← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 11026–11065 · переход к 11031.

стр. 11026

النبي ﷺ وقرب أبي بكر وملأ لمولاه، فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك، فبلغ قوله عمر فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه فأنزل الله هذه الآية. وقال مقاتل: شتم رجل من كفار قريش بمكة عمر، فهَمَّ عمر أن يبطش به، فأمره الله بالعفو والتجاوز وأنزل هذه الآية (١). وروى ميمون بن مهران [(٢)] فنحاص اليهودي، قال لما نزل قوله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ قال: احتاج رب محمد، فلما سمع بذلك عمر اشتمل على سيفه وخرج في طلبه، فأنزل الله هذه الآية، فبعث النبي ﷺ في طلبه حتى رَدَّه (٣). قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: لا يرجون ثواب الله ولا يخافون عقابه (٤). وقال مقاتل: لا يخشون مثل عذاب الأمم الخالية (٥). وقال مجاهد: لا ينالون نعم الله أو نقم الله (٦)، وذلك أنهم لا يؤمنون به فلا يرجون ثوابه ولا يخافون عقابه، كما قال ابن عباس، وذكرنا أيام الله عند تفسير قوله: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] وأجمعوا أن هذه الآية

стр. 11027

نزلت قبل أن يؤمر النبي ﷺ بقتال أهل مكة وأنها منسوخة بآية القتال (١)، إلا على ما رواه عطاء عن ابن عباس، فإن على روايته نزلت الآية بعد الأمر بالقتال؛ لأنه ذكر أن الآية نزلت بعد غزوة بني المصطلق (٢) والصحيح أنها نزلت قبل الأمر بالقتال والله أعلم، قال قتادة (٣): نسختها ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقال أبو صالح (٤): نسختها ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ [الحج: ٣٩] الآية. قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد يجازي الذين أحسنوا الجنة، والذين أساؤوا بالعذاب (٥)، وقال مقاتل: لكن نجزي بالمغفرة قومًا يعملون الخير (٦).

стр. 11028

وقال آخرون: معنى الآية: قل للمؤمنين يتجاوزوا عن الكفار ليجزي الله الكفار بما كسبوا من الإثم ليوفيهم عقاب سيئاتهم بما عملوا من ذلك، قيل لا قكافؤنهم أنتم لنكافيهم نحن (١)، ثم ذكر المؤمنين وأعمالهم والمشركين وأعمالهم بقوله: ١٥ - ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ الآية. ١٦ - قوله تعالى: ﴿الْكِتَابَ﴾ يعني التوراة ﴿وَالْحُكْمَ﴾ يعني الفهم في الكتاب، وقوله: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ يعني المنَّ والسلوى، قاله الكلبي ومقاتل (٢). ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ تقدم تفسيره في سورة الدخان، [آية: ٣٢] قال ابن عباس: لم يكن أحد من العالمين في زمان بني إسرائيل أكرم على الله ولا أحب إليه منهم (٣). ١٧ - قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ قال ابن عباس: يعني ما بين لهم من أمر النبي ﷺ وأنه مهاجر من تهامة إلى يثرب يكون أنصاره أهل يثرب (٤). قوله تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ مفسر في سورة: حم عسق [آية: ١٤] وغيرها من السور [آل عمران: ١٩].

стр. 11029

١٨ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ قال الفراء: يقال دين وملة ومنهاج، كل ذلك يقال (١). وقال أبو عبيدة: على طريقة وسنة (٢). وقال المبرد: على منهاج وقصد، وبذلك سميت شريعة النهي (٣)؛ لأنها يوصل منها إلى الانتفاع، والشرائع في الدين المذاهب التي شرعها الله لخلقه، وهذا الحرف مما قد تقدم تفسيره [الشوري: ١٣، ٢١]. قال ابن عباس: يريد على دين ظاهر رضيته لك (٤) ﴿فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال يريدت قريظة والنضير (٥). وقال مقاتل: الذين لا يعملون توحيد الله يعني كفار قريش (٦)، وقال الكلبي: إن رؤساء قريش قالوا للنبي ﷺ وهو بمكة: ارجع إلى ملة آبائك فهم كانوا أفضل منك (٧) وأسن، فأنزل الله هذه الآية. ١٩ - ثم ذكر أن اتباعهم لا ينفعه، وأنهم لا يدفعون عنه ولا ينفعونه فقال: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ لن يدفعوا عنك من عذاب الله شيئًا: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ قال ابن عباس:

стр. 11030

يريد المنافقين أولياء اليهود (١)، وقال الكلبي، ومقاتل: يعني مشركي مكة بعضهم أولياء بعض، والله ولي المتقين الشرك (٢)، وهم أمة محمد ﷺ ، وقال عطاء: يريد المهاجرين والأنصار (٣). ٢٠ - قوله: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني القرآن (٤)، كأنه قال هذا القرآن، (هذا) إشارة إلى القرآن، قاله الزجاج (٥)، وقال أبو عبيدة: مجازها مجاز القرآن بصائر للناس (٦)، وذكرنا تفسير هذه الآية في آخر سورة الأعراف [آية: ٢٠٣]. ٢١ - قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ قال الكلبي: نزلت في علي وحمزة وعبيدة بن الحارث، وفي ثلاثة رهط من المشركين عتبة وشيبة والوليد بن عتبة، قالوا للمؤمنين: والله ما أنتم علي شيء وإن كان ما تقولون حقًا لنفضلن عليكم في الآخرة كما فضلنا عليكم في الدنيا (٧). قال مقاتل: قال كفار مكة للمؤمنين: إنا نُعْطَى في الآخرة من الخير مثل ما تعطون. فقال الله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ﴾ وهو استفهام إنكار ﴿اجْتَرَحُوا

стр. 11031

السَّيِّئَاتِ﴾ عملوا الشرك (١)، واجترح معناه في اللغة: اكتسب (٢)، قال أبو عبيدة: اجترحوا: اكتسبوا (٣)، وأنشد للأعشى: وهو الدَّافِعُ عن ذي كُرْبَةٍ ... أيْدِي القَوْم إذا الجَاني اجْتَرَحْ (٤) وذكرنا الكلام في تفسير هذا الحرف عند قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤] قال ابن عباس: افتعلوا السيئات، يريد الشرك والنفاق (٥). قوله تعالى: ﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ قرئ (سواء) رفعًا ونصبًا، واختار أبو عبيد النصب (٦) [موقع (نجعلهم) عليهم (٧)] قال: وهو عندنا وجه التأويل إن أحسنوا أن نجعلهم وهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء. وقال الفراء: إذا نصبت (سواء) كانت بمنزلة قولك: رأيت القوم سواء صغارهم وكبارهم، ومررت بقوم سواء صغارهم وكبارهم (٨). وقال أبو إسحاق: من قرأ بالنصب جعله في موضع مستويًا (٩)، وهو

стр. 11032

قول الأخفش (١). قال أبو علي: من نصب (سواء) جعل المحيا والممات بدلاً من الضمير المنصوب في "نجعلهم" فيصير التقدير: أن نجعل محياهم ومماتهم سواء، على أنه مفعول ثانٍ لنجعل، فيكون انتصاب (سواء) على القول حسنًا، قال: ويجوز أن نجعله حالاً، ويكون المفعول الثاني قوله: ﴿كَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ وإذا كان كذلك أمكن أن يكون سواء منتصبًا على الحال، وعلى هذه القراءة الضمير في محياهم ومماتهم للقبيلتين المؤمنين والكافرين (٢). ومعنى الآية: ما ذكره مجاهد عن ابن عباس قال: المؤمن مؤمن محياه مؤمن مماته، والكافر كافر محياه كافر مماته (٣). يعني أَحسِبوا أن حياتهم وموتهم كحياة المؤمنين وموتهم، كلا فإنهم يعيشون كافرين ويموتون كافرين، والمؤمنون يعيشون مؤمنين ثم يموتون مؤمنين، وقد مَيَّز الله بين الفريقين في مواضع من كتابه، فجعل حزب الإيمان في الجنة وحزب الكفر في السعير، هذا كله على القراءة بالنصب (٤)، وأما بالرفع فقال أبو إسحاق: الاختيار عند سيبويه والخليل وجميع البصريين الرفع لأن (سواء) في مذهب المصدر، تقول: ظننت زيدًا سواءً أبوه وأمه (٥)، قال أبو

стр. 11033

علي: ليس الوجه في الآية نصب سواء. وأجراه على ما قبله على حد قولك: مررت برجل ضارب أبوه؛ لأنه ليس باسم فاعل ولا ما شبه به من حسن وشديد ونحو ذلك، إنما هو مصدر فلا ينبغي أن يجرى على ما قبله كما يجرى اسم الفاعل وما شبه به، لتَعرِّيه من المعاني التي أعمل لها فاعلُ، وما شُبِّه به عَمَلُ الفعل (١). وقال المبرد: وجه الكلام الرفع؛ لأن (سواء) في معنى المصدر وليس باسم الفاعل، فلا يكون اسمًا لما قبله كما تقول: جعلت زيدًا مستويًا أمره، قال ووجه جواز النصب فيه أن المصدر يدل على الفعل وإن لم يكن اسم الفاعل، ومن قال هذا: مررت برجل تمام درهمه (٢). وقال أبو علي: ومن قال مررت برجل خير منه أبوه، وبسرجٍ خزٍّ صُفَّتُهُ، وبرجل مائةٍ إبلُهُ، استجاز أيضًا أن يجري (سواء) على ما قبله، ووجه القراءة بالرفع أن الكلام قد تم عنده قوله ﴿آمنوا﴾ والضمير في ﴿نجعلهم﴾ المفعول الأول، والمفعول الثاني: ﴿كالذين آمنوا﴾ وارتفع سواء بأنه خبر ابتداء مقدم تقديره: محياهم ومماتهم سواء، والضمير على هذه القراءة في المحيا والممات تعود على الكفار دون الذين آمنوا، والمعنى: محياهم محيا سوء ومماتهم كذلك، أي: أن محياهم ومماتهم يستويان في الذم والبعد من رحمة الله، ويجوز أن يكون الضيم للقبيلتين (٣).

стр. 11034

والمعنى: ما رواه قيس (١) بن سعد عن مجاهد قال: يموت المؤمن على إيمانه ويبعث عليه ويموت الكافر على كفره ويبعث عليه (٢)، وتأويل هذا أن محيا القبيلتين ومماتهم سواء، الكفار يعيشون كافرين ويموتون كافرين، والمؤمنون على الضد من ذلك، كما قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: المؤمن مؤمن في الدنيا والآخرة، والكافر كافر في الدنيا والآخرة (٣). قوله تعالى: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ قال ابن عباس: بئس ما حكموا (٤)، وقال مقاتل: بئس ما يقضون من الجور حين يرون أن لهم في الآخرة ما للمؤمنين (٥)، ثم ذكر أنه خلق السموات للحق ولجزاء كل نفس بما كسبت، كي لا يظن الكافر أنه لا يُجْزَى بكفره، وأنه يستوي مع المؤمن وهو قوله:

стр. 11035

٢٢ - ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ﴾. ٢٣ - قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ ذكر المفسرون في هذا قولين: روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية قال: كان أحدهم يعبد الحجر، فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر، ونحو هذا قال الكلبي (١) عنه، وقال مقاتل: نزلت في الحارث (٢) بن قيس، وذلك أنه هوي الأوثان فعبدها (٣)، القول الثاني: قال قتادة: هو الكافر لا يهوى شيئاً إلا ركبه لا يخاف الله (٤)، وهو قول الحسن ورواية عطاء عن ابن عباس قال: إذا هوي شيئًا هو لله سُخْطٌ اتبعه وترك ما لله فيه رضًا (٥) قوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ قال ابن عباس: يريد علم ما يكون قبل أن يخلقه (٦)، وقال سعيد بن جبير ومقاتل: على علمه فيه (٧)، قال أبو

стр. 11036

إسحاق: أي: على ما سبق في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه (١). قولى تعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ وقال ابن عباس: يريد بالأمر الذي سبق في أم (٢) الكتاب، وقال مقاتل: طبع على سمعه فلم يسمع الهدى، وعلى قلبه فلم يعقل الهدى (٣). قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ قالا: يعني: ظلمة فلا يبصر الهدى (٤)، ونظير هذه الآية ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] الآية، وليس يبقى للقدرية مع هذه الآية عذر ولا حيلة؛ لأن الله تعالى صرح بمنعه إياهم عن الهدى حين أخبر أنه ختم على قلب هذا الكافر وسمعه (٥) ثم أكد ذلك بقوله: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ قال مقاتل: بعد إذ أضله الله، والتقدير: بعد إضلال الله ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أيها المنكرون قدرة الله وتوحيده فتعرفون أنه قادر على ما يشاء (٦). ٢٤ - ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: منكري البعث ﴿مَا هِيَ﴾ ما الحياة ﴿إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ يعني: ما هم فيه من الحيرة ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ قال مقاتل: نموت نحن

стр. 11037

ويحيا آخرون يخرجون من أصلابنا، فنحن كذلك أبدًا (١)، وهذا قول المفسرين. والمعنى: نموت نحن وتحيا أولادنا، فيموت قوم ويحيا قوم (٢)، قال الفراء: وفعل أبنائهم الذين يجيئون بعدهم كفعلهم، وهو في العربية كثير (٣). وذكر أبو إسحاق وجهين آخرين؛ أحدهما: أن المعنى: نحيا ونموت، والواو للاجتماع، وليس فيها دليل على أن أحد الشيئين قبل الآخر. والثاني: يقولون: ابتدأنا موات في أصل الخلقة، ثم نحيا (٤). قوله تعالى: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ قال الكلبي والمفسرون: وما يهلكنا إلا طول العمر واختلاف الليل والنهار (٥)، قال قتادة: إلا العمر (٦)، قال ابن عيينة: كان أهل الجاهلية يقولون: الدهر هو الذي يهلكنا هو الذي يميتنا ويحيينا (٧).

стр. 11038

قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ﴾ الذي قالوه ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ أي لم يقولوا ذلك من علم علموه، بل قالوه ضلالًا شاكين، وهو قوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ قال مقاتل: يعني: ما يستيقنون إنما يتكلمون بالظن (١). ٢٧ - قوله تعالى: ﴿يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ قال مقاتل والكلبي: يعني: المكذبين الكافرين، والمبطلون أصحاب الأباطيل (٢). ٢٨ - قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ قال الليث: الجُثُو الجلوس على الركب (٣) كما يُجْثَى بين يدي الحاكم، وقال أبو عبيدة: جاثية على الركب (٤)، يراد: أنها غير مطمئنة. قال أبو إسحاق: معناه جاثية جالسة على ركب، يقال: جثا فلان يجثو إذا جلس على ركبته، ومثله جذا يجذو، والجذو أشد استيفازاً؛ لأنه على أطراف الأصابع (٥)، قال ابن عباس: يريد نجثوا على ركبنا ننتظر القضاء (٦)، وقال مقاتل: جاثية على الركب عند

стр. 11039

الحساب (١)، وقال مجاهد: مستوفزين على الركب (٢) وينشد هاهنا: أخَاصِمُهُم مَرةً قائمًا ... وأحْدُو إذا ما جَثَوا للرُّكَب (٣) ٢٩ - قوله: ﴿هَذَا كِتَابُنَا﴾ المفسرون على أن الكتاب هاهنا اللوح المحفوظ (٤)، وقد ذكر أنه ديوان الحفظة (٥). قوله: ﴿يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي يشهد عليكم بالحق، ويستعار النطق للكتاب على معنى التبيين، يقال: نطق الكتاب بكذا، ونطق به التنزيل، على معنى بينه بيانًا شافيًا حتى كأنه ناطق (٦)، وقال ابن قتيبة: يراد أنهم يقرأونه فيذكرهم ويدلهم، فكأنه ينطق عليهم (٧). قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ﴾ قال أبو عبيدة: نثبت وهو قول الضحاك وقال ابن قتيبة: نكتب (٨). ومعنى نستنسخ: نأمر بالنسخ، وفيه قولان من المعنى. أحدهما: نأمر الملائكة بنسخ ما تعملون، أي كَتْبه وإثباته عليكم، والآخر: نأمر بانتساخ ما يعملون من أم الكتاب، وكلا

стр. 11040

القولين مروي عن ابن عباس (١)، القول الأول رواه الكلبي واختاره الفراء، والاستنساخ أن الملكين يرفعان عمل الرجل صغيره وكبيره، فيثبت الله من عمله ما كان له ثواب أو عقاب، ويطرح منه اللغو الذي لا ثواب فيه ولا عقاب، كقولك: هلم واذهب، فذلك الاستنساخ (٢). القول الثاني: رواه مقسم عن ابن عباس: أن الله وكَّل ملائكةً مطهرين يستنسخون من أم الكتاب كل عام في رمضان ما يكون من بني آدم، فيعارضون حفظة الله على العباد عشية كل خميس فيجدون ما جاء به الحفظة من أعمال العباد موافقًا لما في كتابهم الذي استنسخوه من ذلك الكتاب، ليس فيه زيادة ولا نقصان (٣)، وقال مقاتل: يستنسخ من اللوح المحفوظ يعني: نسخه أعمالكم قبل أن تعملوا (٤). قال مقسم: قال ابن عباس: ألستم قومًا عربًا، هل تكون النسخة إلا من كتاب (٥)؟ وعلى هذا القول الاستنساخ أن يأمر الله الملائكة باتخاذ النسخة من أم الكتاب، وعلى القول الأول تكتب النَّسَخةُ عليهم من أعمالهم التي يعملونها، واختار الزجاج القول الثاني، وقال: الاستنساخ

стр. 11041

لا يكون إلا من أصل، وهو أن يستنسخ كتابًا من كتاب (١)، وروى ابن عمر عن النبي ﷺ في هذه الآية معنى القول الثاني مثل ما ذكرنا (٢). ٣١ - قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ قال الزجاج: جواب (أما) محذوف لأن في الكلام دليلاً عليه، المعنى: وأما الذين كفروا فيقال لهم: ألم تكن، فدلت الفاء في قوله: (أفلم) على قولك: فيقال لهم (٣). قوله: ﴿فَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ قال مقاتل: تكبرتم على الإيمان بالقرآن (٤). ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ منكرين كافرين قاله ابن عباس (٥). ٣٢ - قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ قال مقاتل: يعني البعث كائن (٦) ﴿وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ يعني: القيامة لا شك فيها أنها كائنة، وقرئ (والساعة) رفعًا ونصبًا. قال أبو إسحاق: من نصب فعطف على الوعد، ومن رفع فعلى معنى: وقيل الساعة لا ريب فيها (٧). قال أبو علي: الرفع في (الساعة) من وجهين أحدهما: أن يقطعه من الأول فيعطف جملة على جملة، والآخر: أن يكون المعطوف محمولاً

стр. 11042

على معنى "إن" وما عملت فيه وموضعها رفع (١)، ومن نصب حمله على لفظ "إن" مثل: إن زيدًا منطلق وعمرًا قائم، وموضع قوله: "لا ريب فيها" رفع بأنه في موضع خبر (إن) وقد عاد الذكر إلى الاسم؛ لأن قوله: (لا ريب فيها) في معنى: حق، وكأنه قال: والساعة حق (٢). وقال الأخفش (٣): الرفع أجود في المعنى في كلام العرب، أكثر إذا جاء بعد إن اسمٌ معطوف أو صفة أن يرفع، قال: والنصب عربي ويقوي ما قال قوله: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] فالعاقبة لم تقرأ إلا رفعًا (٤). قوله تعالى: ﴿قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾ قال الكلبي: هم أهل مكة قالوا: ما ندري ما يقول، ولكنا نظنه ظنًا في غير يقين أنه كما قلت (٥)، وقال ابن قتيبة: أي ما نعلم ذلك إلا حديثًا وظنًا وما نستيقنه (٦). ٣٣ - قوله: ﴿وَبَدَا لَهُمْ﴾ يعني في الآخرة ﴿سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ وهي الشرك والكفر.

стр. 11043

٣٤ - ﴿وَقِيلَ﴾ يعني: الكفار ﴿الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ﴾ نترككم في النار، قاله ابن عباس ومقاتل (١) ﴿كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ قال الفراء: كما تركتم العمل للقاء يومكم هذا (٢). وقال الزجاج: كما تركتم الإيمان والعمل ليومكم (٣) هذا، وقد فسرنا هذا القول في سورة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ٢]. ٣٥ - قوله: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ قال ابن عباس: لا يقبل الله منهم توبة ولا عذرًا، وروي عنه: لا يعاتبون بعد ذلك، انقطعت المعاتبة (٤) قال الفراء: لا يراجَعون الكلامَ بعد دخولهم النار (٥). وقال أبو إسحاق: لا يُلتمسُ منهم عملٌ ولا طاعة (٦). وذكرنا معنى الاستعتاب فيما تقدم [فصلت: ٢٤]. تمت.

стр. 11044

سورة الأحقاف

стр. 11045

تفسير سورة الأحقاف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿حم﴾ الآيات نظم ابتداء هذه السورة كنظم ابتداء سورة الجاثية وقد ذكرنا ما فيه. ٣ - قوله: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: لم نخلقهما باطلا عبثًا لغير شيء، ما خلقناهما إلا للثواب والعقاب (١)، وقد مر تفسير هذه الآية في مواضع [الحجر: ٨٥]. قوله تعالى: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال المفسرون: يعني يوم القيامة، وهو الأجل الذي تنتهي إليه السموات والأرض، وهذا إشارة إلى فنائها وانقضاء أمرها (٢)، ثم ذكر أن الكفار أعرضوا بعد أن قام لهم الدليل بخلق السموات والأرض، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ خوفوا به في القرآن معرضون أي: لم يتعظوا بالقرآن (٣) ثم دعاهم إلى الدليل لهم على بطلان ما يعبدون من الأوثان بقوله: ٤ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ وهي مفسَّرة في سورة فاطر [آية: ٤٠] إلى قوله:

стр. 11046

﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ أي: ائتوني بكتاب من قبل القرآن فيه برهان ما تدعون من عبادة الأصنام ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾، قال أبو عبيدة: أي بقية، ويقال: ناقة ذات أثارة، أي بقية من شحم (١)، ونحو هذا ذكر الفراء (٢)، والزجاج (٣) في معنى الأثارة أنها البقية. قال ابن قتيبة: أي بقية علم عن الأولين (٤)، وزاد الفراء فقال: ويقال أو شيء مأثور من كتب الأولين، قال: وأثارة على المصدر مثل: السماحة والشجاعة (٥)، وزاد الزجاج فقال: (أثارة) معناها علامة من علم (٦). وقال المبرد: أثارة ما يؤثر من علم، كقولك: هذا حديث يؤثرُ عن فلان، ومن ثَمَّ سميت الأخبار الآثار, يقال: في الأثر كذا وكذا، قال: وقالوا في الأثارة: الشيء الحسن البهي في العين، يقال للناقة: ذات أثارة، إذا كانت ممتلئة تروق العين، يقال: أثرة وأثارة على فَعَلة وفَعَالة، فهذا ما ذكره علماء اللغة في تفسير هذا الحرف (٧)، وهو ينقسم إلى أقوال ثلاثة: الأول: البقية، واشتقاقه من: أَثَرْثُ الشيء أُثِيره إِثَارَة، كأنها بقية تستخرج فتثار، وهو قول الحسن (٨).

стр. 11047

الثاني: من الأثر الذي هو الرواية (١)، ومنه قول الأعشى: إنَّ الذي فيه تَمَارَيْتُمَا ... بُيِّنَ للسَّامِع والأَثِرِ (٢) الثالث: من الأثر بمعنى العلامة (٣)، وعلى [هذا المعاني] (٤) يدور كلام المفسرين، روى عطاء عن ابن عباس؛ قال: يريد أو شيء ترويه عن نبي كان قبل محمد ﷺ . وقال مقاتل: أو رواية من علم عن الأنبياء أن لله شريكًا (٥)، وقال: هذا قول مجاهد وعكرمة والقرظي (٦)، وعلى هذا الأثارة مصدر يقال: أثر ياثر أثراً وأثارة بمعنى روى، وقال في رواية الكلبي: بقية من علم (٧)، وعلى هذا معنى قول قتادة: خاصة من العلم؛ لأن الخاصة من العلم بقية منه بقيت عند خواص العلماء (٨)، ويحتمل قول قتادة وجهًا آخر، وهو أن تكون الأثارة من إيثار والاستيثار يقال: أثرت فلانًا بكذا، إذا خصصته به

стр. 11048

واستأثر فلان بكذا، إذا اختص به دون غيره (١)، ومنه قول الأعشى: استأثَرَ اللهُ بالوَفَاءِ وبـ ... الحَمْدِ وولَّى الملامَةَ الرَّجُلا (٢) ويقال لفلان: أثرة بكذا أو أثارة، أي اختصاص، ويؤكد ما قلناه قراءة السلمي والحسن (أو أَثَرةٍ من علم) (٣)، والمعنى على هذا: ائتوني بعلم تنفردون به دوننا، فإنا لا نعلم أن لله شريكًا، وهذا وجه حسن، وروى أبو سلمة (٤) عن ابن عباس والشعبي أيضًا عنه في قوله: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ قال: هو علم الخط (٥)، وهو خط كان تخطه العرب في الأرض. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "قد كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه، عَلِمَ عِلْمَه" (٦). والمعنى على هذا: ائتوني بعلم من قبل الخط الذي

стр. 11049

تخطونه في الأرض , وكأنه قيل لهم ذلك لأنهم كانوا يعدونه علمًا لهم وبياناً في الأمور فقيل لهم: ائتوني بعلم من هذه الجهة على ما تدعونه حقًّا إن كنتم صادقين أن لله شريكًا. واشتقاق هذا القول من الأثر بمعنى العلامة، والخط أثر. ٥ - ثم ذكر ضلالة هؤلاء. فقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ إلى قوله: ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ قال ابن عباس: لا يثيبه ولا يرزقه إلى يوم القيامة (١). قال مقاتل: أبدًا، يعني: لا يستجيب له أبدًا ما دامت الدنيا، فإذا قامت القيامة كانت الآلهة أعداء لمن عبدها في الدنيا (٢)، وهو قوله: ٦ - ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، وهذا كقوله: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨ ٢] وقد مر. قال ابن عباس: يريد الملائكة وعيسى وعزير وكل ما عبد من دون الله أعداء لمن عبدهم (٣) ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾؛ لأنهم يقولون: ما دعوناهم إلى عبادتنا وتبرؤوا من عبادتهم كما قال: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣]. ٨ - قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ وذلك أن كفار مكة قالوا: ما هذا القرآن إلا شيء ابتدعته من تلقاء نفسك فقال الله: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾.

стр. 11050

قال مقاتل: لا تقدروا لحى أن تردوا عني عذابه (١)، وهذا كقوله: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الفتح: ١١] ومثله في التنزيل كثير. وقال ابن عباس: لا تمنعونني من الله (٢) والمعنى: أنكم لا تقدرون أن تدفعوا عني عقاب الله، فكيف أفتري على الله لأجلكم وأنا أعلم هذا، وفيه تبعيد لقولهم افتريته، ﴿هُوَ﴾ أي: الله ﴿أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي: بما تقولون في القرآن وتخوضون فيه من التكذيب به، والقول فيه أنه سحر وكهانة، قاله المفسرون (٣)، وكل خوض في الحديث إفاضة كقوله (٤): ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١] وقد مر. ﴿كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ قال مقاتل: يعني فلا شاهد أفضل من الله بيني وبينكم أن القرآن جاء من الله ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ في تأخير العذاب عنكم حين لا يعجل عليكم بالعقوبة (٥). وقال ابن عباس: يريد لأوليائه وأهل طاعته (٦). وقال أبو إسحاق: معنى الغفور الرحيم هاهنا دعاهم إلى التوبة، معناه: أن من أتى من الكبائر العظام بمثل ما أتيتم به من الافتراء على الله (٧)، وعليَّ ثم تاب فالله غفور رحيم له.

стр. 11051

٩ - قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ قال أبو عبيدة: أي ما كنت أولهم (١)، ونحو هذا قال الفراء (٢)، والزجاج (٣) وقال المبرد: البدع والبديع من كل شيء المبتدأ، والبدعة ما اخترع مما لم تجر به سنة، ورجل درع من قوم أبداع (٤) قال عدي بن زيد: فَلاَ أنا بِدْعٌ مِنْ حَوَادِثَ تَعْتَرِي ... رِجالاً عَرَتْ مِنْ بَعْدِ بُؤْسَى وأسْعُدِ (٥) وقال الكسائي: رجل بدع وامرأة بدعة، وامرأتان بدعتان، ونساء بدع، بكسر الباء وفتح الدال، وأبداع (٦). قال المفسرون: ما أنا بأول رسول بعث، قد أرسل قبلي رسل كثيرون (٧). قال مقاتل: وهذا جواب لقولهم أما وجد الله نبيًّا غيرك (٨). قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ روي عن ابن عباس في

стр. 11052

هذا قولان قال في رواية عطاء: لما نزلت هذه الآية فرح المشركون واليهود والمنافقون فقالوا كيف نتبع نبيًا لا يدري ما يُفعلُ به ولا بنا، فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ١ - ٢] الآيات إلى قوله (١) ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٥] فبين الله ما يفعل به وبمن اتبعه من المؤمنين، ونسخت هذه الآية، وأرغم الله أنف المنافقين والمشركين واليهود، ورحم النبي ﷺ والمؤمنين، وقال قتادة في هذه الآية: نسختها ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ وهذا قول أنس وعكرمة (٢). وقال في رواية الكلبي: لما اشتد البلاء بأصحاب رسول الله ﷺ بمكة رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء فقصَّها على أصحابه فاستبشروا بذلك ورأوا فيها فرجًا مما هم فيه من أذى المشركين، ثم إنهم مكثوا برهة لا يرون ذلك فقالوا: يا رسول الله ما رأينا الذي قلت ومتى نهاجر (٣) إلى الأرض التي رأيت، فسكت رسول الله ﷺ وأنزل الله ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ يعني: لا أدري أخرج إلى الموضع الذي أُرِيتهُ في منامي أم لا، ثم قال لهم: إنما هو شيء أريته في منامي، ما أتبع إلا ما يوحى إلى، يقول: لم يوح إلى ما أخبرتكم، وعلى هذا لا نسخ في الآية، وهذا القول اختيار الفراء (٤) والزجاج (٥).

стр. 11053

وروى أبو بكر الهذلي عن الحسن: في هذه الآية قال: أما في الآخرة فمعاذ الله أن لا يدري ما يفعل به، قد علم أنه في الجنة، ولكنه يخاطب بهذا المشركين, يقول: لا أدري ما يفعل بي في الدنيا، أموت أم أقتل كما قتلت الأنبياء قبلي (١) ﴿وَلَا بِكُمْ﴾ أيها المكذبون أترمون بالحجارة من السما أم يخسف بكم أم أيش يفعل بكم مما فعل بالأمم المكذبة. قوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾، قال ابن عباس: يريد ما أبلغكم إلا ما بعثني الله به إليكم (٢)، وقال مقاتل: ما أتبع إلا ما يوحى إلى من القرآن، إذا أمرت بأمر فعلته، ولا أبتدع ما لم أومر به (٣). ﴿وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ قال ابن عباس: أنذركم عذاب الله وأبين لكم ما يبعدكم من الله ويقربكم إلى الله (٤). ١٠ - قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ قال صاحب النظم: يقال: إن قوله (أرأيتم) نظم وضع للسؤال والاستفتاء وقيل للتنبيه، فلذلك لا يقتضي مفعولاً كما قال: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [العلق: ١٣] وقد تقدَّم الكلام في هذا. وقال أبو علي: الاستفهام الذي يقع موقعَ المفعول الثاني محذوف

стр. 11054

الكلام بالمفعول الأول، وكان التقدير: أتأمنون عقوبة الله أو ألا تخشون انتقامه (١)، ومثله من غير حذف المفعول الثاني قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ﴾ [فصلت: ٥٢]، وقوله. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ﴾ [القصص: ٧١] فالاستفهام في الآيتين هو المفعول الثاني لأرأيتم؛ لأنه بمعنى أخبروني، هذا هو الكلام وليس ما ذكره صاحب النظم بشيء. قوله: ﴿إِنْ كَانَ﴾ يعني القرآن ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد عبد الله بن سلام، ونحو هذا روى الكلبي عنه أنه الشاهد من بني إسرائيل عبد الله بن سلام، وهو قول مجاهد وقتادة ومقاتل والضحاك وابن زيد والحسن (٢)، وبه قال من الصحابة عوف بن مالك الأشجعي وسعد بن أبي وقاص. ويؤكد ذلك ما روي في حديث مقتل عثمان أن عبد الله أتاه لينصره فخرج إلى الناس وقال: إنه قد نزل في آيات من كتاب الله نزلت فيَّ، وشهد من بني إسرائيل على مثله (٣)، وذكر كلامًا طويلاً. قوله: ﴿عَلَى مِثْلِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد على ما جئتكم به (٤)، قال

стр. 11055

صاحب النظم: ليس لمثل هاهنا معنًى مقصود إليه، هو فصل وصلة (١) كقوله: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧] وتأويله: وشهد شاهد من بني إسرائيل عليه، أي على أنه من عند الله، وقال أبو إسحاق: الأجود أن يكون (على مثله) على مثل شهادة النبي ﷺ (٢). قوله: (فَآمَنَ) يعني الشاهد وهو ابن سلام ﴿وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عن الإيمان فلم تؤمنوا، واختلفوا في تقدير جواب قوله: (إن كان من عند الله) فقال صاحب النظم: جوابه محذوف على تقدير: أليس قد ظلمتم (٣) فكان قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ دليلاً على هذا الجواب. وقال الزجاج: تقديره: فآمن واستكبرتم أتؤمنون (٤)، وقال غيره فآمن واستكبرتم أفما تهلكون (٥)، وقال الحسن: جوابه من أضل منكم (٦)، ووجه تأويل الآية: أخبروني ماذا تقولون إن كان القرآن حقًا من عند الله، وشهد على ذلك عالم بني إسرائيل وآمن به وكفرتم واستكبرتم ألستم تستحقون العقاب، وأنكر قوم منهم الشعبي ومسروق أن يكون الشاهد عبد الله بن سلام، وقالوا: إن إسلامه كان بالمدينة قبل وفاة رسول الله ﷺ بعامين، وآل

стр. 11056

﴿حم﴾ نزل بمكة (١)،ثم لم يأت للآية بوجه من التأويل صحيح غير الإنكار، على أن ابن سيرين قد قال في هذه الآية: كانت تنزل الآية فيؤمر أن توضع في سورة كذا، يعني: أن هذه الآية يجوز أن تكون نازلة بالمدينة وأمر أن توضع في سورة مكية (٢). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد قريظة والنضير (٣)، وقال مقاتل: يعني اليهود (٤)، قال أبو إسحاق: أعلم الله أن هؤلاء المعاندين خاصة لا يؤمنون بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: قد جعل جزاءهم على كفرهم بعد ما تبين لهم الهدى، مَدَّهم في الضلالة (٥). ١١ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يعني من كفر من اليهود للذين آمنوا، يعني ابن سلام وأصحابه،

стр. 11057

وهذا قول السدي وقال في رواية الكلبي (١) الذين كفروا أسد (٢) وغطفان (٣) لما أسلم جهينة (٤) ومزينة (٥) قالوا: لو كان ما جاء به محمد خيرًا ما سبقنا إليه رعاء البهم؛ يعنون جهينة ومزينة وأسلم وغِفَارًا (٦). وقال مقاتل: الذين كفروا قريش، والذين آمنوا أصحاب محمد ﷺ (٧).

стр. 11058

وقال الحسن: كانت غفار وأسلم أهل سلة في الجاهلية، أي سرقة، فلما أسلموا قالت قريش: لو كان خيرًا ما سبقونا إليه (١). وذكر صاحب النظم في اللام في قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ وجهين: أحدهما أن تكون اللام بمنزلة الإيماء إليهم، كأنه يقول: وقال الذين كفروا لو كان هذا الذي جاء به محمد خيرًا لما سبقنا هؤلاء إليه، فقام قوله: (للذين آمنوا) مقام هؤلاء بالتفسير لهم مَن هم، والوجه الآخر: أن يكون المعنى: وقال الذين كفروا للذين آمنوا على المخاطبة كما تقول: قال زيد لعمرو، ثم ترك المخاطبة (٢) ولون الكلام كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] قوله: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ أي: ولما لم يصيبوا الهداية بالقرآن فسينسبونه إلى الكذب وهو قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ أي: أساطير الأولين. ويدل على أن المراد بقوله: (الذين كفروا) اليهود قوله: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ يعني قبل: القرآن ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ يريد التوراة ﴿إِمَامًا﴾ يقتدى به ﴿وَرَحْمَةً﴾ من الله للناظر فيه بما يجد من نور الهدى، وفي الكلام محذوف به يتم المعنى على تقدير: فلم يهتدوا به، ودل على هذا المحذوف قوله في الآية الأولى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ (٣)، وذلك أن في التوراة بيان بعث النبي ﷺ والإيمان به فتركوا ذلك، وهذا

стр. 11059

معنى قول مقاتل؛ لأنه قال: ومن قبل هذا القرآن قد كذبوا بالتوراة لقولهم (١) ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨]. قال أبو إسحاق: (إمامًا) منصوب على الحال ورحمةً عطف عليه (٢)، وتقدير الكلام: وتقدمه كتاب موسى إماماً؛ لأن معنى (ومن قبله) تقدمه وتم الكلام (٣)، ثم قال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ﴾ قال المفسرون: للكتب التي قبله (٤). قال أبو إسحاق: مصدق لما بين يديه، كما قال: ﴿كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ٣٠] وحذف هاهنا التقدم (٥). ١٢ - قوله: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾ والمعنى: وهذا كتاب مصدق له أي لكتاب موسى، فحذف للعلم به، و ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ منصوب على الحال، المعنى: مصدق لما بين يديه عربيًّا، وذكر (لسانًا) توكيد كما تقول: جاءني زيد رجلاً صالحًا، فتذكر رجلاً توكيدًا، قال وفيه وجه آخر وهو: وهذا كتاب مصدق النبي ﷺ فيكون التقدير مصدق ذا لسان عربي (٦)، وذكر الأخفش هذين القولين أيضًا (٧).

стр. 11060

قوله: ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ قال ابن عباس: أشركوا (١)، وقال مقاتل: يعني مشركي مكة (٢). وفي قوله (لينذر) قراءتان (٣): التاء: لكثرة ما ورد من هذا المعنى بالمخاطبة كقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥] و ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٢] والياء لتقدم ذكر الكتاب، فأسند الإنذار إلى الكتاب كما أسند إلى الرسول ﷺ في قوله: ﴿عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾، ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ١ - ٢]. وقوله: ﴿وَبُشْرَى﴾، قال إسحاق: الأجود أن يكون (وبشرى) في موضع رفع، المعنى: وهو بشرى للمحسنين. قال: ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: لتنذر الذين ظلموا وتبشر المحسنين بشرى (٤)، وزاد الفراء هذا الوجه بيانًا فقال: النصب على (لتنذر الذين ظلموا) وتبشر، فإذا وضعت في موضعه بشرى أو بشارة، نصبت، ومثله في الكلام: أعوذ بالله منك. وسَقْيًا لفلان، كأنه قال: وسقى الله فلانًا، وجئت لأكرمك وزيارة لك وقضاء لحقك، معناه لأزورك وأقضي حقك، فتنصب الزيارةَ والقضاءَ بفعل مضمر (٥).

стр. 11061

قوله تعالى: ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ قال عطاء والكلبي (١) ومقاتل (٢): وبشرى بالجنة للموحدين المؤمنين. ١٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ روى الأسود بن هلال (٣) عن أبي بكر الصديق، في هذه الآية، قال: استقاموا على ما افترض عليهم (٤)، وقال مقاتل: استقاموا على المعرفة فلم يرتدوا عنها (٥). وهذه الآية مفسَّرة في سورة حم السجدة [آية: ٣٠]. ١٥ - قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ قد تقدَّم الكلامُ في نظير هذه الآية في سورة العنكبوت [آية: ٣٠] ولقمان [آية: ١٤]. قوله: ﴿إِحْسَانًا﴾ قال مقاتل: برًّا (٦) وقرئ (إحسانًا) والإحسان خلاف الإساءة، والحسن خلاف القبح، فمن قال (إحسانًا) فحجته قوله في سورة بني إسرائيل: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] لم يختلفوا فيه، وانتصابه على المصدر، وذلك أن معنى قوله (ووصينا الإنسان): أمرناه بالإحسان أي ليأت الإحسان إليهما دون الإساءة، ولا يجوز أن يكون انتصابه بوصينا؛ لأن وصينا قد استوفى مفعوليه أحدهما: الإنسان، والآخر: المتعلق بالباء، ومن قال (حُسْنًا) كان المعنى ليأت في أمرهما أمرًا ذا حسن

стр. 11062

أي: ليأت الحسن في شأنهما دون القبح، وحجته ما في العنكبوت ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [آية: ٨] لم يختلف فيه، فأما الباء في قوله: ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾ فإنها تتعلق بوصينا بدلالة قوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣] ويجوز أن تتعلق بالإحسان, يدل على ذلك قوله: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ [يوسف: ١٠٠] وعلى هذا تعلقها بمضمر يفسره الإحسان؛ لأنه يجوز تقدمها على الموصول، ولكن يضمر ما يتعلق به، ويجعل الإحسان مفسرًا لذلك المضمر، كأنه قيل: ووصينا الإنسان أن يحسن بوالديه، ومثل هذا قول الراجز: كان جَزَائِي بالعَصا أَنْ أُجْلَدَا (١) في قول من علق الباء بالجلد، ولم يعلقه بالجزاء (٢) قوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ وقرئ (كَرْهًا) (٣) والكَرْه المصدر من كَرِهْتُ الشيء أَكْرَهُهُ، والكُرْه الاسم، كأنه الشيء المكروه، قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] فهذا (٤) وقال: ﴿أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩] فهذا في موضع حال، ولم تقرأ بغير الفتح، فما كان مصدرًا أو في موضع الحال فالفتح فيه أحسن، وما كان اسمًا نحو: ذهب به على كُرهٍ، كان الضم فيه أحسن، وقد قيل إنهما لغتان، فمن ذهب إلى ذلك جعلهما مثل الشَّرْبِ والشُّرْب، والضَّعف والضُّعف، والفَقْر والفُقْر،

стр. 11063

ومن غير المصادر الدَّفُّ والدُّف، والشَّهْد والشُّهْد (١). قال المفسرون: حملته أمه في مشقة ووضعته في مشقة (٢)، وليس يريد ابتداء الحمل؛ لأن ذلك لا يكون مشقة، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ [الأعراف: ١٨٩] يريد ابتداء الحمل، فإنها تحمل علقة ومضغة، فإذا ثقلت حينئذ حملته كرهًا، يدل على ما ذكرنا قول ابن عباس في هذه الآية: يريد ثقل عليها يعني الولد في حملها إياه، ووضعته كرها، يريد شدة الطلق (٣). قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ يريد أن مدة حمله إلى أن فصل من الرضاع كانت هذا القدر، والمعنى: أنهما يقعان في ثلاثين شهرًا من ابتداء الحمل إلى أن يفصل. روى مسلم بن صبيح عن ابن عباس قال: حملته ستة أشهر والفصال حولين، وروى عكرمة عنه قال: إذا حملت تسعة أشهر أرضعته إحدى وعشرين شهرًا، وإذا حملته ستة أشهر أرضعته أربعة وعشرين شهرًا (٤). وهذه الآية نازلة في أبي بكر الصديق ﵁ (٥)، روى ذلك

стр. 11064

الكلبي وعطاء عن ابن عباس. وهو قول مقاتل (١) واختيار صاحب النظم قال: لأن الله تعالى قد وَقَّتَ الحمل والفصال هاهنا بتوقيت يعلم أنه قد ينقص ويزيد لاختلاف الناس في الولادة، فدل هذا على أنه مقصود به إنسان بعينه كان حمله وفصاله ثلاثين شهرًا، فيمكن أن يكون أبو بكر كان حمله وفصاله هذا القدر، ويدل على ما ذكرنا قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾، إلى آخر الآية، وقد علمنا أن كثيرًا ممن بلغ هذا المبلغ من المؤمنين وغيرهم لم يكن منه هذا القول، فثبت بذلك أن هذا في إنسان بعينه وهو الصديق ﵁ (٢)، والآية من باب حذف المضاف لأن التقدير: ومدة حمله وفصاله ثلاثون شهرًا. قال الأزهري المعنى: ومَدَى الحَمْل للمرأة منتهى الوقت الذي يفصل فيه الولد عن رضاعه ثلاثون شهرًا (٣)، والكلام في معنى الفصال قد تقدم في سورة البقرة [آية: ١٢٣]. قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ اختلفوا في معنى بلوغ الأشد هاهنا فروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد ثمان عشرة سنة، وذلك أن أبا بكر صحب رسول الله ﷺ وهو ابن ثمان عشرة سنة والنبي ﷺ ابن عشرين سنة وهم يريدون الشام في التجارة فنزلوا منزلا فيه سدرة فقعد رسول الله ﷺ في ظلها ومضى أبو بكر إلى راهب هناك يسأله من الدين فقال له: مَنْ الرجل

стр. 11065

الذي في ظل السدرة؟ فقال: ذاك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال: هذا والله نبي، وما استظل تحتها أحد بعد عيسى بن مريم إلا محمد نبي الله، فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق، وكان لا يكاد يفارق رسول الله ﷺ في أسفاره وحضوره فلما نبىء رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين سنة وأبو بكر ابن ثمان وثلاثين سنة فأسلم وصدق رسول الله ﷺ فلما بلغ أربعين سنة قال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ (١) الآية. وروى مجالد عن الشعبي قال: الأشد بلوغ الحلم، إذا كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيئات (٢)، وقال الحسن: هو بلوغ الأربعين (٣) والأكثرون من أهل التفسير على أنه ثلاث وثلاثون سنة وهو قول مجاهد (٤) ورواه عن ابن عباس، وقول مقاتل وقتادة، واختيار الفراء (٥) والزجاج، قال الزجاج: الأكثر أن يكون ثلاثًا وثلاثين سنة؛ لأن الوقت الذي يكمل فيه الإنسان في بدنه وقوته واستحكام شبابه أن يبلغ بضعًا وثلاثين سنة (٦)،
следующие страницы →