← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 11551–11590 · переход к 11556.

стр. 11551

والمجازاة. سيأخذ في ذلك. وهذا قريب من قول أبي عبيدة. وقال أبو إسحاق: الفراغ في اللغة على ضربين: أحدهما: الفراغ من الشغل، والآخر: القصد للشيء، تقول: سأتفرغ لفلان، أي سأجعل قصدي إليه، ومعنى ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ سنقصد لحسابكم (١)، وهذا قول ابن الأعرابي في الآية (٢)، واختيار أبي علي، قال: وليس الفراغ هاهنا فراغًا من شغل، ولكن تأويله القصد، كما قال جرير: الآن فَقَد فرغت إلى نمير ... فهذا حينَ صِرتُ لهم عَذَابا (٣) وقال بعض أهل المعاني: ومعنى الآية: سنعمد عمد من يتفرغ للعمل لتجويده من غير تضجيع، وهذا من أبلغ الوعيد وأشده. وقال ابن قتيبة: الفراغ يكون من الناس بعد شغل، ثم قد ينتقل فيصير في معنى القصد للشيء، وذلك أنه إنما يقصد الشيء إذا فرغ مما يقطعه فيسمى القصد إلى الشيء فراغًا له كما كان يحصل عن فراغ من موانعه، والله تعالى لا يشغله شأن عن شأن فقوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أي سنقصد لكم بعد طول الترك والإمهال، وهذا معنى قول قتادة في هذه الآية: قد دنا من الله فراغ لخلقه (٤)، أي: قصد لمحاسبتهم، يريد أن الساعة قد أزفت. وأما التفسير فأكثر المفسرين ذهبوا في تفسير هذا اللفظ إلى أنه وعيد

стр. 11552

وتهديد، وهو قول مقاتل والضحاك، وابن عباس في رواية عطاء، قال: هذا تهديد منه لعباده (١). وذهب قوم إلى أن المعنى سنوفر عليكم ما وعدناكم من الحساب والجزاء بالثواب والعقاب وننجزه لكم، وهذا قول الحسن، وابن زيد، وابن كيسان (٢). ويقال: فَرّغَ يَفْرَغُ وَيفْرُغُ وفَرغَ يَفْرَغُ. كل ذلك مروي عن أهل اللغة (٣). وقراءة العامة (سنفرغ) بالنون. وقرئ بالياء على الغيبة (٤) لتقدم قوله: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾ وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾. وقوله: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ يريد الجن والإنس في قول الجميع. قال أهل المعاني: وإنما وصف الجنس والإنس بأنهما ثقلان لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما، فهما أثقل وزنًا لعظم الشأن بالعقل والتمكين والتكليف لأداء الواجب في الحقوق (٥). وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: العرب تقول لكل شيء نفيس مصون: ثَقَل، وأصله من بيض النعام المصون، قال ثعلبة بن صُعير

стр. 11553

المازني (١) يذكر الظليم والنعامة: فتَذَكَّرا ثقلًا رَثيدا بَعْدَما ... أَلْقَتْ ذُكاءُ يمنيها في كافِر (٢) ويقال للسيد العزيز: ثقل من هذا، وسمى الله الجن والإنس الثقلين لتفضيله إياهما على سائر الحيوان المخلوق في الأرض بالتمييز والعقل اللذين خُصا به، ولهذا سمى النبي ﷺ كتاب الله وعترته (٣) الثقلين فقال: "إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي" (٤) لفضلهما وشرفهما، وقال غيره: إنما سميا ثقلين لثقلهما على الأرض أحياء وأمواتًا، وقد سمى الله تعالى الأموات أثقالا في قوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢]

стр. 11554

يعني موتاها، ومنه قول الخنساء: أبعد ابن عمرو من آل الشريد ... حلت به الأرض أثقالها (١) أي موتاها أي جعلته الأرض حلية أمواتها لفضله وشرفه (٢). وروي عن الصادق أنه قال: سُميا ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب (٣) ويدل على أن المراد بالثقلين الجن والإنس أن الله تعالى خاطبهما بعد هذا فقال: ٣٣ - ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ ولم يقل إن استطعتما؛ لأنهما إذا جمعا جمع (٤) واحد كما قال ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ [الحج: ١٩] وكقوله ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النحل: ٤٥] ولو قيل: إن استطعتم كان صوابًا كما قال ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا﴾ ذكر ذلك الفراء والكسائي (٥). قوله ﴿أَنْ تَنْفُذُوا﴾ يقال: نفذ الشيء من الشيء إذا خلص منه كالسهم ينفذ من الرمية نفوذا أو نفاذا، ونفذ من الشيء خرج منه، والنفذ المخرج، يقال: لهذا الطريق نفذ إلى مكان كذا، أي: مخرج، والنفاذ: الجواز، وهذا يستعمل بالباء يقال: نفذ بالشيء كما يقال: مر بالشيء (٦).

стр. 11555

قوله: ﴿مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي من جوانبها ونواحيها. واحدها قطر وقتر (١). وفي تفسير هذه الآية قولان، أحدهما: أن المعنى: إن استطعتم أن تهربوا من الموت بأن تخرجوا من أقطار السموات والأرض فاهربوا واخرجوا منها، والمعنى أنكم حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨] ولن تستطيعوا أن تهربوا من بالخروج من أقطار السموات والأرض، وهذا قول ابن مسعود ومقاتل، قال: إن استطعتم أن تنفذوا من أطراف السموات والأرض هرابًا من الموت فانفذوا ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ يقول: إلا بملكي حيث توجهتم فثم ملكي وأنا آخذكم بالموت (٢)، وهذا إخبار عن عجزهم عن النفوذ من الأقطار، وأنهم في قبضة الجبار الذي لا يفوته مطلوب أين ما كان. ومعنى (السلطان) القوة التي يتسلط بها على الأمر، ثم الملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يدل على أنه واحد. القول الثاني: أن الله تعالى يأمر الملائكة يوم القيامة فتحف بأطراف السموات والأرض فيكونون على أطرافها وتحضر جهنم فيسمع الجن والإنس زفيرها فيندون فيقال لهم: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ الآية، فلا يستطيع شيطان ولا إنس ولا جن يخرج من أقطارها، والمعنى أن تنفذوا

стр. 11556

من أقطارها هاربين من العقاب، فانفذوا، وهذا أمر تعجيز على القولين، والقول الثاني هو قول الكلبي والضحاك (١)، ويدل على صحته قوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ في الخبر: "يحاط على الخلق بالملائكة وبلسان من نار ثم ينادون: يا معشر الجن والإنس إن استطعتم، وذلك قوله تعالى: ٣٥ - ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ " (٢). قال أبو عبيدة: الشواظ النار التي تأجج لا دخان فيها، وأنشد لرؤبة فقال: إن لهم من وقعنا أقياظا ... نارَ حرب تُشعر الشواظا (٣) وأنشد أيضًا لحسان: هجرتك فاختضعت بذل نفسي ... بقافية تأجج كالشواظ (٤) قال الليث: وهو قول جميع أهل اللغة: الشواظ اللهب الذي لا دخان معه. قال ابن شميل: ويقال لحر النار شواظ، يقال: أصابني شواظ من

стр. 11557

الشمس (١) إذا أصابك حرها ولم يصبك الضح (٢). وقرأ ابن كثير (وشِواظ) بكسر الشين؛ وهي قراءة الحسن (٣). قال الفراء والمبرد: وهما لغتان، كما قالوا لجماعة البقر صُوار وصِوار (٤). قال أبو الحسن: وأهل مكة يكسرون الشواظ (٥)، قال ابن عباس: يريد اللهب الذي لا دخان فيه، وهو قول المفسرين (٦)، وقال مجاهد: هو اللهب الأخضر المنقطع من النار (٧). وقوله ﴿وَنُحَاسٌ﴾ قال أبو عبيدة: النحاس الدخان وأنشد للجعدي: يضيئ كضوء سراج السَّليط ... لم يجعل الله فيه نحاسا (٨)

стр. 11558

وقال الليث: النحاس الدخان الذي لا لهب له. وهو قول عطاء، والكلبي، وسعيد بن جبير، والوالبي عن ابن عباس (١). وقال مجاهد، وقتادة: النحاس الصفر المذاب يصب على رؤوسهم. (٢) قال مقاتل: يعني الصفر الذائب، وهي خمسة أنهار تجري من تحت العرش على رؤوس أهل النار، ثلاثة أنهار على مقدار الليل، ونهران على مقدار النهار (٣)، وهذا القول في النحاس هو رواية عطية عن ابن عباس، وهو قول ابن مسعود. قال: النحاس المهل، ونحو ذلك قال الربيع: هو القطر (٤). وأكثر القراءة الرفع في قوله ﴿نحاس﴾ بالعطف على قوله (شواظ) والمعنى: يرسل عليكما شواظ ويرسل نحاس، أي: يرسل هذا مرة وهذا مرة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (ونحاسٍ) كسرًا (٥). وهو ضعيف، لأن معنى الشواظ اللهب الذي لا دخان فيه على ما ذكره أهل اللغة، والمفسرون فكيف يكون شواظ من نحاس، وإن جعلنا النحاس الصفر المذاب فهو

стр. 11559

أبعد (١). قال أبو علي: وهو يجوز من وجه على أن تقدره يرسل عليكما شواظ من نار وشيء من نحاس، يحذف الموصوف ويقيم الصفة مقامه، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] و ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ [النساء: ٤٦٠] ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠] وحذف الموصوف من هذا كله، كذلك في الآية، وقد جاء في الشعر: وما راعنا إلا يَسيرُ بشرطةٍ ... وعهدي به قينا يفش بكير (٢) فإذا قدرت هذا التقدير كان الموصوف محذوفًا، والجار أيضًا يكون محذوفًا، لأن التقدير: وشيء من شواظ، وحذف من؛ لأن ذكره قد تقدم في قوله (من نار) فحسن ذلك حذفها، كما حسن حذف الجار من قولهم: على من تَنْزِلُ أنْزِلْ وكما أنشد أبو زيد: فأصبح من أسماء قيسٌ كقابض ... على الماء لا يدري بما هو قابض (٣) أي: بما هو قابض عليه، فيكون انجرار ﴿نحاس﴾ على هذا بمن المضمرة لا بالإشراك في من التي جَرّت في قوله ﴿من نار﴾ وإذا كان كذلك

стр. 11560

لم يكن الشواظ الذي هو اللهب قسطًا من الدخان على أن أبا الحسن قد حكى عن بعضهم أنه قال: لا يكون الشواظ إلا من النار والدخان جميعًا، ونحو ذلك حكي عن أبي عمرو، وعلى هذا فالجر متجه وليس بممتنع (١). قوله تعالى: ﴿فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ قال ابن عباس: يريد لا ناصر لكم من الله تعالى، وقال مقاتل (٢): فلا تمتنعان من ذلك (٣). ٣٧ - وقوله ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾ قال أبو عبيدة: لونها كلون الورد (٤). وقال الفراء: أراد بالوردة الفرس الورد، يكون في الربيع وردة إلى الصفرة فإذا استد البرد كانت حمراء، فإذا كان بعد ذلك كانت وردة إلى الغُبرة (٥). قال ابن دريد: الوردة شقرة تعلوها صفرة، يقال: فرس ورد، والجمع وارد، وسمي الذي يسمى وردًا لحمرته، قال أبو القاسم الزجاجي: أصل الواو والراء مع الدال على هذا النظام موضوع في كلامهم للمجيء والإتيان، يقال: وردت أرد ورودًا، ووردت الماشية الماء ترد. ثم

стр. 11561

من الناس من يقول إن العرب تسمي الأسد الورد لجرأته وتورده على فريسته، ومنه قول طرفة: كسيد الغضا نبهته المتورد هو المتقدم على فرسته الذي لا يدفعه شيء، ثم شبه لون هذا المتورد بلون الأسد لأن الغالب عليه الشقرة فسمي وردًا، هذا قول ابن درستويه النحوي (١)، وليس بمرتضى؛ لأنهم سموا الفرس الذي هو بين الكميت الأحمر وبين الأشقر ويضرب إلى الصفرة وردًا، والكلام على هذا من طريق التحقيق أن الورد عند العرب من الألوان لون أبيض ورد عليه لون الحمرة والصفرة، هذا قول أبي إسحاق الزجاج (٢)، يقال: وردت المرأة خدها إذا أوردت عليه لونًا غير اللون الأصلي، قال: ونظير ذلك أنهم يسمون الظليم (٣) أخرج، والنعامة خرجاء إذا كان لونها يجمع السواد والبياض كأن لونًا خرج إلى لون آخر، ورماد أخرج وبرمة خرجاء فيها حجارة سود وبيض، وهذا استعمل فيه معنى الخروج من شيء إلى شيء كما استعمل في الأول معنى الورود. قوله: ﴿كَالدِّهَانِ﴾ قال أبو عبيدة: جماعة دُهْن، وهو قول الفراء والمبرد والزجاج (٤). وفي تفسير الآية قولان، أحدهما: وهو الذي عليه الأكثر أنه شبه

стр. 11562

السماء في تلونها واختلاف ألوانها بالوردة، وهي الفرس التي تتلون ألوانًا، قال الكلبي: تتلون كما تتلون الفرس الورد (١). وقال الحسن: تلون ألوانًا (٢)، ثم شبه هذا الفرس الذي يتلون بالدهان بقوله ﴿كَالدِّهَانِ﴾ قال الفراء: شبه تلون السماء بتلون الوردة من الخيل، وشبه الوردة في اختلاف ألوانها بالدهن واختلاف ألوانه (٣)، وهذا قول الضحاك ومجاهد وقتادة والربيع وأبي العالية وأكثر أهل التفسير (٤)، واختلاف (٥) الفراء والزجاج واحتج بقوله ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج: ٥] أي كالزيت الذي قد أغلي، وذكر مقاتل السبب في تلون السماء. قال يعني فصارت من الخوف وردة (٦). قال أبو إسحاق: تتلون من الفزع الأكبر كما يتلون الدهان (٧)، وعلى هذا يجب أن يكون الله تعالى ركب فيها عقلًا حتى يصح خوفها. القول الثاني: أن المراد بالوردة هاهنا الحمرة والعرب تقول: عشية وردة إذا احمر أفقها عند غروب الشمس. وذلك علامة الجدب، ومنه قول زهير:

стр. 11563

عَلَونَ بأنماط عِتَاقٍ وَكلَّةٍ ... ورادٍ حَوَاشيها مُشاكِهَةِ الدَّم (١) شبه حمرة حواشيها بالدم، والدهان بالأديم الأحمر الصرف، ذكر ذلك أبو عبيدة والفراء وابن الأعرابي (٢). ومعنى الآية أن الله تعالى أخبر أن السماء تحمر حتى تفسير كالأديم الأحمر، وهذا القول اختيار قطرب وابن الأعرابي. وذكر بعض أهل المعاني قولًا آخر، فقال: إن السماء تذوب يوم القيامة من حر نار جهنم فتصير حمراء ذائبة كالدهن وعلى هذا وقع التشبيه بالدهن في الذوبان والسيلان (٣). ٣٩ - وقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾ الآية، يعني: لا يسأل ليعرف ذلك بالمسألة، وليعرف المذنب من غيره، فلا يسأل سؤال إستفهام ولكن يسألون سؤال تقريع وتوبيخ، وهذا معنى قول مقاتل: لا يسأل لأن الله قد أحصى عمله (٤)، ومعنى قول الحسن قد حفظ الله عليهم أعمالهم، وهو قول قتادة، ورواية العوفي عن ابن عباس، قالوا: لا يسألون ليعرف ذلك من جهتهم، لأن الملائكة قد كتبت عليهم أعمالهم، ولا يسألون هل عملتم

стр. 11564

كذا؟ ولكن يسألون لم عملتم كذا (١). وقال مجاهد: لا يسألون ليعرف المجرمون فإنهم يعرفون بسيماهم (٢)، دليله قوله: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ﴾ الآية. وقال عكرمة: إنها مواقف يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها (٣). وقال الكلبي: هذا الفراغ من الحساب (٤)، واختار ابن قتيبة هذا القول وشرحه فقال: إن يوم القيامة كما قال الله ﴿مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] ففي هذا اليوم يسألون، وفيه لا يسألون، لأنهم حين يعرضون يوقفون على الذنوب ويحاسبون فإذا انتهت المسألة وخبت الحجة انشقت السماء فكانت وردة كالدهان وانقطع الكلام، وذهب الخصام، واسودت وجوه قوم وابيضت وجوه آخرين، وعرف الفريقان بسيماهم. وقد حصل في هذا أربعة أقوال: أحدها: لا يسألون سؤال استفهام عن ذنوبهم، وهو اختيار الزجاج (٥). والثاني: لا يسألون ليعفروا بذنوبهم وهو اختيار الفراء (٦). والآخر: لا يسألون في بعض المواقف. والرابع: لا يسألون بعد الفراغ من الحساب.

стр. 11565

قوله تعالى: ﴿إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾، قال مقاتل: يقول إنسي ولا جني (١). والجان هاهنا واحد الجن، قال ثعلب، عن عمرو، عن أبيه: الجان من الجن وجمعه جنان (٢)، ويدل على صحة قول مجاهد في هذه الآية. ٤١ - قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ قال جماعة المفسرين: يعرف بسواد الوجوه وزرقة الأعين (٣)، ودليل ذلك قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وقوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه:١٠٢]. قال عطاء عن ابن عباس في تفسير المجرمين في هذه الآية: يريد أبا جهل والأسود والوليد والنضر. قوله تعالى ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ قال الكلبي: تأخذهم الملائكة وهم على الصراط بنواصيهم فيصرعونهم في النار (٤). وروى الأعمش عن رجل عن ابن عباس قال يؤخذ بناصيته وقدميه فيكسر كما يكسر الحطب ويطرح في التنور (٥). وقال أبو إسحاق نجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلف ويلقون في النار وذلك أشد لعذابهم والتشويه بهم (٦)، ويقال لهم: ٤٣ - ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ قال الكلبي: تقول الملائكة

стр. 11566

لهم: هذه جهنم التي كنتم تكذبون بها أنها لا تكون (١). ثم أخبر عن حالهم فيها فقال: ٤٤ - ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ قال أبو عبيدة: (آن) بلغ إناه في شدة الحر وكل مدركٍ آن (٢). وقال الفراء: هو الذي قد انتهى شدة حره (٣). قال الزجاج: أني يأني فهو آنٍ إذا انتها في النضج والحرارة (٤). قال عطاء: يريد قد انتهى غليانه كقوله ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] يريد حارة (٥)، وقال الحسن: قد بلغ منتهى حره، وهذا قول الجماعة (٦). ومعنى الآية أنهم يسعون بين عذاب الجحيم وبين الحميم فإذا استغاثوا من النار جعل غياثهم الحميم الآني الذي قد صار كالمهل، وهو قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا﴾ [الكهف: ٢٩] الآية، نستجير بالله برحمته منهما (٧). قال أهل المعاني (٨): وكل ما ذكر من قوله ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ إلى هنا مواعظ ومزاجر وتهدد ووعيد وزجر وتخويف وهي كلها نعمة من الله تعالى بالانزجار

стр. 11567

به عن المعاصي ولذلك ختم كل آية بقوله ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ٤٦ - ثم أعلم ما لمن اتقاه وخافه، قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ وقد ذكرنا أن المقام يجوز أن يكون مصدرًا وموضعًا عند قوله ﴿خَيْرٌ مَقَامًا﴾ [مريم: ٧٣] وهاهنا أيضا يجوز المعنيان (١) فإن جعلته موضعًا كان المعنى مقامه بين يدي ربه للحساب، أي: المقام الذي يوقفه فيه ربه وإن جعلته مصدرًا جاز فيه وجهان، أحدهما: قيامه لربه يدل عليه قوله ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، والآخر: قيام ربه عليه أي إشرافه واطلاعه عليه بالعلم، ويدل عليه قوله ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ﴾ [الرعد: ٣٣] الآية. والمفسرون على القول الأول في المقام، قال ابن عباس: يريد مقامه بين يدي ربه، خاف ذلك المقام فترك المعصية والشهوة (٢) وقال مجاهد: إذا هم بمعصية فذكر مقام الله عليه في الدنيا فتركها (٣). وعلى هذا المقام مصدر. قوله تعالى: ﴿جَنَّتَانِ﴾ كلام بعض المفسرين يدل على أن كل من ترك المعصية خوفًا من الله فله جنتان على حدته لا يشاركه فيهما غيره، وكلام بعضهم يدل على أنها جنتان لكل من خاف الله ﵎ بترك المعصية على المشاركة فيهما (٤) وهذا معنى قول مقاتل يعني جنة عدن وجنة

стр. 11568

النعيم (١)، ويدل على القول الأول ما روي أن النبي ﷺ قال في تفسير الجنتين "هما بستانان في رياض الجنة" (٢). قال الفراء: وقد يكون في العربية جنة واحدة فثنيت لرؤوس الآي كما قال (٣): ومَهْمَهَيِنْ فذفين مَرَّتَيْنِ ... قَطَعَّته بالأمَّ لا بالسمتين يرد مهما وسمتا واحدًا (٤)، ويريد بالسمت اهتداء بنجم أو بعلامة. وأنكر ابن قتيبة ذلك أشد إنكار، وقال: نعوذ بالله أن نجيز على الله الزيادة والنقصان في الكلام لرأس آية كيف يكون هذا وهو يصفهما صفات الاثنين في قوله: ذواتا، وفيهما. ولو أن قائلًا قال في خزنة النار إنهم عشرون وإنما جعلهم تسعة عشر

стр. 11569

لرؤس الآي، كما قال الشاعر (١): نحن بني أم البنين الأربعة وهم خمسة فجلهم للقافية أربعة ما كان في هذا القول إلا كالفراء (٢). ثم وصفهما فقال: ٤٨ - ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ قال أبو عبيدة: الأفنان: الأغصان واحدها فَنَن وهو الغصن المستقيم طولًا، ويقال لخصل الشعر أفنان تشبيها لها بالأغصان. ومنه قول حميد: يَنْقُضْنَ أفنانَ السَّبيبِ والعُذُرْ (٣) يصف الخيل ويقصد خصل شعر نواصيها وعرفها، وقال المرار: أعلاقةً أمَّ الوُلَيدِ بعدَما ... أفْنانُ رأسِك كالثغام المُخْلِسِ (٤)

стр. 11570

يعني: خُصَلَ جُمَّة رأسها حين شابت (١). وقال أبو إسحاق: الأفنان: الألوان (٢)، فقال أبو الهيثم: فسره بعضهم ذواتا أغصان وبعضهم ذواتا ألوان واحدتها حينئذ فن وفنن، كما قالوا: سن وسنن، وعن وعنن، قال الأزهري: واحد الأفنان إذا أردت بها الألوان فن، وإذا أردت بها الأغصان فنن، والفن الضرب من كل منها، وجمعه فنون وأفنان. وأنشد الليث (٣): قد لَبِسْتُ الدَّهْر من أفنْانِه ... كل فنّ ناعمٍ منه حَبِرْ وذكر المفسرون أيضًا القولين، فقال مجاهد: أغصان، وهو معنى قول الحسن: ذواتا ظلال لأنه يريج ظل الأغصان وقد صرح به عكرمة فقال: ظل الأغصان على الحيطان، وهذه رواية عطية عن ابن عباس، والكلبي (٤). وقال الضحاك: ذواتا ألوان من الفاكهة، وهو قول سعيد بن جبير (٥). وجمع عطاء بين القولين فقال: يريد في كل غصن فنون من الفاكهة قال والفنون أصناف (٦).

стр. 11571

٥٠ - قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: عينان مثل الدنيا أضعافًا مضاعفة حصباؤها الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر ترابها الكافور، وجماتها المسك الأذفر، وحافاتها الزعفران (١). وقال الحسن: تجريان بالماء الزلال إحداهما السلسبيل والأخرى النسيم (٢). ٥٢ - قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ أي ضربان وصنفان ونوعان، كل هذا من ألفاظهم، والمعنى أن فيهما من كل ما يتفكه به ضربين رطبًا ويابسًا، لا يقصر يابسه عن رطبه في الفضل والطيب، ولا رطبه عن يابسه في العدم (٣) كما يكون في الدنيا، وقيل: ضربان: ضرب معروف، وضرب من شكله غريب (٤). قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا﴾ قال صاحب النظم: (متكئين) حال للذين ذكروا في قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ﴾ (٥) و (من) ينبئ عن الجميع. وقوله: ﴿بَطَائِنُهَا﴾ جمع بطانة، وهي التي تحت الطهارة، وذكرنا تفسيرها عند قوله: ﴿بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]. قال أبو إسحاق: وهي ما يلي الأرض (٦).

стр. 11572

وقال الفراء: أراد بالبطائن الظواهر، وقد يكون بالبطانة ظهارة والظهارة بطانة، وذلك أن كل واحد منهما يكون وجهًا، وقد تقول العرب: هذا ظهر السماء لظاهرها الذي نراه. وحكي عن ابن الزبير أنه ذكر قتلة عثمان فقال: قتلهم الله شر قتلة، ونجا من نجا منهم تحت بطون الكواكب، يعني: هربوا ليلًا فجعل ظهور الكواكب بطونا (١)، وهذا قول مقاتل قال: يعني ظواهرها (٢). ونحو ذلك قال المؤرج، قال: وهو بلغة القبط، وأنكر ذلك ابن قتيبة وقال: هذا من عجيب التفسير، كيف تكون البطانة ظهارة والطهارة بطانة، والبطانة ما بطن من الثوب وكان من شأن الناس إخفاؤه، والظهارة ما ظهر وكان من شأن الناس إبداؤه، وإنما يجوز ما قاله الفراء في ذي الوجهين المتساويين إذا ولي كل واحد منهما قومًا كحائط يلي أحد صفحيه قومًا والصفح الآخر قومًا أخرى فكل وجه من الحائط ظهر لمن يليه وكل واحد من الوجهين ظهر وبطن وكذلك وجها الجبل وما شاكله، ويجوز أن يجعل ما يليهما من وجه السماء والكواكب ظهرًا وبطنًا وكذلك سقوف البيت، فأما الثوب فلا يجوز أن يكون بطانته ظهارة، وظهارته بطانة، ولا يجوز لأحد أن يقول لوجه المصلى هذا بطانته ولما ولي الأرض ظهارته، وإنما أراد الله تعالى أن يعرفنا من حيث نفهم فضل هذه الفرش، وإنما ولي الأرض منها استبرق وإذا كانت البطانة كذلك فالظهارة أعلى وأشرف (٣).

стр. 11573

ويؤكد قول ابن قتيبة ما روي عن ابن مسعود أنه قال: أخبرتم بالبطائن فكيف بالظهائر (١). وقال أبو هريرة: هذه البطائن فما ظنكم بالظواهر (٢)، وقيل لسعيد بن جبير: البطائن من استبرق فما الظواهر، فقال: هذا مما قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وقال أيضًا: الظواهر من نور جامد (٣)، وقال ابن عباس: وصف البطائن وترك الظواهر لأنه ليس في الأرض أحد يعرف ما الظواهر (٤). وقوله: ﴿مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ قال المفسرون يعني: ما غلظ من الديباج، وذكرنا الكلام فيه في سورة الكهف (٥). قوله تعالى: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ الجنى: ما يجتنى من الثمار، قال ابن عباس: تدنو الشجرة حتى يجتنيها ولي الله إن شاء قائما وإن شاء قاعدًا وإن شاء مضطجعًا (٦)، وقال قتادة: لا يرد يده بُعدٌ ولا شوك (٧).

стр. 11574

وقال أبو إسحاق: تدنو منهم حتى يتناولوه بأفواههم أو بأيديهم (١). قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾، قال مقاتل: يعني في الجنتين اللتين ذكرتا بعد في قوله ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ قال: وهي جنة عدن، وجنة النعيم، وجنة الفردوس، وجنة المأوى (٢) فقال أبو إسحاق: قوله (فيهن) وإنما ذكر جنتين يعني في هاتين الجنتين، وما أعد لصاحب هذه القصة غير هاتين الجنتين (٣). وقال غيره من أهل المعاني (٤): الضمير يعود على الفرش وهي أولى بالعود عليها من الجنان لتقدم ذكرها، قال: ويجوز أن يرجع إلى الجنان لأنها معلومة فصارت كأنها قد ذكرت. ٥٦ - وقوله ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي حور ونساء قاصرات الطرف، وقد تقدم تفسيرها عند قوله ﴿وَعِندَهُم قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ (٥). قال ابن عباس: قصرت طرفها على زوجها فلا ترى أن خلقًا أكرم على الله منه ولا أجمل ولا أحسن (٦)، وقال ابن زيد: إنها لتقول لزوجها: وعزة ربي ما أرى في الجنة شيئًا أحسن منك فالحمد لله الذي جعلني زوجك

стр. 11575

وجعلك زوجي. قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ قال أبو عبيدة: لم يمسهن، يقال: ما طمث هذا البعير حبل قط أي ما مسه. ونحو ذلك أخبرني العروضي (١) عن الأزهري قال: أخبرني المنذري، عن ابن فهم، عن محمد بن سلام، أنه سأل يونس عن قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ فقال: تقول العرب هذا جمل ما طمثه حبل قط أي لم يمسه (٢). وروى سلمة عن الفراء قال: الطمث الافتضاض، وهو النكاح بالتدمية، والطمث هو الدم، وفيه لغتان: طَمَثَ يَطْمُثُ ويَطْمِثُ (٣). وقال الليث: طمثت الجارية إذا افترعتها، والطامث في اللغة هي الحائض، قال أبو الهيثم: يقال للمرأة طمثت تطمث أي أدميت بالافتضاض، وطَمَثَتْ على فعلت تطمث، إذا حاضت أول ما تحيض وهي طامث، وقال في قول الفرزدق (٤): خرجن إليّ لم يطمثن قبلي ... وهن أصحُّ من بيض النعامِ أي: لم يمسسن (٥). قال المفسرون: لم يطأهن ولم يغشهن ولم يجامعهن، هذه ألفاظهم (٦)، وهم مختلفون في هؤلاء فبعضهم يقول: هن اللواتي أنشئن في الجنة من

стр. 11576

حورها وبعضهم يقول يعني نساء الدنيا أنشئن خلقًا آخر أبكارًا كما وصفن. قال الشعبي: نساء من نساء الدنيا لم يمسسن منذ أنشئن خلقًا (١). وقال مقاتل: لأنهن خلقن في الجنة (٢). وقال عطاء عن ابن عباس: هن الآدميات اللاتي متن أبكارًا (٣). وقال الكلبي: لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنس ولا جان (٤). قال أبو إسحاق: وفي هذه الآية دليل أن الجني يغشى كما أن الإنسي يغشى (٥)، وهذا مذهب ضمرة بن حبيب (٦) سئل: هل للجن من ثواب؟ فقال: نعم، وقرأ هذه الآية. ثم قال: الإنسيات للإنس، والجنيات للجن (٧). وقال مجاهد في هذه الآية: إذا جامع الرجل ولم يسم انطوى الجان

стр. 11577

على إحليله فجامع معه (١). والضمير في قوله: ﴿قَبْلَهُمْ﴾ للمعنيين بقوله ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وهم أزواج هؤلاء النسوة. ٥٨ - قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ قال عامة المفسرين (٢): أراد صفاء الياقوت في بياض المرجان، شبههن في صفاء اللون وبياضه بالياقوت والمرجان، يدل على هذا ما قال عبد الله: إن المرأة من نساء أهل المجنة لتلبس عليها سبعين حلة من حرير فيرى بياض ساقيها من ورائهن، ذلك بان الله يقول: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ألا وإن الياقوت حجر لو جعلت فيه سلكًا ثم استصفيته نظرت إلى السلك من وراء الحجر (٣). ٦٠ - قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ هذا استفهام معناه النفي، أي: ما جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يحسن إليه في

стр. 11578

الآخرة، قاله الزجاج (١). قال ابن عباس: هل جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد ﷺ إلا الجنة (٢)، وقال مقاتل: هل جزاء التوحيد إلا الجنة (٣). وقال السدي: هل جزاء الذين أطاعوني في الدنيا إلا الكرامة في الجنة (٤). هذا معنى قول الجميع (٥)، وروي هذا المعنى مرفوعًا رواه ابن عمرو وابن عباس أن رسول الله ﷺ قال في هذه الآية: "يقول الله تعالى: هل جزاء من أنعمت عليه بمعرفتي وتوحيدي إلا أن أسكنه جنتي وحضرة قدسي برحمتي" (٦).

стр. 11579

٦٢ - قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ قال ابن عباس: يريد أدنى من الأوليين (١). قال ابن جريج: هي أربع: جنتان للمقربين السابقين كما وصفنا وجنتان لأصحاب اليمين والتابعين (٢) كما وصفنا فيما بعد. ونحو هذا قال مقاتل (٣)، وهو قول أكثر المفسرين أن هاتين دون الأوليين في الفضل، ذكر ذلك ابن زيد والكلبي وغيرهما (٤). وذهب الضحاك إلى ضد ما ذكر هؤلاء فقال: الجنتان الأوليان من ذهب وفضة، والآخريان من ياقوت وزمرد، وهما أفضل من الأوليين (٥). وعلى هذا قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا﴾ أي ومن أمامهما وقبلهما وهو قول الكسائي وذكرنا معاني (دون) عند قوله: ﴿شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣]. ٦٤ - ثم نعتهما فقال: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قال أبو عبيدة: من خضرتهما قد اسودتا من الري (٦). قال أبو إسحاق: وكل نبت اخضر، فتمام خضرته وريّه أن يضرب إلى السواد (٧). ومعنى الدَّهْمَةَ في كلام العرب السواد، يقال: أدهم بيّن الدهمة

стр. 11580

وادْهامَّ ادْهيمامًا، وقال الليث: ادْهامَّ الزرع إذا علاه السواد رِيًّا (١). قال ابن عباس: شديد الخضرة إلى السواد (٢). وقال الكلبي: خضراوان قد علاهما سواد من شدة الخضرة والري (٣)، وهذا معنى قول الجميع، والأصل في ذلك أن الخضرة إذا اشتدت ضربت إلى السواد، وسميت العرب الأخضر أسود والأسود أخضر، قال ابن الأعرابي: الخضرة عند العرب سواد، وأنشد القطامي: يا ناق خُبِي خَبَبَاَ زِوَرَّا ... عارضي الليلَ إذا ما اخْضَرَّا ومنه قيل لليل المظلم أخضر، قال ذو الرمة: في ظِلّ أخضر يَدْعُو هامَة البُومُ (٤) ومن هذا يقال أباد الله خضراءهم أي سوادهم هذا في الأسود الذي وصف بالخضر، وأما الأخضر الذي وصف بالسواد فهو قول ذي الرمة أنشده ابن قتيبة في تفسير هذه الآية يصف غيثًا: كسا الأكم بهمى غَضَّةَ حَبَشِيَّةً ... توامًا ونُقعانُ الظَّهورِ الأقارعِ (٥)

стр. 11581

فجعلها حبشية لما اشتدت خضرتها (١). وكذلك قوله أيضا أنشد أبو علي في تفسير هذه الآية: حواء قرحاء أَشْرَاطِيَّةُ وكفت ... فيها الذَهابُ وَحَفَّتْها البراَعِيمُ (٢) يصف روضة بشدة الخضرة فجعلها حواء. قال أبو علي: وعلى ضد هذا وصف الجدب البياض فقيل سنة شهداء من ذلك قول أوس: علي دبر الشهر الحرام بأرضنا ... وما حولها جدب سنون تلمع (٣) فقوله: تلمع؛ معناه أنه لا خصب فيها ولا نبات. ٦٦ - وقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ قال أبو عبيدة: فوارتان. قال الليث: النضخ فور الماء من العين (٤). وقال المبردت النضاخة الرفاعة بالماء. واختلفوا في الذي تنضخ به العينان، فقال عطاء عن ابن عباس وابن مسعود وأنس: تنضخ على أولياء الله المسك والعنبر والكافور، وفي دور أهل الجنة كما ينضخ طش المطر (٥)، وقال الحسن وعطاء الخراساني: تنبعان ثم تجريان (٦)، وهو قول سعيد بن جبير، وزاد فقال: نضاختان

стр. 11582

بالماء وألوان الفواكه (١). وقال الكلبي: نضاختان بالخير والبركة على أهل الجنة، وهو قول قتادة ومقاتل والضحاك (٢). ٦٨ - قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ قال المفسرون: يعني ألوان الفاكهة وألوان الرمان. قال ابن عباس: والرمانة مثل جلد البعير المقتب (٣)، وثمر النخلة والرمان من جملة الفاكهة غير أنهما ذكرا على التفصيل للتفضيل فأخرجا من الجملة بالذكر كقوله ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأعاد الوسطى بعد أن ذكرها في الجملة تشديدًا لها. كذلك أعيد النخل والرمان ترغيبًا لأهل الجنة هذا قول الفراء (٤). وقال أبو إسحاق: قال يونس النحوي -وهو يتلو الخليل في القدم

стр. 11583

والحذق- أن الرمان والنخل من أفضل الفاكهة، وإنما فصل بالواو لفضلهما، واستشهد في ذلك بقوله جل وعز ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] قال فصل بالواو لفضلهما (١). وغلط أهل العراق حين لم يجعلوا الحالف أن لا يأكل الفاكهة حانثا بأكل الرمان والتمر وظنوا أنهما لما ذكرا بعد الفاكهة ليسا من الفاكهة (٢) وهو خلاف قول جميع أهل اللغة ولا حجة لهم في الآية. قال الأزهري: ما علمت أحدًا من العرب قال في النخيل والكُروم وثمارها إنها ليست من الفاكهة، وإنما قال من قال ذلك لقلة علمه بكلام العرب وعلم اللغة وتأويل القرآن العربي المبين، والعرب تذكر أشياء جملة ثم تخص شيئًا منها بالتسمية تنبيهًا على فضل فيه، قال الله : ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ إلى قوله ﴿وَمِيكَالَ﴾ فمن قال إنهما ليسا من الملائكة لإفراد الله إياهما بالتسمية فهو كافر، ومن قال: إن ثمر النخل والرمان ليس من الفاكهة لإفراد الله إياهما بالتسمية بعد ذكر الفاكهة فهو جاهل، هذا كلامه (٣).

стр. 11584

٧٠ - قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ يعني في الجنان الأربع التي جرى ذكرهما (١). وخيرات جمع خَيْرة، وهي في الأصل بالتشديد ثم خفف، كما قيل: هَيْنٌ وليْنٌ، وذكر الفراء فيها ثلاث لغات: خَيْرَة وخِيْرَةٌ وخَيِّرة (٢) وكذلك في الجمع. وقال المبرد: الخيرة الفاضلة المقدمة ولقال رجل خَيِّرٌ وامرأة خَيِّرةٌ (٣) وأنشد أبو عبيدة: (٤) ولقد طَعَمْتُ بجامع الرَّبلات ... رَبَلاتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ المَلِكاتِ وأنشد ابن السكيت: تأبري يا خيرة النسيل وفرق الليث بين الخَيِّرة والخَيْرَة، قال: خَيِّرَةٌ صالحة وخَيْرَةٌ في جمالها ومَيسَمِها (٥). قال الأزهري: ولا فرق عندي بينهما في المخففة من

стр. 11585

المشددة (١). قال جماعة المفسرين (٢) يعني خيرات الأخلاق حسان الوجوه، وهو تفسير النبي ﷺ فيما روت عنه أم سلمة (٣). ٧٢ - قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ تقدم تفسير الحور (٤)، والمقصورات المحبوسات، ويجوز أن يكون محبوسات في الخيام، وهو معنى قول أبي عبيدة: خدرن (٥) في الخيام، ونحوه قال مقاتل: محبوسات في الخيام (٦)، ويجوز أن يكون محبوسات على أزواجهن، ولا يرون غيرهم وهن في الخيام، وهذا معنى قول المفسرين: قصرن على أزواجهن فلا يردن غيرهم، ولا يطمحن إلى سواهم، ذكره الفراء (٧).

стр. 11586

وقال مجاهد: مقصورات قلوبهن على أزواجهن في خيام اللؤلؤ (١). والخيام جمع خَيم وخيم: جمع خيمة، وهي أعواد تنصب وتظلل بالثياب في القيظ فيكون أبرد من الأخبية (٢)، ذكره ابن السكيت. وقال ابن الأعرابي: الخيمة لا تكون إلا أربعة أعواد ثم تسقف بالثُّمام ولا تكون من ثياب (٣)، ومنه قول النابغة: فلم يبقَ إلا آلُ خَيْمٍ منصدٍ وسُفْعٌ ... على آسٍ وَنُؤْيٌ مُعَثْلِبُ ويقال خيم فلان خيمته إذا بناها من جريد النخل ويخيم فيها إذا أقام، وتظلل بها قال زهير: (٤) وَضَعْنَ عِصِى الحَاضِرِ المتَخَيَّمِ هذا معنى الخيام في اللغة، قال أبو عبيدة (٥): والهوادج أيضًا خيام وأنشد للبيد فقال: شاقتك ظعن الحي يوم تحمَّلوا ... فتكنَّسُوا قطنًا تَصرُّ خِيامُها (٦)

стр. 11587

وأما خيام الجنة فقال المفسرون: إنها من در مجوف، قال عطاء عن ابن عباس: يريد خيام الدر والياقوت والزبرجد، يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، الخيمة ما بين بصرى إلى صنعاء (١). وروى قتادة عن ابن عباس قال: الخيمة درة مجوفة فرسخ في فرسخ فيها أربعة آلاف مصراع من ذهب (٢). وروي عن النبي ﷺ "والخيمة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون" (٣). قوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ قال صاحب النظم: قال الله تعالى: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّنَانِ﴾ ولم يذكر لهما أهلًا كما ذكره لما قبلهما من الجنتين فلما قال (متكئين) دل أنه أراد أهلهما، وإنما كف عن ذكر أهلها اقتصارًا على ذكر أهل الجنتين اللتين قبلهما، واكتفاء بالذكر الأول عن الثاني، كما قال : ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥]. قال في فصل آخر متصل بهذا الفصل ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، والتأويل: بعثناهم ليسوؤا فكف عن ذكره اكتفاء بالأول (٤). وأما الرفرف فقال الليث: الرفرف ضرب من الثياب خضر تبسط،

стр. 11588

والواحدة رفرفة (١)، وقال أبو عبيدة: الرفارف البسط (٢)، وأنشد قول مقبل فقال: وإنا لنزالون تغشى فعالنا ... سواقط من أصناف ربط ورفزف (٣) وقال أبو إسحاق: قالوا الرفرف هاهنا رياض الجنة. وقالوا: الرفرف الوسائد. وقالوا: الرفرف المحابس، وقالوا: الرفرف فضول المحابس للفرش. (٤) واختاره المبرد فقال: هو فضول الثياب التي تتخذ الملوك في الفرش وغيره، وكأن الأقرب هذا, لأن العرب تسمي كسر الخباء والخرقة التي تحيط في أسفل الخباء رفرفا. ومنه الحديث في وفاة النبي ﷺ "فرفع الرفرف فرأينا وجهه كأنه ورقة" (٥). قال ابن الأعرابي: الرفرف هاهنا طرف الفسطاط (٦)، فشبه ما فضل من المجالس عما تحته بطرف الفسطاط فسمى رفرفًا يؤكد هذا ما روى هارون بن عنترة، عن أبيه (٧)، عن ابن عباس، قال في قوله: ٧٦ - ﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ فضول المجالس، والبسط والفرش (٨) وهو قول

стр. 11589

الضحاك، ومقاتل، والحسن. قالوا: المحابس والبسط (١). قال الحسن: كان أهل الجاهلية يقولون هي البسط (٢). قال سعيد بن جبير: وهي الرياض، وهو قول الكلبي. (٣) وقوله: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ﴾ قال أبو عبيدة: كل وشى من البسط عبقري قال ويروى أنها أرض يَوشى فيها (٤). وقال الليث: عبقر موضع بالبادية كثير الجن يقال في المثل: كأنهم جن عبقر، وقال أبو عبيدة في حديث النبي ﷺ حينما ذكر عمر "فلم أر عبقريًّا يفري فريه" (٥). قال أبو عبيدة: وإنما أصل هذا فيما يقال إنه نسب إلى عبقر، وهي أرض يسكنها الجن فصارت مثلًا لكل منسوب إلى شيء رفيع، وأنشد لزهير (٦): يخيل عليها جِنّةٌ عَبْقَرّيةٌ ... جَدِيرون يوما أن ينالوا فيستعلوا

стр. 11590

وهذا القول هو الصحيح في العبقري، وذلك أن العرب إذا بالغت في وصف شيء نسبته إلى الجن أو شبهته بهم ومنه قول لبيد (١): جِنُّ الْبَدِيٍّ رواسيًا أقدامُها وقال آخر يصف المرأة: جنية أو لها جن يعلِّمُها ... رمي القلوب بقوس ما لها وتر وذلك أنهم يعتقدون في الجن كل صفة عجيبة، وأنهم يأتون بكل أمر عجيب، ولما كان عبقر معروفًا بسكناهم فسموا كل شي مبالغ فيه إليها، ويريدون بذلك أنه من عملهم وصنعتهم هذا هو الأصل (٢)، ثم صار العبقري اسما ونعتا لكل ما بولغ في صفته، ويشهد لما ذكر بيت زهير فإنه نسب الجن إلى عبقر فثبت به أنها مكانهم، ثم رأينا أشياء كثيرة نسبت إلى عبقر غير البسط والثياب، كقوله ﷺ في صفة عمر (عبقريًّا). وروى سلمة عن الفراء قال: العبقري السيد من الرجال، وهو الفاخر من الحيوان والجوهر (٣). فلو كانت عبقر مخصوصة بالوشي لما نسب إليها غير الموشى، وإنما نسب إليها البسط الموشاة العجيبة الصنعة لما ذكرنا نسب إليها كلما بولغ في وصفه.
следующие страницы →