عليه قول الأخطل:
كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أم رَأيتَ بواسِطٍ ... غَلَسَ الظَّلامِ من الرَّبابِ خَيَالاَ (١)
أي أرتك ما لا حقيقة له، كما أنك إذا قلت كذبتني عيني، معناه: رأت ما لا حقيقة له، ومعنى الآية: كانت رؤيته صحيحة غير كاذبة.
قال المفسرون: هذا إخبار عن رؤية النبي ﷺ ربه ليلة المعراج.
قال ابن عباس في رواية عطاء: رأى ربه بقلبه (٢).
وقال في رواية باذان: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾ يعني فؤاد رسول الله ﷺ ، وإنما رأى محمد ربه بفؤاده ولم يره بعينه (٣).
وقال في رواية عكرمة: رآه بقلبه (٤).
وقال في رواية أبي العالية: رآه بفؤاده (٥)، ونحو هذا روي عن أبي ذر (٦)، وإبراهيم التيمي. وعلى هذا القول: رأى النبي ﷺ ربه بفؤادهِ رؤية
стр. 11412
صحيحة، وهو أن الله تعالى جعل بصره في فؤاده، أو خلق لفؤاده بصرًا حتى رأى به رؤية غير كاذبة كما يرى بالعين (١).
ومذهب جماعة من المفسرين أنه رآه بعينه، وهو قول أنس (٢)، وعكرمة، والحسن، وكان يحلف بالله لقد رأى محمد ربه (٣)، ونحو ذلك قال الربيع (٤).
وروى عكرمة أنه قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد ﷺ (٥).
وروى عبد الله بن الحارث عن ابن عباس أنه قال: أما نحن بنو هاشم فنقول إن محمدًا رأى ربه مرتين (٦).
стр. 11413
وكل هؤلاء أثبتوا رؤية صحيحة إما بالعين والبصر، وإما بالفؤاد على ما بينا (١).
стр. 11414
قال المبرد: ومعنى الآية أنه رأى شيئًا فصدق فيه (١).
وقال أبو الهيثم: أي لم يكذب الفؤاد رؤيته و (مَا رَأَى) بمعنى الرؤية. يقال: ما أوهمه الفؤاد أنه رأى ولم (٢) ير، بل صدقه الفؤاد رؤيته (٣)، وعلي هذا (مَا رَأَى) مصدر في موضمع النصب؛ لأنه مفعول كذب.
وقرأ ابن عامر (مَا كَذَّبَ) بالتشديد (٤)، قال المبرد: ومعناه أنه رأى شيئًا بقلبه. قال: وفي هذه القراءة بعد؛ لأنه إذا رأى بقلبه فقد علمه أيضًا بقلبه، وإذا وقع العلم فلا تكذيب معه, لأن القلب يكذب ويصدق فإذا كان الشيء في القلب معلومًا فكيف يكون معه تكذيب، وهذا على ما قال المبرد إذا جعلت الرؤية للفؤاد، فإن جعلتها للعين زال هذا الإشكال وصح هذا المعنى، فيقال: ما كذب فؤاده ما رآه ببصره (٥).
стр. 11415
وأنكرت عائشة ﵂ رؤية محمد ﷺ ربه ليلة المعراج، وكانت تخالف ابن عباس في مذهبه وتذهب بهذه الرؤية إلى رؤية جبريل (١). وظاهر الآية مع ابن عباس، وقد قال معمر: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس (٢).
ثم هذا الاختلاف من أدل دليل على أن البارئ جائز الرؤية؛ لأن ما لا تجوز رؤيته لا يختلف في رؤيته، وعائشة أنكرت الرؤية في الدنيا وقبل الموت، واحتجت بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (٣) [الأنعام: ١٠٣] الآية.
١٢ - قوله تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ قال الكلبي وغيره من المفسرين: لما نزل ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ الآيات، أتى عتبة بن أبي لهب رسول الله ﷺ فقال: يا محمد هو يكفر بالنجم إذا هوى وبالذي دنا فتدلى، فنزلت هذه الآية (٤).
стр. 11416
وقرئ (أَفَتُمَارُونَهُ) (١) قال عامة المفسرين وأهل التأويل (٢) (أَفَتُمَارُونَهُ) أفتجادلونه و (أفتمارونه) أفتجحدونه, تقول العرب: مريت الرجل حقه إذا جحدته. قال الشاعر:
لئن هجرت أخا صِدقٍ ومَكْرُمَةٍ ... لقد مَرَيْتَ أخًا ما كان يَمْرِيكا (٣)
قال المبرد: (أفتمرونه) أي أتدفعونه عما يرى، قال: و (على) في موضح عن (٤)، و (أَفَتُمَارُونَهُ) أي: أتدفعونه وتمارونه، كأنه أغلب في هذا الموضع للإنكار عليه، أي: تجادلونه فيما رأى وعلم، وأما الجحود منهم فقد كان ذلك عامًا فيما يأتيهم به الرسول ﷺ والجدال في هذا الموضع كأنه أغلب، والمعنيان يتقاربان؛ لأن مجادلتهم جحود فيجتمع فيه الجحود والمجادلة، وقد كانت من المشركين مجادلة النبي ﷺ حين أسري به قالوا: صف لنا مسجد بيت المقدس (٥)، وأخبِرنا عن عيرنا التي في
стр. 11417
طريق الشام (١)، وغير ذلك مما جادلوه به (٢).
واختار أبو عبيد (أفتمرونه) قال: وذلك أن المشركين إنما كان شأنهم الجحود لما كان يأتيهم من الوحي، فهذا أكثر من المماراة (٣).
قال أبو علي: من قال: (أَفَتُمَارُونَهُ) فمعناه: أفتجادلونه جدالًا ترومون به دفعه عما هو (٤) عليه وشاهده الوحي، ويقوي هذا الوجه قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: ٦]، ومن قال: (أفتمرونه) كان المعنى: أفتجحدونه، والمجادلة كأنه أشبه في هذا؛ لأن الجحود كان منهم في هذا وفي غيره، وقد جادله المشركون في الإسراء به فكان مما قالوا: صف لنا عيرنا في طريق الشام ونحو ذلك (٥).
وقد صح المعنيان عند (٦) المبرد، وأبي علي، على (٧) أن الوجه قراءة
стр. 11418
العامة لا ما اختاره أبو عبيد، وذلك أن الجحود كان عامًا منهم في كل ما يأتي به الرسول ﷺ والجدال كان في هذا خاصًا على ما ذكرا (١).
وأيضًا فإنه لا مجادل إلا وهو جاحد، وقد يجحد الشيء من لا يجادل فيه، فالجدال إذًا أعم.
١٣ - معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ أكثر العلماء على أن اههنى أشبه رأى جبريل في صورته مرتين على ما ذكرنا (٢).
وقال ابن عباس: رأى ربه على ما ذكرنا في قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾.
وعلى هذا معنى قوله: (نَزْلَةً أُخْرَى) يعود إلى محمد ﷺ ، وقد روي أنه كانت له عرجات في تلك الليلة لما استحط ربه من أعداد الصلوات المفروضة، فيكون لكل عرجة نزلة، فيحتمل أنه رأى ربه في بعض تلك النزلات (٣).
стр. 11419
(وهو) أي محمدًا ﷺ .
١٤ - ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَ﴾، والسدر في اللغة: ضرب من شجر النبق (١).
قال عطاء عن ابن عباس: وإنما سميت سدرة المنتهى؛ لأن علم الملائكة ينتهي إليها (٢). ولم يجاوزها أحد إلا رسول الله ﷺ حين تدلى إليه الرفرف (٣).
وقال الكلبي، ومقاتل: هي شجرة عن يمين العرش فوق السماء السابعة إنتهى إليها علم كل ملك (٤).
стр. 11420
وقال عبد الله: سميت سدرة المنتهى؛ لأنه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها من أمر الله تعالى لا يعدوها (١).
وقال أبو هريرة: لما أسري بالنبي ﷺ انتهى إلى السدرة فقيل له: هذه السدرة ينتهي إليها كل أحد من أمتك على سنتك وإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء إلى قوله: ﴿عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥] وهي شجرة يسير الراكب في ظلمها مائة عام لا يقطعها والورقة منها مغطية للأمة كلها (٢). وقال عبد الله: هي شجرة عليها فضول السندس والإستبرق (٣).
وروى قتادة عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: "لما عرج بي إلى السماء السابعة رفعت إلى سدرة المنتهى في السماء السابعة وإذا نبقها مثل قلال (٤) هجر (٥) وورقها مثل أذن الفيلة، يخرج من ساقها نهران ظاهران ونهران باطنان، فقلت: يا جبريل: ما هذا؟ قال: أما النهران الباطنان ففي الجنة -قال مقاتل: هما السلسبيل والكوثر (٦) - وأما النهران الظاهران فالنيل والفرات" (٧).
стр. 11421
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: سألت كعبًا: ما سدرة المنتهى؟ قال: سدرة ينتهي إليها علم الملائكة وعندها يجدون أمر الله لا يجاوزها علمهم (١).
فهذا ما ذكره المفسرون ورووه في سدرة المنتهى (٢).
ومعنى المنتهى موضع الانتهاء، وهذه الشجرة هناك وعندها تنتهي الملاكة والنبيون، فلذلك أضيفت السدرة إلى المنتهى.
١٥ - قوله تعالى: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد الجنة التي يأوي إليها جبريل والملائكة (٣).
وقال مقاتل، والكلبي: هي جنة تأوي إليها أرواح الشهداء (٤).
وروى عكرمة عن ابن عباس عن كعب قال: جنة المأوى فيها طير خضر ترتع فيها أرواح الشهداء. وهذا قول أكثر المفسرين (٥). وقالت عائشة ﵂ هي جنة من الجنان (٦)، وهو قول زر بن حبيش.
١٦ - قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ إذ متعلق بقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ واختلفوا في الذي كان يغشى السدرة في ذلك الوقت فروي
стр. 11422
أن النبي ﷺ سئل ما غشيها؟ قال: "فراش من ذهب" (١) وهو قول عبد الله، وسعيد بنُ جبير، ورواية عكرمة عن ابن عباس (٢).
وروى الضحاك عنه: قال رسول الله ﷺ : "رأيتها حتى استثبتها ثم حال دونها فراش من ذهب" (٣) وهو قول مسروق وأبي العالية (٤).
وقال مقاتل: غشيتها الملائكة (٥)، وروي عن الحسن: غشيتها الملائكة مثل الغربان حين يقعن علي الشجر (٦).
وروي أن النبي ﷺ قال: "رأيت على كل ورقة من ورقها ملكًا قائمًا يسبح الله " (٧).
стр. 11423
وقال إبراهيم، ومجاهد: رفرف أخضر (١).
وقال السدي: غشيها طيور من فوقها (٢).
وروي مرفوعًا: "غشيها نور من الله حتى ما يستطيع أحد ينظر إليها" (٣).
١٧ - قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد النبي ﷺ ؛ لأن الله تعالى أعطاه من القوة ما قوي به على النظر إلى الآيات (٤).
فعلى هذا القول معنى الآية ما ملَّ بصره من رؤية الآيات خوفًا وجزعًا.
وروى مسلم عن ابن عباس: ما زاغ البصر يمينًا ولا شمالًا ولا جاوز ما أمر به (٥). ونحو ذلك روى الكلبي، وهو قول مجاهد، والمفسرين، قال الكلبي: ما قلب بصره يمينًا ولا شمالاً، وما جاوز ما رأى (٦).
وعلى هذا معنى الآية وصف أدب النبي ﷺ في ذلك المقام إذ لم يلتفت جانبًا ولم يمد بصره إلى غير ما أري من الآيات واستقبله من
стр. 11424
العجائب، فمعنى زيغ البصر: التفاته من الجانبين وطغيانه أنه يمد بصره أمامه إلى حيث ينتهي يقول: لم يفعل ذلك.
١٨ - قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ يجوز أن تكون الكبرى من صفة الآيات وحدت لتوافق الفواصل، ويجوز نعت الجماعة بنعت الأنثى الواحدة، كقوله: ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨] وهذا معنى قول عطاء، والكلبي (١)، يعني الآيات العظام التي رآها تلك الليلة، وقال مقاقل: يعني ما رأى تلك الليلة (٢). ويدل على صحة التأويل قوله: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسر اء: ١].
ويجوز أن تكون ﴿الْكُبْرَى﴾ نعت محذوف على تقدير: لقد رأى من آيات ربه الكبرى (٣).
واختلفوا في تلك الآية فروى أبو صالح عن ابن عباس قال: رأى جبريل قد طبق الأفق في صورته التي خلق فيها له ستمائة جناح (٤)، وهذا قول ابن زيد، وابن حيان، ومحمد بن كعب، قالوا: جبريل من آيات ربه الكبرى (٥).
قال عبد الله: رأى رفرفًا أخضر (٦).
стр. 11425
وقال الضحاك: هي سدرة المنتهى (١).
١٩ - قال أبو إسحاق: لما قص الله هذه الأقاصيص قال للمشركين: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ كأن المعنى والله أعلم: أخبرونا عن هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله، هل لها من هذه القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة شيء (٢).
ومعنى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ﴾ على ما ذكر السؤال والاستفتاء كقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ﴾ وقد مر (٣).
وتنتظم الآية بما قبلها على المعنى الذي ذكره.
قال صاحب النظم: معنى الآية أفرأيتم هذه الآلهة التي تعبدونهن أأوحَين شيئًا إليكم كما أوحي إلى النبي ﷺ (٤)؟ والتقديران اللذان ذكراهما
стр. 11426
يستدل عليهما بفحوى الكلام، وقد قال أبو إسحاق أيضًا: أفرأيتم هذه الإناث أَلله هي وأنتم تختارون الذكران وذلك قوله: ألكم الذكر وله الأنثى (١)، وهذا الوجه أجود الثلاثة وسنزيده وضوحًا عند قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ﴾ إن شاء الله.
قال أبو علي الفارسي: أرأيتم هنا بمنزلة أخبروني لتعدي أرأيت إلى المفعول ووقوع الاستفهام في موضع المفعول الثاني, والمعنى: أرأيتم جعلكم اللات والعزى بنات الله، ألكم الذكر؟ وجاز الحذف لأن هذا قد تكرر في القرآن كقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ [النحل: ٥٧] ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩] فكان الحذف بمنزلة الإثبات، ألا ترى أن سيبويه جعل كُلاًّ في قوله:
ونارٍ توقَّدُ بالليلِ نَارا (٢)
بمنزلة المذكور في اللفظ للعلم به وإن كان محذوفًا وقد دل قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ على المحذوف، وادعوا هذا في هذه الآلهة كما ادعوه في الملائكة (٣).
فأما اللات فروى عطاء عن ابن عباس قال: هي صنم (٤).
قال قتادة: هي بالطائف (٥)، قال الكلبي: هي صخرة كانت بالطائف
стр. 11427
لثقيف (١) يعبدونها (٢).
وقال ابن زيد: اللات بيت بنخلة (٣) كانت قريش تعبده (٤).
وقال أبو عبيدة: هي صنم في جوف الكعبة لقريش (٥).
واختلفوا في اشتقاق اللات، فأكثر المفسرين (٦) ذكروا أنه بتشديد التاء من اللَّت، وهو خلط السويق بالسمن ودلكه به.
روى أبو الجوزاء، عن ابن عباس قال: اللات رجل كان يلت السويق للمشركين فمات فعكفوا على قبره فعبدوه (٧)، ونحو ذلك روى
стр. 11428
السدي، وذكر أنه كان بالطائف (١).
وزاد الكلبي بيانًا فقال: كان رجل من ثقيف يقال له صِرمة بن غنم كان يسلأ (٢) السمن فيضعه على صخرة ثم تأتيه العرب فيلت به أسوقتهم فلما مات الرجل حولت ثقيف تلك الصخرة إلى منازلها فعبدتها (٣).
ويدل على صحة هذا التأويل قراءة ابن عباس، ومجاهد، وأبي صالح: (الَّلاتَّ) بتشديد التاء (٤).
ووجه قراءة العامة على هذا الاشتقاق ما ذكره الفراء قال: القراءة بالتخفيف، والأصل بالتشديد؛ لأن الصنم إنما سمي باسم اللاَّتِ الذي كان يلت السويق عنده، وجعل اسمًا للصنم، وعلى هذا الوقف على اللات يكون بالتاء (٥) وهو اختيار أبي إسحاق، قال: لاتباع المصحف فإنها كتبت
стр. 11429
بالتاء (١).
وقال جماعة من المفسرين: اللات من الله، وكان المشركون يسمون أوثانهم بأسماء الله فقالوا: من الله اللات، ومن العزيز العزَّى (٢)، وهو اختيار الأزهري قال: كأن المشركين الذين عبدوها عارضوا باسمها اسم الله تعالى علوًا كبيرًا عن إفكهم ومعارضتهم والحادهم في اسمه العظيم، ويدل على صحة هذا التأويل أن الكسائي كان يختار الوقف عليها بالهاء، وهذا يدل على أنه لم يجعلها من اللَّت (٣).
قال أبو علي الفارسي: اشتقاق اللات من لويت على الشيء، أي: أقمت عليه، ولذلك أنهم كانوا يلوون على آلهتهم وبعكفون عليها عبادة لها وتقرئا إليها, ولذلك تواصوا فيما بينهم فيما أخبر الله به عنهم في قوله: ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: ٦] فاشتق اسمها من هذا المعنى الذي كانوا يعتقدون فيها ويتدينون به لها، فهو على هذا مثل شاه وذات، والتاء للتأنيث في قول من خفف، ومعنى التأنيث فيها تأنيث اللفظ، إذ التأنيث الحقيقي لا يصح فيهاة لأنها جماد، والدليل على صحة هذا أن سيبويه قال في النسبة إليها لاي (٤)، فحذف التاء، فدل على أنها للتأنيث، وذلك أن تاء التأنيث تحذف في النسبة، ولما حذف التاء شبه بقلة التصرف الحروف فزاد على الحرف حرفًا مثله كما فعل ذلك بـ (ذا) إذا سُمي به رجل فقال: ذآء، فلما
стр. 11430
زيدت همزة على (ذا) لما سمي به كذلك زيدت هاهنا همزة، وكذلك يفعلون بـ (ما) و (لا) عند التسمية بهما، والوقف على هذا بالهاء كما اختاره الكسائي.
وقول أبي إسحاق الأجود الوقف بالتاء لاتباع المصحف. فيجوز أن تكون كتبت فيه بالتاء على الوصل دون الوقف كما كتب ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] ونحوه بغير الواو، فلما كتب هذا ونحوه على الوصل كذلك يجوز أن يكون كتب في المصحف على الوصل، انتهى كلامه (١).
وأما الألف واللام في اللَّات والعزّى فذهب أبو الحسن (٢) إلى أن اللام فيهما زائدة.
والذي يدل على صحة مذهبه أن اللّات والعزَّى (٣) علمان بمنزلة يغوث (٤) ويعوق (٥) ونسر (٦) ومناة (٧) وغير ذلك من أسماء الأصنام. فهذه كلها أعلام وغير محتاجة في تعريفها (٨) إلى اللام، وليست من باب الحارث والعباس من الأوصاف التي نقلت فصارت أعلامًا وأقرت فيها لام
стр. 11431
التعريف على ضرب من توهم روائح الصفة فيها فيحمل على ذلك، فوجب أن تكون اللام فيها زائدة كما ذكرنا في الذي وبابه، وهذا الذي ذكرنا كلام أبي الفتح الموصلي (١).
وأما العُزّى قال عطاء: هي صنم (٢)، وقال مجاهد، والكلبي: هي سمرة من الشجر كانت بنخلة لغطفان (٣) يعبدونها، وهي التي بعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فقطعها ويقول:
يا عز كفرانك لا سبحانكِ ... إني رأيت الله قد أهانكِ
فخرجت منها شيطانة تجر شعرها واضعة يديها على رأسها تدعو بالويل فضربها خالد بالسيف حتى قتلها ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره فقال: "تلك العزى ولن تعبد أبدًا" (٤).
стр. 11432
وقال قتادة: كاذت العزى لقريش (١)، وهو قول الحسن واختيار أبي عبيدة قالوا: هذه أصنام من حجارة كانت قريش توجه إليها العبادة (٢).
وقال الضحاك: هي صنم من حجر لغطفان وضعها لهم سعد بن ظالم الغطفاني (٣).
وأما تفسير العزى فإنها تأنيث الأعز مثل الكبرى والأكبر، والأعز يكون بمعنى العزيز والعزى بمعنى العزيزة (٤).
٢٠ - قوله تعالى: ﴿وَمَنَاةَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: أصنام المشركين (٥). يعني هذه وما ذكر قبلها، وهو اختيار أبي عبيدة على ما ذكرنا.
وقال قتادة: وكاذت مناة للأنصار (٦)، وقال الضحاك والكلبي: مناة صنم كانت لهذيل وخزاعة (٧).
стр. 11433
ولم يذكروا لمناة اشتقاقًا (١). وكان ابن كثير يقرؤها بالمد والهمز (٢).
قال أبو علي الفارسي: لعل (مناءة) بالمد لغة ولم أسمع بها من أحد من رواة اللغة، وقد سمّوا زيد مناة، وعبد مناة ولم أسمع بالمد، قال جرير:
أزيدَ مناةَ توعِدُ يَابْنَ تيم ... تَبَيَّنْ أَيْنَ تَاهَ بكَ الوَعيدُ (٣)
﴿الثَّالِثَةَ﴾ نعت لمناة؛ يعني الثالثة للصنمين اللذين ذكرهما، وهذه ثالثتهما في الذكر، و ﴿الْأُخْرَى﴾ نعت لمناة أيضًا.
٢١ - قوله تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ مذهب جماعة من المفسرين أن هذه الآية وما بعدها معترضة بين قصة الأصنام، فإن هذه لا تعلق لها بما قبلها (٤)، ومعناها الإنكار عليهم حيث جعلوا الملائكة بنات الله.
قال عطاء عن ابن عباس: وذلك أن المشركين قالوا: الملائكة بنات
стр. 11434
الله، وجعلوا لأنفسهم البنين كما قال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢] وهذا مذهب السدي ومقاتل (١).
قال الكلبي: قال مشركو مكة: الأصنام والملائكة بنات الله فنحلوه البنات، وكان الرجل منهم إذا بشر بالأنثى كره ذلك، فقال الله تعالى منكرًا عليه ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ﴾ يعني البنين، ﴿وَلَهُ الْأُنثَى﴾ يعني ما نحلوه من الأصنام -وهي إناث في أسمائها- والملائكة (٢)، وهذا اختيار الزجاج والفراء وابن قتيبة (٣).
٢٢ - قوله تعالى: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾. القراء على ترك الهمز من (ضِيزَى)، وقرأ ابن كثير (ضِئزى) بالهمز (٤).
قال ابن السكيت: يقال: ضِزْتُه حَقَّه أي نقصته.
وقال أبو زيد: (ضِيزى) جائرة، يقال: ضاز يضيز ضيزًا، قال: وضأز، يضأز مثله. وأنشد أبو زيد فقال:
إن تَنْأَ عنَّا نَنتَقِصْك، وإن تُقِم ... فحظُّك مَضْؤزُ وأنفُكَ راغِمُ (٥)
стр. 11435
وقال أبو الهيثم: ضِزْتُ فلانًا أضيزه ضيزا: جُرت عليه.
وقال ابن الأعرابي: تقول العرب: قسمةٌ ضُؤْزَى بالضم والهمز وضُوزى بلا همزٍ وضِيئِزَى بالكسر والهمز (١).
قال الفراء: ضيزى فعلى وإن رأيت أولها مكسورًا وهي مثل بيض وعين، كان أولها مضمومًا فكرهوا أن يترك على ضمته فيقال: بوضٌ وعونٌ، والواحدة بيضاء وعيناء فكسروا أولها ليكون بالياء ويتألف الجمع والاثنان والواحد، كذلك كرهوا أن يقولوا ضُوزى فتصيرُ بالواو وهي من الياء وإنما قضيت على أولها بالضم لأن النعوت للمؤنث تأتي إما بفتح أو بضم نحو سَكْرى وعطشى وحُبْلى، والمكسور يكون اسما ولا يكون نعتًا كالذكرى والدِّفْلى (٢) والشِّعْرَى، انتهى كلامه (٣).
وقال أبو إسحاق: أجمع النحويون أن أجل ضيزى ضوزى فنقلت من فُعْلَى إلى فِعْلَى لتسلم الياء كما قالوا أبيض وبيضٌ، وأصله بُيْضُ فنقلت الضمة إلى الكسرة، وإنما لم يقل النحويون إنها على أصلها لأنهم لم يعرفوا الكلام فُعْلَى صفةً، ونظير ضيزى في الكلام قولهم: مِشْيِةً حيكى، وهي مشية يحيك فيها صاحبها. فحِيكى عندهم فُعْلَى أيضًا (٤).
وشرح أبو علي الفارسي هذا الفصل فقال: قولهم قسمة ضيزى
стр. 11436
ومشية حِيكَى فإن النحويين يحملوه على أنه في الأصل فُعْلَى وإن كان اللفظ علي فِعْلَى كما أن البيوت والعِصيَّ في الأصل فعولٌ وإن كانت الفاء مكسورة وإنما حملوها على أنها فُعْلى دون ما عليه اللفظ؛ لأنهم لم يجدوا في الصفات شيئًا على فُعلى وكان القياس أن يقال ضوزى وأن لا يُحْفَل بانقلاب الياء إلى الواو وكأنهم آثروا الكسرة والياء على الضمة والواو من حيث كانت الكسرة والياء أخف عليهم، ولم يخافوا التباسًا حيث لم يكن في الصفة شيء على فِعْلى فإن قلت: كيف قالوا: إن فِعلى لا تكون في أبنية الصفات وقد قال أحمد بن يحيى: رجل كِيصى إذا يأكل وحده، وقد كاص طعامه إذا أكله وحده؟ قيل إن سيبويه قال: لم تجئ فِعْلَى صفة (١). والذي حكاه أحمد بن يحيى (٢) بالتنوين فليس هو ما قاله سيبويه ولا يمتنع أن يجيء الألف آخرًا للإلحاق بِهجرَع (٣) ونحوه، وأما قراءة ابن كثير فلا ينبغي أن يكون أراد بضيزى فُعْلى, لأنه لو أراد ذلك لكان ضوزى ولم يرد به أيضًا فِعلى صفة؛ لأن هذا البناء لم يجيء صفة ولكن ينبغي أن يكون أراد به المصدر مثل: الذِّكرَى فكأنه قال: قسمة ذات ظلم، فعلى هذا يكون وجه قراءته (٤).
وأما التفسير فقال ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، وقتادة:
стр. 11437
ضيزى جائرة (١). وقال مجاهد، ومقاتل: عوجاء (٢).
وقال الحسن: غير معتدلة (٣)، وقال الضحاك: ناقصة (٤)، وقال سفيان: منقوصة (٥).
والمعنى: تلك القسمة التي قسمتم من نسبة البنات إلى الله وإيثاركم بالبنين قسمة غير عادلة.
٢٣ - قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ﴾ أخبر الله تعالى أن هذه الأصنام سموها بهذه الأسامي لا معاني تحتها, لأنه لا ضر عندها ولا نفع فهي تسميات ألقيت على جمادات.
قوله: ﴿إِنْ هِيَ﴾ يعني اللات والعُزّى ومناة. يقول: ما هي إلا أسماء، أي أنها لا تنبئ عن معنى ﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ تسمية باطلة لم يقم بها حجة، وهو قوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾، ويجوز أن يكون المعنى: ما أنزل الله بعبادتها من سلطان، قال مقاتل: لم ينزل بذلك كتابًا لكم فيه حجة بما تقولون إنها آلهة (٦).
ثم رجع عن الخطاب إلى الخبر فقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ يقول: ما لهم من علم أنها آلهة إلا ظنًا يتبعون في عبادتها الظن وهوى النفس،
стр. 11438
وهو ما زين لهم الشيطان ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ أي البيان والرشاد بالكتاب والرسول.
وهذا تعجيب من حالهم حيث لم يتركوا عبادتها مع وضوح البيان.
ثم أنكر على الكفار تمنيتهم شفاعة الأصنام فقال:
٢٤ - ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ﴾ يعني الكافر (مَا تَمَنَّى) من شفاعة الأصنام (١).
٢٥ - ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ أي لا يملك فيهما ولا منهما أحد شيئًا إلا بإذنه؛ لأنهما (٢) له. وفي هذا إبطال ما يتمنى الكافر.
ثم أكد هذا بقوله تعالى:
٢٦ - ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ﴾ جمع الكناية لأن المراد بقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَك﴾ الكثرة، وذلك أن كم يخبر بها عن العدد الكثير فدل ﴿كَمْ﴾ على أنه أراد جمعًا، قاله الفراء، والزجاج (٣).
قوله: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ في الشفاعة ﴿لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ يعني أنهم لا يشفعون إلا لمن يرضي الله من أهل التوحيد.
стр. 11439
قال ابن عباس: يريد لا تشفع الملائكة إلا لمن ﵁ (١)، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] .
قال أبو علي: قوله: ﴿لِمَن يشَآءُ﴾ المعنى: لمن يشاء شفاعته على إضافة المصدر إلى المفعول به الذي هو مشفوع له، ثم حذف المضاف فصار اللفظ لمن شاءه، أي: يشاء شفاعته، ثم حذف الهاء من الصلة (٢).
ثم ذم الله تعالى صنيع الكفار.
٢٧ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ قال ابن عباس: لا يصدقون بالثواب والعقاب (٣).
﴿لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ حين زعموا أنهم بنات الله، والأنثى تسمى بنتًا فإذا وصفوا الملائكة بالبنات فقد سموها تسمية الإناث، وتسمية الأنثى من باب إضافة المصدر إلى المفعول.
٢٨ - ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ﴾ ذلك التسمية: ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ قال مقاتل: ما يستيقنون بأنها إناث (٤).
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ قال ابن عباس: يريد ظنًا ليس بيقين (٥).
﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ قال عطاء: يريد لا ينتفعون به (٦).
стр. 11440
والمعنى لا يقوم مقام الحق ولا يغني من العلم فمعنى الحق هاهنا العلم. وهذا يدل على أن الظان غير عالم، وأن من بني على الظن لم يبن علي أساس (١).
وقال الكلبي: أي لا يدفع من عذاب الله شيئًا، وهو اختيار الفراء (٢). والحق على هذا القول معناه العذاب.
ثم أمره بالإعراض عنهم:
٢٩ - قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ قال ابن عباس: يريد القرآن (٣)، وهذا مما نسخته آية القتال (٤).
ثم صغر رأيهم وأزرى بهم.
٣٠ - فقال: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي لم يبلغوا من العلم إلا ظنهم أن الملائكة بنات الله وأنها تشفع لهم فاعتمدوا ذلك وأعرضوا عن القرآن. هذا معنى قول مقاتل (٥).
стр. 11441
وقال أبو إسحاق: أي إنما يعملون ما يحتاجون إليه في معايشهم، وقد نبذوا أمر الآخرة وراء ظهورهم (١)، وهذا معنى قول الكلبي، وذكر الفراء القولين (٢).
ثم عزّى نبيه ﷺ ، قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي أنه عالم بهم فهو يجازيهم بما يستحقون ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾، قال ابن عباس: يريد قبل أن يخلق الخلائق (٣). والمعنى أنه أعلم بالفريقين لأنه علمهما قبل خلقهما فلا يذهب عليه جزاؤهما.
ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال صاحب النظم: هذا فصل معترض.
قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ متعلق بمعنى الآية وهو قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية. والمعنى أنه أعلم بهم فإذا كان أعلم بهم جازى كلاًّ بما يستحقه.
واللام في قوله: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ لام العاقبة (٤)، وهو أن علمه بالفريقين أدى إلى جزائهم باستحقاقهم.
٣١ - وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إخبار عن قدرته وسعة ملكه؛ وهذا فيما يؤكد الجزاء, لأنه إنما يقدر على مجازاة المحسن والمسيء إذا كان كثير الملك واسع المقدرة، ثم أن هذه المعاني، وهي
стр. 11442
علمه وقدرته وسعة ملكه إلى جزاء المطيع بطاعته والمسيء بإساءته، فذلك قلنا إن اللام في ﴿لِيَجْزِيَ﴾ لام العاقبة، هذا معنى ما ذكره صاحب النظم (١).
قال ابن عباس، ومقاتل: ليجزي في الآخرة ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ قالوا لا إله إلا الله (بِالْحُسْنَى) بالجنة (٢). ثم نعت المحسنين.
٣٢ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ وقد تقدم الكلام في تفسير الكبائر في سورة النساء (٣).
قال مقاتل: كبائر الإثم، يعني: كل ذنب ختم بالنار، والفواحش يعني: كل ذنب فيه الحد (٤).
стр. 11443
وقرأ حمزة والكسائي: (كبير الإثم) (١).
وفعيل قد جاء يعني به الكثرة كما أن فعولا كذلك في قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢]، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢].
ومن فعيل الذي أريدَ به الكثرة قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١]، وقوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، وقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، وقول الشاعر (٢):
وَمَا ضَرَّنَا أَنَّا قَلِيلٌ ...... البيت (٣)
فمن حيث كان لفظ الإفراد والمراد به الكثرة في هذا الموضع كذلك أفرد فعيل في قوله: (كبير الإثم) وإن كان المراد به الكبائر.
ويحسن الإفراد من وجه آخر، وهو أن المصدر المضاف فعيل إليه واحد في معنى الكثرة، ألا ترى أنه (٤) ليس يراد به إثم بعينه، إنما يراد به
стр. 11444
الآثام، فكذلك يكون المراد بالمضاف الكثرة، وإذا كان كذلك فالإفراد فيه يفيد ما يفيد الجمع.
فإن قيل: فهلا أُفْردا في النساء كما أفردا في هذه السورة؟ قيل: إذا أتيا به على قياس ما جاء في التنزيل في غير هذا الموضع لم يكن لقائل مقال، ألا ترى أنه قد جاء ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢] وقال: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُو﴾ [الكهف: ٥٠]، فأفرد، وجمع في قوله: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾ [فصلت: ١٩]، و ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾ [الممتحنة: ٢] فلم صنع من إفراد ذلك جمعه في المواضع التي جمع فيها (١)، كذلك الإفراد هاهنا لا يمنع الجمع في سورة النساء، وأما من جمع فقال: ﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ فلأنه في المعنى جمعٌ، والإثم يراد به الكثرة إلا أنه أفرد كما تفرد المصادر وغيرها من الأسماء التي يراد بها الكثرة والأجناس (٢).
قوله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ اختلفوا فيه على قولين:
أحدهما: أن اللمم صغار الذنوب، مثل النظرة والغمزة والقبلة.
قال عطاء، عن ابن عباس: إلا ما كان دون الزنا (٣). وقال الكلبي عنه: اللمم النظرة عن غير تعمد، فإن أعاد النظر فليس بلمم وهو ذنب (٤).
стр. 11445
وعن نافع بن جبير بن مطعم: هو ما دون الوقاع، وهذا قول ابن مسعود، وأبي هريرة، ومسروق، والشعبي، وطاووس، قالوا: ما دون الزنا (١).
واحتجوا بما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدركه ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان المنطق، وزنا الشفتين التقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" (٢).
فإن تقدم فرجه كان زانٍ وإلا فهو اللمم.
وقال ابن الزبير، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، ومقاتل: هو ما بين الحدين، حد الدنيا، وعذاب الآخرة، وكل ذنب ليس فيه حد في الدنيا ولم يتوعد عليه بعذاب في الآخرة فهو اللمم، وهي رواية العوفي، والحكم عن ابن عباس، وهؤلاء قالوا: اللمم تكفره الصلوات وهو مغفور لمن اجتنب الكبائر (٣).
القول الثاني في اللمم: أنه الذنب يلم به الرجل ثم يتوب، روى عمرو بن دينار عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ قال: يلم
стр. 11446
بالذنب مرة ثم يتوب منه ولا يعود (١). قال: وكان النبي ﷺ يقول:
"إنْ تَغْفِر اللَّهمَّ تَغْفِرْ جَمَّا ... وأَيُّ عَبْدٍ لك لا أَلَمَّا" (٢)
وقال الحسن: هو الرجل يلم المرة ثم ينزع (٣).
وروى السدي عن أبي صالح، قال: سألني رجل عن اللمم، فقلت: هو الرجل يلم بالذنب ثم (٤) لا يعاود، قال: فحدثت بذلك ابن عباس قال: لقد أعانك عليها ملك كريم (٥)، وهذا قول مجاهد والسدي (٦).
ومعنى اللمم على هذا القول ما تيب منه وإن عظم وكبر، وأصل معنى
стр. 11447
القولين في اللغة واحد.
وقال المبرد: يقال: أَلَمَّ فلان بكذا إذا قاربه ولم يخالطه (١)، وأَلَمَّ به إذا لم يمعن فيه ولكن نال منه حظًا، وهما من أجل واحدة لأنه يقال ذلك لمن لم يستحوذ على الشيء.
فعلى ما ذكر اللمم ما قارب به من الكبيرة كالنظر والقبلة واللمس، واللمم ما ألم به مرة من زنا وشرب خمر، ثم لم يمعن فيه وتاب منه والعرب تقول: ألممت بفلان إلمامًا، وما يزورنا إلا لمامًا.
قال جرير:
بنفسي من تجنبه عزيزٌ ... عليَّ ومن زيارته لمام (٢)
قال أبو عبيدة: معناه الأحيان على غير مواظبة ولا وقت معلوم، قال الأزهري: والعرب تستعمل الإلمام في المقاربة والدنو، يقال: ألَمَّ بفعل كذا، في معنى كاد يفعل، قال أبو زيد: كان ذلك منذ شهرين أو لمامهما، ومنذ شهر أو لممه، أي قراب شهر، ومنه قوله ﷺ : "وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يُلِمَّ" (٣) قال أبو عبيدة: معناه أو يقرب إليه.
стр. 11448
وقال أبو زيد: في أرض بني فلان من الشجر المُلِمّ كذا وكذا، وهو الذي قارب أن يَحْمل.
وقال المبرد: فلان ميت أو ملم، أي قد قارب الموت، ونخل مُلِمُّ قد قارب الإطعام وأنشد:
وزَيْدٌ مَيّتٌ كَمَدَ الحُبَارَى ... إِذَا بَانَتْ لَطِيفَةُ أَو مُلِمُّ (١)
قال: يعني أو مدانٍ للموت، واللمة من الشعر التي ألمت أن تبلغ أذن، أي قاربت (٢).
وقوله: أَلْمِم، معناه اجعل لنا من زيارتك أدنى حظ، ومنه قول الشاعر:
أَلْمِمْ بِسَلُّومَةَ أَلْمِمْ ألْمِمِ ... خَلونَهَا مِن الخَليلِ والحَمِي (٣)
وأمَّا الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ على القولين جميعًا استثناء خارج.
قال أبو عبيدة: لم يؤذن لهم في اللمم وليس اللمم من الفواحش ولا من كبائر الإثم، وقد يستثنى الشيء من الشيء وليس منه، والتقدير: إلا أن يلم ملم بشيء من الفواحش (٤)، فهذا على القول الأول.
وقال المبرد: لم يبحهم اللمم، ومعناه استثناء ليس من الأول،
стр. 11449
وتفسيره: لكن إن ألموا تابوا كما قال: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ١٩ - ٢٠]. فابتغاء وجه ربه من نعمة لأحد.
والمعنى، ولكنه يبتغي، قال: وقال ابن أحمر-وأراد أن يخدع من يخاطبه- فقال:
قد قلتُ في بعضِ مَا أَقولُ لَهَا ... قَولةَ نَزْرِ الكَلامِ مُحْتَشِمِ
قَد حَرَّمَ اللهُ كلَّ فَاحشةٍ ... ورَخَّصَ اللهُ منكِ في اللَّمَمِ
قال: وإنما قال ذلك بخلاعته لا لأنه لم يعرف أن اللمم لم يرخص فيه، الدليل على ذلك أنه قال:
فأنكرت ذاك وهي صالحةٌ ... مِنْ نِسوةٍ لا يَجُدْنَ بالتُّهَمِ
انتهى كلامه (١).
وقال قوم: اللَّمَمُ على القول الثاني من جنس الفواحش والاستثناء وقع من الجنس، ومعنى الآية: إلا أن يلم بالفاحشة ثم يتوب، ويقع الوقعة ثم ينتهي، واسم اللممِ يدل على التوبة والانتهاء, لأنه إنما يسمى لمما إذا لم يمعن فيه، والصحيح هو الأول؛ لأن هذا يؤدي إلى إباحة اللمم (٢). وذكر في الآية قولان آخران:
стр. 11450
أحدهما: أن اللمم ما سلف في الجاهلية من الذنوب، وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين، إنما كنتم بالأمس تعملون معنا ما نعمل، فأنزل اقه هذه الآية، وهو (١) قول زيد بن ثابت، وزيد بن أسلم، ورواية عن علي ابن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ إلا ما قد سلف في الجاهلية (٢)، واللمم على هذا القول ما ألموا به من الذنوب والفواحش في الجاهلية.
القول الثاني: هو قول عبد الله بن عمرو قال: اللمم ما دون الشرك (٣)، وعلى هذا القول: الكبائر والفواحش موجبات الشرك.
والناس على القولين الأولين، واختار أبو إسحاق الثاني منهما، قال: اللمم هو أن يكون الإنسان قد ألم بالمعصية ولم يصر ولم يُقم على ذلك، والإلمام في اللغة يوجب أنك تأتي الشيء في الوقت ولا تقيم عليه. فهذا معنى اللمم في هذا الموضع (٤) يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ قال ابن عباس: لمن فعل ذلك وتاب (٥)، وتم الكلام هاهنا (٦).
ثم قال قوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: