← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 10991–11030 · переход к 10996.

стр. 10991

استحق من الإكرام والإجلال بطاعة ربه. وقال مقاتل: حسن الخلق (١). وقال الفراء: يقال: كريم من قومه؛ لأنه قل ما بعث نبي إلا من سر (٢) قومه (٣). وقال صاحب النظم: معنى هذه الآية على التقديم والتأخير والتقدير، ولقد جاء قوم فرعون رسول كريم وفتناهم؛ لأن الفتنة كانت بعد مجيء الرسول. ١٨ - قوله تعالى: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ قال صاحب النظم: المعنى يقول لهم: أدوا إليَّ، أي: يأمرهم به. وقال غيره: المعنى وجاءهم رسول بأن أدوا (٤)، فحذف الجار، ويستقيم الكلام من غير تقدير الجار؛ لأنك تقول: أرسلت إليه أن يفعل كذا، وهذا من قول موسى لفرعون وذويه، يقول: ادفع إليَّ بني إسرائيل ولا تعذبهم أي: أطلقهم من عذابك كما قال: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٠٥]. وهذا قول ابن عباس والمفسرين (٥).

стр. 10992

قال مقاتل: يقول خل سبيلهم فإنهم أحرار فلا تستعبدهم (١). وذكر الفراء والزجاج وجهًا آخر وهو: أن يكون ﴿أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ نصبًا على النداء، ويكون المعنى: أن أدوا إلى ما أمركم الله به يا عباد الله (٢) وذكر الأزهري وجهًا آخر وهو: أن يكون: ﴿أَدُّوا إِلَيَّ﴾ بمعنى استمعوا إلى، كأنه يقول: أدوا إلى سمعكم أبلغكم رسالة ربكم (٣). قوله تعالى: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ قال ابن عباس: ائتمنني الله على وحيه (٤). ١٩ - ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾ قال: لا تتجبروا على الله. وقال قتادة: لا تعتدوا على الله، وقال مقاتل: يريد وحِّدوه (٥). ﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ بحجة بينة يخضع لها كل جبار، وقال الحسن: لا تستكبروا على الله بترك طاعته، وعن ابن عباس: لا تطغوا بافتراء الكذب على الله (٦). ٢٠ - قال المفسرون: فلما قال لهم هذا، توعدوه بالقتل (٧)، فقال:

стр. 10993

﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ قالوا: أن تقتلون، قال أبو صالح: ترجمون [بالقتل] (١) وتقولوا ساحر كذاب (٢). ٢١ - ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ أي: لم تصدقوني ولم تؤمنوا بالله لأجل برهاني، ولما آتيتكم به من الحجة، فاللام في (لي) لام الأجل (٣). ﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾ قال الكلبي: فاتركوني لا معي ولا علي (٤)، وقال قتادة: خلوا سبيلي (٥)، قال ابن عباس: فا عتزلوا أذاي (٦). وعلى هذا حذف المضاف. ٢٢ - قوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ قال صاحب النظم: الفاء في: ﴿فَدَعَا﴾ دليل على أنه متصل بخبر قبله لم يذكر، على تأويل أنهم كفروا ولم يؤمنوا، فدعا موسى ربه بأن هؤلاء قوم مجرمون، قال الكلبي ومقاتل: مشركون لا يؤمنون. ٢٣ - فأجاب الله دعاءه وأمره أن يسري (٧) وهو قوله: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا﴾ قال مقاتل: فاستجاب الله له فأوحى إليه أن أسر بعبادي (٨) يعني من آمن به من بني إسرائيل. ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ يتبعكم فرعون وقومه، أعلمه الله

стр. 10994

تعالى أنهم سيتبعونهم، والمعنى في ذلك أن الله تعالى إنما أمرهم بالسُّرَى ليلاً ليكون سببًا لاتباع فرعون وقومه إياهم، فيكون ذلك الاتباع سببًا للغرق. قاله صاحب النظم. ٢٤ - قوله تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ وقال أبو عبيدة: أي ساكناً وأنشد قول بشر بن أبي خازم: فإن أَهْلِكْ عُمَيْرُ فَرُبَّ زَحْفٍ ... يُشبهُ نَقْعُهُ رَهْوًا ضَبَابًا (١) أي: يشبه نقعه ساكنًا بالضباب، ونحو هذا قال الفراء (٢) والمبرد (٣) وابن قتيبة (٤). قال الليث: الرَّهْو مشي في سكون (٥). يقال رَهَا يَرْهُو رهوًا فهو رَاهٍ، ومن هذا يقال: عيش راهٍ إذا كان حافظًا وادعًا، وأفعلُ ذلك سهوًا رهوًا، أي ساكنًا بغير تشدد، أبو عبيد عن الأصمعي، يقال لكل ساكن لا يتحرك ساجٍ ورَاه، والإرْها الإسكان، ومعنى الآية على هذا القول قال الليث: بلغنا أن موسى لما دخل البحر عَجلَ وأَعْجَل أصحابه، فأوحى الله إليه: واترك البحر رهوًا، أي: ساكنًا على [هِينَتِكَ (٦)، والرهو من نعت موسى] (٧)

стр. 10995

وقومه، وليس من نعت البحر، إنما هو كما تقول للرجل: رفقًا، هذا كلامه، وليس بالسائغ في معنى الآية لأنه لم يقل أحد من المفسرين ولا من أهل المعاني أن الرهو من نعت موسى، وأيضًا فإن (اترك البحر) لا يدل على معنى اعبره وجاوزه واقطعه، ومعنى الآية ما ذكره مجاهد وقتادة ومقاتل (١). وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: ﴿رَهْوًا﴾ قال: ساكنًا هو أي كهيئته بعد أن ضربه، يقول: لا تأمره يرجع، اتركه حتى يدخله آخرهم (٢). وقال قتادة: لما قطع موسى البحر عطف ليضرب البحر بعصاه ليلتئم وخاف أن يتبع فرعون وجنوده فقيل له: (واترك البحر رهوًا) يقول: كما هو طريقاً يابساً (٣). وقال مقاتل: لما قطعوا البحر قالوا لموسى: اجعل لنا البحر كما كان، فإنا نخشى أن يقطعه فرعون في آثارنا، فأراد موسى أن يفعل ذلك، فقال الله تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ قال: يعني: صفوفًا (٤)، فعلى قول مجاهد معناه: اتركه ذا وهو أي: ساكنًا كما هو، وعلى قول قتادة ومقاتل: الرهو بمعنى السكون، إنما الرهو الفرجة بين الشيئين. قال الأصمعي: [مَرَّ فالج (٥) بأعرابي] (٦) فقال: سبحان الله رهو بين

стр. 10996

سنامين أي: فجوة. فقال: رهى ما بين رجليه أي: فتح (١)، ونحو هذا قال مجاهد فيما روى عنه إسحاق بن عبد الله بن الحارث (٢) قالا: (رهوًا) طريقًا (٣)، يعنون الطريق بين الماء، ونحو هذا قال في رواية الوالبي: سمتًا (٤)، وهو بمعنى: الطريق. وعبارات المفسرين في تفسير الرهو مختلفة، وذكرنا ما وافق اللغة، قال الربيع: سهلاً (٥)، وقال الضحاك: دمثًا (٦)، وقال عكرمة: يبسًا (٧)، وكل هذا من نعت الطريق الذي أظهره الله في البحر، وكأن ذلك الطريق يجمع هذه الأوصاف، وقال أبو سعيد: الرهو ما اطمأن وارتفع ما حوله (٨). وقوله: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ يريد دعه كما فلقته لك؛ لأن الطريق في البحر كان رهوًا بين ملقى البحر، وهذا القول أيضًا من نعت الطريق غير أنه

стр. 10997

يقول: الرهو اسم لطريق مطمئن بين ربوتين وشبه الطريق بين فلقي الماء به. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ أخبر الله تعالى موسى أنه يغرقهم ليطمئن قلبه في ترك البحر كما جاوزه. ٢٥ - قوله: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ﴾ قال صاحب النظم: كم هاهنا دلالة على الكثرة، ودلت الآية على أنه أغرقهم وأخرجهم من هذه الجنات وما اتصل بها، وهذه الآية وما بعدها مفسرة في سورة الشعراء [آية: ٥٧]. ٢٦ - قوله تعالى: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ قال مجاهد وسعيد بن جبير: يعني به المنابر هاهنا (١)، وقال عطاء: هي منابر كانت بمصر يعظم فرعون عليها (٢)، وقال آخرون: هي المجالس الحسنات من مجالس الملوك (٣). ٢٧ - ﴿وَنَعْمَةٍ﴾ قال علماء اللغة: نعمة العيش بفتح النون: حسنه وغَضَارته ونعمة الله مَنُّهُ وعطاؤه (٤)، وقال المفسرون: وعيش لين رغد كانوا متنعمين (٥)، وتفسير الفاكهة قد تقدم في سورة يس [آية: ٥٥]. ٢٨ - ﴿كَذَلِكَ﴾ قال أبو إسحاق: موضع ﴿كَذَلِكَ﴾ رفع على خبر الابتداء المضمر، المعنى: الأمر كذلك (٦). قال الكلبي: كذلك أفعل بمن عصاني (٧).

стр. 10998

قال مقاتل: هكذا فعلنا بهم (١). ٢٩ - قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ روى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "ما من عبد إلا له في السماء بابان باب يخرج منه ويرزق، وباب يدخل فيه عمله فإذا مات فقداه وبكيا عليه" (٢) وتلا هذه الآية، قال: وذلك أنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملًا صالحًا يبكي عليهم ولم يصعد لهم إلى السماء كلام طيب ولا عمل صالح فيبكي عليهم، وهذا قول جميع المفسرين ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل وقتادة، قالوا: لم تبك عليهم مصاعد أعمالهم على السماء، ولا مواضع سجودهم (٣) من الأرض. وقال مجاهد: ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحًا (٤)، فقلت له: أتبكي؟ فقال: أو تعجب!! وما للأرض لا تبكي

стр. 10999

على عبد كان يعمرها بالركع والسجود، وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه فيها دوي كدوي النحل (١)، وهذا قول ثان لأنه لم يخص موضعًا منهما بالبكاء كما خص الأولون. وذكر أهل المعاني في هذا قولين آخرين أحدهما: أن التقدير: أهل السماء والأرض، فحذف المضاف والمعنى: ما بكت عليهم الملائكة ولا المؤمنون، بل كانوا بهلاكهم مسرورين، والثاني: أن العرب تقول في هذا كالرجل العظيم الشأن، أظلمت له الشمس، وكسف القمر لفقده، وبكته الريح والبرق والسماء والأرض، يريدون المبالغة في وصف المصيبة وأنها قد شملت وعمت، وليس ذلك بكذب لأنهم جميعًا متواطئون عليه، والسامع له يعرف مذهب القائل فيه ونيتهم في قولهم: أظلمت الشمس، كادت تظلم، وكذلك في سائر الألفاظ التي يقصدون بها التعظيم والاستقصاء في الصفة. ومعنى الآية: أن الله تعالى حين أهلك فرعون وقومه وأورث منازلهم وجناتهم غيرهم لم يبك عليهم باك ولم يجزع جازع ولم يوجد لهم فَقْد، ولو كانت السماء والأرض ممن تبكي لم تبك على هؤلاء لاستحقاقهم العقوبة والهلاك، والقولان: ذكرهما ابن قتيبة (٢) وغيره.

стр. 11000

قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ لم يُنْظَروا حين أخْذِهم لتوبة ولا لغيرها قاله: ابن عباس وغيره (١). ٣٠ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ يعني قتل الأبناء واستخدام النساء والتعب في العمل. ٣١ - ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ هذا مُكَررَةٌ على قوله: ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي: نجيناهم من العذاب ونجيناهم من فرعون (٢) ويجوز أن يكون ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ من صلة العذاب (٣) والمعنى: من العذاب الذي كان يلحقهم من جهة فرعون. قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: كان عاليًا على عباد الله من المشركين والمعنى: كان جبارًا عاصيًا من المشركين ونحو هذا رواه الكلبي عنه (٤) والعالي: إذا أطلق كان صفة مدح، وهاهنا مقيد بأنه عال في الإسراف، والعالي في الإحسان صفة مدح، والعالي الإساءة صفة ذم (٥). ٣٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ يعني: بني إسرائيل على علم علمه الله فيهم (عَلَى الْعَالَمِينَ) على عالمي زمانهم، قاله ابن عباس والكلبي ومقاتل (٦) وقتادة والجميع، قال مجاهد: فضلناهم على

стр. 11001

من هم بين ظهرانيه (١). قال أهل المعاني: ويدل على هذا التخصيص قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ الآية [آل عمران: ١١٠] هذا مقتضى أنه ما اختارهم على من هو خير منهم، وإنما أختارهم على من في وقتهم من العالمين (٢). ٣٣ - قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ أكثر المفسرين على أن البلاء المبين معناه النعمة البينة الظاهرة، وعنى بالآيات فلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى والتوراة، وغير ذلك من النعم التي أنعمها الله عليهم، وهذا قول مجاهد ومقاتل والكلبي (٣) وغيرهم، [وهذا ذهب] (٤) آخرون إلى أن معنى البلاء هاهنا الاختبار والتجربة (٥) فذكر ابن عباس (٦) في رواية عطاء في هذه الآية أنه أراد بالبلاء المبين: السلسلة التي كانت في زمان داود وقصتها مشهورة. قال: ويريد الساريتين اللتين من دنا

стр. 11002

يدخل بينهما فإن اعترف أخرج فرجم، وإن لم يعترف [النصاعليه فتعلناه] (١) ويعمل الرجل الذنب فيصبح يجده مكتوبًا على بابهن وأمور كثيرة. ٣٤، ٣٥ - ثم رجع إلى ذكر كفار مكة فقال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ يعني: كفار مكة ﴿لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ﴾ إضمار على شريطة التفسير، وقد تقدمت نظائره (٢) ﴿إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى﴾ أي: ما الموتة إلا موتة نموتها في الدنيا ثم لا نبعث، وهو قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ أي: بمبعوثين. ٣٦ - ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا﴾ الذين ماتوا (٣) أي: ابعثوهم لنا ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنا نُبْعث بعد الموت، قال الفراء: يخاطبون النبي ﷺ وحده وهو كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] ومنه قوله: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ (٤) [المؤمنون: ٩٩]. ٣٧ - ثم خوفهم الله مثل عذاب الأمم الخالية، فقال: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ وهذا استفهام إنكار أي: ليسوا خيرًا منهم، بمعنى أقوى وأعتى وأشد منهم، قال ابن عباس: (أهم خير) يريد أشد (٥)، قال أبو عبيدة:

стр. 11003

ملوك اليمن كان كل واحد منهم يسمى تبعاً، لأنه يتبع صاحبه, والظل يسمى تبعاً؛ لأنه يتبع الشمس، وموضع تبع في الجاهلية موضع الخليفة في الإسلام، وهم ملوك العرب الأعاظم (١) وأنشد فقال: أو لا يقولُ اللهُ في آياتِه ... والله يوحي ما يشاء وينزل أنتم كتُبَّع أو كسَائِرِ قَوْمِهِ ... بل قومُ تبَّعٍ في الفضائل أفْضَلُ (٢) وأنشد قول متمم: وعِشْنَا بخيرٍ في الحَيَاةِ وقَبْلَنَا ... أَصَابَ المَنَايَا رَهْط كِسْرًا وتُبَّعا وقالت عائشة ﵂: "كان تبع رجلاً صالحًا" (٣). وقال كعب: ذَمَّ الله قومه ولم يذمَّه (٤)، قال وهب: نهى رسول الله ﷺ عن سب أسعد وهو تبع، وكان على دين إبراهيم (٥). وقال الكلبي: وهو أبو كرب أسعد بن ملكيكرب (٦)، وتبع اسم الملك منهم كفرعون وكـ هامان.

стр. 11004

٣٨ - قوله تعالى: ﴿لَاعِبِينَ﴾ قال مقاتل: لم يخلقهما عابثين لغير شيء (١). ٣٩ - قوله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ قال الكلبي والفراء: أي: للحق (٢). وقال أبو إسحاق: أي: لإقامة الحق (٣). قال ابن عباس: يريد: للثواب والعقاب (٤) ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال: يريد المشركين. ٤٠ - ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ قال ابن عباس: يريد: يوم يفصل الرحمن بين العباد وهو يوم القضاء (٥)، ﴿مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يريد: البر والفاجر، قال مقاتل: ميعادهم أجمعين، يوافي يوم القيامة الأولون والآخرون. ٤١ - ثم نعت ذلك اليوم فقال (٦): ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد قريباً من قريب (٧)، ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾

стр. 11005

لا ينصر المؤمن الكافر لقرابته، ولا يغني عنهم شيئًا، والمراد بقوله: ﴿مَوْلًى عَنْ مَوْلًى﴾ الكفار، ألا ترى أنه ذكر المؤمن فإنه يشفع له، وقال الكلبي: استثنى الله المؤمنين، فإنه يشفع بعضهم في بعض (١)، وعلى هذا موضع ﴿مَنْ﴾ نصب لأنه استثناء منقطع عن أول الكلام، يريد اللهم إلا ﴿مَنْ رَحِمَ﴾ ويجوز أن يكون قوله: ﴿مَوْلًى عَنْ مَوْلًى﴾ على العموم، ثم استثنى المؤمنين فقال: ٤٢ - ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ فيكون: ﴿مَنْ﴾ في موضع رفع كما تقول: لا يقوم أحدٌ إلا فلان، والمعنى: لا يغني قريب إلا المؤمن، والوجهان في الاستثناء ذكرهما الفراء (٢)، وهو قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ قال مقاتل: العزيز في نقمته من أعدائه الذين لا شفاعة لهم، الرحيم بالمؤمنين الذين استثنى في هذه الآية (٣). ٤٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ قد تقدَّم تفسيره في سورة الصافات [آية: ٦٢]. ٤٤ - قوله تعالى: ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ قال ابن عباس: يريد طعام أبي جهل، وهو قول مجاهد ومقاتل (٤)، وقال الكلبي: الأثيم: الفاجر، وهو هاهنا الوليد بن المغيرة المخزومي (٥)، والأثيم: معناه: ذو الإثم، يقال:

стр. 11006

أثم يأثم إثمًا، فهو أثِمٌ وأثيم (١). ٤٥ - قوله: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ سبق تفسيره في سورة الكهف [آية: ٢٩]، وقد شَبَّه الله تعالى هذا الطعام بالمهل وهو: دردي الزيت وعكر القطران على ما ذكره المفسرون (٢) كما سبق بيانه [الكهف: ٢٩]، وتم الكلام هاهنا ثم أخبر عن غليانه في بطون الكفار فقال (٣): ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ وقرئ: (يغلي) بالياء فمن قرأ بالتاء فلتأنيث الشجرة، ومن قرأ بالياء حَمَلَه على الطعام في قوله: ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ لأن الطعام هو الشجرة في المعنى، ألا ترى أنه خبرُ الشجرة، والخبر في المعنى إذا كان مفردًا هو المبتدأ، واختيار أبي عبيد الياء قال: لأن الاسم المذكر يعني: المهل هو الذي يلي الفعل، فصار أَوْلى به للتذكير وللقرب وكذلك في قوله: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى﴾ [آل عمران: ١٥٤] و ﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] و ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧] يختار الياء في هذه الآيات (٤). قال أبو علي: لا يجوزُ أن يحمل الغلي على المهل؛ لأن المهل لا يغلي في البطون إنما يغلي ما شبه به (٥)، وأما سائر الآيات التي ذكرها فالياء والتاء فيها سواء لأن كل واحد مما فيها هو الآخر، فالنطفة والمني سواء.

стр. 11007

٤٦ - قوله تعالى: ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ قال ابن عباس: الماء إذا اشتد غليانه فهو حميم (١). ٤٧ - قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ أي: يقال للزبانية: خذوه يعني: الأثيم فاعتلوه، قُرِئ بكسر التاء، قال الليث: العتل أن تأخذ بتَلْبيب الرجل فتعتله أي: تجرّه إليك وتذهب به إلى حَبْس أو بلية (٢)، وأخذ فلان بزمام الناقة فعتلها، وذلك إذا قبض على أجل الزمام عند الرأس وقادها قودًا عنيفاً. وقال ابن السكيت: عَتَلْته إلى السجن، وعَتَنْتهُ فأنا أَعْتُلُهُ وأعْتِنه (٣) إذا دَفَعْته دفعًا عنيفًا (٤)، وهذا معنى قول جميع أهل اللغة في معنى العتل (٥) وذكروا اللغتين ضم التاء وكسرها وهما صحيحان (٦) مثل: ﴿يَعْكُفُونَ﴾ و ﴿يَعْكِفُونَ﴾ و ﴿يَعْرِشُونَ﴾ و ﴿يَعْرُشُونَ﴾. وأنشدوا للفرزدق فقال: لَيْسَ الكِرَامُ بِنَاحِلِيكَ أَبَاهَمُ ... حتى تُرَدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ (٧)

стр. 11008

وقال أبو إسحاق: المعنى: يا أيها الملائكة خذوه فاعتلوه (١). قال مجاهد ومقاتل: ادفعوه على وجهه (٢)، وقال الكلبي: سوقوه إلى سواء الجحيم قال: وسط الجحيم (٣)، كقوله: ﴿فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥]. ٤٨ - ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ﴾ قال مقاتل: يعني: أبا جهل، وذلك أن مالكًا خازن جهنم يضربه ضربة على رأسه بمَقْمع من حديد فيثقب رأسه عن دماغه فيجري دماغه على جسده ثم يصب الملك فيه ماء حميمًا قد انتهى حَرُّه فيقع في بطنه، فيقول الملك: ذق العذاب (٤) فذلك قوله: ﴿ذُقْ﴾ ونحو هذه الآية قوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩] قوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ قال عكرمة والكلبي: التقى النبي ﷺ وأبو جهل فقال له النبي ﷺ : "إن الله أمرني أن أقول لك ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ " [القيامة: ٣٤] "فقال: يا محمد بأي شيء تهددني فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئًا إني لمن أعز هذا الوادي وأكرمه على قومه، فقتله الله يوم بدر وأذله وعيره بكلمته وأنزل هذه الآية (٥)، وهذا قول أهل التفسير قالوا: إنه كان يقول أنا أعز أهل الوادي وأكرمهم، فيقول له الملك: ذق العذاب أيها المتعزز المتكرم، يوبخه ويصغره (٦). قال أبو إسحاق:

стр. 11009

المعنى: ذق هذا العذاب، إنك أنت القائل: أنا العزيز الكريم (١). وقال أبو علي الفارسي: المعنى: إنك أنت العزيز الكريم في زعمك وفيما تقوله، فأجري ذلك على حسب ما كان يذكره أو يُذْكَر به ومثله قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] أين شركائي فيما تفترون وتدعون، وهذا كما روي أن زهرة اليمن (٢) قال في جرير: أَبْلِغْ كُلَيْبُا وأَبْلِغْ عَنْكَ شَاعِرهَا ... أَنَّي الأَعَزُّ وأَنِي زَهْرةُ الْيَمَنِ (٣) فأجابه جرير: أَلَمْ تَكُنْ في وُسُومٍ قد وَسَمْتُ بها ... مَنْ حَانَ مَوْعِظَةً يا زَهْرةَ اليَمَنِ (٤) أي: زهرة اليمن فيما تقول، وكذلك أبو جهل كان يقول إنه أعز الوادي وأمنعهم. فعلى ما كان يقول جاء في التنزيل حكايته، ونحو هذا قال صاحب النظم قال: هذا على وجه المعارضة والتبكيت، ودلالة على أنه أخبر أنه قال في الخطاب أنا العزيز الكريم، وهو شبيه بقول الكفار: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] كأنه لما قال لهم أنزل عليَّ الذكرُ من الله عارضوه بهذا كالمستهزئين به، كذلك يستهزأ بأبي جهل ويوبخ بما زعم وادَّعى به، وليس كذلك.

стр. 11010

وقال بعض أهل المعاني: هذا على معنى النقيض، كأنه قيل إنك أنت الذليل المهان (١)، وهذا كما خاطب قوم شعيبًا: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] يعنون السفيه الجاهل، وقد مر، وقرأه العامة (إنك) بكسر الألف على الابتداء، وقرأ الكسائي بالفتح على معنى: ذق بأنك، أي: هذا القول الذي قلته في الدنيا، قاله الفراء وأبو علي (٢)، وعلى هذا الواقع عليه يضمر على تأويل: ذق العذاب، وكذلك هو في قراءة العامة (٣). وقال صاحب النظم: من فتح الهمزة كان قوله: ﴿ذُقْ﴾ واقعًا على تأويل: ذق، وقال هذا القول وجزاؤه (٤)، وقال مقاتل: فلما ذاق العذاب قال الملك الخازن: إن هذا العذاب ما كنتم به تمترون يعني: تشكون في الدنيا أنه غير كائن والمعنى تكذبون به (٥)، كقوله: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ [الزخرف: ٦١] وقد مر قبل. ٥١، ٥٢ - ثم ذكر مستقر المتقين فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٥١] قال ابن عباس: يريد: أصحاب النبي ﷺ في خلود دائم (٦)، وعلى هذا المعنى: أنهم قد أمنوا الشخوص، وقال مقاتل: أمينٍ

стр. 11011

من الموت (١). وقال الضحاك: أمنوا أن يموتوا وأن يعروا وأن يجوعوا (٢). وقد جمع أبو إسحاق هذه الأشياء فقال: قد أمنوا فيه الغِيَر (٣)، وقرأه العامة (مقام) بفتح الميم يراد به المجلس والمشهد، ووصفه بالأمن يقوي أنه يراد به المكان، ووصف بالأمن كما يوصف بالخوف، [وقرأ عامر] (٤) ونافع بضم الميم، فيحتمل أن يراد به المكان من أقام، فيكون على هذا معنى القراءتين واحداً، وقد يجوز أن يجعله مصدراً ويقدر المضاف محذوفاً على تقدير في موضع إقامة (٥). ٥٣ - قوله: ﴿مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ مر تفسيره في سورة الكهف [آية: ٣١]. قوله: ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: لا يرى بعضهم قفا بعض ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما وصفنا يكون حالهم والمعنى: الأمر كذلك الذي ذكرنا ووصفنا. ٥٤ - قوله: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ قال أبو عبيدة: جعلناهم أزواجاً كلما يزوج النعل بالنعل، جعلناهم اثنين اثنين (٦)، وقال يونس: أي: قرناهم بهن (٧)، وليس من عقد التزويج، والعرب لا تقول: تزوجت بها، إنما يقولون: تزوجتها، والتنزيل يدل على ما قال يونس، وذلك قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] ولو كان على تزوجت بها،

стр. 11012

لكان زوجناك بها، قال ابن سلام وقال أبو البيداء تميم (١): تقول تزوجت امرأة وتزوجت بامرأة، وحكى الكسائي أيضًا: زوجنا بامرأة، وزوجناه امرأة، ولا يبعد أن يكون قوله (زوجناكها) على أنه حذف الحرف فوصل الفعل، وذكره الأزهري تقول العرب: زوجت امرأة، وتزوجت امرأة، وليس من كلامهم: تزوجت بامرأة (٢). وقال الفراء: هي لغة في أزد شنوءة (٣) هذا كلامه، وقول أبي عبيدة حسن لأنه جعل قوله: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ﴾ من التزويج الذي هو بمعنى: جعل الشيء زوجًا، لا بمعنى عقد النكاح، ومن هذا يجوز أن يقال: كان فردًا وزوجته بآخر، كما يقال شفعته بآخر، فإنما يمتنع الباء عند من يمتنع إذا كان بمعنى التزويج، ونحو هذا قال الأخفش في هذه الآية: جعلناهم أزواجًا بالحور (٤). وقال مجاهد: أنكحناهم الحور العين التي يحار فيها الطرف، باديًا مخ سوقهن من وراء ثيابهن، ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمِرْآة، من رقة الجلد وصفاء اللون (٥)، وقال قتادة: بجَوَارٍ بيض (٦).

стр. 11013

وقال ابن عباس: الحور في لغة العرب: البيض (١). وقال مقاتل: الحور: البيض الوجوه، العين: الحسان الأعين (٢). وأصل الحور البياض والتحوير التبييض، وذكرنا ذلك في تفسير الحوريين، وعين حوراء، إذا اشتد بياضُها، واشتد سوادُ سوادها, ولا تسمى المرأة [حمراء] (٣) حتى تكون مع حور عينيها بيضاء لون الجسد (٤). وقال أبو عبيد: الحوراء: الشديدة بياض العين الشديدة سوادها (٥)، و (العين) جمع عَيْناء، وهي: العظيمة العينين من النساء، قال اللحياني: إنه لأعين، إذا كان ضخم العين واسعها، والأنثى عيناء، [والجمع عين عينًا]، (٦)، ويدل على أن المراد بالحور في هذه الآية البيض، قراءة ابن مسعود: بعيس عين (٧)، والعيس: البيض. قال الحسن: الحور العين، عجائزكم ينشئهن الله خلقًا آخر (٨)، وقال

стр. 11014

أبو هريرة: لسن من نساء الدنيا (١). ٥٥ - قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ قال ابن عباس: قد أمنوا الموت والأسقام والأوجاع والتخم (٢). ٥٦ - قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ قال أهل المعاني: جعل الموت في مقاساة الآلام والأسباب التي يحدث عندها الموت، كالطعام الذي يكره ذوقه، فلذلك استعير له الذوق وهو في الحقيقة عَرَض لا يذاق (٣). فإن قيل: أليس أهل النار لا يموتون، فلم بشر أهل الجنة بهذا مع مشاركة غيرهم في هذا المعنى؟ قيل: إن أهل الجنة في حياة هنيئة بشارتهم بالخلود تزيدهم سرورًا وقرة عين، وأهل النار يموتون موتات كثيرة بما يقاسون من الشدة، وانتفاء الموت عنهم يزيدهم حسرةً وشدة وَجْد (٤). وقوله: ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ قال ابن عباس: يريد: التي كانت في الدنيا (٥)، وقال مقاتل: يعني: المرة الأولى التي كانت في الدنيا (٦). قال أبو إسحاق: المعنى: لا يذوقون فيها الموت البتة سوى الموتة الأولى التي ذاقوها في الدنيا، وهذا كما قال (٧) ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ

стр. 11015

آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] أي: سوى ما قد سلف، ونحو هذا قال الفراء قال: ومثله في الكلام: لك عندي ألف إلا مالك عندي من قِبَلِ فلان، ومعناه: سوى مالك علي من قِبَلِه، قال: (وإلا) قد تكون حطًّا مما قبلها وقد تكون زيادة عليه، فالحط كقولك: لك علي ألف إلا مائة، والزيادة كالتي في هذه الآية فهو زيادة على ما قبل، إلا كما ذكرنا في المثال من الكلام (١). وقال بعض أهل المعاني: (إلا) بمعنى: بعد، أي: بعد الموتة الأولى، وقيل (إلا) بمعنى: لكن، كأنه قيل: لكن الموتة الأولى (٢)، وقد ذاقوها، وذكر ابن قتيبة وجهًا حسنًا فقال: إنما استثنى الموتة الأولى وهي في الدنيا، من موت في الجنة؛ لأن السعداء حين يموتون يصيرون بلطف الله وقدرته إلى أسباب من أسباب الجنة، فيلقون الروح والريحان، ويرون منازلهم من الجنة، وتفتح لهم أبوابها، فإذا ماتوا في الدنيا فكأنهم ماتوا في الجنة لا تصالهم بأسبابها ومشاهدتهم إياها، فجاز أن يستثني الموتة الأولى من مكانهم في الجنة (٣). ٥٧ - قوله: ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ﴾ قال الفراء والزجاج: المعنى: فعل ذلك ربهم فضلاً وتفضلاً منه (٤).

стр. 11016

٥٨ - قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ قال مقاتل: يعني القرآن يقول هوناه على لسانك (١)، قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ لكي يتعظوا فيؤمنوا به فلم يؤمنوا به، يقول الله لنبيه: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ يعني: فانتظرهم (٢) العذاب فإنهم ﴿مُرْتَقِبُونَ﴾ منتظرون هلاكك ويقال: فانتظر الفتح والنصر عليهم، إنهم ينتظرون غلبتك وقهرك (٣).

стр. 11017

سورة الجاثية

стр. 11018

تفسير سورة الجاثية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١، ٢ - قوله: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ قال صاحب النظم: هذا فصل يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مبتدأ وخبرًا، فيكون قوله ﴿حم﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿تنزيل الكتاب﴾ خبرًا له، ويكون قوله ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ مبتدأ آخر، والثاني: أن يكون قوله: ﴿حم﴾ قَسَمًا، وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ نعتًا له على إضمار (١) (هو) كما تقول في الكلام: والله هو الرحمن الرحيم إنك لظالم، فيكون جواب القسم قوله تعالى: ٣ - ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال مقاتل: إن في خلق السموات والأرض -وهما خلقان عظيمان (٢) - ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وعلى هذا يقدر المضاف، واختاره الزجاج قال: ويدل عليه قوله: وفي خلقكم (٣)، ويجوز أن يقدر المضاف وتكون الآيات: الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب. ٤ - قوله تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يريد وفي خلق أنفسكم من تراب ثم من نطفة إلى أن يصير إنسانًا، و (بث) تفرق على الأرض من جميع ما خلق، واختلاف ذلك من المشي على رجلين وعلى أربع وعلى

стр. 11019

البطن، آيات ودلالات على توحيد مَنْ خلقها (لقوم يوقنون) أنه لا إله غيره (١). وجاز الرفع في قوله: (آيات) من وجهين ذكرهما الزجاج والمبرد وأبو علي (٢): أحدهما: العطف على موضع (أن) وما عمل فيه؛ لأن موضعها رفع بالابتداء، فيحمل الرفع فيه على الموضع كما تقول: إن زيدًا منطلق وعمرو، وإن زيدًا أخوك وخالد و ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] لأن معنى قوله: ﴿أن الله بريء﴾ هو الله بريء، وهذا نظير قولك: لست بقائم ولا قاعد، أو لست بجبان ولا بخيلاً، عطف الثاني على موضع الباء. والوجه الآخر: أن يكون قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ مستأنف، ويكون الكلام جملة معطوفة على جملة كما تقول: إن زيدًا منطلق وعمرو خارج، جعلت قولك: عمرو خارج، كلامًا آخر، كما تقول: زيد في الدار وأخرج غدًا إلى بلد كذا، فإنما حدث بحديثين اثنين، ووصلت أحدهما بالآخر بالواو. وهذا الوجه هو اختيار أبي الحسن، قال: لأنه قد صار على كلام آخر نحو: إن في الدار زيدًا، وفي البيت عمرو؛ لأنك إنما تعطف الكلام كله على الكلام كله (٣). وهذا الوجه أيضًا قول الفراء قال: الرفع على الاستئناف بعد (أن)؛

стр. 11020

يقول العرب: إن لي عليك مالا وعلى أخيك، ما ينصبون الثاني ويرفعونه (١)، فيكون قوله "آيات" على هذا الوجه مرتفعًا بالظرف على قول من رأى الرفع بالظرف، أو بالابتداء في قول من لم ير الرفع بالظرف، وقرأ حمزة والكسائي (آيات) وكذلك ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ﴾ كسرا فيها وهو في موضع نصب على النسق على أن قوله ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ على معنى وإن في خلقكم آيات، ويقوي هذه القراءة أنها في قراءة عبد الله وأُبي "لآيات" ودخول اللام يدل على أن الكلام محمول على (أن)، وإذا كان محمولاً عليها حَسُن النصب على ما قرأ حمزة، وصار كل موضع من ذلك كأن (أن) مذكورة فيه بدخول اللام؛ لأن هذه اللام إنما تدخل على خبر (أن) أو على اسمها, ولا اختلاف في جواز هذه القراءة وحسنها في قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ﴾، ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ﴾: فإن فيه عطفًا على عاملين مختلفين، وذلك أنه عطف بحرف واحد وهو الواو في قوله (واختلاف الليل) على عاملين أحدهما: الجار الذي هو في قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ والآخر: "إن" في قوله: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بعطف آيات على (إن) بهذه الواو وحدها، وسيبويه وكثير من النحويين لا يجيزونه، ووجه جواز ذلك هاهنا أن يقدر (في وأن) في قوله: ٥ - ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ﴾ كأنه قيل: وأن في اختلاف الليل، و (إن) فإن كانت محذوفة من اللفظ فهو في حكم المثبت فيه، وذلك أن ذكره قد تقدَّم في قوله: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بعطف آيات فأما الجار فقد تقدَّم ذكرُه في قوله (في السموات .. وفي خلقكم) فلما تقدم ذكره في هذين، قدر فيه

стр. 11021

الإثبات في اللفظ وإن كان محذوفًا منه كما قدر سيبويه في قوله: أكلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امرأً ... ونارًا (١) تَوَقّدُ باللَّيْلِ نَارَا (٢) أن كُلا في حكم الملفوظ به، واستغني عن إظهاره بتقدم ذكره، ويجوز أن تقدر آيات متكررة كررتها لما تراخى الكلام وطال، كماقال بعض المشايخ في قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ﴾ [التوبة: ٦ ٣] قال (أن) هي الأولى كررت، وهذا النحو في كلامهم غير ضيق، هذا كله كلام المبرد وأبي علي ومعنى (٣) كلام أبي إسحاق قوله تعالى: ٦ - ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ قال ابن عباس: يريد هذا الذي قصصنا عليك من آيات الله بها (٤) ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ﴾ قال أبو إسحاق: بعد كتاب [(٥)]، ﴿وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ قرئ بالياء والتاء، واختار أبو عبيد: الياء لأن قبله غيبة، وهو قوله: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ و ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وهذا خبر عنهم.

стр. 11022

فإن قيل: إن في أول الكلام خطابًا وهو قوله: (وفي خلقكم) قيل: الغيبة التي ذكرنا أقرب إلى الحرف المختلف فيه، والأقرب إليه أولى أن يحمل عليه، واحتج أيضًا بأن قال في أول الآية خطاب للنبي ﷺ ولا يكون في خطابه قوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ (١)، ووجه قول من قرأ بالتاء: أن "قل" فيه مقدر على تأويل: قل لهم فبأي حديث بعد ذلك يؤمنون (٢). قال المبرد: والتأويل في جميع هذا إنما هو الإبلاغ، فيجوز أن يستغنى عن أن يقال (قل) مع أن القول كثيرًا ما يضمر كقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ﴾ (٣) [الرعد: ٢٣]. ٧ - قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ﴾ هذه الآية وما بعدها نزلت في النضر ابن الحارث، قاله الكلبي ومقاتل (٤). ٩ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا﴾ قال مقاتل: يعني وإذا سمع من آيات القرآن شيئًا اتخذها هزوا (٥) ﴿أُولَئِكَ﴾ قال الأخفش: رد الكلام إلى معنى الكل في قوله ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ﴾ فلذلك جمع (٦). ١٠ - قوله: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ قال ابن عباس: يريد أمامهم

стр. 11023

جهنم (١)، وقال مقاتل: يريد هو في الدنيا، ومن بعده له في الآخرة جهنم (٢)، وذكرنا الكلام في هذا في سورة إبراهيم عند قوله: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [آية: ١٠]. ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا﴾ من الأموال التي جمعوها ﴿شَيْئًا﴾ ولا ما عبدوا من دون الله من الآلهة. ١١ - قوله: ﴿هَذَا هُدًى﴾ قال مقاتل: هذا القرآن بيان من الضلالة (٣)، وقال عطاء عن ابن عباس: يريد كل ما جاء به محمد ﷺ بيان للمؤمنين (٤). قوله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ وقرئ (أليم) رفعًا (٥)، والرجز العذاب بدلالة قوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ)﴾ [البقرة: ٥٩]. وقوله: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] فمعنى قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾: لهم عذابٌ من عذاب أليم، وإذا كان عذابهم من عذاب أليم، كان عذابهم أليمًا، قوله: ﴿مِنْ رِجْز﴾ على هذا صفة للعذاب؛ لأنه نكرة، من رفع أليماً كان المعنى: لهم عذاب أليم من عذاب، وليس فائدته كالفائدة في القراءة الأولى، وإذا كان كذلك فيحمل على أمرين: أحدهما: أن قوله ﴿من عذاب﴾ يكون صفة مؤكدة، والصفة قد تجيء على وجه التأكيد كما روي في بعض الحروف (وَلِيَ نَعْجَةٌ أنثى) وقوله: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٢٠] وقولهم: أمس الدابر،

стр. 11024

والآخر: أن يحمل الرجز على الذي بمعنى الرجس الذي هو النجاسة على الإبدال للمقاربة، يخب النجاسة فيه قوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦] وكان المعنى: لهم عذاب من تجرع رجس أو شرب رجس، فيكون من تَبْيينًا للعذاب مِمَّ هو (١). ١٢، ١٣ - قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يعني من شمس وقمر ونجم ومطر وثلج وبرد ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ من دابة وشجر ونبات وأنهار، قاله ابن عباس (٢)، معنى تسخيره لنا: هو أنه هيأها لانتفاعنا بها، فهو مسخر لنا من حيث إننا ننتفع به على الوجه الذي نريد. قوله تعالى: ﴿جَمِيعًا مِنْهُ﴾ قال: كل ذلك رحمة منه لكم، وقال أبو إسحاق: (جميعًا) منصوب على الحال (٣)، والمعنى: كل ذلك منه تفضل وإحسان، والوقف يحسن على قوله (جميعًا) (٤). قوله تعالى: ﴿مِنْهُ﴾ أي ذلك التسخير منه لا من غيره، فهو فضله وإحسانه قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في صنع الله فيوحدونه. ١٤ - قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ قال الفراء: هذا خبر في منزلة الأمر، كأنه قيل: قل للذين آمنوا اغفروا, ولكنه جزم بالتشبيه بالجزاء والشرط، كقوله: قم تصب خيرًا, وليس كذلك، ولكن العرب إذا أخرج الكلام في مثال غيره وهو مقارب له، أعربوه

стр. 11025

بإعرابه، فهذا من ذلك (١) وقد استقصينا الكلام في هذه المسألة عند قول: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١]. واختلفوا في سبب نزول الآية، قال ابن عباس في رواية عطاء، وهو قول مقاتل (٢): نزلت في عمر ﵁، قال ابن عباس: يريد عمر بن الخطاب خاصة ﴿يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ يريد: عبد الله بن أبي، وذلك أنهم تولوا في غزاة (٣) بني المصطلق (٤) على بئر يقال له المريسيع (٥) فأرسل عبد الله غلامه ليستقي الماء فأبطأ عليه، فلما أتاه قال له ما حبسك؟ قال غلام عمر: تَعدّ على فضل البير، فما ترك أحدًا يستقي حتى ملأ قرب

стр. 11026

النبي ﷺ وقرب أبي بكر وملأ لمولاه، فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك، فبلغ قوله عمر فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه فأنزل الله هذه الآية. وقال مقاتل: شتم رجل من كفار قريش بمكة عمر، فهَمَّ عمر أن يبطش به، فأمره الله بالعفو والتجاوز وأنزل هذه الآية (١). وروى ميمون بن مهران [(٢)] فنحاص اليهودي، قال لما نزل قوله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ قال: احتاج رب محمد، فلما سمع بذلك عمر اشتمل على سيفه وخرج في طلبه، فأنزل الله هذه الآية، فبعث النبي ﷺ في طلبه حتى رَدَّه (٣). قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: لا يرجون ثواب الله ولا يخافون عقابه (٤). وقال مقاتل: لا يخشون مثل عذاب الأمم الخالية (٥). وقال مجاهد: لا ينالون نعم الله أو نقم الله (٦)، وذلك أنهم لا يؤمنون به فلا يرجون ثوابه ولا يخافون عقابه، كما قال ابن عباس، وذكرنا أيام الله عند تفسير قوله: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] وأجمعوا أن هذه الآية

стр. 11027

نزلت قبل أن يؤمر النبي ﷺ بقتال أهل مكة وأنها منسوخة بآية القتال (١)، إلا على ما رواه عطاء عن ابن عباس، فإن على روايته نزلت الآية بعد الأمر بالقتال؛ لأنه ذكر أن الآية نزلت بعد غزوة بني المصطلق (٢) والصحيح أنها نزلت قبل الأمر بالقتال والله أعلم، قال قتادة (٣): نسختها ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقال أبو صالح (٤): نسختها ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ [الحج: ٣٩] الآية. قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد يجازي الذين أحسنوا الجنة، والذين أساؤوا بالعذاب (٥)، وقال مقاتل: لكن نجزي بالمغفرة قومًا يعملون الخير (٦).

стр. 11028

وقال آخرون: معنى الآية: قل للمؤمنين يتجاوزوا عن الكفار ليجزي الله الكفار بما كسبوا من الإثم ليوفيهم عقاب سيئاتهم بما عملوا من ذلك، قيل لا قكافؤنهم أنتم لنكافيهم نحن (١)، ثم ذكر المؤمنين وأعمالهم والمشركين وأعمالهم بقوله: ١٥ - ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ الآية. ١٦ - قوله تعالى: ﴿الْكِتَابَ﴾ يعني التوراة ﴿وَالْحُكْمَ﴾ يعني الفهم في الكتاب، وقوله: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ يعني المنَّ والسلوى، قاله الكلبي ومقاتل (٢). ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ تقدم تفسيره في سورة الدخان، [آية: ٣٢] قال ابن عباس: لم يكن أحد من العالمين في زمان بني إسرائيل أكرم على الله ولا أحب إليه منهم (٣). ١٧ - قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ قال ابن عباس: يعني ما بين لهم من أمر النبي ﷺ وأنه مهاجر من تهامة إلى يثرب يكون أنصاره أهل يثرب (٤). قوله تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ مفسر في سورة: حم عسق [آية: ١٤] وغيرها من السور [آل عمران: ١٩].

стр. 11029

١٨ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ قال الفراء: يقال دين وملة ومنهاج، كل ذلك يقال (١). وقال أبو عبيدة: على طريقة وسنة (٢). وقال المبرد: على منهاج وقصد، وبذلك سميت شريعة النهي (٣)؛ لأنها يوصل منها إلى الانتفاع، والشرائع في الدين المذاهب التي شرعها الله لخلقه، وهذا الحرف مما قد تقدم تفسيره [الشوري: ١٣، ٢١]. قال ابن عباس: يريد على دين ظاهر رضيته لك (٤) ﴿فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال يريدت قريظة والنضير (٥). وقال مقاتل: الذين لا يعملون توحيد الله يعني كفار قريش (٦)، وقال الكلبي: إن رؤساء قريش قالوا للنبي ﷺ وهو بمكة: ارجع إلى ملة آبائك فهم كانوا أفضل منك (٧) وأسن، فأنزل الله هذه الآية. ١٩ - ثم ذكر أن اتباعهم لا ينفعه، وأنهم لا يدفعون عنه ولا ينفعونه فقال: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ لن يدفعوا عنك من عذاب الله شيئًا: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ قال ابن عباس:

стр. 11030

يريد المنافقين أولياء اليهود (١)، وقال الكلبي، ومقاتل: يعني مشركي مكة بعضهم أولياء بعض، والله ولي المتقين الشرك (٢)، وهم أمة محمد ﷺ ، وقال عطاء: يريد المهاجرين والأنصار (٣). ٢٠ - قوله: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني القرآن (٤)، كأنه قال هذا القرآن، (هذا) إشارة إلى القرآن، قاله الزجاج (٥)، وقال أبو عبيدة: مجازها مجاز القرآن بصائر للناس (٦)، وذكرنا تفسير هذه الآية في آخر سورة الأعراف [آية: ٢٠٣]. ٢١ - قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ قال الكلبي: نزلت في علي وحمزة وعبيدة بن الحارث، وفي ثلاثة رهط من المشركين عتبة وشيبة والوليد بن عتبة، قالوا للمؤمنين: والله ما أنتم علي شيء وإن كان ما تقولون حقًا لنفضلن عليكم في الآخرة كما فضلنا عليكم في الدنيا (٧). قال مقاتل: قال كفار مكة للمؤمنين: إنا نُعْطَى في الآخرة من الخير مثل ما تعطون. فقال الله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ﴾ وهو استفهام إنكار ﴿اجْتَرَحُوا
следующие страницы →