قَعِيدكُمَا الله الذي أنْتُما له ... ألم تَسْمَعَا بالبيضَتَيْن المُنَادِيَا (١)
قال: ومعنى قعيدك الله: أي أينما قعدت فأنت مقاعد لله، أي: هو معك، ومن هذا قول المتمم:
قَعِيدَكِ ألَّا تُسْمِعِيني مَلامَةً ... ولا تَنْكِئي قَرْحَ الفُؤادِ قبيحا (٢)
قال أبو إسحاق: المعنى عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد. فدل أحدهما على الآخر، فحذف المدلول عليه، وأنشد (٣):
نَحْن بما عِنْدَنا وأنْتَ بما ... عِنْدَك رَاضٍ والرَّأيُ مُخْتَلِفُ
أي: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راضٍ.
ومثله أيضًا:
رَمَاني بأَمْرٍ كنتُ منه ووالِدِي ... بريئًا ومن أجْلِ الطّوى رَمَانِي (٤)
стр. 11272
قال: المعنى كنت بريئًا وكان والدي منه بريئًا (١). ونحو هذا قال الفراء، وأنشد للفرزدق (٢):
إني ضَمِنْت لمن أتانِي ما جَنَى ... وأبي فكان وكُنْتُ غَيْرَ غَدُورِ (٣)
وقال المبرد: فعيل يكون للواحد والجميع، وأنشد هو وأبو عبيدة:
يا عاذلاتي لا تطلن ملامتي ... إن العواذل لسن (٤) لي بأمير (٥)
وقال الله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]. وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] (٦). والمراد بالقعيد هاهنا: الملازم الذي لا يبرح، لا القاعد الذي هو ضد القائم، قال مجاهد: عن اليمين كاتب الحسنات، وعن الشمال كاتب السيئات (٧).
стр. 11273
١٨ - قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ معني اللفظ في اللغة: الرمي من الفم. يقال: لفظ الكلامَ، إذا رماه من أنفه وفمه. والأرض تلفظ الميت إذا لم تقبله، والبحر يلفظ الشيء إذا رَمَى به إلى الساحل (١). والمعنى: ما يتكلم من كلام فيلفظه: ﴿إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾ حافظ. يعني الملك الموكل به، إما صاحب اليمين وإما صاحب الشمال.
قوله: ﴿عَتِيدٌ﴾ قال الكلبي: حاضر معه يحفظ عمله (٢).
وقال الزجاج: ثابت لازم (٣). وذكرنا تفسيره عند قوله: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٨] (٤).
١٩ - قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ﴾ أي: وتجيء. وذُكر بلفظ الماضي إشعارًا بتحقق كونه، كما قال: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤] وقد مر (٥) قوله ﴿سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ أي غمرته وشدته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله وفهمه. وذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ [الحجر: ١٥] (٦).
стр. 11274
قوله تعالى: ﴿بِاَلحَقِّ﴾. قال مقاتل: يعني أنه حق كائن (١).
وقال أبو إسحاق: أي بالموت الذي خلق له (٢). وقال الفراء: يقول بالحق الذي كان غير متبين لهم من أمر الآخرة، ويكون الحق هو الموت. أي جاءت سكرة الموت بحقيقة الموت (٣).
قوله (٤) تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي يقال لمن جاءته سكرة الموت: (ذلك)، أي ذلك الموت ﴿مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ قال مقاتل: يعني كراهية الموت (٥). ونحو هذا قال ابن عباس: تكره (٦). يقال: حاد عن الشيء يحيد حيدًا وحَيْدُودة وحَيَدانا ومحيداً وحِيَاداً وحُيوداً، إذا مال عنه وهرب (٧). قال عطاء عن ابن عباس: يجتنب ويهرب (٨). وقال الضحاك: يزوغ ويميل وينكص، كل هذا من ألفاظهم (٩).
٢٠ - قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ قال مقاتل والكلبي: هي النفخة
стр. 11275
الأخيرة (١) ﴿ذَلِكَ﴾ أي ذلك اليوم الذي ينفخ فيه في الصور ﴿يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ قال مقاتل: يعني بالوعيد: العذاب في الآخرة (٢). والمعنى: ذلك يوم تحقق الوعيد ووقوع الوعيد، فحذف المضاف.
٢١ - ﴿وَجَاءَتْ﴾ أي في ذلك اليوم ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل والحسن: سائق يسوقها إلى المحشر وإلى أمر الله، وشهيد يشهد عليها بما عملت، وهو قول الجميع (٣).
قال الكلبي: السائق هو الذي كان يكتب عليه السيئات، والشهيد هو الذي كان يكتب الحسنات (٤).
قال عبد الله بن مسلم: السائق قرينها من الشياطين، سمي سائقًا؛ لأنه يتبعها وإن لم يحثها ويدفعها. وكان رسول الله ﷺ يسوق أصحابه. أي يكون وراءهم. والشهيد الملك الشاهد عليها بما عملت (٥). والمراد بالنفس هاهنا نفس الكافر، يدل عليه قوله:
٢٢ - ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ اليوم في الدنيا ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ قال ابن عباس: الذي كان في الدنيا يغشى قلبك وسمعك وبصرك (٦).
стр. 11276
وقال ابن قتيبة: أي: أريناك ما كان مستورًا عنك في الدنيا (١).
وقال أبو إسحاق: هذا مثل، المعنى: كنت بمنزلة من عليه غطاء وعلى قلبه غشاوة ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أي فعلمك بما أنت فيه نافذ، وليس يراد بهذا البصر بصر العين (٢). وهذا قول الكلبي واختيار الفراء، قال: المعنى كنت تكذب فأنت اليوم عالم نافذ البصر، والبصر هاهنا: العلم وليس بالعين (٣). والآخرون قالوا: هو العين.
قال ابن عباس في رواية عطاء: تبصر ما كنت تنكر في الدنيا (٤).
قال ابن قتيبة: أي: فأنت نافذ البصر لما كشفت عنك الغطاء (٥).
قال الضحاك: يحشر الكافر وبصره حديد، ثم يزرق ثم يعمى (٦).
وقال مقاتل: يشخص بصره، فلا يطرف حين يعاين في الآخرة ما كان يكذب به في الدنيا (٧).
٢٣ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ قال مقاتل: يعني صاحبه، وهذا الملك الذي كان يكتب عمله السىِّء في الدنيا يقول لربه: كنت وكلتني به في الدنيا فهذا عندي معد حاضر قد آتيتك به (٨). ونحو هذا
стр. 11277
قال الكلبي (١). وعلى قولهما يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ الشخص الذي أتي به ويكون ﴿مَا﴾ بمعنى (من) (٢)، ويحتمل أن يكون المراد ديوان أعماله وما كتب عليه. وقد صرح مجاهد بالقول الأول وقال: هذا الذي وكلتني به من ابن آدم قد أحضرته (٣).
وابن قتيبة صرح بالقول الثاني فقال: يعني ما كتبته من عمله حاضر عندي (٤). وسيبويه جعل ﴿مَا﴾ هاهنا نكرة فقال: المعنى هذا شيء لدي عتيد، فارتفع ﴿عَتِيدٌ﴾ لأنه صفة لـ ﴿مَا﴾ (٥). وذكر أبو إسحاق في رفع عتيد وجهين آخرين:
أحدهما: أن يرفع بإضمار (هو) كأنه قيل: هذا شيء لدي هو عتيد.
والآخر: أن يكون خبرًا بعد خبر، كما تقول: هذا حلو حامض (٦).
٢٤ - ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ قال مقاتل: يقول الله ألقيا في جهنم يعني الخازن، وهو في كلام العرب: خذاه، يعني الواحد (٧).
وقال الكلبي: كلام العرب ألقيا لواحد (٨) واختار الأخفش، والفراء هذا المذهب، وهو أن هذا خطاب للواحد بلفظ التثنية على عادة العرب يأمرون الواحد كما يأمر الاثنان، يقولون: قوما عنا للرجل. وويلك
стр. 11278
ارحلاها وازجراها. قال الفراء: سمعتها من العرب وأنشد (١):
فقلتُ لصَاحِبي لا تَحْبِسَانا ... بنَزْعِ أصُولِهِ واجْتَزّ شِيحَا
وأنشد أيضًا:
فإن تَزْجُرانِي يابنَ عَفَّان أنزَجِرْ ... وإن تَدَعَاني أحَمِ عِرْضاً مُمنَّعا (٢)
قال الفراء: ويرى أن ذلك منهم؛ لأن الرجل أدنى أعوانه في إبله وغنمه اثنان، وكذلك الرفقة أدنى ما يكون ثلاثة، فجرى كلام الواحد على غالب العادة. ألا ترى الشعراء أكثر شيء: قيلا (٣) يا صاحبي، ويا خليلي، قال امرؤ القيس:
خليلَيّ مُرّا بي على أمِّ جُنْدُبِ ... لنَقْضِي حَاجَاتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ
ثم قال:
ألم تَرَيَانِي كُلّما جئْتُ طَارِقًا ... وَجَدْتُ بها طِيبًا وإنْ لم تَطَيَّبِ (٤)
فرجع إلى الواحد، وأول الكلام اثنان (٥).
وذكر أبو إسحاق عن المبرد أن هذا فعل مبني توكيدًا، كأنه لما قال:
стр. 11279
(ألقيا) ناب عن قوله: ألق ألق. وكذلك عنده قِفَا، معناه: قف قف، فناب عن فعلين. قال: وهذا قولٌ صالحٌ، والذي ذكره محمد بن يزيد في قوله: ﴿أَلْقِيَا﴾ هو مذهب أبي عثمان المازني، ذهب إلى أن أراد ألق ألق، فثنى ضمير الفاعل فناب ذلك عن تكرير الفعل (١).
قال أبو الفتح الموصلي: وهذا يدل على شدة اشتراك الفعل والفاعل، ألا ترى أنه لما بني أحدهما وهو ضمير الفاعل ناب عن تكرير الفعل، وإنما ناب عنه لقوة امتزاجهما، فكأن أحدهما إذا حضر فقد حضرا جميعًا (٢). وهذا الذي قاله الموصلي بيان علة جواز نيابة (ألقيا) عن ألق ألق.
قال أبو إسحاق: والوجه عندي أن يكون أمر الملكين؛ لأن (ألقيا) للاثنين، فأنا اعتقد أنه أمر الاثنين (٣).
وبهذا قال جماعة من المفسرين؛ فذكروا أن هذا خطاب للمتلقين معًا (٤)، أو للسائق والشاهد جميعًا (٥). والأشهر في هذا ما ذكره الفراء، ويدل عليه قراءة الحسن: (ألقين) بالنون الخفيفة، وهو خطاب الواحد (٦). قوله ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ قال الكلبي، ومقاتل: كل كَفّار للنعم، معرض عن
стр. 11280
الإيمان والتوحيد مجانب له (١). والحنيد بمعنى المعاند كالضجيع والقرين وذكرنا تفسيره عند قوله: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥] (٢).
٢٥ - قوله تعالى: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أي لا يبذل خيرًا. قال مقاتل: لا يعطي في حق الله (٣).
(مُعْتَدٍ) ظالم غشوم لا يقر بتوحيد الله، ﴿مُرِيبٍ﴾ قال قتادة والكلبي ومقاتل: شاك في الحق، وهو توحيد الله (٤). وهذا من قولهم: أراب الرجل، إذا صار ذا ريب. وقد ذكرنا ذلك في ابتداء سورة البقرة (٥). وذكر عطاء ومقاتل أن هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة.
٢٧ - قوله تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ اختلفوا في المراد بالقرين هاهنا فقال ابن عباس في رواية عطاء: يعني قرينه من الشياطين (٦).
стр. 11281
وقال مقاتل: ﴿قَرِينُهُ﴾ هو شيطانه (١). واختاره ابن قتيبة (٢). وعلى هذا القول معنى الآية هو: أن شيطانه يعتذر إلى ربه يقول: لم يكن لي قوة بأن أقوله بغير سلطانك ﴿وَلَكِنْ كَانَ﴾ في الدنيا (في ضَلَالٍ بَعِيدٍ) طويل. ذكره مقاتل (٣). ومعنى ﴿مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ ما أَضللته وأغويته. أي لم أتول ذلك من نفسي ولكنه كان في ضلال عن الحق بخذلانك إياه، كأنه يقول: لم أكن سبب طغيانه (٤).
وقال الكلبي: يقول الملك: ربنا ما أطغيته (٥)، وعلى هذا القول المراد بالقرين الملك. وهو قول سعيد بن جبير. قال: يقول الكافر: رب إن الملك زاد عليّ في الكتابة (٦). واختار الفراء هذا القول فقال: إن الكافر يقول: يا رب إنه كان يعجلني عن التوبة، فيقول الملك: ربنا ما أطغيته (٧) أي: ما أعجلته عن التوبة وما زدت عليه. والمعنى: لم أكن سبب طغيانه بالإعجال والزيادة عليه، ولكن كان في ضلال بعيد لا يرجع إلى الحق ولا إلى التوبة. فيقول الله تعالى: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ قال ابن قتيبة: وذكر الله
стр. 11282
اختصامهم في سورة الصافات وهو قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ في الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] (١) وهذا يدل على أن المراد بالقرين الشيطان
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ يعني ما ذكر من الوعيد بالعذاب لمن عصى الرسل.
قال مقاتل: يقول قد أخبرتكم في الدنيا بعذابي في الآخرة (٢). وقدَّم هاهنا إن كان واقعًا فالباء في ﴿بِالْوَعِيدِ﴾ زائدة مؤكدة، وإن كان لازمًا بمعنى يقدم كما ذكرنا في قوله: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ [الحجرات: ١] (٣) فالباء للتعدية (٤).
ثم ذكر أنه لا تبديل لقوله ولا خلف لوعده فقال:
٢٩ - ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد ما لوعدي خلف لأهل طاعتي ولا لأهل معصيتي (٥).
وقال مجاهد: قد قضيت ما أنا قاض (٦).
وقال مقاتل: يقول الذي قلت لكم في الدنيا من الوعيد قد قضيته (٧)
стр. 11283
عليكم فلا تبديل له (١). فعلى هذا معني الآية: لا تبديل لقول الله فيما ذكر من وعيد الكفار.
قال المفسرون (٢): وهو قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩, السجدة: ١٣]. وقال أبو إسحاق: يعني قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ (٣).
فإن قيل: على هذا كيف يجوز النسخ مع قوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ قلنا سبق قضاؤه بنسخ ما ينسخه، فلو لم ينسخ وقد سبق به الحكم حينئذ لزم تبديل القول.
وهكذا نقول في فائدة الدعاء والشفاعة (٤). وذكر الكلبي في الآية قولاً آخر فقال: معنى الآية: ما يغير القول عندي بالكذب (٥). يعني من كذب عندي فالغيب لا يخفى علي، وعلى هذا القول هو قول العبد لا قول الله تعالى. واختار الفراء وابن قتيبة هذا القول.
قال الفراء: معناه ما يكذب عندي للعلم بالغيب (٦). وقال ابن قتيبة: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ أي لا يُغير عن جهته ولا يُحَرّف، ولا يزاد فيه ولا
стр. 11284
ينقص, لأني أعلم كيف ضلوا وكيف أضللتموهم (١). وهذا القول كأنه أظهر؛ لأنه قال (القول لديّ) ولم يقل (قولي) (٢). وهذا كما يقال: لا تكذب عندي. ولو قال قائل: لا يغير القول لديّ، فهم من كلامه أنه يقول: لا يكذب عندي بل يؤدي القول عندي على وجهه.
٣٠ - قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ قال أبو إسحاق: نصب ﴿يَوْمَ﴾ على وجهين:
على معنى: ما يبدل القول لديّ في ذلك اليوم.
وعلى معنى: أنذرهم يوم نقول، كما قال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ (٣).
وقرأ نافع: (يقول) بالياء على معنى: يقول الله. وقراءة العامة (٤) أشبه بما قبله من قوله: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ والنون في المعنى مثل: أقول، فهو أشبه بما قبله (٥).
وقوله: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ قال جماعة علماء التأويل (٦): الله تعالى عالم هل امتلأت أم لا، وسؤالها عن امتلائها توبيخ لمن أُدْخِلها، ودلالة على صدق قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ أراها الله تعالى تصديق قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ فلما امتلأت قال لها: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾، قال أبو إسحاق: ووجه مخاطبتها جعل
стр. 11285
فيها ما به يتميز وتخاطب، كما جعل في النملة التي قالت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨] (١).
قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد هل فيّ من سَعَة. وقد ضاقت بأهلها (٢). وقال مجاهد في رواية ابن أبي نجيح: وَعَدَهَا الله ليملأنها فقال: وفيتك. فقالت: فهل فيّ من مسلك (٣). وقال في رواية ابن أبي مريم: لا يزال يقذف فيها حتى تقول: قد امتلأت، فهل فيّ من مزيد (٤).
وروى مقاتل بن سليمان قال: فتنتفض فتقول: قد امتلأت وليس فيّ مزيد. تقول: ليس فيّ سَعَة (٥). وعلى هذا معنى الاستفهام في قوله: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ الإنكار (٦). أي قد امتلأت ولم يبق فيّ موضع لم يمتلئ.
وقال ابن عباس في رواية أبي صالح (٧): معنى قوله: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾
стр. 11286
مسألة للزيادة (١)، كأنها تستزيد إلى ما فيها. ولهذه الاستزادة مع قول: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ وجوه:
أحدها: أن هذا السؤال كان قبل دخول جميع أهل النار فيها (٢)
والآخر: إنَّما طلبت أن يزاد في سعتها لتضايقها بأهلها (٣).
وقال أبو إسحاق: إنها تقول: هل من مزيد تغيظًا على من فيها، يعني أن طلب الزيادة حنقًا على أهلها، تقول: هل بقي أحد لم أنتقم لك منه، فالزيادة (٤) ليس أنها لم تمتلئ فطلب الزيادة (٥).
٣١ - قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ قال مقاتل: قربت
стр. 11287
الجنة للمتقين الشرك غير بعيد، فينظرون إليها قبل دخولها حين تنصب على يمين العرش (١) ويقال لهم:
٣٢ - ﴿هَذَا﴾ أي هذا الجزاء أو هذا الشيء الذي ترونه: ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ قوله: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ بدل من قوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢) ويجوز أن يكون التقدير: هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ منكم. فحذف (منكم) لدلالة الخطاب عليه (٣).
قال ابن عباس: يريد لكل راجع عن معاصي الله (٤). وقال عبيد بن عمير: الأواب الذي يتذكر ذنوبه ثم يستغفر منها (٥).
وقال مجاهد: هو الذي إذا ذكر ذنبه في الخلاء استغفر منه (٦).
وقال ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب (٧). وأصله من الرجوع، وقد مر تفسيره عند قوله: ﴿لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] (٨)
قوله: ﴿حَفِيظٌ﴾ قال ابن عباس: أي لما ائتمنه الله عليه وافترضه (٩).
стр. 11288
وقال الكلبي ومقاتل: حافظ لأمر الله (١).
وقال قتادة: حافقالما استودعه الله من حقه ونعمته (٢).
٣٣ - قوله تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ يجوز أن يكون بدلاً من قوله: ﴿أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾، ويجوز أن يكون استئنافًا على: هو من خشي الرحمن ويجوز أن يكون ابتداء يراد به الجزاء، على معنى: من خشي الرحمن قيل له: ﴿ادْخُلُوهَا﴾ وادخلوها جواب للجزاء، أضمرت قبله القول وجعلته فعلاً للجميع وهو قوله: ﴿ادْخُلُوهَا﴾ , لأن (من) يكون في مذهب الجمع ذكر ذلك الفراء (٣).
ومعنى ﴿خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ قال ابن عباس: يقول يخافني ولا يرائي فكأنه يرائي (٤).
وقال مقاتل: أطاعه ولم يره (٥). وهذا كما ذكرنا في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] ومعنى هذا الغيب: غيبته عن رؤية الله. وقال الضحاك والسدي والحسن: يعني: في الخلوة، حيث لا يراه أحد إذا أرخى الستر وأغلق الباب (٦). وعلى هذا الغيب غيبته عن الناس ورؤيتهم.
стр. 11289
قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ قال مقاتل: وجاء في الآخرة بقلب مخلص (١). قال عطاء عن ابن عباس: راجع عن معاصي الله (٢).
وقال أبو صالح عنه: مقبل إلى طاعة الله (٣).
٣٤ - وقوله: ﴿ادْخُلُوهَا﴾ أي يقال لهم: ادخلوا الجنة ﴿بِسَلَامٍ﴾ قال ابن عباس: بسلامة قد إنقطعت عنهم الهموم وأمنوا الموت (٤). وقال قتادة: سلموا من عذاب الله وسلم الله عليهم (٥).
﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ في الجنة, لأنه لا موت فيها. قاله مقاتل.
٣٥ - ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ ثم يزيدهم الله من عنده ما لم يسألوه ولم يخطرهم على بال، فذلك قوله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ (٦) يعني وعندنا لهم مزيد. وقال عطاء عن ابن عباس: المزيد ما يزيدهم الله من الحور العين إلى ما عندهم من بنات آدم (٧).
وقال الكلبي عنه: هو أن الملائكة تأتي أحدهم بالهدايا من عند الله
стр. 11290
فإذانظر إليها أعجبته، فتقول الملائكة للشجر الذي بفناء بابه: الله يأمرك أن تنفطري له عن كل ما يشاء من مقل هذه، وهو المزيد (١).
وقال كثير بن مرة (٢) وغيره: هو أن السحابة تمر بأهل الجنة فتقول: ما تريدون أن أمطركم؟ فلا يدعون بشيء إلا أمطر لهم، وتمطر لهم الحور العين، فتقول الحور: نحن الذين قال الله: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ (٣) وروي عن أنس ابن مالك في قوله ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ قال: يظهر لهم الرب ﵎ (٤)
وروى ذلك أيضًا عن جابر ويشهد لهذا التأويل قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] (٥).
стр. 11291
٣٦ - قوله تعالى: ﴿فَنَقَّبُوا في الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: ساروا (١). وقال الكلبي عنه: تقلبوا (٢) وقال مجاهد: ضربوا (٣).
وقال النضر: دَوّروا (٤). وقال أبو عبيدة: طافوا وتباعدوا (٥).
وقال الفراء: خرّقوا البلاد فساروا فيها (٦).
وقال الزجاج: طوفوا وفتشوا. قال ومنه: نقيب القوم للذي يعرف أمرهم (٧).
وقال المبرد: نقبوا في اللغة: طوفوا. وأصله من النقب وهو الطريق، كأنهم سلكوا كل طريق.
وأنشدوا لامرئ القيس (٨):
وقد نَقّبْتُ في الآفَاقِ حتَّى ... رَضِيتُ من الغَنِيمَةِ بالإيَابِ
ومعنى الآية: أن القرون الماضية ساروا في البلاد فلم يجدوا محيصًا
стр. 11292
عن أمر الله. قال قتادة: حاص أعداء الله فوجدوا أمر الله لهم مدركًا (١) وقال أبو إسحاق: طوفوا وفتشوا فلم يروا محيصًا من الموت (٢). أخبر الله عنهم أنهم طلبوا المهرب من الموت فلم يجدوا. وتقدير اللفظ: فنقبوا في البلاد هل من محيص لهم فلم يجدوا. وفي هذا إنذار لأهل مكة أنهم على مثل سبيلهم لا يجدون مفرًا من الموت. يموتون فيصيرون إلى عذاب الله.
٣٧ - قوله: ﴿إِنَّ في ذَلِكَ﴾ أي في إهلاكهم: ﴿لَذِكْرَى﴾ يعني تذكرة وموعظة ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء، وأبي صالح: عقل (٣).
قال الفراء: وهذا جائز في العربية أن يقول: مالك قلب، وما قلبك معك. أي: ما عقلك معك، وأين يذهب قلبك. أي: أين يذهب عقلك (٤).
وقال غيره: إنما جاز ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ لأن من لا يعي الذكر لا يعتد بما له من القلب، والمعنى: لمن صرف قلبه إلى التفهم, لأن من لم يتفهم كان بمنزلة من لا قلب له، ألا ترى أن الكفار ما لم يستمعوا سماع تفهم واسترشاد جعلوا بمنزلة من لا يسمع فقيل في صفتهم: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ (٥) وهذا قول أبي إسحاق (٦).
قوله تعالى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ قال أبو عبيدة والفراء:
стр. 11293
وقال: ألقى سمعه إلى الشيء، وألق سمعك إليّ: استمع مني. فمعنى: ﴿أَلْقَى السَّمْعَ﴾ استمع (١)، وليس يراد بالسمع هاهنا الأذن، وإنما يراد حاسة السمع، كأنه قيل: وجه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له. وقوله: ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: وهو شاهد غير غائب (٢).
قال ابن قتيبة: استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم ليس بغافل ولا ساهٍ (٣). فالمعنى: وهو شهيد بالفهم والقلب.
قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون: ﴿وَهُوَ﴾ كناية عن القلب. أي وقلبه حاضر فيما يسمع (٤).
٣٨ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا في سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ قال جماعة المفسرين (٥): إن اليهود قالت: خلق الله السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة، واستراح يوم السبت، فذلك لا يعمل فيه شيئًا. فأكذبهم الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ قال الكسائي: يقال لَغَبَ بالفتح يلغُبُ بالضم لغوبًا, ولغِبَ بالكسر يلغَب بالفتح لغبًا - لغتان فهو لاغب (٦).
стр. 11294
قال ابن عباس: يريد كما يلغب المخلوقون إذا عملوا من النَّصَب والتعب والإعياء (١).
٣٩ - قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ يعني علي بهت اليهود وكذبهم في قول مقاتل (٢). وقال مقاتل (٣): نزلت في المستهزئين بالقرآن، ولم يكن أذن لرسول الله ﷺ في القتال بعد.
وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي صَلِّ حمدًا لله تعالى: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ قال مقاتل: يعني صلاة الفجر والعصر (٤). وزاد عطاء والكلبي عن ابن عباس: صلاة الظهر (٥).
٤٠ - ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ قال عطاء، والكلبي، ومقاتل: يريد المغرب والعشاء (٦).
﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ بكسر الهمزة (٧) مصدر أدبر الشيء إدبارًا، إذا ولَّى. وانتصابه هاهنا على الظرف. والمصادر تجعل ظرفًا على إرادة إضافة
стр. 11295
أسماء الزمان إليها وحذفها كقولك: جئتك مقدمَ الحاج، وخفوقَ النجم، وخلافةَ فلان. تريد في ذلك كله: وقت كذا، وحذفته. فكذلك يُقدَّر في قوله: وقت إدبار السجود، إلا أن المضاف المحذوف في هذا الباب لا يكاد يظهر ولا يستعمل، ومن فتح الهمزة جعله جمع دُبْرٍ أو دبر، مثل: قُفْلٍ، وأقفال، وطنبٍ وأطناب. وقد استعمل ذلك ظرفًا في نحو: جئتك في دبر الصلاة، وفي أدبار الصلوات، وعلى دبر الشهر الحرام (١).
قال أوس (٢):
على دُبرِ الشَّهرِ الحَرَامِ بأرْضِنَا ... وما حَوْلَها جَدْبٌ سُنُون تلمَّعُ
واختلفوا في المأمور به في أدبار السجود، فروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد الوتر الذي جعله سنة بعد الصلاة (٣).
وقال قتادة ومجاهد والكلبي ومقاتل: يعني الركعتين بعد صلاة المغرب (٤)، وهو مذهب علي، وعمر، وأبي هريرة، والحسن، والنخعي، والشعبي، وإبراهيم (٥)، والحسن بن علي ﷺ . وروي ذلك مرفوعاً. رواه كريب عن ابن عباس، قال: قال لي النبي ﷺ : "يا ابن عباس ركعتان بعد
стр. 11296
المغرب أدبار السجود" (١).
وروى مجاهد عن ابن عباس قال: أمر بالتسبيح، وهو التسبيح باللسان أدبار الصلوات المكتوبة (٢) وعلى هذا أمر بالتسبيح بعد الفراغ من الصلاة. والسجود عبارة عن الصلاة.
واختار أبو عبيد فتح الهمزة. وقال: لأنه لا إدبار للسجود إنما ذلك للنجوم، ولهذا لم يختلف في كسر ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] (٣) وأدبار جمع دُبُر، ويقال: دبر الصلاة، أي خلف الصلاة.
٤١ - قوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ مفعول الاستماع محذوف على تقدير: واستمع النداء أو الصوت، أو الصيحة، وهي صيحة القيامة والبعث والنشور. واختلفوا في المنادي، فقال الكلبي:
стр. 11297
هو جبريل (١)
وقال مقاتل: هو إسرافيل، وهو أنه ينادي بالحشر فيقول: يا أيها الناس: هلموا إلى الحساب، وذلك في النفخة الأخيرة (٢).
وقوله: ﴿مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ أكثر المفسرين (٣) على أنه صخرة بيت المقدس. قال الكلبي: وهي أقرب (٤) الأرض من السماء باثني عشر ميلاً. ونحو ذلك قال مقاتل. قال وهو وسط الأرض (٥).
وروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد من تحت أقدامهم (٦). يعني أن النداء بالحشر يسمعه كل أحد من مكان قريب منه، حتى كأنه يسمعه من تحت قدميه.
٤٢ - ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ﴾ قال المفسرون (٧): يعني النفخة الثانية، ويجوز أن يريد النداء للبعث. وهو قول المنادي: يا أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة، إن الله يأمركن
стр. 11298
أن تجتمعن لفصل القضاء (١).
قوله تعالى: ﴿بِالْحَقّ﴾ قال الكلبي: بالبعث (٢). وقال مقاتل: يعني أنها كائنة حقًّا (٣). ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ من القبور.
٤٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ قال ابن عباس: يريد كنتم أحياء وأمتناكم ثم إلينا مصيركم (٤). وعلى معنى قول الكلبي ومقاتل معناه: إنَّا نحن نميت في الدنيا ونحيي للبعث (٥).
﴿وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾ والواو لا توجب ترتيبًا.
٤٤ - قوله: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ﴾ (يوم) ظرف للمصير.
قوله تعالى: ﴿سِرَاعًا﴾ أي خارجين سراعًا يسرعون إلى الداعي، قال: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر: ٨].
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾، قال عطاء: بَعْثٌ علينا سهل (٦). وقال الكلبي: سَوْق علينا هين (٧).
وقال مقاتل: جَمْعُ الخلائق علينا هين. ثم عَزّى نبيه ﵇ فقال:
٤٥ - ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ يعني كفار مكة، ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾
стр. 11299
قال المفسرون: بمسلط (١). قال ابن عباس: لم تبعث لتجبرهم على الإسلام والهدى، إنما بعثتُ مذكرًا وذلك قبل أن يؤمر بالقتال (٢).
قال ابن قتيبة: وجبار ليس من: أجبرت الرجل على الأمر، إذا قهرته عليه, لأنه لا يقال من ذلك، والجبار الملك، سمي بذلك لتجبره.
يقول: فلست عليهم بملك مسلط (٣). وهذا قول الفراء، قال: لا يقال: دخال بمعنى مُدْخِل، ولا خراج بمعنى مخرج. والجبار من الجبرية وأنشد قول عمرو:
عَصَيْنَا أمْرَه الجَبَّار فِينَا (٤)
قال: يريد المنذر (٥) لولايته.
ثم قال: وقد قالت العرب: درّاك من أدركت، فإن قلت: الجبار على هذا من أجبرت، فهو وجه. قال: وسمعت بعض العرب يقول: جبره على الأمر، فالجبار من هذه اللغة صحيح، يريد: يجبرهم ويقهرهم (٦).
стр. 11300
قوله: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ قال ابن عباس: فعظ بالقرآن من يخاف وعيد ما وعدت من عصاني من العذاب (١).
قال الكلبي: نسخت هذه الآية وأمثالها بآيات القتال (٢).
تَمَّتْ.
стр. 11301
سورة الذاريات
стр. 11302
تفسير سورة الذاريات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ قال جماعة المفسرين (١): هي الرياح تذرو التراب وهشيم النبت. أي تفرقه كقوله: ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥] (٢) وقد مرَّ. وذكر جميعُ أهل اللغة أن ذرت وأذرت بمعنى واحد (٣) .
قال أبو إسحاق: ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ مجرور على القسم، المعنى: أحلف بالذاريات وبهذه الأشياء، قال: وقال قوم: المعنى: وربِّ الذاريات، كما قال : ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (٤)
٢ - قوله: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ يعني السحاب التي تحمل وقرًا، أي ثقلاً من الماء.
٣ - قوله: ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾ يعني السفن تجري ميسرةً في الماء جريًا سهلاً.
стр. 11303
٤ - قوله تعالى: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾. قال الكلي ومقاتل: يعني الملائكة جبريل وميكائل وإسرافيل وملك الموت، يقسمون الأمر بين خلقه في الأرض، وهم المدبرات أمراً.
قال المبرد: يفرقون في الناس ما أمرهم الله به (١).
وقال الفراء: جبريل صاحب الغلظة، وميكائل صاحب الرحمة، وملك الموت يأتي بالموت (٢). هؤلاء سموا هذه الأربعة من الملائكة في تفسير المقسمات. وغيرهم ذكروا الملائكة على العموم والإطلاق. قالوا في: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ إنهم الملائكة وهذا أولى من تخصيص الأربعة لقوله: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ﴾ ومعناه: فالجماعات المقسمات، يعني جماعات الملائكة الذين وكلوا بالأمور يقسمونها على ما أمروا به. وتفسير هذه الآيات على ما ذكرنا مروي عن أمير المؤمنين علي ﵁ وتبعه المفسرون في ذلك فقالوا بقوله (٣).
وانتصب ﴿يُسْرًا﴾ على تقدير: فالجاريات جريًا يسرًا، فهو نعت مصدر محذوف، وانتصب: ﴿أَمْرًا﴾ في قوله: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ بالمقسمات، أي يقسمون أمراً أمروا به (٤).
стр. 11304
ويجوز أن يكون المدعي: فالمقسمات بالأمر. أي بأمر الله تعالى أمروا بذلك أمرًا. وأما معني القَسْم بهذه الأشياء، إن قلنا إنه على إضمار الرب كما ذكره الزجاج فهو ظاهر، وإن قلنا إنه أقسم بهذه الأشياء، فوجه ذلك أنه إنما أقسم بالرياح لما فيها من عظيم العبر في هبوبها تارة وسكونها تارة، وما فيها من الحاجة في تنشئة السحاب وتذرية الطعام، واختلافها في العصوف واللين، فهي تقتضي مصرفًا لها، ومسكنًا، ومحركاً، وأقسم بالسحاب لما فيه من الآيات، وهو أنه ينبئ عن مُحَمل حمله الماء وأمسكه من غير عماد وأغاث بمطره العباد، وأحيا البلاد، وصرفه في وقت الغنى عنه بما لو دام لصار الناس إلى الهلال، ولو انقطع أصلاً لأضرّ بهم جميعًا، وأقسم بالسفن لما فيه من الدلائل بتسخير البحر لجريانها، وتقدير الريح لها بما لو زاد لغرق وما في هداية النفوس إلى صنعتها، وما في عظم النفع فيما ينتقل من بلد إلى بلد بها، وأقسم بالملائكة لما فيه من اللطيفة وعظم الفائدة وجلالة المنزلة بتقسيم الأمور بأمر ربها. وقد دل بهذه الأشياء على توحيده في قوله: ﴿الْفُلْكَ تَجْرِي في الْبَحْرِ﴾ الآية [البقرة: ١٦٤].
٥ - ثم ذكر جواب القسم فقال: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ قال ابن عباس: يزيد ما توعدون من أمر الساعة لحق. وهو قول كائن يقع بكم في الآخرة (١).
وقال مقاتل: إن الذي توعدون من أمر الساعة لحق. وهو قول مجاهد (٢).
стр. 11305
٦ - قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ قالوا: وإن الجزاء لكائن. وقال أبو إسحاق: إن المجازاة على أعمالكم لواقعة (١):
٧ - ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ معني الحَبْك في اللغة: إجادة النسج. وقال: حبك الثوب، أي أجاد نسخه، وحبل محبوك، إذا كان شديد الفتل، ومنه قول الراجز:
وإن تجعَّرتْ بمَحْبُوكٍ مُمَرّ (٢)
وفرس محبوك الكفل، أي مدمجه.
قال لبيد:
مُدْمَج الحَارِك مَحْبُوك الكَفَلْ (٣)
قال شمر: والمَحبوك في اللغة ما أجيد عمله، ودابة محبوكة إذا كانت مُدْمَجَة الخَلْق (٤). وقال أبو عبيدة والمبرد: الحبُك: الطرائق، واحدتها حِبَاك، وحباك الحمام، طرائق على جناحيه، وطرائق الماء حَبكه (٥) وأنشد
стр. 11306
أبو عبيدة لزهير:
مُكَلَّل بأصُولِ النَّبْتِ تْنَسِجُهُ ... ريحُ الجنوبِ لِضاحِيِ مائِه حُبُكُ (١)
وأنشد للفرزدق:
وأنت ابن جَبّارَيْ رَبِيعَة حَلَّقَتْ ... بك الشمْسُ في الخَضْراء ذاتِ الحَبائِكِ (٢)
وقال الفراء: الحبك تكَسُّرٌ بكل شيء كالرملة إذا مرت بها الريح، والماء الدائم إذا مرت به الريح، والدرع إذا كانت من الحديد لها حُبُك أيضًا، والشعرة الجعدة تكسُّرها حبك، وواحد الحُبُك حِبَاك وحَبِيكة، مثل طريقة وطرق، ومثال ومثل (٣).
قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ يريد الخلق الحسن (٤). وهو قول أبي صالح، وأبي مالك وقتادة، والربيع.
قال الحسن: حُبكتْ بالخلق الحسن (٥). وروي سعيد بن جبير عن ابن عباس في تفسير الحبك قال: حسنها واستواؤها (٦).
وروى معمر عن قتادة: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ ذات الخلق الحسن الشديد (٧).
стр. 11307
وهو قول ابن زيد. قال: ذات (١) الشدة. وقرأ قوله: ﴿سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ: ١٢] وهو معنى قول مجاهد: متقنة البنيان (٢).
وقال في رواية الكلبي: ذات الطرائق، ولكنها بعيد عن العباد فلا يرونها كحبك الماء إذا ضربته الريح وكحبك الرمل، وكحبك الشَّعْر الجعد (٣). ونحو هذا قال مقاتل سواء (٤) وهو قول عكرمة، وقال: إن بنيانها كالبرد المسلسل (٥).
وقال عبد الله بن عمرو: هي السماء السابعة (٦). يعني: أنها ذات الطرائق لا التي نراها. والاختيار عند أهل اللغة في تفسير: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ ذات الطرائق الحسنة (٧).
٨ - ثم ذكر جواب القسم فقال: ﴿إِنَّكُمْ﴾ يعني أهل مكة ﴿لَفِي قَوْلٍ
стр. 11308
مُخْتَلِفٍ﴾. قال عطاء عن ابن عباس: يعني في محمد ﷺ بعضكم يقول شاعر، وبعضكم يقول مجنون. وفي (١) القرآن: يؤمن به بعضكم ويكفر به بعضكم (٢).
وقال الكلبي: إنكم بين مصدق ومكذب بمحمد والقرآن (٣).
٩ - ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ﴾ قال أبو عبيدة: يدفع عنه ويحرمه (٤).
وقال الفراء: يَضْرب عنه. والكناية في ﴿عَنْهُ﴾ يجوز أن يكون للقرآن، أو للإيمان (٥) أو لمحمد ﷺ ، كل ذلك قد قيل.
قال ابن عباس: يكذب به من يكذب (٦). والمعنى: يصرف عنه من صُرِفَ حتى يكذب به.
١٠ - قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ قال جماعة المفسرين وأهل المعاني (٧): لعن الكذابون. قال ابن الأنباري: هذا تعليم لنا الدعاء عليهم، معناه: قولوا إذا دعيتم عليهم: قتل الخراصوان. قال: والقتل إذا أخبر عن الله به كان بمعنى اللعنة، إن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك (٨).
стр. 11309
وأما الخراصون فقال أبو إسحاق: هم الكذابون (١)، يقال: قد تَخَرَّص علىّ فلان بالباطل. قال: ويجوز أن ﴿الَّذِينَ هُمْ في غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ يكون الخراصون الذين يتظنون الشيء لا يُحقُّونه فيعملون بما لا يدرون صحته (٢). الأزهري: وأصل الخْرَصِ التَّظَنِّي فيما لا يستيقنه، ومنه قيل: خرصت النخل والكرم، إذا حزرته, لأن الحزر فيه الظن لا الإحاطة، ثم قيل للكذب خرص لما يدخله من الظنون الكاذبة (٣). واختلفوا في الخراصين هاهنا مَنْ هم؟ فقال (٤): هم رؤساء قريش الذين رموه بما رموه به من السحر، وهو اختيار الفراء. قال: هم الذين قالوا: محمد شاعر، كذاب، مجنون، ساحر، وأشباه ذلك، خرصوا ما لا علم لهم به (٥). وقال ابن عباس: هم المقتسمون (٦). وهو قول مقاتل. قال: وتخرصهم أنهم قالوا للناس: إن محمدًا شاعر، وساحر، ومجنون (٧).
وقال مجاهد: هم الكهنة. وهو اختيار أبي عبيدة (٨).
стр. 11310
١١ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ في غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ الغمرة ما غمر الشيء فغطاه. يقال: هذا نهر غمر. أي يغمر فيه مَنْ دخله (١) ومنه: ﴿غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ وقد مرَّ (٢).
قال ابن عباس: في عمى وجهالة عن أمر الآخرة ساهون لاهون غافلون (٣). ومعنى السهو في اللغة الغفلة عن الشيء، وذهاب القلب عنه. يقال: سها يسهو سهوًا وسُهوًّا. ذكر ذلك الليث (٤).
١٢ - قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ قال ابن عباس: متى يوم القيامة الذي فيه الثواب والعقاب (٥).
وقال الكلبي، ومقاتل: يسألون النبي يقولون: يا محمد متى الساعة وقيامها، واليوم الذي توعدنا به وتزعم أنا نعذب فيه تكذيبًا منهم بالحساب، واستهزاء (٦).
و ﴿أَيَّانَ﴾ معناه في اللغة متى، وفيه لغتان، فتح الهمزة وكسرها (٧).