← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 11376–11415 · переход к 11381.

стр. 11376

مَنْ رأيْتَ المَنُونَ عَدّيْنَ أم من ... ذا عَلَيْه من أن يُضَامَ خَفِيرُ (١) عدين: أي تركن وجاوزن. قال: والعرب تقول: لا أكلمك آخر المنون. أي: آخر الدهر (٢) وكلا القولين في المنون ذكره المفسرون. قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد حدثان الموت (٣). وقال الكلبي عنه: أوجاع الموت (٤). وقال مقاتل: يعني الموت. وهو قول مقاتل (٥). وقال مجاهد: حوادث الدهر (٦). والمعنى: ما يصيبه من الدهر أو من الموت. ومعنى التربص بالشيء: انتظار الدوائر به. وأنشد ابن عباس:

стр. 11377

تَربَّصْ بها رَيْبَ المَنُونِ لعلّها ... تُطَلَّقُ يومًا أو يَمُوتُ حَلِيلهُا (١) قال المفسرون: قال المشركون: ننتظر بمحمد الموت وحوادث الدهر فيهلك كما هلك من قبله من الشعراء زهير والنابغة، وأن أباه توفي شابًّا ونحن نرجو أن يموت كما مات أبوه شابًّا (٢). وقال الأخفش: يريد نتربص به إلى ريب المنون، فحذف الجر كما تقول: قصدت زيدًا وقصدت إلى زيد، وعمدت زيدًا وعمدت إلى زيد (٣) وأصله من المنِّ، قال الله تعالى: ٣١ - ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ قال الكلبي: انتظروا بي الموت ﴿فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ بكم من المنتظرين عذابكم، فعذبوا يوم بدر بالسيف، وهو قول جماعة المفسرين (٤). قال أبو إسحاق: وجاء في التفسير أن هؤلاء الذين قالوا هذا هلكوا كلهم قبل وفاة رسول الله ﷺ (٥). ٣٢ - قوله تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد التكذيب (٦). يعني أن الله تعالى أشار بقوله: ﴿بِهَذَا﴾ إلى ما ذكر

стр. 11378

عنهم مما يدل على تكذيبهم. يقول: أم تأمرهم أحلامهم بترك القبول ممن يدعوهم إلى التوحيد، ويأتيهم على ذلك بالدلائل، وهم يعبدون أحجارًا. قال الفراء: الأحلام في هذا الموضع العقول والألباب (١). وكانت عظماء قريش توصف بالأحلام والنهى، وبأنهم أولوا العقول فقال الله تعالى -منكرًا عليهم-: أتأمرهم أحلامهم بهذا. وهذا تهكم وإزراء (٢) بأحلامهم، وأنها لم تثمر لهم معرفة الحق من الباطل (٣)، وفيه رد على من يوجب شيئًا بالعقل، وأن الهدى يكتسب بالعقل. وقوله: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ أي: أم يكفرون طغيانًا، وقد ظهر لهم الحق. وأول الآية إنكار عليهم، وآخرها إيجاب. وهو قوله: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد حملهم الطغيان على تكذيبك (٤). ومثل هذه الآية في النظم قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ قال عطاء: افتعله (٥). وقال الكلبي: تكذّبه من تلقاء نفسه (٦). وقال مقاتل: اختلق محمد القرآن من تلقاء نفسه (٧). والتقوّل: تكلف القول، ولا يستعمل إلا في الكذب, لأنه تكلف القول من غير حقيقة بمعنى يرجع إلى أجل (٨).

стр. 11379

قوله تعالى: ﴿بَلْ﴾ أي ليس الأمر على ما زعموا ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بالقرآن استكبارًا. ثم ألزمهم الحجة على أنهم كذبوا فيما قالوا بقوله: ٣٣ - ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ أي: إذ قالوا إن محمدًا تقوّله، فقد زعموا أنه من قول البشر فليقولوا مثله. قال ابن عباس، ومقاتل: بقرآن من تلقاء أنفسهم مثل هذا القرآن كما جاء به ﴿إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ أن محمدًا تقوّله (١). وهذا في دليل على الإعجاز؛ لأن الله تعالى تحداهم بالقرآن فما رام أحد منهم أن يعارضه بشيء واللسان لسانهم. ٣٥ - ثم احتج عليهم بابتداء الخلق: قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد من غير نطفة ولا طين (٢). وقال الكلبي: من غير أب (٣). وقال مقاتل: أكانوا خلقًا من غير شيء هكذا (٤). والمعنى: أوجدوا كما هم عليه من كمال الخلقة، وخلقوا من غير أن

стр. 11380

كان لهم ابتداء من التراب، ثم من الأب ثم من النطفة والعلقة. وهذا استفهام إنكاري، أي أنهم خلقوا أطوارًا، وذلك يدل على قادر رددهم وصرّفهم في أحوالهم، ولم يوجدوا ابتداء كما يخلق الجماد ابتداءً من غير تقدم سبب من أب وأم، فلا تقوم عليه الحجة، وهؤلاء خلقوا من أشياء ليستدلوا بذلك فتقوم عليهم الحجة. هذا معنى قول المفسرين (١). وأهل المعاني جعلوا ﴿مِنْ﴾ بمعنى اللام. قال أبو إسحاق: أم خلقوا لغير شيء. أي أخلقوا باطلاً لا يحاسبون ولا يؤمرون؟! (٢) ونحو هذا قال ابن كيسان: أم خلقوا عبثًا وتركوا سُدى لا يؤمرون ولا ينهون (٣). ويدل على هذا المعنى قوله: ﴿أمْ هُمُ الخالِقون﴾ هو أي: أهم الخالقون أنفسهم فلا يأتمرون لأمر الله، ولا ينتهون عما نهى الله عنه؛ لأن هذا من صفة الخالق لا من صفة المخلوق. والمخلوق يجب عليه ائتمار خالقه. ٣٦ - قوله تعالى: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ فيكونوا هم الخالقين ﴿بَلْ﴾ ليس الأمر على هذا. لم يخلقوا شيئًا ثم ﴿لَا يُوقِنُونَ﴾ قال ابن عباس: بربوبيتي ودوام ملكي (٤). وقال مقاتل: بتوحيد الخالق (٥). وقال أهل المعاني: لا يوقنون بالحق (٦).

стр. 11381

٣٧ - قوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ قال مقاتل: يقول أبأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة فيضعونها حيث شاءوا (١). ونحو هذا قال عكرمة: يعني النبوة (٢). وهذا كقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢]، وقال الكلبي: خزائن المطر والرزق (٣). وقال أهل المعاني: هذا عام في جميع مقدورات الله تعالى، وضرب لها المثل بالخزائن, لأن الخزانة بيت مهيأ لجَمْع (٤) أنواع مختلفة، ومقدوراته كالخزائن التي فيها من كل أجناس المعاني لا نهاية له (٥) يخرج ما شاء بإيجاده إياه. يقول: أعندهم خزائن ربك فقد أمنوا أن يجري الأمور على خلاف ما يحبون. ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي: الأرباب المسلطون، ومصدره التسطير (٦)، ويقال: تسيطرت عليّ، أي: اتخذتني خولا، وعلى هذا قول الليث وأبي عبيدة (٧). وقال المبرد: المسيطر المتغلب على الشيء، يقال: تسيطرت علينا أي تكلفت أن تقصرنا على ما تحب (٨).

стр. 11382

قال أبو علي: وقد جاء على هذا البناء مُبَيْطِر ومُهَيمن ومبيقر (١). والصاد جائز في (المصيطر) (٢). ذكرنا ذلك في الصراط (٣). وقال المفسرون في تفسير هذا الحرف: المسلطون الجبارون الأرباب القاهرون. كل هذا ألفاظهم. قال عطاء عن ابن عباس: المسلطون على عبادي (٤). وقال مقاتل: أم هم المسلطون على الناس فيجبرونهم على ما شاءوا ويمنعونهم ما شاءوا (٥). قال الكلبي: أم هم المسلطون على تلك الخزائن ينزلون منها على

стр. 11383

الخلق (١)، هذا كلامهم، والمعنى: أم هم الأرباب فلا يكونوا تحت أمر ونهي يفعلون ما شاءوا. ٣٨ - قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ قال أبو عبيدة: السلم السبب والمَرْقَى (٢). وقد مرَّ تفسير السُّلّم (٣). وقوله: ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ قال أبو عبيدة: معنى ﴿فِيهِ﴾ به وعليه (٤). وقال المبرد: (فيه) هاهنا بمنزلة (عليه) في الفائدة. والأصل مختلف، فإذا قلت: عليه، فمعناه العلو والارتفاع، وإذا قلت: فيه، فمعناه أنه مكان حواه (٥). وهذا كقوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] وقد مر. ومعنى الآية: ألهم سلم إلى السماء يستمعون عليه الوحي فقد وثقوا بما هم عليه وردوا ما سواه. قال المفسرون: يقول: ألهم سبب إلى السماء يرتقون عليه فيستمعون الوحي فيدعون أنهم سمعوا من الله ما هم عليه وأنه حق ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إن دعوا ذلك ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ بحجة واضحة. وقال أبو إسحاق: المعنى ألهم كجبريل الذي يأتي النبي ﷺ بالوحي ويبين عن الله .

стр. 11384

٣٩ - ثم سفه أحلامهم في جعلهم البنات لله فقال: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ (١)، وهذا كقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ [الصافات: ١٤٩] وقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ [الزخرف: ١٦] الآية. ومعنى الآية الإنكار عليهم، أي: أنتم جاعلون له ما تكرهون وأنتم حكماء عند أنفسكم ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾ على ما جئتم به من الدين والشريعة ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ﴾ أي غرم ﴿مُثْقَلُونَ﴾ قال مقاتل: أثقلهم الغرم فلا يستطيعون الإيمان من أجل الغرم (٢). وكل هذا إنما ذكر قطعًا لحجتهم وبيانًا أن الحجة عليهم من كل وجه. ٤١ - قوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد هل نزل عليهم وحي من السماء فهم يكتبون (٣)؟ قال: يريد كتبوه وعلموه, وهذا مجمل، وقد فسره مقاتل فقال: أعندهم علم الغيب بأن الله لا يبعثهم، وأن ما يقول محمد ﷺ غير كائن، ومعهم بذلك كتاب فهم يكتبون (٤). وهذا وهم؛ لأنهم لو علموا الغيب لم (٥) يوجب ذلك إنكار البعث وأمر محمد ﷺ ، ولكن المعنى ما قال قتادة: أن هذا جواب لقولهم: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ يقول الله تعالى: أعندهم الغيب حتى علموا أن

стр. 11385

محمدًا يموت قبلهم (١). وعلى هذا قوله: ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ يجوز أن يكون معناه: يكتبون ذلك الذي عندهم من علم الغيب. وقال ابن قتيبة (٢): معناه: يحكمون. والكتاب بمعنى الحكم قد ورد في كثير من المواضع كقوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] أي قضى وأوجب. وكقوله: "سأقضي بينكم بكتاب الله" (٣) أي بحكمه. ٤٢ - قوله تعالى: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ يعني: أيريدون أن يكيدوك ويمكروا بك مكراً يغتالونك به ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ أي: المجزيون بكيدهم في الدنيا والآخرة. يريد أن ضرر ذلك يعود عليهم ويحيق بهم مكرهم. وقال الكلبي ومقاتل: يعني بكيدهم ما اجتمعوا ليكيدوا به في دار الندوة، فجزاهم الله بكيدهم أن قتلهم ببدر، فذلك قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ (٤). ٤٣ - ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ هذا إنكار عليهم ما اتخذوه من الآلهة دون الله. يقول: ألهم إله دون الله، يعني: إلهًا يخلق ويرزق ويحيي ويميت.

стр. 11386

وهذا معنى قور مقاتل: ألهم إله يمنعهم من مكرنا بهم (١). يعني: إن الذين اتخذوهم آلهة ليست بآلهة تدفع وتضر وتنفع. ثم نزه نفسه بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: عمن يجعلونه شريكًا لله. ٤٤ - ثم ذكر عنادهم وقساوة قلوبهم فقال: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ قال مقاتل: يعني: جانبًا من السماء يسقط عليهم لعذابهم لقالوا من تكذيبهم: هذا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ بعضه على بعض (٢). والمعنى: إن عذبناهم بسقوط بعض من السماء عليهم لم ينتهوا عن كفرهم، وقالوا هو قطعة من السحاب، وهذا معنى قول ابن عباس (٣). قال أبو إسحاق: أعلم الله هؤلاء لا يعتبرون ولا يوقنون ولا يؤمنون بأبهر ما يكون من الآيات (٤). ٤٥ - ثم أخبر (٥) نبيه عن إيمانهم فقال: قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ يقول: فخل عنهم، يعني لا تهتم بهم حتى يعاينوا يوم موتهم. وهذا تهديد لهم. ومعنى (يصعقون): يموتون، من قوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨] وقُرئ ﴿يُصْعَقُونَ﴾ بضم الياء (٦).

стр. 11387

قال الفراء: يقال صُعِقَ الرجُلُ وصَعِقَ مثل سُعِد وسَعِد. لغات كلها صواب (١). وحكى الأخفش أيضًا صُعق. وعلى هذا يجوز مصعوق. وقال أبو علي: ﴿يُصْعَقُونَ﴾ بضم الياء منقول من صَعِقُوا هم، وأصعقهم الله فيصعقون من باب يُكرمون (٢). ومنه قول ابن مقبل: ....... أصْعَقَتْهَا صَوَاهِلُه (٣) ٤٧ - ثم أعلم الله أنه يعجل لهم العذاب في الدنيا فقال: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يعني كفار مكة ﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ قالوا: يعني القتل ببدر (٤). وقال مجاهد: يعني الجوع والقحط الذي أصابهم (٥). ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون ما يصيرون إليه، وما هو نازل بهم. ثم أمر نبيه ﷺ بالصبر. ٤٨ - قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي إلى أن يقع بهم

стр. 11388

العذاب الذي حكمنا عليهم، فإنا نرى ما تقاسي منهم. وهو قوله: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ قال ابن عباس: يريد أرى وأسمع ما يعمل بك (١). وقال أبو إسحاق: أي إنك بحيث نراك ونحفظك ونرعاك، فلا يصلون إلى مكروهك (٢). وفي هذا تسلية للنبي ﷺ . قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أكثر المفسرين على أنه أمر أن يقول حين يقوم من مجلسه: سبحان الله وبحمده، وهو قول أبي الأحوص، وسعيد بن جبير، وعطاء (٣). قال ابن عباس: صلِّ لله حين تقوم من منامك، يعني: صلاة الصبح (٤). وقال الكلبي: سبِّح الله حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل في الصلاة (٥). وقال الضحاك: أمران يقول حين يقوم للصلاة: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلا (٦). ٤٩ - قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ قال ابن عباس: يريد فصل له كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ (٧) [الإسراء: ٧٩] وقال

стр. 11389

مقاتل: يقول فصلِّ المغرب والعشاء (١). وقوله: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ يعني الركعتين قبل صلاة الفجر في قول الجميع (٢). وذلك حين تدبر النجوم. أي تولي فلا تظهر لضوء الصبح. والكلام في هذا ذكرناه في قوله: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾، وذكر عن الضحاك، وابن زيد أن المراد به صلاة الفجر الفريضة (٣).

стр. 11390

الممكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عمادة البحث العلمي سلسلة الرسائل الجامعية -١١٤ - التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) من سورة النجم إلى سورة الطلاق تحقيق د. فاضل بن صالح بن عبد الله الشهري أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي الجزء الحادي والعشرون

стр. 11391

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) [٢١]

стр. 11392

جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الواحدي، علي بن أحمد التفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ)./ فاضل بن صالح بن عبد الله الشهري, الرياض ١٤٣٠ هـ. ٢٥ مج. (سلسلة الرسائل الجامعية) ردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ٩ - ٨٧٨ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٢١) ١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي, علي بن أحمد أ- لعنوان ... ب- السلسلة ديوي٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠ رقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ ردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ٩ - ٨٧٨ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٢١)

стр. 11393

الممكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عمادة البحث العلمي سلسلة الرسائل الجامعية -١١٤ - التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) من سورة النجم إلى سورة الطلاق تحقيق د. فاضل بن صالح بن عبد الله الشهري أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي الجزء الحادي والعشرون

стр. 11394

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 11395

سورة النَّجم

стр. 11396

تفسير سورة النجم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ اختلفت الروايات عن ابن عباس في تفسير هذه الآية، فقال في رواية الكلبي: أقسم بالقرآن إذا نزل نجوما على رسول الله ﷺ أربع آيات وثلاث آيات، والسورة، وكان بين أوله وآخره عشرون سنة. ونحو هذا روي عن عطاء (١)، وهو قول مقاتل، والضحاك، ومجاهد في رواية الأعمش عنه، واختيار الفراء (٢). وعلى هذا القول سُمي القرآن نجمًا لتفريقه في النزول، والعرب تسمي التفريق تنجيمًا، والمفرق نجومًا ومنه نجوم الدين ونجوم الكتابة،

стр. 11397

وتقول: جعلت مالي على فلان نجومًا منجمة يؤدي كل نجم في شهر كذا. وأصل هذا أن العرب كانت تجعل مطالع منازل القمر ومساقطها مواقيتًا لحلول ديونها، فيقول إذا طلع النجم وهو الثريا: حل عليك مالي، وكذلك سائرها، ومن هذا قول زهير في ديات جعلت نجومًا على العاقلة (١): يُنَجِّمُهَا قَوْمٌ لِقَوْمٍ غَرَامَةً ... ولَمْ يُهريقُوا بَيْنَهُمْ مِلءَ محْجَم (٢) هذا الذي ذكرنا هو الأصل ثم جعل كل تنجيم تفريقًا وإن لم يكن مؤقتًا بطلوع نجم. ويدل على صحة هذا التأويل الذي ذكرنا في الآية قوله : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]. قال عبد الله: يعني القرآن. فلما ذكر القسم به هاهنا ذكر أيضًا هناك. وقوله: (هَوَى) معناه على هذا القول: نزل. قال الأصمعي: هَوَى يَهْويِ هَوِيًّا إذا سقط من علو إلى أسفل، وقال أبو زيد: هَوت العقاب تَهْوي هَويًّا بالفتح إذا انقضّت على صيد أو غيره. فهذان ذكرا المصدر بفتح الهاء، ونحو ذلك قال ابن الأعرابي، وفرق بين الهَويّ والهُوي، فقال: بالفتح في السريع إلى أسفل والضم في السريع إلى فوق، وأنشد: والَّدلْوُ في إِصْعادِها عَجْلىَ الهُويّ (٣)

стр. 11398

بالضم. وقال الليث: العامة تقول: الهُوِيُّ في مصدر هَوَى يَهوْيِ هُويًّا. وأما الهَويُ فالحين من الزمان، يقال: جلست عنده هَويًّا. هذا كلام أهل اللغة (١). وبان أن معنى (هَوَى) سقط كسقوط النجم في مغاربه من الأفق، ولما سمي القرآن نجمًا سمي نزوله هويًا ليتجانس اللفظ. وقال في رواية علي بن أبي طلحة، وعطية: يعني والثريا إذا سقطت وغابت وهو قول مجاهد في رواية ابنه، ومنصور، وابن أبي نجيح عنه (٢). والعرب تطلق اسم النجم على الثريا خاصة. قال ساجعهم (٣): طَلَعَ النجْمُ غُدَيَّه ... ابتَغَى الرَّاعي شُكَيَّه (٤)

стр. 11399

وقال أيضًا: طَلَعَ النجْمُ عشيا ... ابتَغَى الراعي شُكَيَّا يعني الثريا. ومنه قول الراعي يصف قدرًا كثيرة الدسم: فَبَاتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ في مُسْتَحِيرَةٍ ... سَرِيعٍ بأَيْدِي الآكِلِينَ جُمُوُدُهَا (١) يريد: تعد أنجم الثريا. قال ابن دريد: وهي سبعة أنجم ستة منها ظاهرة، وواحد منها خفي، يمتحن الناس به أبصارهم (٢). وقوله: فباتت تعد النجم، يدل على أن هذا كان في وسط الشتاء حين تحلق الثريا في وسط السماء، وذلك في ليالي الشتاء؛ لأنها لو كانت في أفق لم يكن عدها في القِدْر. وقال في رواية عكرمة: يعني الرجوم من النجوم، وهي ما يرمى به الشياطين عند استراق السمع (٣). وهذا القول ظاهر ونحن نشاهد هوي النجم إذا رمى به. وهذا قول الحسن (٤). وقال أبو حمزة الثمالي: يعني النجوم إذا

стр. 11400

انتثرت يوم القيامة (١). هذا الذي ذكرنا أقوال المفسرين. وقال أبو عبيدة: النجم بمعنى النجوم. أقسم بالنجم إذا سقط في المغرب، كأنه يخصص الثريا دون غيرها، واحتج ببيت الراعي، وجعل النجم فيه نجوم السماء عامة (٢) . وعلى هذا أقسم بالنجم ليدل على ما فيها من العبرة بتصريف من يملك طلوعها وغيوبها, ولا يملكه إلا الله وحده. وقال الأخفش: النجم هاهنا معناه: النبت الذي ليس له ساق، وهوى سقط على الأرض (٣) ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦] وسنذكر الكلام في النجم بمعنى النبت إذا انتهينا إلى هذه الآية إن شاء الله. ثم ذكر جواب القسم فقال: ٢ - قوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ يعني النبي ﷺ يقول: ما ضل عن طريق الهدى وما غوى. قال مقاتل: يعني ما تكلم بالباطل (٤). ٣ - ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ أي وما ينطق محمد بالقرآن من هوى نفسه. قال الكلبي: قالت قريش: إن محمدًا ﷺ يقول القرآن من تلقاء نفسه،

стр. 11401

فنزلت هذه الآيات (١). قال أبو إسحاق: أي ما الذي يأتيكم به مما قاله بهواه. ٤ - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ إنْ بمعنى ما (٢). قال الكلبي ومقاتل: ما القرآن إلا وحي من الله يأتي به جبريل، فذلك قوله: ٥ - ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ (٣) قال ابن عباس والمفسرون: يعني جبريل (٤) ﵇، والقوى جمع قوة ٦ - ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾. قال الكلبي: ذو شدة (٥)، وقال مقاتل: ذو قوة (٦). ومعنى المِرَّة في اللغة شدة الفتل وشدة أسر الخلق، ومنه الحديث: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّة سَوي" (٧). وأصل المرة من أمررت الحبل أي: شددت قتله، وكل قوة من قوى الحبل مرة، وجمعها مِرر (٨). وتم الكلام عند قوله: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ (٩) وهو من

стр. 11402

نعت ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ (١). ثم قال: ﴿فَاسْتَوَى﴾ قال صاحب النظم: ﴿فَاسْتَوَى﴾ لا يحسن انتظامه بما قبله؛ لأن دخول الفاء لو كان متصلاً بما قبله لوجب أن يكون ما قبله للاستواء، وهو متصل بما بعده على تأويل ﴿فَاسْتَوَى﴾ أي جبريل ﴿وَهُوَ﴾ أي النبي ﷺ ، وعلى هذا عطف بقوله ﴿وَهُوَ﴾ على الضمير المرفوع في ﴿اسْتَوَى﴾ من غير تأكيد. قال الفراء: وأكثر كلام العرب إذا نسقوا على المكنى المرفوع أن يؤكدوه (٢) قبل أن ينسقوا عليه فيقولون: استوى هو وأبوه ولا يكادون يقولون: استوى وأبوه، وربما فعلوا ذلك كقول الشاعر: ألم تر أن النبع يصلب عوده ... ولا يستوى والخروع المتقصف (٣) قال أبو إسحاق: وهذا عند أهل اللغة لا يجوز مثله إِلَّا في الشعر، وإنما المعنى: استوى جبريل وهو بالأفق الأعلى على (٤) صورته الحقيقية فاستوى لأنه كان يتمثل للنبي ﷺ إذا هبط عليه بالوحي في سورة رجل فأحب رسول الله ﷺ أن يراه على حقيقته فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق، فالمعنى: فاستوى جبريل في الأفق الأعلى على صورته (٥).

стр. 11403

وشرح أبو علي الفارسي هذا الفصل فقال: قوله: ٧ - ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ مرتفع ﴿هُوَ﴾ فيه بالابتداء وليس هو وهو، وكان قوله: ﴿بِالْأُفُقِ﴾ ظرفًا لـ (استوى)، وليس كذلك، ولكنه من استوى الذي هو يقتصر فيه على فاعل واحد، كقوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤] ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فقوله: ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ تأويلنا في موضع رفع بأنه خبر المبتدأ، وفيه ضمير للمبتدأ، وقد تبينت أنه لا دلالة لمن احتج بهذه الآية على جواز عطف الظاهر المرفوع على المضمر المرفوع من غير أن يؤكد، ولكن يجيء في الشعر كقوله: قُلْتُ إذْ أَقْبَلَتْ وزُهْرٌ تَهادَى ... كَنِعاجِ اْلْمَلا تَعَسَّفنَ رَمْلا (١) انتهى كلامه (٢). وعلى ما قالا: الواو في ﴿وَهُوَ﴾ واو الحال لا العطف، والضمير لجبريل. وقول الفراء كما هو خطأ في العربية، ولم يقله أيضًا أحد من المفسرين الذين يعتمدون فيما أعلم، إنما جعلوا ﴿هُوَ﴾ ضميرًا لجبريل. قال عطاء عن ابن عباس: رأى رسول الله ﷺ جبريل وهو بالأفق الأعلى في صورته له ستمائة جناح، ونحو هذا ذكر الكلبي عنه (٣).

стр. 11404

وقال مقاتل ﴿وَهُوَ﴾ يعني جبريل ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ يعني من قبل المطلع (١). وقال الكلبي: يعني مطلع الشمس (٢)، وهذا قول الجميع في الأفق الأعلى. يعني: أفوق المشرق (٣). وذكرنا تفسير الأفق عند قوله: ﴿آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ (٤). قال المفسرون: إن جبريل كان يأتي رسول الله ﷺ في صورة الآدميين فسأله رسول الله ﷺ أن يريه نفسه على صورته التي جعل عليها فأراه نفسه مرتين. مرة في الأرض، ومرة في السماء، فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى، وذلك أن محمدًا (٥) ﷺ كان بحراء (٦) فطلع له جبريل من المشرق فسد الأفق إلى المغرب، فخر رسول الله ﷺ مغشيًّا عليه، فنزل جبريل في سورة الآدميين وضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه، ومثل هذا (٧) قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣]، وأما في

стр. 11405

السماء فعند سدرة المنتهى، ويأتي بيانه بعد ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾. هذا, ولم يره أحد من الأنبياء (١) على تلك الصورة إلا محمد ﷺ (٢). وقوله: ﴿الْأَعْلَى﴾ ليس المراد به الأعلى في السماء، وإنما المراد بالأعلى جانب المشرق، وهو فوق جانب المغرب، فهو أعلى منه في صعيد الأرض لا في الهواء. وقد يقال لما استعلى من البلاد آفاق تشبيهًا بآفاق السماء ومنه قول امرئ القيس: فقد طوفتُ بالآفاق حتى ... رضيتُ من الغنيمةِ بالإياب (٣). ويجوز أن يكون المراد بالأفق الأعلى طرف السماء، ويدل على صحة هذا التفسير الذي ذكرنا وهو أن جبريل كان بالأفق الأعلى دون محمد ﷺ . ٨ - ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ التدلي مطاوع التدلية (٤) يقال: دليت الشيء في مهواه فتدلى، فمعنى التدلي الامتداد إلى جهة السفل، يقال: تدلى العذق تدليًا. هذا هو الأصل، ثم يستعمل في القرب من العلو، وهذا قول الفراء (٥). وقال صاحب النظم: هذا من التقديم والتأخير؛ لأن المعنى: ثم تدلى فدنا, لأن التدلي سبب الدنو (٦).

стр. 11406

قال ابن الأعرابي: تدلى إذا قرب بعد علو، وتدلى تواضع، ويقال: تدلى فلان علينا من أرض كذا، أي: أتانا، يقال: من أين تدليت علينا. قال أسامة الهذلي (١): تَدَلَّى عَلَينا وهْوَ زُرْقٌ جِمَامُهُ ... له طِحْلِبٌ في مُنْتَهَى القَيْضِ هَامِدُ (٢) وقال لبيد: فَتَدَلَّيْتُ عليه قَافِلًا ... وعلى الأرضِ غَيَايَاتُ الطَّفَل (٣) أراد أنه نزل من مر بابه وهو على فرسه راكب. ولا يكون التدلي إلا من علو إلى أسفل (٤). قال الكلبي: ثم دنا جبريل من محمد فتقرب منه (٥). وقال الحسن، وقتادة: ثم دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض فنزل إلى محمد ﷺ (٦). وقال أبو صالح: جبريل الذي دنا فتدلى (٧).

стр. 11407

قال أبو إسحاق: معنى (دنا فتدلى) واحد, لأن المعنى أنه قرب، وتدلى زاد في القرب كما تقول: قد دنا مني فلان وقرب، ولو قلت: قرب مني ودنا جاز (١). قال أبو بكر بن الأنباري: معنى الآية: ثم تدلى جبريل فدنا من محمد ﷺ ، فقدم (دَنَا) على (تدلى) لأن الفعلين المصطحبين اللذين إذا وقع أحدهما موقع الآخر كان تقدم المتقدم كتأخره، كقولك: دنوت فقربت، وقربت فدنوت، لا فرق بينهما، وكذلك ظلمتني فأسأت، بمنزلة: أسأت فظلمتني، ومنه قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]. معناه انشق القمر واقتربت الساعة (٢). ٩ - ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ القاب من القوس ما بين المقبض والسية (٣). ولكل قوس قابان، والقاب في اللغة أيضًا القَدْر. قال أبو عبيدة: قدر قوسين، ونحو ذلك قال الفراء والزجاج (٤). وقال ابن السكيت: يقال: قاب قوس وقيب، وقال رمح، وقيد رمح. كله بمعنى القدر (٥). وهذا هو المعنى بما في الآية لا الأول وهو قول

стр. 11408

المفسرين جميعًا (١). قال الكسائي: وهي لغة حجازية، يقال: كان مني قاب قوسين، وقال قوشن، وقيد قوسين (٢)، وانتصب قاب على خبر كان. قال الزجاج: المعنى كان ما بينه وبين رسول الله ﷺ مقدار قوسين (٣). وقال الكلبي: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ قدر قوسين من القسط العربية، وهو قول مجاهد، ورواية عكرمة عن ابن عباس، وعطاء قالوا: قدر قوسين (٤). وقال الكلبي، والحسن، وقتادة: قيد قوسين (٥). والمراد بالقوس هي التي ترمى منها في قول هؤلاء وخصت بالذكر على عادتهم كما ذكره الكسائي (٦). وقال عبد الله: قدر ذراع أو ذراعين (٧). وروى عاصم عن أبي رزين قال: القاب: القيد، والقوس: الذراع. وهذا قول شقيق (٨) بن سلمة، وسعيد بن جبير، وأبي إسحاق الهمداني قالوا: قدر ذراعين (٩)، وعلى هذا معنى القوس: ما يقاس به الشيء، أي:

стр. 11409

يقدر كالذراع. قال ابن السكيت: قاس الشيء يَقُوسُه قوسًا لغة في قاسه إذا قدرته، يقال قِسْتُه وقُسْتُه (١). والقوس مصدر كالقيس، ثم سُمِّي ما يقاس به الشيء قوسًا، وهي لغة أهل الحجاز. وروى الشعبي عن مسروق قال: قلت لعائشة ﵂ في قوله (٢): ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ قال: ذاك جبريل (٣)، وهو قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، والربيع (٤). وقوله: (أَوْ أَدْنَى) أو أقرب بنصف القوس، وقال مقاتل: بل أقرب من ذلك (٥). قال أبو إسحاق: خاطب الله تعالى العباد على لغتهم ومقدار فهمهم، والمعنى: أو أدنى فيما تقدرون أنتم كما تقول في الشيء تقدره: هذا قدر رمحين، أو نقص، أو أرجح، والله تعالى عالم بمقادير الأشياء من غير

стр. 11410

شك، ولكنه يخاطبنا على ما جرت به عادة المخاطبة فيما بيننا (١)، وقد مر مثل هذا في قوله: ﴿إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (٢). ومعنى الآية أن جبريل مع عظمه وكثرة أجزائه حتى سد الأفق بجناحه دنا من النبي ﷺ في غير تلك الصورة حتى قرب منه بعدما رآه على الصورة الأولى، وفي ذلك بيان قدرة الله تعالى. ١٠، ١١ - قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء والكلبي: أوحى جبريل إلى النبي ﷺ ما أوحى الله إليه (٣). وقال قتادة: يوحي الله إلى جبريل ويوحي جبريل إلى محمد ﷺ ، هذا قول الحسن، وابن زيد (٤)، واختيار الفراء، والزجاج، وابن الأنباري (٥). قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ يقال: كذبني فلان بالتخفيف، أي: قال لي الكذب ولم يصدقني، وهذا فعل يتعدى إلى مفعول واحد، يدل

стр. 11411

عليه قول الأخطل: كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أم رَأيتَ بواسِطٍ ... غَلَسَ الظَّلامِ من الرَّبابِ خَيَالاَ (١) أي أرتك ما لا حقيقة له، كما أنك إذا قلت كذبتني عيني، معناه: رأت ما لا حقيقة له، ومعنى الآية: كانت رؤيته صحيحة غير كاذبة. قال المفسرون: هذا إخبار عن رؤية النبي ﷺ ربه ليلة المعراج. قال ابن عباس في رواية عطاء: رأى ربه بقلبه (٢). وقال في رواية باذان: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾ يعني فؤاد رسول الله ﷺ ، وإنما رأى محمد ربه بفؤاده ولم يره بعينه (٣). وقال في رواية عكرمة: رآه بقلبه (٤). وقال في رواية أبي العالية: رآه بفؤاده (٥)، ونحو هذا روي عن أبي ذر (٦)، وإبراهيم التيمي. وعلى هذا القول: رأى النبي ﷺ ربه بفؤادهِ رؤية

стр. 11412

صحيحة، وهو أن الله تعالى جعل بصره في فؤاده، أو خلق لفؤاده بصرًا حتى رأى به رؤية غير كاذبة كما يرى بالعين (١). ومذهب جماعة من المفسرين أنه رآه بعينه، وهو قول أنس (٢)، وعكرمة، والحسن، وكان يحلف بالله لقد رأى محمد ربه (٣)، ونحو ذلك قال الربيع (٤). وروى عكرمة أنه قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد ﷺ (٥). وروى عبد الله بن الحارث عن ابن عباس أنه قال: أما نحن بنو هاشم فنقول إن محمدًا رأى ربه مرتين (٦).

стр. 11413

وكل هؤلاء أثبتوا رؤية صحيحة إما بالعين والبصر، وإما بالفؤاد على ما بينا (١).

стр. 11414

قال المبرد: ومعنى الآية أنه رأى شيئًا فصدق فيه (١). وقال أبو الهيثم: أي لم يكذب الفؤاد رؤيته و (مَا رَأَى) بمعنى الرؤية. يقال: ما أوهمه الفؤاد أنه رأى ولم (٢) ير، بل صدقه الفؤاد رؤيته (٣)، وعلي هذا (مَا رَأَى) مصدر في موضمع النصب؛ لأنه مفعول كذب. وقرأ ابن عامر (مَا كَذَّبَ) بالتشديد (٤)، قال المبرد: ومعناه أنه رأى شيئًا بقلبه. قال: وفي هذه القراءة بعد؛ لأنه إذا رأى بقلبه فقد علمه أيضًا بقلبه، وإذا وقع العلم فلا تكذيب معه, لأن القلب يكذب ويصدق فإذا كان الشيء في القلب معلومًا فكيف يكون معه تكذيب، وهذا على ما قال المبرد إذا جعلت الرؤية للفؤاد، فإن جعلتها للعين زال هذا الإشكال وصح هذا المعنى، فيقال: ما كذب فؤاده ما رآه ببصره (٥).

стр. 11415

وأنكرت عائشة ﵂ رؤية محمد ﷺ ربه ليلة المعراج، وكانت تخالف ابن عباس في مذهبه وتذهب بهذه الرؤية إلى رؤية جبريل (١). وظاهر الآية مع ابن عباس، وقد قال معمر: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس (٢). ثم هذا الاختلاف من أدل دليل على أن البارئ جائز الرؤية؛ لأن ما لا تجوز رؤيته لا يختلف في رؤيته، وعائشة أنكرت الرؤية في الدنيا وقبل الموت، واحتجت بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (٣) [الأنعام: ١٠٣] الآية. ١٢ - قوله تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ قال الكلبي وغيره من المفسرين: لما نزل ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ الآيات، أتى عتبة بن أبي لهب رسول الله ﷺ فقال: يا محمد هو يكفر بالنجم إذا هوى وبالذي دنا فتدلى، فنزلت هذه الآية (٤).
следующие страницы →