنة الواحدة عشرًا فصاعدًا (٣) وقال أبو إسحاق: (جزاء الضعف هاهنا عشر حسنات، تأويله: فأولئك لهم جزاء الضعف الذي قد أعلمناكم مقداره، وهو من قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]) (٤). وقال ابن قتيبة: لم يرد أنهم يجازون على الواحدة بواحدة مثله ولا [اثنين] (٥)، كيف هذا والله يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] ولكنه أراد لهم جزاء الضعف، أي: التضعيف، وجزاء التضعيف الزيادة، أي: لهم جزاء الزيادة. قال: ويجوز أن يجعل الضعف في معنى الجميع (٦)، أي: جزاء الأضعاف، ونحوه ﴿عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ [ص: ٦١]) (٧). وقد مر تفسير الضعف عند قوله: ﴿عَذَابًا ضِعْفًا﴾ (٨)، وتأويل

стр. 10585

قوله: ﴿جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ وهو أن يجازي بالواحد (١) عشر إلى ما زاد، فمعنى إضافة الجزاء إلى الضعف وهو الجزاء، كإضافة الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظ، ويضمر المضاف إليه زيادة معنى نحو: حق اليقين، وصلاة الأولى. ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ أي: من الخير في الدنيا. ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ يعني: غرف الجنة آمنون من الموت. قاله مقاتل (٢). وقال ابن عباس: يريد غرفا من ياقوت ودر وزبرجد آمنون من الموت والعذاب (٣). (وقرأ حمزة: في الغرفة، على واحدة؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥]. فكما أن الغرفة، يراد بها الكثرة والجمع، كذلك قوله ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ يراد بها الكثرة واسم الجنس، وحجة الجمع قوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠]، وقوله: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ [العنكبوت: ٥٨]. وكما أن غرفا جمع كذلك الغرفات ينبغي أن تجمع، والجمع بالألف والتاء قد تكون للكثرة كقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وقول آخر: لنا الجفنات الغر (٤)

стр. 10586

فهذا لا يريد إلا الكثرة؛ لأن ما عداها لا يكون موضع افتخار (١). ٣٩ - قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، وروى أبو عبد عن اليزيدي: أخلف الله لك (٢). وروى سلمة عن الفراء قال: سمعت: أخلف الله عليك، ويقال: أخلف الله لك، أي: أبدل الله لك ما ذهب (٣). ويقال: قد أخلف الشجر إخلافًا، وذلك إذا أخرج ورقًا بعد ورق قد تناثر، والآية مختصرة، لأن المعنى فهو يخلفه لكم أو عليكم. قال سعيد بن جبير: وما أنفقتم من شيء في غير الإسراف ولا تقتير فهو يخلفه (٤). وقال الكلبي: ما تصدقتم وانفقتم في الخير والبر من نفقة فهو يخلفه، إما أن يعجله في الدنيا وإما أن يدخره له في الآخرة. وروى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "كل معروف صدقه وما أنفق المؤمن من نفقة فعلى الله خلفه ضامنًا إلا ما كان من نفقة في [بنيان] (٥) أو معصية" (٦). وقد

стр. 10587

بان بقول هؤلاء أن الآية ليست على ظاهرها من حيث أن كل منفق يستحق خلفًا عاجلاً، بل هو للمقتصدين والمتصدقين، ثم قد يكون عاجلًا في الدنيا ويكون مدخرًا في الآخرة، وقد قال مجاهد في هذه الآية: فإن الرزق مقسوم، فلعل رزقه قليل وهو ينفقه نفقة الموسع عليه (١)، وربما أنفق الإنسان ما له في الخير ثم لم يزل عائلا حتى يموت. وهذا يؤكد ما قدمنا. ٤٠ - وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين (٢). وقال مقاتل: يعني الملائكة ومن عبدها (٣). ﴿يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ معنى هذا الاستفهام كالذي في قوله لعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ (٤) الآية، وهو استفهام توبيخ للعابدين، فنزهت الملائكة ربها عن الشرك وتبرأوا منهم، وهو قوله: ٤١ - ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ تنزيها لك ما أضافوه إليك من الشركاء والمعبودين. ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ قال ابن عباس: ما اتخذناهم عابدين ولا توليناهم، ولسنا نريد غيرك وليا (٥). ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ قال قتادة:

стр. 10588

يعني الشياطين (١). وقال مقاتل: بل أطاعوا الشيطان (٢) في عبادتهم إيانا (٣). ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ يعني: المصدقين بالشياطين. ٤٢ - ثم يقول الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ يعني: الآخرة. ﴿لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ يعني: العابدين والمعبودين. ﴿وَلَا ضَرًّا﴾ أي: نفعا بالشفاعة، ولا ضرًا بالتعذيب، يريد أنهم عاجزين (٤) لا نفع عندهم ولا ضر، وإنما يملكهم الله تعالى. وقال مقاتل: لا تملك الملائكة ولا تقدر أن تدفع عند سوءًا إذا عبدوهم (٥). وعلى هذا يكون التقدير: ولا دفع ضر، فحذف المضاف. ثم أخبر عنهم أنهم يكذبون بمحمد والقرآن، ويسمون القرآن إفكًا وسحرًا، وهو قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. ٤٤ - ثم أخبر أنهم لم يقولوا ذلك عن بينة، ولم يكذبوا محمدًا عن ثبت عندهم، وهو قوله: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ قال قتادة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ قال قتادة:] (٦) ما أنزل على العرب كتابًا قبل القرآن، ولا بعث إليهم نبيًا قبل محمد ﷺ (٧). ونحو هذا قال ابن عباس والكلبي (٨).

стр. 10589

قال الفراء: أي من أين كذبوا بك ولم يأتهم كتاب ولا نذير بهذا الذي فعلوه (١). وقال مقاتل: يقول ما أعطيناهم كتابًا بأن مع الله شريكًا، ولا أرسلنا إليهم رسولًا بذلك (٢). ٤٥ - ثم خوفهم وأخبر عن عاقبة من كان قبلهم من المكذبين فقال: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: الأمم الكافرة. ﴿وَمَا بَلَغُوا﴾ يعني: أهل مكة في قوله الجميع. ﴿مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾] (٣) المعشار والعشير والعشر جزء من العشرة. [قال المفضل] (٤): لم يرد في العدد مفعال إلا هذا، والمرباع الربع (٥) (٦)، وأنشد: لك المرباع منها والصفايا (٧) والمعشار والعشر في قول الجميع. قال ابن عباس: يقول: وما بلغوا قومك معشار ما آتينا (٨) من قبلهم، من القوة وكثرة المال وطول العمر

стр. 10590

وعمران الأرض (١). وقال قتادة: ما بلغوا هؤلاء معشار ما أتوا (٢) أولئك من القوة والجلد، فأهلكهم الله وهم أقوى وأجلد (٣). وهو قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ قال ابن عباس: يقول كيف رأيت ما صنعت بالمكذبين (٤). وقال مقاتل: فكيف كان نكير يعني: تغييري أليس وجدوه حقًّا، يعني: العذاب، يحذر أهل مكة مثل عذاب الذين كانوا أشد منهم قوة (٥). والنكير اسم بمعنى الإنكار. قال أبو عبيدة: نكيري: عقوبتي (٦) [وعناي] (٧). قال الزجاج: وحذفت الياء لأنه آخر آية (٨). ٤٦ - وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ أي: آمركم وأوصيكم، أمر الله نبيه ﷺ قال الزجاج: [أمره] (٩) أن يقول لقومه: ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ (١٠)

стр. 10591

قال مجاهد: لا إله إلا الله (١). وروي ذلك عن ابن عباس (٢). وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: بطاعة الله (٣). وقال مقاتل: بكلمة واحدة الإخلاص (٤). وقال أبو إسحاق: والطاعة تتضمن التوحيد والإخلاص، أي: فأنا أعظكم بهذه الخصلة الواحدة (٥). وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُومُوا﴾ يصلح أن يكون محل (أن) خفضًا على البدل من واحدة، ويصلح أن يكون نصبًا، على تقدير: لأن تقوموا، فحذفت اللام، وهو قول الزجاج (٦). ويصلح أن يكون رفعا بتقدير: هي أن تقوموا لله مثنى وفرادى، تقوموا منفردين ومجتمعين ثم تتفكروا، أي: الواحدة التي أعظكم بها قيامكم وتشمركم لطلب الحق بالفكرة مجتمعين ومنفردين (٧). وتم الكلام عند قوله: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ لتعلموا صحة ما أمرتكم به. قال مقاتل: يقول: ألا يتفكر الرجل منكم وحده ومع صاحبه، فينظر أن في خلق السموات والأرض دليلًا على أن خالقها واحد لا شريك له (٨).

стр. 10592

ثم ابتدأ فقال: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ هذا معنى قول المفسرين في هذه الآية. وأما أصحاب المعاني فإنهم جعلوا الآية متصلة. قال الفراء: أي يكفيني أن يقوم الرجل منكم وحده أو هو وغيره، ثم تتفكروا هل جربتم على محمد كذبًا أو رأيتم به جنونًا، ففي ذلك ما يتيقنون به أنه بني (١). وقال أبو إسحاق: المعنى: ثم تتفكروا فتعلموا أن النبي ﷺ ما هو بمجنون كما يقولون (٢) (٣). وعلى هذا الآية نظمها منفصل، ومعنى قوله. بواحدة، أي: بخصلة واحدة، وهو معنى قول الفراء: يكفيني أن يقوم الرجل منكم وحده أو هو وغيره. وشرح ابن قتيبة الآية على هذا المعنى شرحًا شافيًا فقال: (تأويله أن المشركين قالوا: إن محمدًا مجنون وساحر وأشباه هذا، فقال الله لنبيه ﷺ : قل لهم: اعتبروا أمري بواحدة، وهي أن تنصحوا لأنفسكم ولا يميل بكم هوى عن الحق، فتقوموا لله وفي ذاته مقامًا يخلو فيه الرجل بصاحبه فيقول له: هلم فلنتصادق هل بهذا الرجل جنة قط أو جربنا عليه كذبًا؟ وهذا موضع قيامهم مثنى، ثم ينفرد كل واحد عن صاحبه فيتفكر وينظر ويعتبر (فهذا موضع فرادى، [فإن] (٤) في ذلك ما دلهم على أنه نذير، وكل من يخبر في أمر قد) (٥) اشتبه عليه [واستبهم] (٦) أخرجه من الحيرة فيه: أن

стр. 10593

يسأل ويناظر، ثم يتفكر ويعتبر انتهى كلامه) (١). ومعنى القيام [هاهنا] (٢) التجرد والانكماش لطلب الحق، كما يقال: قام فلان بهذا الأمر، إذا تجرد [لكفايته] (٣). ونظير هذه الآية في اللفظ والمعنى قوله في سورة الأعراف: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٤) وقد مر الكلام فيه. والقراء أيضًا مختلفون في الوقف على قوله: ﴿وَاحِدَةٍ﴾، وكان نافع يرى الوقف عندها، وغيره لا يرى ذلك. وكذلك قوله ثم تتفكروا، كان أبو حاتم يقول: هو تمام، وهو على المذهب (٥) الأول في تفسير الآية (٦). قوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ قال ابن عباس: يريد بين يدي القيامة (٧). وقال مقاتل: بين يدي عذاب شديد في الآخرة (٨). ٤٧ - وقوله: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾، قال أبو إسحاق: (معناه ما سألتكم من أجر على الرسالة التي أؤديها إليكم ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾ وتأويله أي: لست أجر إلى نفسي عرضًا من أعراض الدنيا ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ أي: أني إنما أطلب ثواب الله بتأدية الرسالة) (٩).

стр. 10594

[أجرًا فتتهموني بذلك] (١). ومعنى ﴿مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ أي: لم أسألكم شيئًا، كما يقول القائل: مالي في هذا فقد وهبت لك، يريد ليس فيه شيء. وذكر الكلبي ومقاتل ما دل على أنه كان قد سألهم شيئاً ثم تركه لهم كما يقتضي ظاهر اللفظ، وهو أنهما قالا: إنه سألهم أن لا يؤذوا قرابته فانتهوا عن ذلك، ثم سمعوه يعيب آلهتهم فقالوا: نهانا أن لا نؤذي (٢) قرابته ففعلنا، وهو يذكر آلهتنا ويعيبها، فأكثروا في ذلك فنزل (٣) ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ أي: إن شئتم فآذوهم وإن شئتم فلا توْذوهم. وعلى هذا الأجر الذي سألهم هو الكف عن أقاربه، ثم تركه لهم؛ لقوله: ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾. والقول الأول أصح؛ لأنه وإن سألهم الكف عن أقاربه، فليس ذلك بأجر على تبليغ الرسالة. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ قال ابن عباس: يريد لم يغب عنه شيء (٤). وقال مقاتل: شهيد باني نذير وما بي جنون (٥). ٤٨ - وقوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ قال الليث: القذف: الرمي بالسهم (٦) والحصى والكلام وكل شيء، حتى يقال: قذفت

стр. 10595

الناقة باللحم، أي: رميت به فأكثرت منه (١). وقول النابعة: مقذوفة بدخص النحض بازلها (٢) ومن القذف الذي هو الرمي بالكلام قوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ (٣) وقد مر. قال ابن عباس: يقذف بالحق يريد: يدفع الباطل بالحق (٤). وعلى هذا التقدير: يقذف الباطل بالحق. وقال مقاتل: نتكلم بالوحي (٥). وقال الكلبي: يرمي (٦) بالحق ننزل الوحي من السماء (٧). وهو اختيار

стр. 10596

ابن قتيبة قال: يلقيه إلى أنبيائه (١). وقوله: ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، قال الفراء: (الوجه الرفع؛ لأن النعت إذا جاء بعد الخبر رفعته العرب في أن يقول (٢): إن أخاك قائم الظريف، ومثله قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤]) (٣). وقال أبو إسحاق: (ورفعه على وجهين: أحدهما: أن يكون صفة على موضع: إن ربي يقذف هو بالحق علام الغيوب) (٤). قال ابن عباس: علم ما غاب عن خلقه في السموات والأرض (٥). ٤٩ - وقوله: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ قال ابن عباس: يريد الدين والإيمان (٦). وقال مقاتل: يعني الإسلام (٧). وقيل: القرآن (٨). وقال أبو إسحاق: جاء أمر الله الذي هو الحق (٩). ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ أي: ذهب ذهابًا كليًا وزهق فلم يبق له بقية، ويقال: لكل ذاهب ما يبدي وما يعيد، ومنه قول عبيد:

стр. 10597

فاليوم لا يبدئ ولا يعيد (١) وهذا معنى قول ابن عباس: يريد إقبال الباطل وإدباره (٢). وقال قتادة: الباطل: السلطان (٣)، ما يبدئ (٤) وما يعيد، أي (٥): ما خلق ابتداء ويبعث (٦). وهو قول مقاتل والكلبي (٧). وقال الحسن: الباطل كل معبود من دون الله، بقول ما يبدي لأهله خيرًا في الدنيا وما يعيده في الآخرة (٨). ٥٠ - وقوله: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ﴾ قال مقاتل: إن كفار قريش قالوا للنبي ﷺ : لقد ضللت حين تركت دين آبائك، فقال الله: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ﴾ كما تزعمون فإنما أضل على نفسي، أي: إثم ضلالتي على نفسي (٩). ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ من الحكمة والبيان. ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ الدعاء ﴿قَرِيبٌ﴾ مني. قاله ابن عباس (١٠).

стр. 10598

٥١ - وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ قال ابن عباس: يريد حتى بهتوا (١). ﴿فَلَا فَوْتَ﴾ يقول: لا يفوتني أحد ولا ينجو مني ظالم. ومذهب أكثر أهل التفسير أن هذا الفزع لهم عند البعث، وهو اختيار أبي إسحاق قال: هذا في وقت بعثهم (٢). وهو قوله: ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ يعني: القبور. وذهب آخرون إلى أن هذا الفزع لهم في القيامة. وهو مذهب الحسن وابن معقل (٣) وبلال بن سعد (٤)، قال بلال: إن الناس يوم القيامة حوله، وهو قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ قال ابن معقل (٥): أفزعهم يوم القيامة فلم يفرقوا.

стр. 10599

وقوله تعالى: ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ قال ابن عباس وأكتر المفسرين: يريد من تحت أقدامهم (١). وقال آخرون: من حيث كانوا؛ لأنهم حيث كانوا فهم من الله قريب، لا يبعدون عنه ولا يفوتونه (٢). وقال أبو إسحاق: وجواب لو محذوف، المعنى: لو ترى ذلك لرأيت ما تعتبر به عبرة عظيمة (٣). وقال صاحب النظم: قوله: ﴿فَلَا فَوْتَ﴾ منظوم بما بعده، وهو قوله: ﴿وَأُخِذُوا﴾ والتقدير: ولو ترى إذ فزعوا وأخذوا من مكان قريب فلا فوت، أي: فلا يفوتون. وقال الزجاج: أي فلا فوت لهم، لا يمكنهم أن يفوتوا (٤). ٥٢ - وقوله: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ قال مقاتل: بالقرآن (٥). وقال غيره: بمحمد ﷺ (٦). ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾ قال أبو إسحاق: (التناوش: التناول، أي: وكيف لهم أن يتناولوا ما كان مبذولًا لهم، وهو الإيمان والتوبة، وكان قريبًا

стр. 10600

منهم، وكيف يتناولونه حين بعد عنهم، ومن همز فلأن واو التناوش مضمومة وكل واو مضمومة ضمتها لازمة جاز إبدال الهمزة منها، نحو: أدور وتقاوم، قال: يجوز أن يكون التناوش من النئيش، وهو الحركة في الإبطاء والمعنى: من أين لهم أن يتحركوا فيما لا حيلة لهم فيه) (١). وقال الفراء: (هما متقاربان، مثل: ذمت الرجل وذأمته، إذا عبته) (٢). وقال أبو علي: المعنى كيف (٣) يتناولونه من بعد، وهم لم يتناولونه من قرب في حين الاختيار والانتفاع بالإيمان، والتناوش: التناول من: نشت تنوش، قال: تنوش البرير حين نال اهتصارها (٤) وقال: وهي تنوش الحوض نوشًا من علا فمن علا (٥).

стр. 10601

فمن لم يهمز جعله تفاعلًا من النوش الذي هو التناول، ومن همز احتمل أمرين: أحدهما: أنه أبدل من الواو الهمزة لانضمامها مثل: أقتت وأدؤر، والآخر: أن يكون من النأش، وهو التطلب (١)، والهمزة منه عين، قال رؤبة: أقحمني جار أبي الخاموش ... إليك نأش القدر النئوش وهذا القول الثاني هو قول أبي عبيدة (٢). وذكر بيت رؤبة وفسره: وتطلب القدر. قال ابن عباس: يريد تناول التوبة يومئذ لا يقبل (٣). وقال قتادة: أني لهم أن يتناولوا التوبة (٤). روي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية أنه قال: يسألون الرد وليس بحين رد (٥). وهذا معنى وليس بتفسير.

стр. 10602

ونحو هذا قول الكلبي ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾ يقول: الرجعة إلى الدنيا، ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ بعد الموت (١). وقال عطية: وأني لهم الرد حين لا رد، والتوبة حين لا توبة (٢). وقال مقاتل: من أين لهم التوبة حين لا توبة [وقال مقاتل: من أين لهم التوبة] (٣) عند نزول العذاب (٤). ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ من الدنيا، وهذا كله معنى. وتفسير التناوش ما ذكره أصحاب المعاني. ٥٣ - وقوله: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ واو الحال، أي: كيف يبلغون إلى التوبة وقد كانوا كافرين بمحمد والقرآن في الدنيا قبل نزول العذاب وقبل ما عاينوا من الأهوال. وقوله: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ قال مجاهد: يرمون محمدً بالظن [لا باليقين] (٥)، وهو قولهم: إنه ساحر وكاهن وشاعر (٦). واختار الفراء هذا القول فقال: يقولون ليس بنبي، وقد باعدهم الله أن يعلموا ذلك؛ لأنه لا علم لهم إنما يقولون بالظن (٧). فعلى هذا الغيب الظن، وهو ما غاب علمه عنهم، والمكان البعيد: بعدهم عن علم ما يقولون.

стр. 10603

وقال قتادة: يقذفون بالغيب يرجمون بالظن، يقولون لا بعث ولا جنة ولا نار (١). وعلى هذا المعنى: وقد كانوا يتكلمون بما غاب عنهم ويحكمون عليه بالكذب في الدنيا، وهو قوله: ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. قال مجاهد: في الدنيا، وقد بعدت الدنيا من الآخرة جدًا عند إنقضائها وقيام الساعة (٢). وعلى هذين القولين، قوله: ﴿وَيَقْذِفُونَ﴾ معطوف على ما قبله. وقال مقاتل: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ أي: ويتكلمون بالإيمان وقد غاب عنهم الإيمان عند نزول العذاب، فلم يقدروا عليه (٣)، وهو قوله: ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. وعلى هذا، ويقذفون مستأنف؛ لأنه خبر عنهم أنهم آمنوا حين لا ينفعهم الإيمان بعد أن كفروا في الدنيا. وشرح ابن قتيبة هذه الآيات فقال: (يقول: ولو ترى يا محمد فزعهم حين لا فوت ولا مهرب لهم ولا ملجأ يفوتون به ويلجأون إليه، وهذا نحو قوله: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ أي: نادوا حين لات مهرب. ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾: يعني: القبور. ٥٢ - ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ أي: بمحمد. ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾ أي: التناول، أي: كيف لهم بنيل ما طلبوا من الإيمان في هذا الوقت الذي يقال فيه كافر ولا يقبل فيه توبة. وقوله: ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ زيد بعد ما بين مكانهم يوم القيامة، وبين

стр. 10604

المكان الذي تقبل فيه الأعمال. ٥٣ - ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: بمحمد، يقول: كيف ينفعهم الإيمان (١) وقد كفروا به في الدنيا. ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ أي: بالظن أن التوبة تنفعهم ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ أي: بعيد من موضع يقبل فيه التوبة. ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ﴾ الأمم الخالية) (٢). وهذا الذي ذكره ابن قتيبة في قوله: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ غير ما قدمناه، قال: (وكان بعض المفسرين يحمل الفزع عند نزول بأس الله من الموت أو غيره، وتعبيره بقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [غافر: ٨٤] إلى آخر السورة) (٣). وهذا مذهب مقاتل، قال: هذا عند نزول العذاب بهم في الدنيا (٤). وقال الضحاك وزيد بن أسلم: هذا الفزع وما ذكر كله هو يوم بدر، إذ نزل بهم العذاب وشدة الموت قالوا: آمنا به، ولم ينفعهم ذلك (٥). ٥٤ - وقوله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ قال ابن عباس: يعني الرجعة إلى الدنيا (٦). وقال الحسن: يعني الإيمان. وهو قول سفيان (٧).

стр. 10605

وقال مجاهد: ﴿وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ من مال وولد (١). وقال مقاتل: يعني من أن تقبل التوبة منهم (٢). وقوله: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾، قال ابن عباس: بنظرائهم (٣). قال مجاهد: الكفار من قبلهم (٤). وقال الزجاج: أي بمن كان مذهبه مذهبهم (٥) قال أبو عبيدة: شيعة وشيع وأشياع (٦). وهذا مما تقدم القول فيه (٧). وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قال مقاتل: من قبل هؤلاء (٨). ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ قال: من العذاب أنه نازل بهم. قال الكلبي: في شك مما نزل بهم (٩). والكناية في ﴿إِنَّهُمْ﴾ تعود إلى الكفار الذين أخبر عنهم في قوله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾ لا إلى الأشياع. ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع لهم الريبة والتهمة.

стр. 10606

سورة فاطر

стр. 10607

تفسير سورة الملائكة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل وغيرهما: خالق السموات والأرض (١). [قال المبرد: فاطر] (٢) خالق مبتدي، يقول: فطر الله الخلق، أي: ابتدأهم، [وأنا فاطر هذه البئر] (٣)، أي: ابتدأت حفرها (٤). ونحو هذا قال الزجاج (٥). وهذا مما سبق فيه الكلام. قوله: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ قال مقاتل: منهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت والكرام الكاتبين (٦). وقوله: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ يقول: من الملائكة من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة أجنحة، ومنهم من له أربعة أجنحة. وذكرنا الكلام في مثنى وثلاث ورباع في أول سورة النساء (٧).

стр. 10608

وقوله: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ قال مقاتل: يزيد في خلق الأجنحة على أربعة أجنحة (١). ورأى رسول الله ﷺ جبريل ليلة المعراج وله ستمائة جناح، وقال له جبريل: إن لإسرافيل اثني عشر [جناحًا] (٢) جناح منها بالمشرق، وجناح منها بالمغرب (٣). وهذا الذي ذكرنا في زيادة الخلق هو قول الفراء والزجاج (٤). وروى قتادة في قوله: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ قال: الملاحة في العينين (٥). وروي عن الزهري قال: حسن الصوت (٦). وعن أبي هريرة مرفوعًا: الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن (٧). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مما يريد أن يخلق ﴿قَدِيرٌ﴾ قاله ابن عباس (٨). ٢ - قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ قال أبو إسحاق: أي ما ياتيهم به من مطر أو رزق فلا يقدر أن يمسكه، وما يمسك

стр. 10609

من ذلك فلا يقدر قادر أن يرسله (١). وهذا معنى قول ابن عباس والمفسرين في هذه الآية (٢). ٣ - وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ قال ابن عباس: يريد أهل مكة (٣). ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ قال: يريد حيث أسكنكم الحرم ومنعكم من جميع الغارات (٤). وقد ذكرنا معنى النعمة فيما تقدم. وقال الفراء: (وما كان من هذا في القرآن فمعناه: احفظوا، كما تقول: اذكر أيادي عندك أي: احفظها) (٥). وقوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ قال أبو إسحاق: (هذا ذكر بعد قوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ فأكد ذلك بان جعل السؤال لهم: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: ورفع غير على معنى هل من خالق غير الله؛ لأن من مؤكدة) (٦). وقال أبو علي: (من جر ﴿غَيْرُ﴾ جعله صفة على اللفظ، وذلك حسن لاتباعه الجر الجر. وقوله: ﴿مِنْ خَالِقٍ﴾ في موضع رفع بالابتداء، وخبره قوله: ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، وزيادة من في غير الإيجاب كثير، نحو: هل من رجل، و ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٦٢]. ومن رفع

стр. 10610

احتمل غير وجه، يجوز أن يكون خبرًا لمبتدأ، ويجوز أن يكون صفة على الموضع بتقدير: هل خالق غير الله يرزقكم، ويجوز أن يكون غير استثناء، تقديره: هل من خالق إلا الله) (١). فلما كانت ترتفع ما بعد إلا حملت رفع ما بعد إلا في غير، كما تقول: ما قام من أحد غير أبيك، ويدل على جواز هذا الوجه قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٦٢]، وذكرنا مثل هذا في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ في سورة الأعراف [٥ ٩]. قال المفسرون وابن عباس: ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المطر ومن ﴿الْأَرْضِ﴾ النبات (٢). ثم وحد نفسه فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ قال مقاتل: من أين تكذبون بأن الله لا شريك له، وأنتم مقرون بأن الله خلقكم ورزقكم (٣). قال أبو إسحاق: (من أين يقع لكم الإفك والتكذيب بتوحيد الله وإنكار البعث) (٤) . ٤ - ثم عزى نبيَّه ﷺ بقوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي: الأمر راجع إلى الله في مجازاة من كذب، ونصرة من كذب من رسله. ٥ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ يعني: كفار مكة. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ قال ابن
следующие страницы →