← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 11516–11555 · переход к 11521.

стр. 11516

ووحد لأنه قابل الفواصل فصار كقوله ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ والواحد قد ينبى عن الجميع فيخبر به كقوله: وأما جلدها فصليب (١) وقد تقدم في مثل هذا بالاستشهادات. وهذا قول أبي عبيدة، والكسائي، والفراء، والزجاج (٢). وذكر قوم أن معنى (نهر) ضياء وسعة، قالوا: ومنه النهار لضيائه، وأنهرت الجرح وسعته، وهو قول الضحاك، وذكره الفراء وابن قتيبة (٣)، والقول هو الأول. ٥٥ - وقوله ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ في مجلس حسن. وقد ذكرنا قديمًا أن العرب إذا بالغت في مدح شيء أضافته إلى الصدق، كقوله تعالى ﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ [الشعراء: ٨٤] و ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ (٤) [يونس: ٢]. قال عطاء: يريد في جوار الرحمن (٥).

стр. 11517

قوله تعالى ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ أي عند مليك قادر لا يعجزه شيء و (عند) إشارة إلى الزلفة والكرامة. والمعنى في المكان الذي كرم لأوليائه.

стр. 11518

سورة الرحمن

стр. 11519

سورة الرحمن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١، ٢ - ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾: قال و (١) مقاتل: لما نزل قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١] قال كفار مكة: ما نعرف إلا مسيلمة، رحمان اليمامة، وهو قوله تعالى إخبارًا عنهم ﴿قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] فأنكروه، فأخبر الله عن نفسه، وذكر صنعه ليعرف فيوحد فقال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ (٢) قال صاحب النظم: قوله (علَّم) يقتضي مفعولين ولم يجيء هاهنا إلا واحد. وهذا كما يقال في الكلام: زيد أطعم الطعام، فقد يعلم أن الإطعام لا يقع إلا على من يأكل، فكذلك قوله ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ واقع على من يلقن التعليم (٣)، وهذا معنى قول الكلبي: علم القرآن محمدًا وعلمه محمد ﷺ أمته (٤). قال أبو إسحق: ومعنى ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ يسَّره لأن يُذكر (٥).

стр. 11520

ثم نسق على هذا خبرًا آخر مؤكدًا له من غير حرف عطف وهو قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد محمدًا ﷺ (١). ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ قال: يريد أفصح الكلام، يعني القرآن. والآيتان بهذا التفسير تأكيد لما قبلهما، وهذا قول ابن كيسان في الإنسان أنه محمد ﷺ إلا أنه قال في البيان أنه بيان ما كان وما يكون؛ لأنه ﷺ كان ينبئ عن الأولين والآخرين وعن يوم الدين (٢). وقال الكلبي وقتادة: الإنسان آدم ﵇ علمه أسماء كل شيء، وهذا قول مقاتل (٣). وقال آخرون: الإنسان اسم لجنس الناس جميعًا، ومعنى ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ النطق والتمييز، والكتابة والخط، والفهم والإفهام، حتى عرف ما يقول وما يقال له، وعلم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به، وجعله مميزًا حتى انفصل الإنسان من جميع الحيوان، وهذا قول أبي العالية، ومرة، وابن زيد (٤)، والحسن، والقرظي، والسدي، ويمان بن رباب. (٥) ٥ - وقوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ ذكرنا معنى الحسبان

стр. 11521

في قوله ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ (١)، قال جماعة المفسرين: يجريان بحساب ومنازل لا يعدوانها (٢)، والمعنى فيه أنهما يدلان على عدد المشهور والسنين وجميع الأوقات، قال أبو إسحق: وخبر الابتداء يدل عليه قوله ﴿بِحُسْبَانٍ﴾؛ لأن المعنى: يجريان بحساب (٣). وروى السدي عن أبي مالك في هذه الآية قال: لهما حساب وأجل أجل الناس، فإذا جاء أجلهما هلكا (٤)، وعلى هذا معنى الحساب حساب أيام جريهما إلى الإنقضاء، والقول هو الأول. (٥) ٦ - قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ قال عامة أهل اللغة والمفسرين: النجم: النبت على الأرض ليس له ساق، والشجر: ما كان على ساق، يبقى شتاء والنجم لا يبقى على الشتاء (٦).

стр. 11522

قال ابن الأعرابي: النجمة نبتة صغيرة وجمعها نَجْمٌ (١)، ويقال: نجم النبات إذا طلع، ونجم القرن، ونجم النجم، ونجم السن، كل ذلك بمعنى طلع، وأنشد أبو عبيدة للحارث بن ظالم (٢): أَخُصْيَيْ حِمارٍ ظَلَّ يَكْدِمُ نَجْمةً ... أَتُؤْكَلُ جاراتي وجارُك سالمُ (٣) قال الأزهري: وإنما قال ذلك لأن الحمار إذا أراد أن يقلع النجمة من الأرض وكدمها ارتدت خصياه إلى مؤخره. (٤) وأنشد الليث: مُوزَرٌ بعميم النَّجْم تنسجهُ ... ريحُ الخريف لضاحي مائه حُبُكُ (٥) ذكر المفسرون في تفسير النجم: هو ما أنجمت الأرض، يعنون أنبتت، ولم أر لأهل اللغة أنجم، بمعنى: أنبت. وقوله: ﴿يَسْجُدَانِ﴾ قال الفراء والكسائي: العرب إذا جمعت جمعين من غير الناس مثل السدر والنخل جعلوا فعليهما واحدًا، فتقول: السدر والنخل تنبت، والإبل والغنم مقبلة، ويجوز ينبتان ومقبلتان، والأول كلامهم، وذكر في الآية على لفظ التثنية لوفاق الفواصل (٦)، هذا

стр. 11523

معنى كلامهما، وقال أهل التفسير في معنى سجود النجم والشجر أنه سجود أظلالهما (١). وقد ذكرنا ذلك في قوله: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ (٢). وقال مجاهد في قوله: ﴿وَالنَّجْمُ﴾ قال نجوم السماء ﴿وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ بكرة وعشيًا: وهو قول قتادة في النجم (٣). قال أبو إسحاق (٤): وهذا جائز أن يكون الله أعلمنا أن النجم يسجد كما قال ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ﴾ إلى قوله ﴿وَالنُّجُومُ﴾ [النحل: ١٢]. ٧ - قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ قال مقاتل وغيره: رفعها فوق الأرض مسيرة خمسمائة عام وأمسكها أن تقع على الأرض (٥). ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ تفسير الميزان: الآلة التي يوزن بها، وفي معناه هاهنا قولان، أحدهما: أنه أريد به الميزان الذي نعرفه بيننا. قال مقاتل: يعني الذي يزن به الناس وضعه عدلًا بينهم لينتصف بعض الناس من بعض، وهو قول الحسن وقتادة والضحاك (٦)، قالوا: هو الذي يوزن به ليوصل به إلى الإنصاف والانتصاف.

стр. 11524

قال أهل المعاني: وهذا تنبيه على النعمة فيه والهداية إليه، ولولا الميزان لتعذر الوصول إلى كثير من الحقوق. القول الثاني: أن المراد بالميزان العدل، وعبر عنه بالميزان؛ لأنه آلته. قال عطاء عن ابن عباس: يعني العدل في الأرض بين الناس، وهو قول مجاهد (١). قال أبو إسحق: الميزان هاهنا العدل؛ لأن المعادلة موازنة الأشياء (٢). قال صاحب النظم: على هذا القول: تأويله أمر بالعدل يدل هذا قوله تعالى: ٨ - ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ أي لا تجاوزوا العدل. و (أن لا تطغوا) يحتمل وجهين، أحدهما: لئلا تطغوا كقوله ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، والثاني: أن معنى (أن) التفسير، فيكون المعنى أن لا تطغوا كقوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦] (٣) وقد مر. وعلى القول الأول يكون (تطغوا) في محل النصب بأن، وعلى القول الثاني يكون تطغوا جزمًا على النهي. ذكر ذلك الفراء والزجاج (٤)، قال الفراء: والنهي أحب إلى؛ لقوله: ٩ - ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ (٥)، وهذا أيضًا يدل على أن المراد

стр. 11525

بقوله ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ أي في الذي يوزن به، قال عطاء عن ابن عباس: يريد لا تخونوا من وزنتم له (١). ومعنى ﴿لا تطغوا﴾ لا تظلموا ولا تنقصوا ولا تجاوزوا القدر، قاله أبو عبيدة والزجاج (٢). وقال أهل المعاني (٣): إنما قيل لا تطغوا؛ لأن ما لا يضبط في الوزن موضوع عنهم ما لم يتعمدوا البخس فإذا تعمدوا فقد طغوا، وإنما قال: ﴿لا تطغوا في الميزان﴾ ولم يقل فيه بالكناية وقد سبق ذكره لكي يكون قائمًا بنفسه في النهي عنه، ولا يكون الثاني متضمنًا بالأول. قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ قال المفسرون: أقيموا لسان الميزان بالقسط، أي: بالعدل، وهو قول مجاهد والكلبي ومقاتل (٤). والأحسن إذا وزن أن يقيم اللسان بالقسط كما أمر الله تعالى ثم يرجح إن أراد ذلك وتبرع به، وقد روي عن علي ﵁ أنه مر على رجل وهو يزن الزعفران وقد أرجح فكفأ الميزان ثم قال: أقم الوزن بالقسط ثم أرجح بعد ذلك ما شئت (٥). وقوله: ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: لا تنقصوا

стр. 11526

ولا تبخسوا (١). وهذا كقوله تعالى ذكره ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] أي ينقصون. وروى أهل اللغة: أخسرت الميزان وخسرته ومنه قراءة بلال بن أبي بردة (٢) ﴿وَلَا تُخْسِرُوا﴾ بفتح التاء (٣)، وهذا كقوله ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ [هود: ٨٤] (٤) وذكرنا معنى نقص الميزان وكيفيته في سورة هود. ١٠ - قوله: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ قال الكلبي: بسطها على الماء للأمام (٥). قال الليث: الأنام ما ظهر على الأرض من جميع الخلق ويجوز في الشعر الأنيم (٦). واختلف المفسرون في تفسير الأنام، فروى عكرمة عن ابن عباس ﴿لِلْأَنَامِ﴾ للناس (٧)، وعن مجاهد وقتادة والضحاك: للخلق والخلائق، وعن عطاء: لجميع الخلق. وقال الكلبي: للخلق كلهم الذين بثهم فيها، وهذه الأقوال تدل على

стр. 11527

أن المراد با لأنام كل ذي روح، وهو قول الشعبي (١)، وقال الحسن: للجن والإنس (٢)، وهو اختيار أبي إسحاق (٣). قوله: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ أي في الأرض فاكهة، يعني كل ما يتفكه من ألوان الثمار. وذكر ابن عباس منها العنب والتين والخوخ والتفاح (٤). ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ معنى الكم في اللغة ما ستر شيئًا وغطاه، ومنه كم القميص، ويقال للقلنسوة كمة، وأكمام الزرع: غلفها، وذكرنا ذلك عند قوله ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ (٥) قال ابن عباس: يريد الطلع (٦)، قال الكلبي: ﴿ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ ذات الغلف، وثمرها في غلف الكُفُرَّاه: ما لم تنشق وهي كمه (٧)، فإذا انشقت منها الكفراه فليست أكمامها. وقال الحسن وقتادة: أكمامها ليفها (٨).

стр. 11528

قال أبو إسحق: ما غطى جمَّارهما من السعف والليف فهو من أكمام النخلة (١). والمفسرون على أن الأكمام أوعية الثمر كما ذكرنا، قال الليث: ولكل شجرة مثمرة كم، وهو برعومه (٢). قوله: ﴿وَالْحَبُّ﴾ قال عطاء: يريد القمح (٣)، وقال مقاتل والضحاك: يعني الشعير والحنطة (٤)، وقال الكلبي: هو الحبوب كلها مما يحرث في الأرض من الحنطة والشعير وغير ذلك (٥). والوجه الرفع في قوله: ١٢ - ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ نسقًا على قوله: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ﴾ وقرأ ابن عامر ﴿والحب ذا العصف﴾ نصبًا (٦)، حمله على قوله ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا﴾ مثل خلقها للأنام، وخلق الحب ذا العصف. واختلفوا في تفسير العصف، فقال الليث: العصف ما على حب الحنطة ونحوها من قشور التبن، قال: والعصف أيضًا ما على ساق الزرع من الورق الذي يبس فيتفتت، كل ذلك من العصف (٧).

стр. 11529

وقال الفراء: العصف: بقل الزرع، يعني أول ما ينبت منه وهو ورق بعد، قال: والعرب تقول: خرجنا نعصف الزرع إذا قطعوا منه شيئًا قبل إدراكه فذلك العصف (١). وقال النضر: يقال: عصفنا الزرع نعصفه، أي: جززنا ورقه ليكون أخف للزرع، وإن لم يفعل مال بالزرع. (٢) وقال ابن عباس: العصف والعصيفة ورق السنبل. (٣) وقال أبو إسحق: العصف ورق الزرع، ويقال للتبن عصف وعصيفة، وأنشد أبو عبيدة: يُسقي مذانبَ قد مالتْ عَصيفَتُها ... حدودها من أتيّ الماء مطموم (٤) فحصل من هذا الأقوال أن العصفَ ورق الزرع، ثم إذا يبس وديس صار تبنًا. وعلى هذا يدور كلام المفسرين. قال مجاهد: هو ورق الزرع، وهو قول مقاتل، وابن عباس في رواية الكلبي والعوفي (٥). وقال قتادة: ﴿الْعَصْفِ﴾ التبن، وهو قول الضحاك، ورواية علي بن

стр. 11530

أبي طلحة عن ابن عباس (١). وروى السدي عن أبي (٢) مالك قال: هو أول ما ينبت (٣). قال ابن كيسان: العصف: ورق كل شيء خرج منه الحب يبدو أولًا ورقًا، ثم يكون سوقًا، ثم يحدث الله فيه أكمامًا، ثم يحدث في الأكمام الحب (٤). قوله تعالى: ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ قال أبو زيد: الريحان كل بقلة طيبة الريح، يقال للطاقة منها ريحانة، سميت ريحانة: لأن الإنسان يراح له رائحة طيبة إذا مسها، أي يدركها. قال: رحت الشيء أراح إذا أردت رائحته وهو فَعْلان من الرائحة والريح، وأصل الياء فيه واو قلبوها ياء فرقًا بينه وبين الروحان، وهو شيء له روح، ويقال: شيء ريحاني وروحاني، حكاهما ابن الأعرابي، وما يتركب من الراء والواو والحاء كثير، والأصل في ذلك الحركة والاهتزاز فالرائحة فاعلة من راحت الريح تروح روحانًا إذا تحركت، ذكر هذا كله أبو القاسم الزجاجي. وقال أبو علي: ويجوز أن يكون الريحان فَيْعِلانا، والعين محذوفة كأنه كان في الأصل ريوحان فلما اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما

стр. 11531

بالسكون أدغم أحدهما في الآخر فقيل ريحان، ثم خفف كما قلنا في سيد وميت وهين (١). قال أبو القاسم: وسمت العرب الرزق ريحانا؛ لأن الإنسان يرتاح له (٢) ويقوى به روحه، واللغة العرفية في الريحان أنه يطلق على ما له رائحة من الأنوار، وقال أبو عبيدة: الريحان الحب الذي يؤكل، ومنه يقال: سبحانك وريحانك، أي: رزقك، وأنشد للنمر بن تولب: سلام الإله وريحانُه ... ورحمتُه وسماءٌ دِرَرْ (٣) وقال الفراء: والريحان في كلام العرب: الرزق، تقول: خرجنا نطلب ريحان الله ورزقه (٤). وقال أبو إسحق: والعرب تقول: سبحان الله وريحانه. قال أهل اللغة: واسترزاقه، وأنشد بيت النمر، قال: معنى ريحانه: رزقه (٥). قال مجاهد: الريحان الرزق. وهو رواية عكرمة والكلبي عن ابن عباس (٦).

стр. 11532

قال المقاتلان: هو بلغة حمير (١). وقال الحسن وابن زيد: هو ريحانكم الذي يشم (٢). واختلفوا في إعراب (الريحان) فقرأ الأكثرون بالرفع على معنى: وفيها الحب والريحان، وقرأ حمزة والكسائي بالخفض حملًا على (ذو) كأنه والحب ذو العصف وذو الريحان، أي: من الحب الرزق، وأريد بالريحان الرزق إذا خرج وخلص من لفائفه وهو رزق للناس، والعصف رزق للدواب، فذكر قوت الناس والأنعام كما قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه: ٥٣] وقال: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات: ٧٣، عبس: ٣٢] فكذلك العصف يختص بأنه رزق الأنعام، والريحان يعم الأناسي وغيرهم، ولا يجوز على هذه القراءة أن يكون الريحان المشموم (٣)، واختار أبو عبيد هذه القراءة. قال: لأن الريحان في التفسير الرزق، والعصف الورق فيكون المعنى أن الحب ذو ورق ورزق، ومن رَفع الريحان على الابتداء صار التأويل في الحب أنه ذو ورق لا غير، ولا أحب هذا المعني. قال المبرد: الذي قال أبو عبيد يجوز، ولكن فيه بعد؛ لأن الحب هو الرزق نفسه ليس غيره فيبعد أن يقال للرزق ذو الرزق، إلا أن يحمل على ما قال مقاتل أن الريحان الرزق بلغة حمير، وهو ما يخرج من الحب من دقيق

стр. 11533

أو سويق أو غيره، قال: والوجه الرفع في الريحان؛ لأنه إن أريد بالريحان الرزق كان المعنى فيها: الحب ذو العصف: أي: الذي معه ورقه، وتم الكلام ثم قال: ﴿الرَّيْحَانُ﴾ أي الرزق المنفرد، وإن أريد بالريحان المشموم، ولذلك فهذه القراءة تحتمل القولين في تفسير الريحان. قال: والظاهر أن الريحان في هذا الموضع هو الذي يشم؛ لأن الريحان إذا جاء مطلقًا وقع على ما يشم، وهذا هو الأحسن في التفسير، لأنه لما قيل: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ كان ذلك جامعًا لأكثر المأكولات ثم ذكر بعدها ما يشم مما يخرج من الأرض؛ لأن النعمة على الناس عظيمة جليلة في المأكول والمشموم، والريحان إذا جاء بلا دليل انطلق على المشموم لأنه اسمه الخاص، وإذا عني بالريحان الرزق احتيج إلى أن يكون في الكلام ما يدل عليه كما قال سيبويه، يقال: سبحان الله وريحانه. تقديره: تسبيحًا واسترزاقًا (١). وقرأ ابن عامر: (والريحانَ) نصبًا اتباعًا لقوله: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ على قراءته (٢). قال أبو علي: وانتصب ريحان فيما حكاه سيبويه انتصاب المصادر، وذكرنا في وزنه قولين، فإن قلنا وزنه فيعلان كان هذا اسمًا موضوعًا موضع المصدر؛ لأنه ليس في أبنية المصادر شيء على هذا الوزن فيكون كقولهم: تربا وجندلًا، ونحو ذلك مما وضع موضع المصادر، أو يجعله

стр. 11534

مصدرًا اختص به المعتل كما اختص بكينونةٍ (١) وإن جعلته فعلًا بيكون مثل الكيان وليس هذا كما لزمه الانتصاب من المصادر نحو معاذ الله وسبحان الله ألا ترى أنه قد جاء مرفوعًا في بيت النمر ومجرورًا في قراءة حمزة (٢). قال أبو إسحق: وقد ذكر الله في هذه السورة ما يدل على وحدانيته من خلق الإنسان وتعليم البيان ومن خلق الشمس والقمر والسماء والأرض. ثم خاطب الجن والإنس فقال: ١٣ - ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي فبأي نعم ربكما تكذبان من هذه الأشياء المذكورة؛ لأنها كلها مُنعم بها عليكم في دلالتها إياكم على وحدانيته وفي رزقه إياكم ما به قوامكم والوصلة إلى حياتكم (٣). وتقدم الكلام في تفسير الآلاء في سورة الأعراف (٤)، قال الكلبي: فبأي آلاء ربكما يريد الإنس والجن (٥). فإن قيل: على هذا إنما تقدم ذكر الإنس في قوله ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ ولم يجر للجن ذكر حتى يدخل في الخطاب، والجواب عن هذا ما ذكره الفراء قال: العرب تخاطب الواحد بفعل الاثنين فيقال: ارجلاها وازجراها (٦) وقد ذكرنا هذا عند قوله ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ وهذا الوجه اختيار ابن

стр. 11535

الأنباري. وقال صاحب النظم: خاطب الجن مع الإنس، وإن لم يجر لهم ذكر كما أن يكنى عن الشيء، وإن لم يجر له ذكر كقوله تعالى ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (١). وذكر الأزهري قولين آخرين: أحدهما: أنه قد جرى ذكر الأنام وهحناه الجن والإنس، والثاني: أن الله تعالى خاطبهما قبل ذكرهما ثم ذكرهما معا بعقب الخطاب، وهو قوله: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ كما قال المثقب العبدي (٢): وما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني فقال أيهما، ولم يجر للشر ذكر إلا بعد تمام البيت الثاني (٣). وهذا الوجه معنى قول أبي عبيدة والكسائي (٤). وأما معنى تكرير هذه الآية في هذه السورة فقال أصحاب المعاني: معنى التكرير التقرير بالنعمة عند ذكرها على التفصيل نعمة نعمة، كأنه قيل: بأي هذه الآلاء تكذبان، ثم ذكرت آلاء أخر، واقتضت من التقرير بها ما اقتضت الأولى ليتأمل كل واحدة في نفسها وفيما تقتضيه صفتها وحقيقتها التي تنفصل بها من غيرها.

стр. 11536

وشرح ابن قتيبة هذه الجملة شرحًا شافيًا فقال: إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه وذكّر عباده آلاءه، ونبههم على قدرته ولطفه بخلقه، ثم أتبع ذكر كل خلة وصفها بهذه الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين ليفهمهم النعم، ويقررهم بها، وهذا كقولك لرجل أحسنت إليه دهرك وتابعت عليه الأيادي وهو في ذلك ينكرك ويكفرك: ألم أبوئك منزلًا وأنت طريد أتنكر هذا؟ ألم أحجج بك وأنت صرورة؟ ألم أحملك وأنت راجل؟ أفتنكر هذا (١)؟ وقال صاحب النظم: إن من عادة العرب الإيجاز والاختصار في بعض الأماكن والإشباع والتوكيد في بعض، والتكرير والإعادة إذا أرادوا الإبلاغ بحسب العناية بالأمر كما قال الحارث بن عباد (٢): قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل من حيال وكرر ذكر قول (قربا مربط النعامة) في رؤوس أبيات كثيرة عناية بالأمر، وإرادة للإبلاغ في التثنية والتحذير وكذلك الجعفي (٣) في قصيدته التي يقول فيها: وكتيبة لبستها بكتيبة حتى ... تقول نساؤهم هذا فتى

стр. 11537

فكرر هذه الكلمة في رؤوس أبيات منها، لأنه ذهب مذهب الحارث ابن عباد في العناية والتأكيد، وقال غيرهما: كم نعمة كانت لكم ... كم كم وكم (١) فكرر كم في بيت واحد أربع مرات تأكيدًا لفرط العناية بهذه الكلمة، فكذلك قوله ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾، وقوله في ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٢)، وقوله ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣) جاء هذا كله في التكرير والإعادة في الإبلاغ والتوكيد؛ لأنها كلها تحرير وتذكير وتنبيه (٤). ١٤ - قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ تقدم تفسيره في سورة الحجر (٥). قال أبو إسحاق: اختلفت الألفاظ فيما بدأ منه خلق آدم فقيل في موضع: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وفي آخر ﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ [الصافات: ١١]، وفي آخر ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، وفي آخر من صلصال، وهذه الألفاظ راجعة في المعنى إلى أصل واحد، وهو التراب الذي هو أصل الطين، أعلم الله أنه خلق آدم من تراب جعل طينًا، ثم

стр. 11538

انتقل فصار كالحمأ المسنون، تم انتقل فصار صلصالًا كالفخار (١). فهذا كله أصله التراب وليس في شيء ينقض بعضه بعضا، قال أبو عبيدة: والفخار ما طبخ بالنار (٢)، وقال المبرد: الفخار الخزف، كأنه والله أعلم طين من يبسه كالخزف (٣). ١٥ - قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ تفسير الجان قد سبق في سورة الحجر (٤)، قال أبو عبيدة: مارج من خلط (٥) من نار. وقال الليث: المارج من النار: الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد (٦). واختلف المفسرون في المارج فذكر الكلبي أنه نار لا دخان لها، منها تكون الصواعق (٧)، والأكثرون قالوا إنه الصافي من لهب النار، وهو قول ابن عباس ومقاتل وعكرمة ومجاهد، قالوا: إنه اللهب الذي يعلو النار فيختلط بعضه ببعض أحمر وأصفر وأخضر (٨).

стр. 11539

قال المبرد: المارج كل ما أرسلِ غير ممنوع (١)، وذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ في سورة الفرقان (٢) وقوله: ﴿فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ في سورة ق. والمارج معناه في اللغة: المرسل والمختلط (٣)، وكلاهما يحسن في صفة لهب النار وهو فاعل بمعنى مفعول كقوله ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] و ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١، القارعة: ٧] والمعنى: ذو مرج (٤). ١٧ - قوله تعالى ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ إجماع القراء على الرفع في رب المشرقين، قال أبو عبيد (٥): لولا إجماعهم على الرفع لكان الخفض أحب إلى على النعت للاسم قبله. قال المبرد: الرفع على الاستئناف على قولك: هو رب المشرقين، وهو أحسن من البدل لأن أكثر الكلام إذا تكرر المنعوت الرفع على الابتداء كقوله: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١، ٢] وكان ينبغي لأبي عبيد أن يعلم أن اجتماعهم على الرفع قد دل على اختياره. قال المفسرون: يعني مشرق الصيف ومشرق الشتاء، وهما مشرقان، مشرق الأيام الطوال ومشرق الأيام القصار، وكذلك المغرب. ١٩ - قوله تعالى ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ تفسير هذه الآية والتي بعدها قد

стр. 11540

تقدم في سورة الفرقان (١). والمعنى أن الله تعالى ذكر عظيم قدرته حيث خلى البحرين العذب والملح يلتقيان، أي: يلتقيين كما تقول: تركت زيدًا وعمرا يقتتلان - ثم لم يختلط أحدهما بالآخر، وهو قوله: ٢٠ - ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ أي حاجز من قدرة الله تعالى، فلا ينبغي الملح على العذب فيفسده ولا يبغي على الملح فيختلط به. والمعنى لا يطلبان أن يخرجا مما حد لهما، هذا قول مقاتل وأكثر المفسرين (٢). وقال الحسن وقتادة: (برزخ) يعني الأرض التي بينهما وهي الحجاز ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾ لا يطمان على الناس بالغرق (٣)، والقول هو الأول؛ لقوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾. ٢٢ - قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ هو أكثر القراء (٤) (يُخْرَج) بضم الياء وفتح الراء من الإخراج، لأنه يخرج ولا يخرج بنفسه، ومن قرأ يَخرج فهو اتساع، وذلك أنه إذا أخرج خرج (٥).

стр. 11541

وقوله: (منهما) وإنما يخرج من أحط البحرين وهو الملح دون العذب، قال أبو عبيدة: العرب تجمع الجنسين ثم تخبر عن أحدهما كقوله تعالى ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وإنما الرسل من الإنس، وتقول: أكلت خبزًا ولبنًا، وإنما يقع الأكل على الخبز (١)، وقال أبو إسحاق: إن الله تعالى قد ذكرهما وجمحهما فإذا أخرج من أحدهما فقد خرج منهما، ومثل ذلك قوله: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٥، ١٦] والقمر في السماء الدنيا إلا أنه لما أجمل ذكر السبع كأن ما في إحداهن فيهن (٢). وقال مقاتل: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ أي من الماءين جميعًا العذب والملح (٣)، وهذا القول ذكره الأخفش فقال: زعم قوم أنه يخرج من العذب أيضًا (٤). وقال أبو علي: هذا على حذف المضاف كما قلنا في قوله ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ [الزخرف: ٣١]. وأما تفسير اللؤلؤ والمرجان فقال الفراء: اللؤلؤ: العظام، والمرجان: ما صغر (٥)، وهو قول جميع أهل اللغة في المرجان أنه الصغار من اللؤلؤ. قال الأزهري: ولا أدري أرباعي هو أم ثلاثي. وقال أبو الهيثم: اختلفوا في المرجان، فقال بعضهم: هو صغار

стр. 11542

اللؤلؤ، وقال آخرون: هو الْبَسْتذ، وهو جوهر أحمر يقال إن الجن تطرحه في البحر (١)، وهو قول ابن مسعود في المرجان في هذه الآية، وعطاء الخراساني، قال عطاء عن ابن عباس: اللؤلؤ يريد الكبير، والمرجان الصغير، وهو قول الحسن وابن رزين (٢) وقتادة (٣). وذكر مقاتل على الضد من هذا فقال: اللؤلؤ الصغار والمرجان العظام، وهو قول مجاهد، والسدي، ومرة، ورواية عكرمة عن ابن عباس (٤). ٢٤ - قوله: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾ يعني السفن، واحدتها جارية، كقوله ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١]. ﴿الْمُنْشَآتُ﴾ قال أبو عبيدة: المرفوعات المجريات (٥) - ففسر المنشأت تفسيرين، أحدهما: المرفوعات، وهي التي رفع خشبها بعضها على بعض، وركب حتى ارتفعت وطالت وتمت، والمعنى أنشأ صنعتها وعليها (٦)، الثاني: أنشأ إجراءها. والقراءة المعروفة فتح الشين، وقرأ حمزة بكسر الشين (٧)، والوجه الفتح؛ لأنها أنشئت وأجريت، أي: فعل بها الإنشاء ولم تفعل ذلك

стр. 11543

أنفسها، ووجه الكسر أن الفعل نسب إليها على الاتساع كما يقال: مات زيد، ومرض عمرو، ونحو ذلك، مما يضاف الفعل إليه إذا وجد فيه وهو في الحقيقة لغيره، فكأن المعنى المنشآت السير، فحذف المفعول للعلم به. وإضافة السير إليها اتساع أيضًا؛ لأن سيرها إنما يكون في الحقيقة بهبوب الريح أو دفع الصواري (١). قوله تعالى: ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ أي: كالجبال، والعَلَم الجبل، قال الفراء: وكل جبل طال فهو علم (٢). قال جرير: إذا قطعنا علمًا بدا علم (٣) وقالت الخنساء: وإن صخرًا (٤) لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار قال مقاتل: شبه السفن في البحر كالجب الذي البر (٥). وقال عطاء عن ابن عباس: يريد أن قلوع السفينة إذا رفعت كانت

стр. 11544

كأنها الجبال، وقال الكلبي: شبهها بالجبال إذا رفع شروعها. (١) وقال مجاهد: ما رفع قِلْعُه من السفن فهي منشأة، وما لم يرفع قِلْعُها فليست منشأة (٢)، واختار أبو عبيد فتح الشين وقال إن تفسيرهما التي رُفِع قلعها (٣)، قال الزجاج: المنشآت المرفوعات الشُّرُع (٤)، وهذا القول تفسير ثالث للمنشآت سوى الذين ذكرناهما. ٢٦ - قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ أي على الأرض، وقد سبق ذكرها في قوله ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا﴾، والمعنى أن كل من دب ودرج على أرض من حيوان فهو (فانٍ) هالك، قال الكلبي ومقاتل: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض، فلما نزل ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] أيقنت الملائكة بالهلاك (٥). قال الشعبي: إذا قرأت ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ فلا تسكت حتى تقول: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٦). وذكر أهل المعاني في الوجه هاهنا قولين: أحدهما: أن المعنى ويبقى ربك الظاهر بأدلته كظهور الإنسان بوجهه، فالوجه على هذا عبارة عن الظهور.

стр. 11545

الثاني: ويبقى ربك وهو السيد المعظم، والوجه يذكر بمعنى الشيء المعظم كقولهم: هذا وجه القوم، ووجه التدبير، أي: التدبير المعظم (١)، ولا يجوز أن يكون الوجه هاهنا صلة لقوله (ذو) بالرفع وهو من صفة الوجه، ولو كان الوجه صلة لقيل ذي، ليكون صفة لقوله ربك، والجلال عظمة الله وكبرياؤه واستحقاقه صفات المدح بإحسانه وإنعامه، وقال: جل الشيء، أي: عظم، وأجللته: أعظمته، والجلال اسم من جل، والجلال مصدر، قال الأصمعي: ولا يقال الجلال إلا لله ﵎ (٢). قال أبو علي: قد جاء الجلال في غير الله سبحانه وأنشد: فلا ذا جلالٍ هبنه لجلال ... ولا ذا ضياع هُنَّ يتركن للفقر (٣) هذا كلامه. ويجوز أن يكون البيت جاهليًّا، والأصمعي يقول: لا يقال ذلك بعد الإسلام، أي: لا يستحقه إلا الله سبحانه (٤).

стр. 11546

وللإكرام هاهنا معنيان. أحدهما: إكرام الله تعالى أنبياءه فهو مكرمهم بلطفه مع جلاله وعظمته. والآخر: إن الإكرام بمعنى الإعظام من العبد لله بعبادته والثناء عليه بإحسانه وإنعامه. والأول معنى قول الحسن: الذي يكرم أهل دينه وولايته (١)، ومعنى قول الكلبي: الكريم على خلقه في عفوه عنهم، والثاني معنى قول ابن عباس: الذي لا أكرم منه ولا أجل ولا أعظم (٢). ٢٩ - قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال أبو صالح: يسأله من في السموات الرحمة، ويسأله من في الأرض المغفرة والرزق (٣). وقال مقاتل وابن جريج: يسأله أهل الأرض الرزق والمغفرة، وتسأله الملائكة لهم أيضًا الرزق والمغفرة (٤) يدل على هذا قوله ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥]. والوقف على (الأرض) حسن، لأن قوله ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ كلام

стр. 11547

آخر من نعت عظمته (١). وقال الأخفش: لا يحسن الوقف على (الأرض) لاتصال معنى الآية وذلك أنه أخبر في النصف الأول من الآية من سؤال الخلق إياه، والسؤال (٢) مختلف؛ لأن كل أحد يسأل ما يهمه، ثم أخبر في آخر الآية أنه في شأن من إعطاء سؤلهم، وقضاء حوائجهم، وكفاية أشغالهم على ما يرى التدبير في ذلك. وكل يوم ينتصب بالظرف؛ لقوله ﴿فِي شَأْنٍ﴾ وقال يعقوب: انتصب ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ بالسؤال، والمعنى: "سأله من في السموات والأرض كل يوم" وهاهنا الوقف، ثم قال ﴿هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ أي ربنا في شأن على ما يذكر من تفسير ذلك الشأن، وهذا قول غير بعيد. قال أبو جعفر النحاس: وقال يعقوب ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ فهذا الوقف التام، ثم قال النحاس: أما قول يعقوب فمخالف لقول الذين شاهدوا التنزيل (٣). والذي يوافق ما ذكره المفسرون أن يكون ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ ظرفًا لقوله ﴿هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ لأنهم قالوا: من شأنه أن يحيى ويميت، ويرزق ويمنع، وينصر ويعز ويذل، ويفك عانيا ويشفي مريضا، ويجيب داعيًا ويعطي سائلًا، ويتوب على قوم، ويكشف كربًا، ويغفر ذنبًا، إلى ما لا يحصى من أفعاله وأحداثه في خلقه ما يشاء. ذكر ذلك مجاهد، والكلبي، وعبيد بن عمير، وأبو ميسرة، وعطاء عن

стр. 11548

ابن عباس (١)، ومقاتل، وذكر السبب في نزوله، فقال: إن اليهود قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت شيئًا فأنزل الله في ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (٢) ويؤكد ما ذكرنا ما روي عن عبد الله بن منيب (٣) أنه قال: تلا علينا رسول الله ﷺ هذه الآية فقلنا: "يا رسول الله: وما ذاك الشأن؟ قال: يغفر ذنبًا ويفرج كربًا، ويرفع قوماً، ويضع آخرين" (٤).

стр. 11549

ويزيده وضوحًا ما روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إن مما خلق لله لوحًا من درة بيضاء دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور ينظر الله فيه كل يوم ثلثمائة وستين نظرة، يخلق ويرزق، ويحيي ويميت، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء، ولا يشغله شأن عن شأن، فذلك قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (١). ومعنى الشأن في اللغة: خطب له عِظَم، وجمعه شؤون. قال أبو الجوزاء (٢) في هذه الآية: ولا يشغله شأن عن شأن (٣)،

стр. 11550

هاهنا (١) واحد والمراد به الجمع كقوله ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧] وإن شئت قلت: إن ما يحدثه الله تعالى كل يوم في خلقه شأن واحد، ولا تنافي بين هذه الآية وبين ما في الأخبار من سبق القضاء بالأمور، وذلك أن القضاء قد سبق قبل خلق الأجسام، والذي يحدثه الله كل يوم هو إيجاد ما سبق به القضاء، وهذا معنى ما قال الحسين بن الفضل: هو سوق المقادير إلى المواقيت (٢). ولما ذكر أنه كل يوم هو في شأن ذكر فراغه من ذلك بمعنى تركه فعله فقال: ٣١ - ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ قال أبو عبيدة: سنحاسبكم، سنجمعكم ولم يشغله شيء ﵎ (٣)، فذكر أبو عبيدة في تفسير الفراغ المحاسبة والجمع؛ لأن المعنى سنترك ذلك الشأن إلى هذا، وإنما حسن لفظ الفراغ لسبق ذكر الشأن، هذا وجه في معنى الفراغ في صفة الله تعالى، وهذا معنى قول الكلبي: سنحاسبكم (٤). قال الفراء: وهذا من الله وعيد؛ لأنه لا يشغله شيء عن شيء، وأنت قائل للرجل الذي لا شغل له: قد فرغت لي، قد فرغت لشتمي، أي: أخذت فيه وأقبلت عليه، هذا كلامه (٥)، ومعناه أنه وعيد بالمحاسبة

стр. 11551

والمجازاة. سيأخذ في ذلك. وهذا قريب من قول أبي عبيدة. وقال أبو إسحاق: الفراغ في اللغة على ضربين: أحدهما: الفراغ من الشغل، والآخر: القصد للشيء، تقول: سأتفرغ لفلان، أي سأجعل قصدي إليه، ومعنى ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ سنقصد لحسابكم (١)، وهذا قول ابن الأعرابي في الآية (٢)، واختيار أبي علي، قال: وليس الفراغ هاهنا فراغًا من شغل، ولكن تأويله القصد، كما قال جرير: الآن فَقَد فرغت إلى نمير ... فهذا حينَ صِرتُ لهم عَذَابا (٣) وقال بعض أهل المعاني: ومعنى الآية: سنعمد عمد من يتفرغ للعمل لتجويده من غير تضجيع، وهذا من أبلغ الوعيد وأشده. وقال ابن قتيبة: الفراغ يكون من الناس بعد شغل، ثم قد ينتقل فيصير في معنى القصد للشيء، وذلك أنه إنما يقصد الشيء إذا فرغ مما يقطعه فيسمى القصد إلى الشيء فراغًا له كما كان يحصل عن فراغ من موانعه، والله تعالى لا يشغله شأن عن شأن فقوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أي سنقصد لكم بعد طول الترك والإمهال، وهذا معنى قول قتادة في هذه الآية: قد دنا من الله فراغ لخلقه (٤)، أي: قصد لمحاسبتهم، يريد أن الساعة قد أزفت. وأما التفسير فأكثر المفسرين ذهبوا في تفسير هذا اللفظ إلى أنه وعيد

стр. 11552

وتهديد، وهو قول مقاتل والضحاك، وابن عباس في رواية عطاء، قال: هذا تهديد منه لعباده (١). وذهب قوم إلى أن المعنى سنوفر عليكم ما وعدناكم من الحساب والجزاء بالثواب والعقاب وننجزه لكم، وهذا قول الحسن، وابن زيد، وابن كيسان (٢). ويقال: فَرّغَ يَفْرَغُ وَيفْرُغُ وفَرغَ يَفْرَغُ. كل ذلك مروي عن أهل اللغة (٣). وقراءة العامة (سنفرغ) بالنون. وقرئ بالياء على الغيبة (٤) لتقدم قوله: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾ وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾. وقوله: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ يريد الجن والإنس في قول الجميع. قال أهل المعاني: وإنما وصف الجنس والإنس بأنهما ثقلان لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما، فهما أثقل وزنًا لعظم الشأن بالعقل والتمكين والتكليف لأداء الواجب في الحقوق (٥). وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: العرب تقول لكل شيء نفيس مصون: ثَقَل، وأصله من بيض النعام المصون، قال ثعلبة بن صُعير

стр. 11553

المازني (١) يذكر الظليم والنعامة: فتَذَكَّرا ثقلًا رَثيدا بَعْدَما ... أَلْقَتْ ذُكاءُ يمنيها في كافِر (٢) ويقال للسيد العزيز: ثقل من هذا، وسمى الله الجن والإنس الثقلين لتفضيله إياهما على سائر الحيوان المخلوق في الأرض بالتمييز والعقل اللذين خُصا به، ولهذا سمى النبي ﷺ كتاب الله وعترته (٣) الثقلين فقال: "إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي" (٤) لفضلهما وشرفهما، وقال غيره: إنما سميا ثقلين لثقلهما على الأرض أحياء وأمواتًا، وقد سمى الله تعالى الأموات أثقالا في قوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢]

стр. 11554

يعني موتاها، ومنه قول الخنساء: أبعد ابن عمرو من آل الشريد ... حلت به الأرض أثقالها (١) أي موتاها أي جعلته الأرض حلية أمواتها لفضله وشرفه (٢). وروي عن الصادق أنه قال: سُميا ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب (٣) ويدل على أن المراد بالثقلين الجن والإنس أن الله تعالى خاطبهما بعد هذا فقال: ٣٣ - ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ ولم يقل إن استطعتما؛ لأنهما إذا جمعا جمع (٤) واحد كما قال ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ١٩] وكقوله ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النحل: ٤٥] ولو قيل: إن استطعتم كان صوابًا كما قال ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا﴾ ذكر ذلك الفراء والكسائي (٥). قوله ﴿أَنْ تَنْفُذُوا﴾ يقال: نفذ الشيء من الشيء إذا خلص منه كالسهم ينفذ من الرمية نفوذا أو نفاذا، ونفذ من الشيء خرج منه، والنفذ المخرج، يقال: لهذا الطريق نفذ إلى مكان كذا، أي: مخرج، والنفاذ: الجواز، وهذا يستعمل بالباء يقال: نفذ بالشيء كما يقال: مر بالشيء (٦).

стр. 11555

قوله: ﴿مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي من جوانبها ونواحيها. واحدها قطر وقتر (١). وفي تفسير هذه الآية قولان، أحدهما: أن المعنى: إن استطعتم أن تهربوا من الموت بأن تخرجوا من أقطار السموات والأرض فاهربوا واخرجوا منها، والمعنى أنكم حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨] ولن تستطيعوا أن تهربوا من بالخروج من أقطار السموات والأرض، وهذا قول ابن مسعود ومقاتل، قال: إن استطعتم أن تنفذوا من أطراف السموات والأرض هرابًا من الموت فانفذوا ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ يقول: إلا بملكي حيث توجهتم فثم ملكي وأنا آخذكم بالموت (٢)، وهذا إخبار عن عجزهم عن النفوذ من الأقطار، وأنهم في قبضة الجبار الذي لا يفوته مطلوب أين ما كان. ومعنى (السلطان) القوة التي يتسلط بها على الأمر، ثم الملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يدل على أنه واحد. القول الثاني: أن الله تعالى يأمر الملائكة يوم القيامة فتحف بأطراف السموات والأرض فيكونون على أطرافها وتحضر جهنم فيسمع الجن والإنس زفيرها فيندون فيقال لهم: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ الآية، فلا يستطيع شيطان ولا إنس ولا جن يخرج من أقطارها، والمعنى أن تنفذوا
следующие страницы →