← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 11306–11345 · переход к 11311.

стр. 11306

أبو عبيدة لزهير: مُكَلَّل بأصُولِ النَّبْتِ تْنَسِجُهُ ... ريحُ الجنوبِ لِضاحِيِ مائِه حُبُكُ (١) وأنشد للفرزدق: وأنت ابن جَبّارَيْ رَبِيعَة حَلَّقَتْ ... بك الشمْسُ في الخَضْراء ذاتِ الحَبائِكِ (٢) وقال الفراء: الحبك تكَسُّرٌ بكل شيء كالرملة إذا مرت بها الريح، والماء الدائم إذا مرت به الريح، والدرع إذا كانت من الحديد لها حُبُك أيضًا، والشعرة الجعدة تكسُّرها حبك، وواحد الحُبُك حِبَاك وحَبِيكة، مثل طريقة وطرق، ومثال ومثل (٣). قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ يريد الخلق الحسن (٤). وهو قول أبي صالح، وأبي مالك وقتادة، والربيع. قال الحسن: حُبكتْ بالخلق الحسن (٥). وروي سعيد بن جبير عن ابن عباس في تفسير الحبك قال: حسنها واستواؤها (٦). وروى معمر عن قتادة: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ ذات الخلق الحسن الشديد (٧).

стр. 11307

وهو قول ابن زيد. قال: ذات (١) الشدة. وقرأ قوله: ﴿سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ: ١٢] وهو معنى قول مجاهد: متقنة البنيان (٢). وقال في رواية الكلبي: ذات الطرائق، ولكنها بعيد عن العباد فلا يرونها كحبك الماء إذا ضربته الريح وكحبك الرمل، وكحبك الشَّعْر الجعد (٣). ونحو هذا قال مقاتل سواء (٤) وهو قول عكرمة، وقال: إن بنيانها كالبرد المسلسل (٥). وقال عبد الله بن عمرو: هي السماء السابعة (٦). يعني: أنها ذات الطرائق لا التي نراها. والاختيار عند أهل اللغة في تفسير: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ ذات الطرائق الحسنة (٧). ٨ - ثم ذكر جواب القسم فقال: ﴿إِنَّكُمْ﴾ يعني أهل مكة ﴿لَفِي قَوْلٍ

стр. 11308

مُخْتَلِفٍ﴾. قال عطاء عن ابن عباس: يعني في محمد ﷺ بعضكم يقول شاعر، وبعضكم يقول مجنون. وفي (١) القرآن: يؤمن به بعضكم ويكفر به بعضكم (٢). وقال الكلبي: إنكم بين مصدق ومكذب بمحمد والقرآن (٣). ٩ - ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ﴾ قال أبو عبيدة: يدفع عنه ويحرمه (٤). وقال الفراء: يَضْرب عنه. والكناية في ﴿عَنْهُ﴾ يجوز أن يكون للقرآن، أو للإيمان (٥) أو لمحمد ﷺ ، كل ذلك قد قيل. قال ابن عباس: يكذب به من يكذب (٦). والمعنى: يصرف عنه من صُرِفَ حتى يكذب به. ١٠ - قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ قال جماعة المفسرين وأهل المعاني (٧): لعن الكذابون. قال ابن الأنباري: هذا تعليم لنا الدعاء عليهم، معناه: قولوا إذا دعيتم عليهم: قتل الخراصوان. قال: والقتل إذا أخبر عن الله به كان بمعنى اللعنة، إن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك (٨).

стр. 11309

وأما الخراصون فقال أبو إسحاق: هم الكذابون (١)، يقال: قد تَخَرَّص علىّ فلان بالباطل. قال: ويجوز أن ﴿الَّذِينَ هُمْ في غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ يكون الخراصون الذين يتظنون الشيء لا يُحقُّونه فيعملون بما لا يدرون صحته (٢). الأزهري: وأصل الخْرَصِ التَّظَنِّي فيما لا يستيقنه، ومنه قيل: خرصت النخل والكرم، إذا حزرته, لأن الحزر فيه الظن لا الإحاطة، ثم قيل للكذب خرص لما يدخله من الظنون الكاذبة (٣). واختلفوا في الخراصين هاهنا مَنْ هم؟ فقال (٤): هم رؤساء قريش الذين رموه بما رموه به من السحر، وهو اختيار الفراء. قال: هم الذين قالوا: محمد شاعر، كذاب، مجنون، ساحر، وأشباه ذلك، خرصوا ما لا علم لهم به (٥). وقال ابن عباس: هم المقتسمون (٦). وهو قول مقاتل. قال: وتخرصهم أنهم قالوا للناس: إن محمدًا شاعر، وساحر، ومجنون (٧). وقال مجاهد: هم الكهنة. وهو اختيار أبي عبيدة (٨).

стр. 11310

١١ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ في غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ الغمرة ما غمر الشيء فغطاه. يقال: هذا نهر غمر. أي يغمر فيه مَنْ دخله (١) ومنه: ﴿غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ وقد مرَّ (٢). قال ابن عباس: في عمى وجهالة عن أمر الآخرة ساهون لاهون غافلون (٣). ومعنى السهو في اللغة الغفلة عن الشيء، وذهاب القلب عنه. يقال: سها يسهو سهوًا وسُهوًّا. ذكر ذلك الليث (٤). ١٢ - قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ قال ابن عباس: متى يوم القيامة الذي فيه الثواب والعقاب (٥). وقال الكلبي، ومقاتل: يسألون النبي يقولون: يا محمد متى الساعة وقيامها، واليوم الذي توعدنا به وتزعم أنا نعذب فيه تكذيبًا منهم بالحساب، واستهزاء (٦). و ﴿أَيَّانَ﴾ معناه في اللغة متى، وفيه لغتان، فتح الهمزة وكسرها (٧).

стр. 11311

وكأنه مركب من أي والآوان (١) فجعلتا كلمة واحدة. ١٣ - ثم أخبر الله تعالى عن ذلك اليوم الذي يسألون عنه فقال: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ قال أبو إسحاق: نصب (يوم) على وجهين: أحدهما: على معنى يقع الجزاء يوم هم على النار. والثاني: أن يكون لفظه نصبًا, ومعناه معنى رفع؛ لأنه مضاف إلى جملة، نقول: يعجبني يوم أنت قائم، ويوم تقوم، وإن شئت تحت، وهو في موضع رفع، وهذا كقوله: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ [هود: ٦٦] ففتح يوم وهو في موضع خفض, لأنك أضفته إلى غير متمكن (٢). وقد ذكرنا هذه المسألة عند قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ (٣) [المائدة: ١١٩]. في قراءة من قرأ بالنصب. ومعنى (يُفْتَنُونَ) يحرقون ويعذبون بالنار، وكذا قال المفسرون. قال المبرد: يقال: فتنت الدينار، إذا أحرقت عنه ما زيد فيه من الغش (٤). وهذا معنى قول مجاهد: كما يفتن الذهب في النار (٥). وقال عكرمة -في هذه الآية-: ألم تر أن الذهب إذا أدخل النار قيل فتن (٦).

стр. 11312

قال الزجاج: ويقال للحجارة التي كأنها قد أحرقت بالنار الفَتِين (١). ١٤ - قوله: ﴿ذُوقُواْ﴾ أي يقول لهم خزنة النار ذوقوا فتنتكم. قال جاهد والكلبي: حريقكم (٢). وقال آخرون: عذابكم (٣). وهو معنًى، والتفسير هو الأول. قوله تعالى: ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ يجوز أن يكون متصلاً بالكلام الأول ويكون هذا إشارة إلى الفتنة وذكر إرادة الإحراق والعذاب (٤). ويجوز أن يكون الكلام قد تم ثم قيل لهم: هذا العذاب الذي كنتم به تستعجلون في الدنيا استهزاء وتكذيبًا به. وهذا مذهب أبي عبيدة (٥). ولما ذكر الله تعالى أن الجزاء على الأعمال كائن بقوله: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ ذكر جزاء أهل النار، ثم أعلم ما لأهل الجنة عنده من الجزاء بقوله (٦) تعالى: ١٥، ١٦ - ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ في جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ قال ابن عباس، والمفسرون (٧): ما أعطاهم من الخير والكرامة. وانتصابه

стр. 11313

على الحال، والعامل فيه ما يقدر مع الجار في خبر إن؛ لأن المعنى: يستقرون في جنات (١). ثم أثنى عليهم فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ يعني في الدنيا. قال مقاتل: كانوا قبل ذلك الثواب محسنين في أعمالهم (٢). ١٧ - ثم ذكر إحسانهم فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ والهجع معناه النوم بالليل دون النهار، ومنه يقال: لقيته بعد هجعة. أي بعد نومه من الليل (٣). وكثر الاختلاف في تقدير هذه الآية. وتفسيرها أن (ما) صلة والمعني كانوا يهجعون قليلاً من الليل. أي: لا ينامون بالليل كله ولا كثيره، بل يصلون أكثر الليل (٤). وعلى هذا التأويل قال عطاء (٥): ذاك إذا أمروا بقيام الليل، فكان أبو ذر يأخذ العصا ويعتمد عليها حتى نزلت الرخصة (٦). ويجوز على هذا التأويل معنى آخر، وهو أن يكون الليل اسم الجنس، والمعنى الذي ينامون فيه قليلاً. وهو معنى قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير قال: كانوا قل ليلة تمر بهم الأصلوا فيها (٧).

стр. 11314

وقال مطرف بن الشِّخِّير: قل ليلة أتت عليهم هجعوها كلها (١). وقال مجاهد: كانوا لا ينامون كل الليل (٢). ووجه آخر وهو الوقف علي قوله: (قَلِيلاً) ثم ابتدأ فقال: ﴿مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ وهذا على نفي النوم عنهم البتة. وهو قول مقاتل والضحاك قالا: كانوا قليلاً (٣). وعلى هذا القول عطاء عن ابن عباس: المراد بهؤلاء القليل ثمانون من نصارى نجران والشام. آمنوا بمحمد ﷺ وصدقوه فذكرهم الله في غير موضع من القرآن (٤). وذكر وجهان آخران. أحدهما: أن ﴿مَا﴾ في هذه الآية ما المصدر، ويكون التقدير: كانوا قليلاً من الليل هجوعهم. وهذا الوجه ذكره أبو إسحاق والفراء، وكذلك الوجه الأول (٥). واختاره يعقوب ووقف على قوله: ﴿قَلِيلًا﴾ (٦).

стр. 11315

والآخر: أن (ما) بمعني الذي والتقدير: كانوا قليلاً من الليل الذي يهجعون. وهذا قول الكلبي. قال: كانوا قليلاً من الليل الذي يناموا (١) ويجوز في هذا التأويل الوجهان اللذان ذكرنا في التأويل الأول، بأن يجعل الذي يهجعون بعض الليلة الواحدة، وبعض الليالي فيجعل الليل اسم الجنس. واختار المبرد أن تكون (ما) صلة. وقال: لو كان (ما) للمصدر أو بمعنى الذي، لكان ما قبلها مرفوعًا فيكون: قليل هجوعهم، أو قليل الذي يهجعون (٢). ١٨ - ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وأجاز الفراء وأبو إسحاق النصب مع كون (ما) للمصدر (٣). وأقوال المفسرين موافقة للوجوه التي ذكرناها ودالة عليها. فأما قول من قال: كانوا لا ينامون عن العشاء الآخرة. وهو قول أبي العالية. ونحو ذلك قال محمد بن علي: كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة (٤). وروي قتادة عن أنس في هذه الآية قال: كانوا يصلون بين المغرب

стр. 11316

والعشاء (١). فهذا يحمل على أن الله تعالى عَدَّ هجوعهم قليلاً في جنب تعظيم الصلاة ومحافظتهم عليها حتى لا يشتغلوا عنها بالنوم. ويدل على أن المراد سهرهم بالليل، وقلة نومهم، قوله تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال عطاء، والكلبي، ومقاتل، ومجاهد: يصلون (٢)، ففسروا الاستغفار بالصلاة، على أن صلاتهم بالأسحار طلب منهم مغفرة الله تعالى. وذهب آخرون إلى ظاهر الاستغفار باللسان. وهو قول ابن مسعود والحسن. وقال أنس: أمرنا أن نستغفر بالأسحار سبعين استغفاراً (٣). ١٩ - ثم ذكر صدقاتهم فقال: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ معنى المحروم في اللغة: الذي حرم الخير حرمانًا. روي أبو عبيد عن الأصمعي: حَرَمْتُ الرجل العطيةَ أَحْرِمه حِرْمَانًا. وزاد أبو نصر (٤): وحَريِمةً. ولغة أخرى: أخْرَمْتُ، وليست بجيدة (٥). واختلفوا في المحروم هاهنا مَنْ هو؟ فقال ابن عباس: هو المُحارَفُ. وهو قول نافع، وسعيد بن المسيب، ورواية قيس بن كَرْكَم (٦)

стр. 11317

عن ابن عباس. واختيار الفراء (١). وفسر إبراهيم، ومجاهد: المحروم المحارف، فقالوا: هو الذي ليس له في الغنيمة شيء، ولا في الإسلام سهم، ولا يجري عليه من الفيء شيء (٢). يدل على صحة هذا التأويل ما روى الحسن بن محمد بن الحنفية (٣) أن النبي ﷺ بعث سرية فغنموا فجاء بعدهم قوم لم يشهدوا فنزلت هذه الآية. وقال قتادة، والزهري: المحروم المتعفف الذي لا يسأل. وذكر الزهري قوله ﷺ : "ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، والأكله والأكلتان". قالوا: فمن المسكين يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يجد غنى ولا يُعْلم بحاجته فيتصدق عليه" (٤). قال الزهري: فذلك المحروم (٥).

стр. 11318

وقال عكرمة: هو الذي لا ينمو له مال (١). وهو رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد. وقال ابن زيد: هو المصاب ثمره أو زرعه أو نسل ماشيته. وهو قول القرظي. قال: المَحروم صاحب الجائحة. واحتج بقوله: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم: ٢٧] (٢). وقال الشعبي: أعياني أن أعلم ما المحروم في هذا الحق (٣). وقال ابن سيرين: هو الزكاة (٤). وهو قول مجاهد في رواية منصور، قال: كانوا إذا حصدوا أعطوا الزكاة (٥). وروى ابن أبي نجيح عنه قال: حق سوى الزكاة (٦). ٢٠ - قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ قال ابن عباس في رواية الكلبي، ومقاتل: يعني ما فيها من الجبال والبحار والأشجار والثمار والنبت عامًا بعام. وزاد الكلبي: وما فيها من آثار الأمم المهلكة، ففي هذا

стр. 11319

كله عبر وآيات للموقنين بالله يعرفونه بصنعه ويوحدونه (١). ٢١ - ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾ المعنى: وفي الأرض وفي أنفسكم آيات، قاله الفراء (٢). قال مقاتل: وفي خلق أنفسكم حين كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظمًا ثم لحمًا ثم نفخ فيه الروح (٣). وهذا معنى قول قتادة، وفي خلقه أيضًا إذا فكرت فيه معتبر (٤). وقال عطاء عن ابن عباس: اختلاف الألسنة والألوان والصور والطبائع (٥). وروي عن ابن الزبير أنه قال: يعني سبيل الخلاء والبول، يأكل ويشرب من مدخل واحد، ويخرج من سبيلين (٦). وهذا معنى ما روى عطاء عن ابن عباس: مدخل الطعام والشراب واحد، ومخرجهما موضعان (٧). قال الفراء: ثم عنفهم فقال: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (٨) قال مقاتل: أفلا تبصرون كيف خلقكم الرب، فتعرفوا أنه قادر على أن يبعثكم كما خلقكم (٩). ٢٢ - قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل

стр. 11320

ومجاهد: يريد المطر (١). قوله تعالى: ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ قال عطاء: من الثواب والعقاب (٢). وقال الكلبي: من الخير والشر. وقال مجاهد: الجنة والنار (٣). وقال مقاتل، والربيع، وابن سيرين: وما توعدون من أمر الساعة (٤). ٢٣ - ثم أقسم الرب بنفسه فقال: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ قال الكلبي: يعني هذا الذي قصصت في الكتاب لكائن (٥). قال أبو إسحاق: يعني أن الذي ذكر من أمر الرزق والآيات وأمر النبي ﷺ حق (٦). وقال مقاتل: يعني أن أمر الساعة لكائن (٧) ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ قرئ ﴿مِثْلَ﴾ رفعًا ونصبًا (٨). فمن قرأ بالرفع جعله من صفه الحق. قاله الفراء، والزجاج (٩). قال أبو علي: وجاز أن يكون (مِّثْلَ) وإن كان

стр. 11321

مضافًا إلى صفة للنكرة, لأن مثلاً لا تختص بالإضافة لكثرة الأشياء التي يقع التماثل بها، فلما لم تخصه الإضافة ولم يزُل عنه الإيهام والشياع الذي كان فيه قبل الإضافة بقي على تنكيره فقالوا: مررت برجل مثلك، فكذلك في الآية لم يتعرف بالإضافة إلى ﴿أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ وإن كان قوله: ﴿أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ بمنزلة نطقكم (١). وأمَّا في قوله: ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ﴾ فقال الفراء: العرب تجمعُ بين الشيئين من الأسماء والأدوات إذا اختلف لفظهما كقول الشاعر: ما إنْ رأيتُ ولا سَمِعْتُ به (٢) فجمع بين ما وإن وهما (٣) جحدان، أحدهما يجزي عن الآخر (٤)، فعلى هذا القول (ما) مع الفعل بمنزلة المصدر، وكذلك ﴿أَن﴾ فكأنه قيل: مثل نطقكم. وقال المبرد: ﴿مَا﴾ زائدة. وبه قال أبو علي -وأبى أن تكون التي بمنزلة أن مع الفعل فتكون مصدرًا- وقال: لأنه لا فعل معها، والتي تكون مع الفعل بمنزلة اسم المصدر تكون مقرونة مع الفعل كقوله: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: ٥١] (٥) والمعنى: فاليوم ننساهم نسيانًا كنسيان يومهم هذا, ولكونهم

стр. 11322

جاحدين بآياتنا. قال: ومثل زيادة (ما) هنا زيادتها في قوله: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ [نوح: ٢٥] وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ [آل عمران: ١٥٩] و ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون:٤٠]. وأما منتصب ﴿مِثْلَ﴾ فقال أبو إسحاق: هو في موضع رفع إلا أنه لما أضيفت إلى ﴿أَن﴾ فتح (١). وشرحه أبو علي فقال: من نصب (مثل) فإنه لما أضاف مثل إلى مبنيٍّ وهو قوله: ﴿أَنَّكُمْ﴾ بناه كما بُنَى (يومئذ) في قوله: ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: ١١] و ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ [هود: ٦٦] و: عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبَا (٢) وقوله: لم يَمْنَعِ الشُّرْبَ منها غيرُ أن نَطَقَتْ (٣) فغير في موضع رفع بأنه فاعل، (يمنع) وإنما بنيت هذه الأسماء المبهمة نحو مثل، ويوم، وحين، وغير، إذا أضيفت إلى المبنيِّ لأنها تكتسي منه البناء, لأن المضاف يكتسي من المضاف إليه ما فيه من التعريف

стр. 11323

والتنكير والجزاء والاستفهام. تقول: هذا غلام زيد، وصاحب القاضي. فيتعرف الاسم بالإضافة إلى المعرفة، وتقول: غلام (١) مَنْ تضرب؟ فيكون استفهامًا كما تقول: صاحب مَنْ تضرب؟ فيكون جزاءً، فمن بني هذه المبهمة إذا أضافها إلى مبني جعل البناء أحد ما تكتسبه من المضاف إليه , ولا يجوز على هذا: جاءني صاحب خمسة عشر، ولا غلام هذا؛ لأن هذين من الأسماء غير المبهمة، والمبهمة في إبهامها (٢) وبعدها من الاختصاص (٣) كالحروف التي تدل على أمور مبهمة، فلما أضيفت إلى المبنية جاز ذلك فيها. ثم ذكر قولين آخرين في نصب ﴿مِثْلِ مَا﴾: أحدهما: أن تجعل (ما) مع مثل بمنزلة شيء واحد بنيته على الفتح، وإن كانت ما زائدة، وهذا قول أبي عثمان وأنشد في ذلك: وَتَدَاعَى مَنْخِرَاهُ بِدَمٍ ... مِثْلَ ما أثْمَرَ حُمَّاضُ الجَبَلْ (٤) فذهب إلى أن (مثل ما) بمنزلة شيء واحد، ويدل على جواز بناء مثل مع (ما) وكونه معه بمنزله شيء واحد قول حميد بن ثور: ووَيَحْا لِمنْ لم يَدْرِ ما هُنَّ وْيحَمَا (٥)

стр. 11324

فبنى ويحًا مع (ما) ولم يلحقه التنوين. ومثله ما أنشده أحمد بن يحيى: أثَوْرَ ما أصِيدُكُمْ أمْ ثَوْرَيْنْ (١) أراد أثوراً أصيدكم؟ فبني الثور على الفتح وجعله مع (ما) شيئًا واحداً. القول الثاني: أن ينتصب على الحال من النكرة الذي هو (حق) في قوله: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ والعامل في الحال هو الحق؛ لأنه مصدر. وإلى هذا ذهب أبو عمر الجرمي. وقد حمل أبو الحسن (٢) قوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا﴾ [الدخان: ٤ - ٥] على الحال، وذو الحال قوله: ﴿أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا﴾ وهو نكرة (٣). وذكر المبرد أيضًا هذا الوجه فقال: يجوز أن يجعل حالاً للنكرة كقوله: هذا رجل قائمًا (٤) وذكر الفراء والزجاج وجهًا آخر. في انتصاب (مثل ما). قال الفراء: من نصب (مثل ما) جعله في مذهب مصدر كقولك: إنه لَحَقُّ حقًا (٥). وقال الزجاج: يجوز أن يكون منصوبًا على التوكيد على معنى: إنه

стр. 11325

لَحَقُّ حقًّا، مثل نطقكم (١). هذا كلامهما. ومعناه أنه نصب لأنه نعت مصدر محذوف. هذا هو الكلام في الإعراب. وأما المعنى؛ فقال أبو عبيدة: مجازه كما أنكم تنطقون (٢). وهوقول ابن عباس قال: يريد كما أنكم تنطقون (٣). قال الفراء: إنه لحق كما أن الآدمي ناطق، وللآدمي نطق لا لغيره (٤). وقال الزجاج: هذا كما تقول في الكلام: إن هذا لحق كما أنك هاهنا، وإن هذا لحق كما أنك متكلم (٥). هذا قول هؤلاء وبيانه: أن الله تعالى شبه تحقق ما أخبر عنه بتحقيق نطق الآدمي ووجوده، والواحد منا يعرف أنه ناطق ضرورة، فإذا نطق لم يحتج إلى استدلال على نطقه، وعلى أنه ناطق لا يتخالجه في ذلك شك، فكذلك ما أخبر الله تعالى عنه هو في صدقه ووجوده كالذي نعرفه ضرورةً من غير استدلال بشيء. ٢٤ - قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ قصة ضيف إبراهيم قد سبق في سورة هود والحجر (٦). قال ابن عباس ومقاتل: يريد قد أتاك (٧).

стр. 11326

وقال الكلبي: لم يكن ذلك أتاه حدثيهم في القرآن (١). قال الفراء: لم يكن علمه النبي ﷺ حتى أنزله عليه (٢). وقوله: ﴿الْمُكْرَمِينَ﴾ يعني عند الله كما قال في صفة الملائكة: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] وعلى هذا دل كلام ابن عباس؛ لأنه ذكر أسماءهم فقال: يريد إسرافيل وجبرائيل وميكائيل (٣). وهو قول عبد العزيز بن يحيى. وروي ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: إكرامهم خدمته إياهم بنفسه (٤). ونحو هذا قال مقاتل: أكرمهم إبراهيم فأحسن عليهم القيام، وكان لا يقوم على رأس ضيف، فلما رأى هيأتهم حسنة قام هو وامرأته سارة لخدمتهم (٥). وروي عن مجاهد أيضًا أنه قال: أكرمهم بالعجل (٦) وهو قول الكلبي (٧). ٢٥ - قوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ الكلام في إعراب هذه الآية والقراءات فيها قد مر مستوفى في سورة هود (٨).

стр. 11327

قوله تعالى: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾. قال الفراء والزجاج: رفعه على معنى: أنتم قوم منكرون (١). وقال ابن عباس: قال في نفسه قوم منكرون (٢). وعلى هذا يكون: هؤلاء قوم منكرون. وهو الوجه؛ لأن الظاهر أنه لم يخاطبهم بهذا, ولو خاطبهم لأجابوه ولم يذكر جوابهم عن إنكاره إياهم، وأيضًا فإنه لم تجر عادة الكرام بإنكار ضيفهم من كان، وإخباره بأنه منكرهم. ومعنى ﴿مُنْكَرُونَ﴾ غير معروفين. واختلفوا لم أنكرهم إبراهيم ﵇؟ فقال مقاتل: ظن أنهم من الإنس. أي ظنهم إنسًا ولم يعرفهم، فلذلك أنكرهم (٣). ونحو هذا قال الكلبي وغيره، وهو أنه رأى قومًا طيبي الريح حسان الوجوه فظنهم غُرباً من الآدميين، وحينئذٍ تهيأ لضيافتهم (٤). وهو قوله: ٢٦ - ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ قال ابن عباس: فمضى إلى منزل سارة (٥). وقال مقاتل: فعمد إلى أهله (٦). وقال أبو عبيدة: فعدل إلى أهله (٧).

стр. 11328

ومعنى راغ في اللغة: عدل ومال. قال الفراء: فرجع إلى أهله. والروغ وإن كان على هذا المعنى فإنه لا ينطق به حتى يكون صاحبه مُخْفيًا لذهابه ومجيئه. ألا ترى أنك لا تقول: قد راغ أهل مكة، وأنت تريد رجعوا وصدروا (١). ونحو هذا قال أبو إسحاق: عدل إليهم من حيث لا يعلمون (٢). وقال المبرد: راغ إليه، أي مال وعدل إليه. ولو قلت: راغ عنه، كان معناه مال عنه وتباعد (٣). ٢٧ - ٢٩ - وقوله تعالى: ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى فقربه إليهم ليأكلوا منه، فلم يأكلوا. فقال على النكير لحالهم ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ أي: أمركم في ترك الأكل مما أنكره (٤). وما بعد هذا مفسر فيما سبق إلى قوله: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ﴾ (٥).

стр. 11329

قال الفراء: لم تقبل من موضع إلى موضع، إنما هو كقولك: أقبل يشتمني. أي: أخذ في شتمي (١). وروي عن ابن عباس أنه قال: إقبالها في الصرة، أخذها فيها (٢) , ومعنى الصرة في اللغة: الصحية. قال أبو عبيدة: يقال: أقبل يصطر (٣). وقال المبرد: القوم في سورة واحدة، إذا ارتفعت أصواتهم وأنشد قول مهلهل (٤): فلولا الرِّيحُ أسْمعَ أَهْل حَجْرٍ ... صَرِيرَ البَيْضِ يُقْرَعُ بالذُّكورِ (٥) قال المفسرون: في ضجَّةٍ وصيحة. قال الفراء: وذكروا أن تلك الصحية أوَّه بوزن: عَوّه (٦)، وقال بعضهم: كانت بقوله: يا ويلتا (٧). قوله تعالى: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ قال ابن عباس: وضعت أصابعها على وجهها (٨). وقال الكلبي، ومقاتل: جمعت أصابعها فضربت جبينها تعجبًا (٩). ومعنى الصك: ضرب الشيء بالشيء العريض (١٠).

стр. 11330

قوله: ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ قال الفراء: رفعها بضمير تلد عجوز عقيم (١). وقال أبو إسحاق: المعنى: وقالت أنا عجوز عقيم فكيف ألد، كما قال في موضع آخر: ﴿يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ (٢). قال الكلبي: قالت من أين الولد لعجوز عقيم لا تلد (٣)؟ ٣٠ - ﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ﴾ أي: كما قلنا لك قال ربك إنك ستلدين غلامًا أي: إنما نخبرك عن الله . ٣١ - ٣٤ - وما بعد هذا مفسر فيما مضى (٤). إلى قوله: ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: للمشركين، والشرك أسرف الذنوب وأعظمها (٥). ٣٥ - ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا﴾ يعني في قرى قوم لوط ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وذلك قوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ [الحجر: ٦٥] وهو أن الله تعالى أمر لوطًا بأن يخرج هو ومن معه من المؤمنين، لئلا يصيبهم العذاب. ٣٦ - ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال مجاهد، ومقاتل والمفسرون: يعني: لوطًا وبنتيه (٦). وهذا مذكور في مواضع من التنزيل كقوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [الأعراف: ٨٣] وقوله: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ

стр. 11331

وَأَهْلَهُ﴾ [العنكبوت: ٢] وقوله: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ [القمر: ٣٤] الآيات. والتقدير في الآية: غير أهل بيت، وكثر استعمال هذا حتى انطلق البيت على أهله، فيقال: بيت شريف، يراد به الأهل (١). وسَمّاهم في الآية الأولى: مؤمنين، وفي الثانية: مسلمين؛ لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم, وقد يكون مسلمًا ولا يكون مؤمنًا كما قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]. ٣٧ - قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ قال أبو إسحاق: تركنا في مدينة قوم لوط علامة للخائفين تدلهم على أن الله أهلكهم فينكل غيرهم عن فعلهم (٢). هذا قول المفسرين. وقال الفراء: معناه وتركناها آية، وأنت قائل للسماء فيها آية، وأنت تريد هي الآية بعينها (٣). ٣٨ - قوله: ﴿وَفِي مُوسَى﴾ ذكر صاحب النظم أن هذا عطف على قوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾. ﴿وَفِي مُوسَى﴾ أي وفي شأنه وقصته آية. وهو ما ذكر بعد من غرق فرعون (٤). قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون عطفًا على قوله: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً﴾ (٥). فيكون المعنى: وتركنا في قصة موسى آية.

стр. 11332

٣٩ - وقوله: ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: أي بجمعه وجنده ورهطه (١). وعلى هذا سمى جمعه ركنًا له, لأنه يتقوي بهم كالبنيان يتقوي بركنه. والباء يكون في ﴿بِرُكْنِهِ﴾ للتعدية، أي جعلهم يتولون (٢). ويجوز أن يكون المعنى: تولى هو بسبب جنده. أي بقوتهم وشوكتهم، كما تقول: فعلت هذا بقوة فلان. وقال الفراء: أعرض بقوته في نفسه (٣). وعلى هذا ركنه قوته. وهذا راجع إلى الأول, لأن قوته بجنده، وقال أبو عبيدة: فتولى بركنه، وبجانبه سواء، إنما هي ناحيته (٤). وهو اختيار ابن قتيبة. قال: فتولى بركنه ونأى بجانبه سواء (٥). وعلى هذا ركنه نفسه. وهو قول المؤرج قال: بركنه بجانبه (٦). ٤١ - قوله: ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾، قال جماعة المفسرين (٧): هي التي لا تلقح شجرًا ولا تثير سحابًا ولا تحمل مطرًا ولا خير فيها ولا بركة ولا منفعة ولا رحمة، ولا ينزل بها غيث، إنما هي ريح الإهلاك، وهي عذاب على من أرسلت عليه.

стр. 11333

قال سعيد بن المسيب: هي الجنوب (١). وقال مقاتل: هي الدبور (٢). وروى عكرمة عن ابن عباس: هي النكباء (٣). وقال عبيد بن عمير: مسكنها الأرض الرابعة، وما فتح على عاد منها إلا كقدر منخر الثور (٤). ويقال للتي لا تلد من النساء عقيمًا، وكذلك للذي لا يولد له: يقال له: رجل عقيم، وفحل عقيم إذا كان لا يلقح، وكما وصفت

стр. 11334

الرياح باللقاح في قوله: ﴿الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] وسميت بالعقيم هاهنا حين لم تلقح الشجر ولم تحمل المطر، ثم وصف تلك الريح فقال: ٤٢ - ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ﴾ قال مقاتل: من أنفسهم وأنعامهم وأموالهم (١) ﴿إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ كالشيء الهالك البالي. وذكر تفسير الرميم عند قوله: ﴿وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (٢) قال الفراء: الرميم نبات الأرض إذا يبس وديس (٣). وقال أبو إسحاق: هو الورق الجاف المتحطم (٤). ٤٣ - وقوله: ﴿وَفِي ثَمُودَ﴾ أي وفي ثمود أيضًا آية: ﴿إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا﴾ قال صالح لهم ذلك فعقروها، فقال تمتعوا. أي: عيشوا، وقد مر (٥). قوله تعالى: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ قال عطاء، والكلبي: يعني ثلاثة أيام (٦). والمعنى إلى. ٤٤ - ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ حين يأتيكم العذاب فأتاهم يوم الرابع. وقد قال في سورة هود ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا في

стр. 11335

دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥]. قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد الموت، والصاعقة الموت (١). وقال مقاتل: يعني العذاب (٢). وتفسير الصاعقة كل عذاب مهلك , وقد تقدم القول فيها (٣). وقرأ الكسائي (الصَّعْقَةُ) (٤). قال المبرد: وهي مصدر مثل الضربة. قال: والصعقة إنما هي مثل الزجرة، وهي الصوت الذي يكون عن الصاعقة. والصاعقة هي النازلة بعينها، وأنشد لعويف القوافي (٥) فقال: لاحَ سَحَابٌ فرأَيْنَا بَرْقَه ... ثم تَدَانَى فسَمِعْنَا صعْقَه وقوله: ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ أي يرون ذلك. والمعنى: أخذتهم الصاعقة عيانًا (٦). وهو معنى قول عطاء: قد رأوا

стр. 11336

العذاب (١). وقال مجاهد: فجأة (٢) وعلى هذا معنى (ينظرون)، وذلك أن صالحًا قد ضرب لهم الأجل للعذاب ثلاثة أيام، وجعل لنزول العذاب بهم علامات في تلك الأيام، وظهرت تلك العلامات فانتظروا العذاب في اليوم الرابع (٣). وهذا هو الصحيح؛ لأنه قد ذكر في قصتهم أنهم تحنطوا في اليوم الرابع ولبسوا الأكفان، وكانت أكفانهم الأنطاع، وحنوطهم الصبر (٤). ٤٥ - قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ أي ما أطاقوا عذاب الله ولم يقوموا له حين أتاهم، كما تقول: فلان لا يقوم بهذا الأمر ولا يقاومه، أي لا يطيق ولا يحتمله (٥). وهو معنى قول مقاتل: أي: لم يقوموا للعذاب حين غشيهم (٦). وقال عطاء عن ابن عباس: يريد ذهبت أجسامهم وبقيت أرواحهم في العذاب (٧). والقيام على هذا يراد به النهوض. والمعنى أنهم لم ينهضوا من تلك

стр. 11337

الصرعة ولم يستقلوا بعد تلك النكبة. وهذا معنى قول قتادة: من نهوض (١). وقال الكلبي: فما استطاعوا أن يقوموا فيردوا العذاب حين غشيهم (٢). وعلى هذا المعنى (٣) ما استطاعوا قيامًا لدفع العذاب عنهم حين أتاهم. ﴿وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ قال مقاتل: يعني ممتنعين من العذاب حين أهلكوا (٤). أي: ما كانت عندهم قوة يمتنعون بها من عذاب الله. ٤٦ - قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ قرئ بالنصب والخفض (٥). فالخفض ظاهر بالحمل على قوله: (وَفِي مُوسَى) ومن نصب حمل على المعنى وهو أن قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ يدل على أهلكناهم، فكأنه قال: أهلكناهم وأهلكنا قوم نوح. وهذا قول الفراء، والزجاج (٦). قال: ويجوز أن يحمل على معنى قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ في الْيَمِّ﴾ ألا ترى أن هذا الكلام يدل على أغرقناهم، فكأنه قال: أغرقناهم وأغرقنا قوم نوح (٧). قال المبرد: والنصب أحسن لتراخيه عن عامل الجر، والعرب إذا تراخى المجرور عن عامل الجر حملته على المعنى، والدليل على حسن النصب أن الجار ذكر في قصص الأمم وهو في ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ لم يلحق معهم

стр. 11338

حرف الجر فعمل النصب (١). واختار أبو عبيد النصب أيضًا. قال: لأن من خفض أراد: وفي قوم نوح، كما قال: ﴿وَفِي عَادٍ﴾ ﴿وَفِي ثَمُودَ﴾ وأولئك قوم قص الله، النصب على أنه أشركهم فيما فُعِل بالأمم من العقوبة إذ لم يخبرنا عنهم بخبر خاص (٢). ٤٧ - قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ يقال: أوسع الرجل، إذا صار ذا وسع وَسَعَة، وهو الغنى والجدة، والموسع المليء ومنه قوله: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. واختلفت العبارات في تفسير: ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ هاهنا فقال (٣) عن ابن عباس: ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ لخلقي (٤). قال الكلبي: يعني سعة الرزق (٥). قال الفراء: لذو سَعَة لخلقنا (٦). وقال الحسن: قادرون على رزقهم لا نعجز عنه، ولهذا قال مقاتل في تفسيره: لقادرون (٧). وقال الحسن: مطيعون (٨). وهذا يعود إلى أنه يقدر على رزقهم ويطيق ذلك، فهو موسع لخلقه في أرزاقهم.

стр. 11339

وقال مجاهد: لقادرون أن نخلق سماء مثلها (١)، يعني أنه لما ذكر قدرته على خلق السماء ذكر أنه موسع لخلق مثلها. أي مطيق قادر. وقال أبو إسحاق: جعلنا بين السماء والأرض سعة (٢). قال الأزهري: جعل أبو إسحاق أوسع بمعنى وسع (٣). وعلى هذا يجوز أيضًا أن يعود التوسع إلى الرزق، فقد روي عن ابن عباس أنه قال: إنا لموسعون الرزق على خلقنا (٤). ٤٨ - قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ قال ابن عباس: فنعم ما وطأت لعبادي (٥). وأوسعت عليهم، يعني الأرض. قال أبو إسحاق: المعنى: فنعم الماهدون نحن، ولكن اللفظ بقوله: ﴿فَرَشْنَاهَا﴾ يدل على المضمر المَحذوف (٦). ٤٩ - قوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ أي صنفين ونوعين، فالزوجان في الحيوان الذكر والأنثى، وفي غير الحيوان المختلفان باللون والطعم. فيدخل في هذا الأبيض والأسود والمر والحلو. قال مقاتل: يعني الليل والنهار، والشمس والقمر، والبر والبحر، والصيف والشتاء، والبرد والحر، والسهل والجبل، والنور والظلمة (٧).

стр. 11340

قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تذكرون أنه ليس فيما خلق له عدل ولا مثل. قاله مقاتل (١). وقال غيره: تذكرون أن خالق الأزواج فرد (٢). ٥٠ - قوله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ﴾ قال ابن عباس: يريد بالتوبة من ذنوبكم (٣). والمعنى على هذا فروا من العصيان والكفران إلى الطاعة والإيمان. يدل على هذا قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: أنذركم عقابه على الكفر والمعصية. وكذلك الآية التي نهى عن الشرك، وهو قوله: ٥١ - ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ﴾ الآية. وجميع المفسرين على أنه أمر محمدًا ﷺ أن يقول هذا للناس (٤). والكناية في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ تعود على اسم الله. والنذير هو النبي ﷺ وهذا هو الظاهر. وروى عطاء عن ابن عباس على الضد من ذلك، فجعل الآية خطابًا من الله تعالى للخلق. يقول: لا تجعلوا مع الله إلهًا آخر ﴿إِنِّي لَكُمْ﴾ يعني نفسه تعالى وعز، ﴿مِنْهُ﴾ من محمد وسيوفه. ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: أنذرتكم بأسه وسيفه إن أشركتم بي (٥). ٥٢ - قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى: الأمر كذلك. أي: كما فعل من قبلهم من الأمم في تكذيب الرسل (٦). وهو قوله: ﴿مَا أَتَى الَّذِينَ

стр. 11341

مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ﴾ أي: هو ساحر ﴿أَوْ مَجْنُونٌ﴾ قال مقاتل: يعني كقول كفار مكة لمحمد ﷺ . يقول الله تعالى: ٥٣ - ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ أي بهذا القول. قال مقاتل: يعني أوصى الأول الآخر يقول ذلك لرسوله (١). وقال قتادة: أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب (٢). قال الزجاج: والألف فيه للتوبيخ (٣). قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ يعني أهل مكة طاغون. قال ابن عباس: حملهم الطغيان فيما أعطيتهم ووسعت عليهم على تكذيبك (٤). والمعنى ما أوصى أولهم بذلك، ولكنهم قوم خارجون عن الحد في العصيان. ٥٤، ٥٥ - قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ يقول: فأعرض عن هؤلاء المشركين فقد بلغت وأنذرت، وهو قوله: ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ أي لا لوم عليك إذ أديت الرسالة. قال ابن عباس: فحزن رسول الله ﷺ لما نزلت هذه الآية مخافة أن تنزل بقومه العذاب. ونحو هذا قال مقاتل، وقتادة، وغيرهما. قالوا: واشتد على أصحابه وظنوا أن الوحي قوإنقطع، أي: العذاب حضر، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ﴾ (٥) أي عظ بالقرآن. وفي هذا قولان:

стр. 11342

أحدهما: أنه أمر بالتولي عن الكفار ووعظ المؤمنين. يدل على هذا قوله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال الكلبي: عظ بالقرآن من آمن من قومك، فإن الذكرى تنفعهم (١). القول الثاني: أنه أمر أن يُذكر ويعظ الكفار. وهو قول مقاتل. يقول: عظ كفار مكة بوعيد القرآن، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، يعني من في علم الله أن يؤمن منهم (٢). وهذا القول أشد موافقة لما ذكرنا في الآية الأولى. ٥٦ - قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ تعلقت القدرية بهذه الآية وقالوا: دلت الآية على أن الله تعالى خلق كل مكلف لعبادته وأراد منهم العبادة. ولا حجة لهم في هذه الآية إذا تدبرت قول العلماء فيها ومذاهبهم في تفسيرها (٣). والآية فيها مذاهب للمفسرين. أحدهما: التخصيص، وهو أن المراد بالجن والإنس مؤمنو الفريقين. وهو قول الكلبي، والضحاك، والفراء، وعبد الله بن مسلم. قال الكلبي: هذا خاص لأهل طاعته. يعني: ما خلقت مؤمني الجن والإنس إلا ليعبدون (٤). وقال الضحاك: هذا خاص في أهل عبادة الله وطاعته. يدل عليه قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] والذين ذرأهم للنار لا يكونون ممن ذرأهم لعبادته. وهذه الآية التي نحن

стр. 11343

فيها مطلقة، وآية الذرء مقيدة، والمطلق يحمل على المقيد، وإذا جمعنا بين الآيتين علمنا أن الذين خلقوا للعبادة غير أولئك (١). وقال الفراء: هذه الآية خاصة. يقول: وما خلقت أهل السعادة من الفريقين إلا ليوحدوني ... (٢) لأهل القدر حجة وقد فُسِّر. وقال عبد الله بن مسلم: يعني المؤمنين (٣). واحتج (٤) هؤلاء لمذهبهم بقراءة ابن عباس ... (٥) (الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون) (٦) معناه: إلا لآمرهم بعبادتي وأدعوهم إليها. وهو قول أمير المؤمنين (٧) ... ﵁، ومقاتل، واختيار الزجاج. قال مقاتل: يعني إلا لآمرهم بالعبادة، ولو أنهم خلقوا للعبادة ما عصو ..... (٨).

стр. 11344

وقال الزجاج: المعنى: وما خلقت الجن والإنس إلا لأدعوهم إلى عبادتي (١). هذا كلامهم وتفسيرهم. قالوا .... (٢) العبادة غير الدعاء إليها والأمر بها، والله تعالى قال: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وأنتم تقولون إلا لآمرهم بذلك. قيل: قد يقال ... (٣) هذا إذا لم يشتبه ودلت الحال عليه، ما تقول لإنسان أكرمته وأحسنت إليه لتأمره يصنع لك شيئًا: ما أكرمتك إلا لتصنع هذا. وأنت تريد: إلا لآمرك بذلك. وأكثرة من لا يعبد الله من الكفار يدل على أنه لم يخلقهم لعبادته (٤). واختار صاحب النظم هذا المذهب، واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا﴾ [الزخرف: ١٢، ١٣] (٥). قال: معناه: ليأمركم إذا استويتم على ظهوره أن تذكروه، ولو كان على ظاهره لوجب أن يكون ذلك عامًا في الإتيان به. المذهب الثالث: أن المفسرين قالوا في قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ إلا ليوحدوني، والمؤمنون يوحدون الله تعالى طوعًا في الشدة والرخاء، الكفار يوحدونه في الشدة والبلاء وعند العباس. وهذا معنى رواية حبان عن الكلبي (٦) هذا جملة أقوال المفسرين.

стр. 11345

وأما أهل المعاني فلهم أيضًا أقوال سديدة في معنى الآية: أحدها: أن المعنى قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ إلا ليخضعوا لي ويتذللوا. وهذا معنى العبادة في اللغة، وكل أحد من مؤمن وكافر، وبر وفاجر، فهو خاضع لقضاء الله متذلل لمشيئته، خَلَقه على ما أراد، ورزقه كما قضى، لا يملك أحد لنفسه خروجًا عما خلق عليه، فقد حصل هذا الخضوع والتذلل من كل أحد (١). القول الثاني: أن معنى الخلق في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ﴾ خلق التكليف والاختيار، لا خلق الجبلة والطبيعة (٢)، فمن وفقه وسدده أقام العبادة التي خلق لها، ومن خذله وطرده حرمها وعمل ما خلق له (٣). وقد بين النبي ﷺ هذا المعنى بقوله: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" (٤). ٥٧ - قوله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: ما أريد أن يرزقوا من خلقي أحدًا، ونحوه قال مقاتل، والزجاج. وقال الكلبي: ﴿مِنْ رِزْقٍ﴾ أن يرزقوا أنفسهم. ونحوه قال
следующие страницы →