← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 11656–11695 · переход к 11661.

стр. 11656

ليقين (١). ومعنى (حَقُّ اليَقِينِ) حق الأمر اليقين عند الأخفش والبصريين (٢)، وعند الكوفيين هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه (٣). وقال أبو إسحاق: هذا كما تقول إن زيدًا لعالم، وإنه للعالم حق العالم إذا بالغت في التوكيد (٤). ٩٦ - قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال أبو إسحاق: فنزّه الله عن السوء. والباء يجب أن تكون زيادة للتوكيد (٥)، والاسم يكون بمعنى الذات والنفس كأنه قيل: سبح ونزه ربك العظيم. والله أعلم بالصواب.

стр. 11657

سورة الحديد

стр. 11658

تفسير سورة الحديد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال المقاتلان يعني كل شيء من ذي الروح وغيره من الشجر، والجبال، والبحار، والشمس، والقمر، وكل خلق فيهما ولكن لا تفقهون تسبيحهم (١). وقال أهل المعاني: تسبيح ما لا يعقل تنزيه لله من السوء بما فيه من الآية الداعية إلى ذلك كأنها ناطقة به إذ صنعه يقتضي صانعًا غير مصنوع (٢). قال أبو إسحاق: وهذا خطأ؛ لأن التسبيح تمجيد لله وتنزيهه من [السوء] (*)، قال الله ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] فلو كان التسبيح آثار الصنعة لكانت معقولة، وكانوا يفقهونها، وأيضًا فإنه قال ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] فلو كان تسبيحها آثار الصنعة لم يكن في هذا تخصيص لداود (٣)، وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وفي مواضع.

стр. 11659

٢ - قوله تعالى: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ قال المفسرون: يحيى الأموات للبعث ويميت الأحياء في الدنيا (١). وقال الزجاج: ويجوز أن يكون المعنى يحيي النطف التي إنما هي موات ويميت الأحياء، ويكون موضع يحي ويميت رفعًا على معنى هو يحيي ويميت ويجوز أن يكون نصبًا على معنى له ملك السموات والأرض محييًا ومميتًا قادرًا (٢). ٣ - قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ قال جماعة المفسرين: هو الأول قبل كل شيء، كان هو ولا شيء موجود، فهو الأول بلا ابتداء، والآخر بعد كل شيء بلا انتهاء، يفني الأشياء، ويبقى آخرًا كما كان أولاً، وهذا يروى مرفوعًا أنه "الأول وليس قبله شيء والآخر وليس بعده شيء" (٣). قال الأزهري: ولا يجوز أن يعدو في تفسير الاسمين ما روي عن النبي ﷺ (٤). قوله تعالى: ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ أي الغالب العالي على كل شيء، ومثل قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] أي غالبين عالين، من قولك: ظهرت

стр. 11660

على فلان أي علوته. ومنه قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] وهذا معنى ما روي في الحديث: "والظاهر فليس فوقك شيء" وهذا قول أكثر أهل العلم (١)، ويجوز أن يكون معنى الظاهر أنه ظاهر بالأدلة والشواهد على ربوبيته (٢). وهذا معنى ما روي في الخبر: "اللهم أنت الظاهر فلا تخفى". قوله تعالى: ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ قال أبو إسحاق: الباطن العالم بما بطن، كما تقول: فلان يبطن أمر فلان، أي يعلم دِخْلَةَ أمره (٣). قال الليث: يقال أنت أبطن بهذا الأمر من فلان، أي: أخبر بباطنه فالله تعالى العالم الباطن بكل شيء فلا أحد أعلم منه (٤) ، وهذا معنى ما روي في الحديث: "وأنت الباطن فليس دونك شيء" أي ليس أقرب منك بالعلم شيء، ويجوز أن يكون معنى الباطن أنه محتجب عن الأبصار وهو معنى ما روي في الخبر "والباطن فلا يُرى". ٤ - قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ مفسر في سورة الأعراف (٥) إلى قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ﴾ وهو مفسر في سورة سبأ (٦) إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ أي بالعلم والقدرة وليس ينفك أحد من تعلق علم

стр. 11661

الله وقدرته به أينما كان من أرض، وسماء، وبر وبحر. وهذا حجة على من ترك تأوبل قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وأجراه على الظاهر إذ لابد من التأويل في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ولا يجوز إجراؤه على الظاهر حتى يعتقد أنه مع كل واحد في مكانه وجهته وإذا جاء التأويل في بعض جاز في الكل (١).

стр. 11662

٧ - قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ يخاطب كفار قريش ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ يعني المال الذي كان بيد غيرهم فأهلكهم وأعطا قريشًا ذلك فكانوا خلائف عمن مضوا، وهذا معنى قول المفسرين أنفقوا من أموالكم التي ملككم الله وعمركم فيها (١). قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ قال عطاء والكلبي ومجاهد والمقاتلان (٢): يريد حين أخرجهم من ظهر آدم. وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قال الكلبي: إذا كنتم عند أخذ العهد مقرين له (٣) فـ ﴿إِنْ﴾ على قوله بمعنى (إذ)، وقال غيره: إن كنتم مؤمنين بالحجج والدليل فقد بان وظهر على يد محمد ﷺ ببعثته وإنزال القرآن عليه، ويجوز أن يكون المعنى: إن كنتم مؤمنين يومًا فما لكم لا تؤمنون الآن، وقد قامت الحجة على صدق محمد ﷺ وصحة نبوته (٤). ٨ - ثم قال في الحث على الإنفاق، قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: أيّ شيء لكم في ترك الإنفاق

стр. 11663

فيما يقرب من الله وأنتم ميتون تاركون أموالكم قاله الزجاج (١)، وهو معنى قول المفسرين (٢). ١٠ - ثم بين فضل من سبق بالإنفاق في سبيل الله فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ قال: يعني فتح مكة في قول جميعهم (٣) , قال مقاتل: لا يستوي في الفضل والسابقة من أنفق من ماله وقاتل العدو من قبل فتح مكة (٤). قال الكلبي في رواية محمد بن فضيل: نزلت في أبي بكر ﵁، يدل على هذا أنه كان أول من أنفق المال على رسول الله ﷺ في سبيل الله (٥). قال ابن عمر: كنت قاعدًا عند النبي ﷺ وعنده أبو بكر الصديق وعليه عباءة فخلّها (٦) في صدره بخلال فنزل عليه جبريل فقال: مالي أرى أبا بكر عليه عباءة فخلها في صدره؟ فقال: أنفق ماله عليّ قبل الفتح (٧).

стр. 11664

ولأنه ﵁ كان أيضًا أول من قاتل على الإسلام فقد روى زر عن ابن مسعود قال: أول من أظهر إسلامه بسيفه النبي ﷺ وأبو بكر ﵁ (١). قال صاحب النظم: قوله: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ﴾ يقتضي نقيضًا كما قال ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] ولم يجيء هاهنا النقيض الذي يقابل من أنفق فلما قال ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ دل على هذا النقيض؛ لأن نقيضه من أنفقوا من بعد وقاتلوا (٢). قال عطاء: يريد درجات الجنة تتفاضل، فالذين أنفقوا من قبل الفتح في أفضلها (٣)، وقال مقاتل بن حبان: يقول كانت نفقتهم وجهادهم مع النبي ﷺ أعظم أجرًا ودرجات من درجات من أنفق وقاتل بعد الفتح فتح مكة (٤). قال أبو إسحاق: لأن المتقدمين نالهم من المشقة أكثر مما نال من بعدهم وكانت بصائرهم أيضًا أنفذ (٥). قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ قال مقاتل بن سليمان: يقول

стр. 11665

وكلا الفريقين وعد الله الجنة (١). والقراء في النصب في ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ﴾ لأنه بمنزلة زيدًا وعدت خيرًا فهو مفعول وعد، وقرأ ابن عامر "وكل" بالرفع (٢)، وحجته أن الفعل إذا تقدم عليه مفعوله لم يقو عمله فيه قوته إذا تأخر، ألا ترى أنهم قد قالوا في الشعر (٣): زيدٌ ضربتُ، ومما جاء في ذلك الشعر (٤): قد أصبحتْ أمُّ الخيارِ وتدَّعي ... عليَّ ذنْبًا كُلُهُ لم أصْنّعِ فرووا (كُلُ) بالرفع لتقدمه على الفعل، وإن لم يكن شيء يمنع من تسلّط الفعل عليه فكذلك ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ويكون على إرادة الهاء وحذفها كما تحذف من الصلاتِ نحو: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١] والصفات ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]. ومثل ذلك قول جرير (٥): أبحتَ حمى تهامةَ بعد نجدٍ ... وما شيءٌ حميتَ بمُستباحِ أي حميته (٦).

стр. 11666

١١ - قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قال الكلبي: صادقًا محتسبًا بالصدقة (١). وقال مقاتل: يعني طيبة بها نفسه (٢). وقال أهل العلم: القرض الحسن أن يجمع أوصافًا عشرة وهي: أن تكون من الحلال، وقد قال رسول الله ﷺ : "إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب" (٣). وقد قال أيضًا: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول" (٤). وأن تكون من أكرم ما تملكه دون أن تقصد إلى الرديء للإنفاق. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. وأن تتصدق به وأنت تحبه وتحتاج إليه، بأن ترجو الحياة كما قال ﷺ لما سئل عن أفضل الصدقة، فقال: "أن تعطيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش ولا تمهل حتى إذا بلغت التراقي قلت لفلان كذا أو لفلان كذا" (٥).

стр. 11667

وأن تضعه في الأخل (١) الأحوج الأولى بأخذه، ولذلك خص الله تعالى أقوامًا بأخذ الصدقات وهم أهل السهمان. وأن تكتمه ما أمكن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. وأن لا تتبعه منا وأذى؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]. وأن تقصد به وجه الله ولا ترائي بذلك؛ لأن المرائي مذموم على لسان الشرع. وأن تستحقرها، تعطي وإن كثر؛ لأن ذلك قليل والدنيا كلها قليلة. وأن تكون من أحب مالك إليك، قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. فهذه أوصاف عشرة إذا استكمَلَتها الصدقة كانت قرضًا حسنًا إن شاء الله (٢)، وهذه الآية مفسرة مذكورة في سورة البقرة (٣). ١٢ - قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ قال أبو إسحاق: يوم منصوب بقوله: ﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أي وله أجر كريم في ذلك اليوم (٤). و ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ قال مقاتل والحسن: يسعى نورهم بين

стр. 11668

أيديهم على الصراط يوم القيامة، وهو دليل لهم إلى الجنة (١). وقال قتادة: إن المؤمن يضيء له نوره كما بين عدن إلى صنعاء ودون ذلك حتى أن من المؤمنين من لا يضيء له نور إلا موضع قدميه (٢). وقال ابن مسعود في هذه الآية: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم منهم من نوره مثل الجبل وأدناهم نورًا نوره على إبهامه يطفأ مرة ويَقد أخرى (٣). وقال مجاهد: ما من عبد إلا ينادي يوم القيامة أين فلان بن فلان ها نورك، أين فلان بن فلان لا نور لك. قوله: ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ قال الأخفش والفراء: يريد من أيمانهم وشمائلهم فأقام الباء مقام عن كما قال: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]. يقول بطرف (٤)، واكتفى بالأيمان عن ذكر الشمائل. وقال الضحاك وابن حبان: ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ كتبهم التي أعطوها فكتبهم بأيمانهم ونورهم بين أيديهم (٥)، وعلى هذا حذف الكتب لدلالة قوله: ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ عليها. قوله تعالى: ﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ﴾ أي: وتقول لهم الملائكة: بشراكم اليوم. ١٣ - ثم ذكر حال المنافقين في ذلك اليوم فقال: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ

стр. 11669

يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ﴾ يوم بدل من قوله: ﴿يَوْمَ تَرَى﴾ (١) فقال أبو أمامة: يغشى الناس يوم القيامة ظلمة شديدة ثم يقسم النور فيعطى المؤمن نورًا ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئًا فيمضي المؤمنون ويقول المنافقون ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ قال: وهي خدعة خدع بها المنافقون، قال الله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم وقد ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ (٢). وقال ابن عباس ومجاهد: إن المؤمنين والمنافقين جميعًا يعطون النور وذلك أنهم يحشرون معًا ويعطون النور فيطفأ نور المنافقين ويقولون للمؤمنين ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ (٣). وقال الكلبي: يستضيء المنافقون بنور المؤمنين ولا يعطون النور فإذا سبقهم المؤمنون قالوا: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ أي انتظرونا (٤) ونظر بمعنى انتظر في التنزيل والشعر كثير، قال الله تعالى: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] منتظرين إدراكه، وأنشد أبو علي (٥): ما زِلت مُذ أشهرَ السُّفَّارُ أنْظُرُهُم ... مثلُ انتظارِ المضحّي راعيَ الإبلِ

стр. 11670

المعنى: انتظرهم انتظارًا مثل انتظار الضحي ويجي فعلت وافتعلت بمعنى كثيرًا كقولهم: شريت واشتريت وحفرت واحتفرت (١). وقرأ حمزة ﴿أنْظِرُونَا﴾ بقطع الألف (٢) من الإنظار: قال أبو عبيد: التي تختارها هي الأولى (٣)؛ لأن تأويلها: انتظرونا، وأما الأخرى: فإنما هي من التأخير ولا أعرب للتأخير هاهنا موضعاً (٤) فأبطل هذه القراءة. قال أبو إسحاق: ﴿انْظُرُونَا﴾ بقطع الألف معناه: انتظرونا أيضًا، وأنشد بيت عمرو بن كلثوم (٥): أبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا وقال أبو علي: وقد يكون أنظرتُ في معنى انتظرت بقولك: أنظرني التنفيس الذي يطلب بالانتظار من ذلك قوله: وأنظرنا نخبرك اليقينا ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤] إنما هو طلب الإمهال والتسويف، فالمطلوب بقوله: وأنظرنا: تسويف، وكذلك

стр. 11671

قوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ﴾ نفسونا نقبتس، وانتظروا علينا. وكذلك ما جاء في الحديث من إنظار المعسر (١) فهذا وإن كان التأخير يشملها فهو على تأخير دون تأخير، وليس تسرّع من تسّرعَ إلى تخطئة من قال: "أنظرونا" بشيء وليس ينبغي أن يقال فيما لطف إنه خطأ، وهو زعموا قراءة يحيى بن وثاب والأعمش (٢). قوله تعالى: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ﴾ قال ابن عباس: يقول المؤمنون لهم ارجعوا وراءكم (٣). وقال مقاتل: قالت لهم الملائكة ارجعوا وراءكم من حيث جئتم من الظلمة (٤). ﴿فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ قال أبو إسحاق: تأويله لا نور لكم عندنا (٥). قوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ قد ذكرنا أن المنافقين ينصرفون لطلب النور فلا يجدون، ثم يقبلون إلى المؤمنين ليلحقوهم فيميز بينهم وبين المؤمنين ويضرب بينهم سد، وهو قوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ﴾ أي أن بين المنافقين والمؤمنين ﴿بِسُورٍ﴾ وهو الحائط، والباء فيه صلة للتأكيد، قاله

стр. 11672

الأخفش (١). وقد مضى الكلام فيه. ﴿لَهُ بَابٌ﴾ لذلك السور باب ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ أي في باطن ذلك السور الرحمة، قال ابن عباس والمفسرون (٢): يعني الجنة التي فيها المؤمنون ﴿وَظَاهِرُهُ﴾ يعني وخارج السور ﴿مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ أي من قبله يأتيهم العذاب، والمعنى أن ما يلي المؤمنين ففيه الرحمة، وما يلي الكافرين يأتيهم من قبله العذاب. قال ابن عباس: يريد جهنم (٣)، وقال الحسن: يعني النار (٤). وقال الكلبي: هذا السور هو سور الأعراف (٥). وقال قتادة: هو حائط بين الجنة والنار (٦)، والمعنى أن المؤمنين يسبقونهم فيدخلون الجنة، والمنافقين يحصلون (٧) في العذاب والنار وبينهم السور الذي ذكر الله تعالى. ١٤ - قوله تعالى: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ قال المفسرون: إن المؤمنين إذا فاتوا المنافقين وسبقوهم نادوهم من وراء السور ألم نكن معكم نصلي بصلاتكم في مساجدكم ونغزو مغازيكم، وكنا معكم في الحج

стр. 11673

والعمرة ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال المفسرون وأهل المعاني: استعملتموها في الكفر والشهوات والمعاصي وكلها فتنة (١). ﴿وَتَرَبَّصْتُم﴾ قال ابن عباس: يريد بالتوبة (٢)، وقال مقاتل: وتربصتم بمحمد الموت، وقلتم: يوشك أن يموت فنستريح منه (٣)، وهو اختيار أبي إسحاق، قال: وتربصتم بالنبي ﷺ والمؤمنين الدوائر (٤). قوله تعالى: ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾ قال ابن عباس: شككتم في الوعيد، يعني فيما أوعدهم به محمد ﷺ من العذاب (٥). وقال مقاتل: وشككتم في نبوة محمد (٦). وقوله: ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾ قال ابن عباس: يريد الباطل وهو ما كانوا يتمنون الدوائر بالمؤمنين (٧) ﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ قالوا: الموت. قال قتادة: ما زالوا على خدعة من الشيطان حتى قذفهم الله في النار (٨). وهو قوله تعالى: ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ أي وغركم الشيطان بحلم الله وإمهاله وهذا مفسر فيما تقدم (٩).

стр. 11674

١٥ - قوله تعالى: (هي مولاكم) قال ابن عباس: هي مصيركم (١). وقال مقاتل: يعني وليكم (٢). وقال الكلبي: هي أولى بكم (٣)، وهو قول أبي عبيدة، وأنشد للبيد: (٤) تعدت كل الفرجين تحسب أنه ... مولى المخافة خلفها وأمامها قال أبو إسحاق: معن ﴿مَوْلَاكُمْ﴾ هي أولى بكم لما أسلفتم من الذنوب، وأنشد البيت ثم قال: أي ولي المخافة (٥). وقال الفراء: هي أولى بكم (٦). هذا الذي ذكرنا ألفاظهم (٧). والمعنى: إنما هي التي تلي عليكم لأنها قد ملكت أمركم وأسلمتم إليها فهي أولى بكم من كل شيء وإنما جاز إطلاق هذا اللفظ على النار؛ لأن

стр. 11675

الله تعالى قد ركب فيها العقل والمعرفة فهي تتميز غيظًا على أعداء الله وهي أعرف بهم من الوالدة بولدها ولهذا المعنى خوطبت في قوله : ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ﴾ الآية [ق: ٣٠]. ووجه آخر وهو أن معنى قوله: ﴿هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾ لا مولى لكم أي لا ناصر، وذلك أن من كانت النار مولاه فهو مولى له وهذا كما يقال: ناصره الخذلان، ومعينه البكاء، أي لا ناصر له ولا معين، ومثله كثير ويؤكد هذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]. ١٦ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾. يقال: أَنَى لك يَأْني أَنًى، وآن لك يئين أيْناَ إذا حان (١). روى الثوري عن الأعمش قال: لما قدموا المدينة أصأبوا من لين العيش ورفاهيته ففتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا ونزلت في ذلك ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾ الآية (٢). ونحو هذا قال القرظي، قال: كانوا مجدبين بمكة فلما هاجروا أصابوا الريف ففتروا عما كانوا عليه (٣). وقال ابن أبي رواد: إن أصحاب النبي ﷺ ظهر فيهم المزاح والضحك فأنزل الله هذه الآية (٤). قال ابن مسعود: لم يكن بين إسلامهم وبين أن عاتبهم الله بهذه الآية

стр. 11676

إلا أربع سنين (١). وقال مقاتل بن حيان: إنها حين نزلت قال النبي ﷺ : "إن الله يستبطئكم بالخشوع" فقالوا عند ذلك يعتب ربنا. (٢) والمعنى: أما حان للمؤمنين أن ترق قلوبهم لذكر الله. قال ابن عباس: يريد لمواعظ الله، وعلى هذا الذكر مصدر أضيف إلى الفاعل أي "لذكر الله" وعظهم وما يعتبرون به ويستدلون به على الخشوع وهو ما ذكر الله لهم من مواعظ القرآن، ويجوز أن يكون الذكر مضافاً إلى المفعول والمعنى لذكرهم الله، أي يجب أن يورثهم الذكر خشوعاً ولا يكونوا كمن يذكره بالغفلة فلا يخشع قلبه للذكر. قال أبو إسحاق هذه الآية -والله أعلم- نزلت في طائفة من المؤمنين حُثُّوا على الرقة والخشوع، فأما من وصفه الله جل وعز بالخشوع والرقة فطبقة من المؤمنين فوق هؤلاء (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (ما) في موضع جر بالعطف على الذكر وهو موصول، والعائد إليه محذوف على تقدير وما نزله (٤) من الحق

стр. 11677

وقراءة العامة بالتشديد (١) لكثرة ما جاء في القرآن من ذكر التنزيل. قال أبو عبيدة: وكذلك هي عندنا على التشديد لذكر الله جل ثناؤه قبل ذلك (٢). والمعنى أنه هو نزل الحق. قال المبرد: والمعنى في التشديد والتخفيف واحد؛ لأن الحق لا ينزل إلا بأن ينزله الله فهو معلوم أن الله أنزله وإن لم يذكر باللفظ ويدل على صحة قراءة من ضعف قوله: ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ (٣). قال ابن عباس والمفسرون: في قوله: ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ يعني القرآن (٤). قوله تعالى: ﴿وَلَا يَكُونُوا﴾ هو قال الفراء: هو في موضع نصب معناه: ألم يأن أن تخشع قلوبهم وألا يكونوا. قال: ولو كان جزماً على النهي كان صوابًا (٥)، ويدل على هذا الوجه قراءة من قرأ بالتاء (٦). قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال ابن عباس: يريد اليهود والنصارى ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ قال ابن عباس: يريد الدهر، وهو

стр. 11678

قول مجاهد (١). والمعنى: طال عليهم الزمان بينهم وبين أنبيائهم ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد حب الدنيا أي مالوا إليها وأعرضوا عن مواعظ الله تعالى (٢)، ويجوز أن يكون المراد بطول الأمد أن أعمارهم طالت في الغفلة فأورثهم ذلك القسوة (٣). ويكون المعنى على هذا: طال عليهم أمد الجزاء وأمد آجالهم. وقال ابن حيان: الأمد (٤) هاهنا الأمل (٥) البعيد (٦)، والمعنى على هذا: طال عليهم الأمد بطول الأمل أي أملوا بعيدًا فقست قلوبهم. وقال هو ومقاتل بن سليمان: يعني طال عليهم أمد خروج النبي ﷺ فقست قلوبهم حتى أحدثوا الأحداث (٧) يعني الذين كانوا قبل خروج النبي ﷺ والمعنى: أنه نهى المؤمنين أن يكونوا في صحبة القرآن كاليهود الذين قست قلوبهم لما طال عليهم الدهر، ولهذا قال القرطبي: يجب أن يزداد المؤمن إيمانًا ويقينًا وإخلاصًا في طول صحبته الكتاب (٨).

стр. 11679

قوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ يعني الذين تركوا الإيمان بعيسى ومحمد ﷺ هذا الذي ذكرنا في هذه الآية هو قول عامة المفسرين (١). وقال الكلبي ومقاتل بن سليمان نزلت في المنافقين (٢) وعلى هذا معنى قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي باللسان في العلانية. قال مقاتل: كان المنافقون لا ترق قلوبهم لذكر الله والقرآن فلم يَلِن له إلا القليل منهم وهم الذين صدقوا وكثير منهم فاسقون (٣). ١٨ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ قراءة العامة بتشديد الصاد على معنى المتصدقين والمتصدقات بالصدقة، وكذا هو في قراءة أُبَّي بالفاء (٤) فأدغمت التاء في الصاد يدل على أن المعنى هذا. قوله تعالى: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وهذا الفصل اعتراض بعين الخبر والمخبر عنه والاعتراض بمنزلة الصفة (٥) فهو للصدقة أشد ملاءمة منه للتصديق، وقراءة من قرأ بتخفيف الصاد من التصديق الذي هو بمعنى الإيمان, ومعناها إن المؤمنين والمؤمنات، حجة هذه القراءة أن التشديد مقصور على الصدقة والتخفيف أعم؛ لأن التصديق يعم الصدقة وغيرها من كل ما صدقوا وآمنوا به فهو أذهب في باب المدح، وعلى هذا قوله:

стр. 11680

﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (١) فذكر العمل الصالح بعد الإيمان كذلك هاهنا ذكر القرض الحسن بعد التصديق على هذه القراءة لا يحمل قوله: وأقرضوا على الاعتراض ولكنه عطف على المعنى، ألا ترى أن المصدقين معناه الذين صدقوا فكأنه قال: إن الذين صدقوا وأقرضوا ويجوز هذا الوجه في القراءة الأولى (٢)، على معنى إن الذين تصدقوا وأقرضوا الله قرضا حسنًا، وذكرنا تفسير القرض الحسن في هذه السورة. وذكر أبو علي في المسائل الحلبية في قوله: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ﴾ أوجهًا، واختار الاعتراض فقال: حمله على الاعتراض أرجح الوجوه عندي؛ لأن الاعتراض قد شاع في كلامهم وكثر، ولم يجر ذلك عندهم فجرى مجرى الفصل بين المتصلين بما هو أجنبي؛ لأن فيه تبييناً فأشبه بذلك الصفة والتأكيد (٣). ١٩ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ في تفسير هذه الآية طريقان: أحدهما: أن الآية عامة في كل من آمن بالله ورسله وهو مذهب مجاهد، وقال: كل من آمن بالله ورسوله فهو صديق، ثم قرأ هذه الآية (٤)، ويدل على هذا ما روي عن ابن عباس في قوله: ﴿هُمُ

стр. 11681

الصِّدِّيقُونَ﴾ أي الموحدون (١). الثاني: أن الآية خاصة وهو قول المقاتلين، قال ابن سليمان: هم الذين لم يشكوا في الرسل ساعة حين أخبروهم (٢). وقال ابن حيان: هم الذين آمنوا بالرسل حين أتوهم ولم يكذبوهم ساعة قط مثل حديث آل ياسين ومؤمن آل فرعون وأبي بكر الصديق (٣)، هذا كلامه وهو مذهب الضحاك في هذه الآية، قال: هم ثمانية نفر سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام: أبو بكر، وعلي، وزيد، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وحمزة، وتاسعهم عمر ﵃ ألحقه الله بهم لما عرف من صدق نيته (٤). ومن قال بالطريقة الأولى قال: قوله: ﴿وَالشُّهَدَاءُ﴾ عطف على الآية الأولى. والمعنى: إن الذين آمنوا بالله ورسله هم الصديقون وهم الشهداء. قال مجاهد: كل مؤمن صديق وشهيد، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ﴾ (٥).

стр. 11682

وقال الضحاك: الشهداء هم الصديقون، وكانوا كلهم شهداء (١). يعني الذين ذكرهم بأسمائهم. قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون (والشهداء) نسقًا على ما قبله، فيكون المعنى: أولئك هم الصديقون وأولئك هم الشهداء عند ربهم، ويكون ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ للجماعة من الصديقين والشهداء (٢). وعند قوم من المفسرين هذه الآية مستأنفة. قال مسروق: هذه للشهداء خاصة (٣)، وقال مقاتل بن سليمان ثم استأنف للشهداء يعني من استشهد (٤). وقال مقاتل بن حيان: الآية الأولى مفصولة ثم ذكر الشهداء وهم الأنبياء والرسل (٥) واختار محمد بن جرير هذا القول قال: لأن الإيمان غير موجب اسم شهيد إلا أن يراد أنه شهيد على ما آمن به فيكون وجهًا وذلك ليس بمعروف من معانيه إذا أطلق، والتأويل والشهداء الذين قتلوا في سبيل الله عند ربهم (٦). وقال الفراء: انقطع الكلام عند قوله: ﴿هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ ثم قال ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يعني النبيين ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ ورفعت ﴿الشُّهَدَاءُ﴾ بقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ ونحو هذا ذكر أبو إسحاق (٧) في هذا الوجه سواء فالشهداء

стр. 11683

في قول مقاتل بن سليمان، وابن جرير من استشهد في سبيل الله، وفي قول ابن حيان، والفراء، والزجاج: الأنبياء. ٢٠ - قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ الآية، آراء المتأخرين من أهل التفسير يفسرون الحياة الدنيا بما في هذه الدار الفانية من العروض والأموال التي تسمى الدنيا وهي لا تسمى الحياة، والحياة الدنيا الحياة في هذه الدار، وللآدمي حياتان، الحياة الدنيا، وهي حياته في هذه الدار، وحياته الثانية: حياته في الآخرة، أعلم الله تعالى أن الحياة الفانية ما هي وهو يريد حياة من لا تكون حياته في طاعته؛ لأن من كانت حياته في طاعة الله لا تكون حياته لعبًا ولهوًا. قال ابن عباس في هذه الآية: يريد ما كان لغير الله فهو باطل وغرور (١). وإنما جعلها لعبًا ولهوًا: لأنها تنقضي عن قريب، ولأنها إذا كانت في غير الطاعة فهي باطل وغرور. قاله ابن عباس. قوله تعالى: ﴿وَزِينَةٌ﴾ قال ابن عباس: يريد يتزين الناس بما لا يحب الله ولا يرضى (٢). والمعنى أن الكافر يستغل حياته بالتزين للدنيا، دون العمل للآخرة فحياته زينة على معنى أنه يذهبها في الزينة، والزينة اسم جامع لكل شيء يتزين به، والكافر لا همة له في حياته إلا ما يزينه في دنياه، وهذا كما قيل: حياتك بالغرور سهو وغفلة، أي أنك تذهبها فيهما لا أنها هما بعينهما. وكذلك قوله: ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ يعني أنكم تشتغلون في حياتكم بالتفاخر. قال ابن عباس: يفاخر الرجل قريبه وجاره (٣).

стр. 11684

﴿وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ قال ابن عباس: يجمع ما لا يحل له تكاثرًا به، ويتطاول على أولياء الله بماله وخدمه وولده (١). ثم بين لهذه الحياة شبيهًا فقال ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ يعني المطر والكاف موضعه رفع من وجهين أحدهما: أن يكون صفة لقوله. ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ وما ذكر بعدهما. والآخر: أن يكون خبرًا بعد خبر قاله الزجاج (٢)، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ﴾ [الكهف: ٤٥] الآية. وقد بينا الكلام فيها قوله تعالى: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ يعني الزراع، عن عبد الله ومجاهد (٣). قال الأزهري: والعرب تقول: للزارع كافرًا؛ لأنه يكْفُرُ البَذْرَ الذي يبذره بتراب الأرض، ومنه قوله: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ أي الزُّرَّاعَ، وإذا أعجب الزراع نباتة مع علمهم به فهو غاية ما يُسْتَحْسَنُ، قال: وقيل الكفار في هذه الآية الكفار باللهِ وهم أشد إعجابًا بزينة الدنيا وحرثها من المؤمنين هذا كلامه (٤) وأكثره من قول أبي إسحاق (٥). وقوله: ﴿نَبَاتُهُ﴾ أي ما ينبت من ذلك الغيث وباقي الآية مفسر في سورة الزمر (٦). قال أهل المعاني: زهد الله بهذه الآية في العمل للدنيا ورغب في

стр. 11685

العمل للآخرة وهي صفة حياة الكافر وحياة من يشتغل باللهو واللعب وما ذكر بعدهما، وهي خطاب للكافر وتحذير للمؤمنين عن مثل حياتهم، ويدل على هذا قوله: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ فختم بذكر العذاب، والمعنى: فعذاب شديد لمن كانت حياته بهذه الصفة. قال مقاتل: عذاب شديد لأعداء الله ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ لأوليائه وأهل طاعته (١). وقاله ابن عباس. قال الزجاج: معناه: مغفرة لأولياء الله، وعذاب لأعدائه (٢). وقال الفراء: ذكر ما في الدنيا وأنه على ما وصف، ثم قال: وأما الآخرة فإنها إما عذاب وإما جنة (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ يعني لمن عمل لها ولم يعمل للآخرة، وهو معنى قول مقاتل، أي: لمن اغتر بها يتمتعون ثم يذهب (٤). وقال سعيد بن جبير: متاع الغرور هو ما يلهيك عن طلب الآخرة وما لم يلهك فليس بمتاع الغرور ولكنه متاع بلاغ إلى ما هو خير منه (٥). ٢١ - قوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ مضى تفسير هذه الآية عند قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ فيه ثلاثة أقوال.

стр. 11686

أحدها: أن السموات السبع والأرضين السبع لو ألزق بعضها ببعض ووصل لكانت الجنة في عرضها جميعًا هذا قول مقاتل (١). وقال عطاء عن ابن عباس: يريد لرجل واحد، يعني أن لكل واحد جنة بهذه السعة (٢). القول الثالث: أن هذا تمثيل للعباد بما يعقلونه ويقع في نفوسهم، وأكبر ما يقع في نفوسهم مقدار السموات والأرض وهذا قول الزجاج (٣). وهذه الأقوال مشروحة في سورة آل عمران. قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ في هذا أعظم رجاء وأقوى أمل إذ ذكر أن الجنة أعدت لمن آمن ولم يذكر مع الإيمان شيئًا آخر (٤). ثم قال ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فبين أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله (٥). قال أبو إسحاق: ثم أعلم أن المؤَدَّى إلى الجنة أو إلى النار لا يكون إلا بقضاء وقدر فقال:

стр. 11687

٢٢ - قوله تعالى: (١) ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ قال الكلبي والمقاتلان: المصيبة في الأرض قحط المطر وقلة النبات ونقص الثمار وغلاء السعر وتتابع الجوع، وقالوا في قوله: ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ المصيبة في الأنفس: النبلاء والأمراض، وذهاب الولد، وإقامة الحدود عليها (٢). وقال الشعبي: المصيبة ما يكون من خير وشر، وما يسوء وشر (٣)، وهو اختيار الزجاج، قال: أو كسب خير أو شر فمكتوب عند الله معلوم (٤)، وهو قوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ قالوا: يعني اللوح المحفوظ. وذكر أن سعيد بن جبير لما انطلق به إلى الحجاج بكى رجل، فقال ما يبكيك: قال: الذي نزل بك من الأمر قال: فلا تبك فإنه كان سبق في علم الله أن يكون هذا ثم قرأ هذه الآية (٥). قال أبو علي الفارسي: قوله: ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ موضع قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ يحتمل ضربين أحدهما: أن يكون مفعولا فيه ظرفًا، والآخر: أن يكون وصفًا، فإن جعلته ظرفًا احتمل أن يكون ظرفًا لأصاب، واحتمل أن يكون لمصيبة ويؤكد كونه ظرفًا ويحسنه دخول لا في قوله:

стр. 11688

﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ فصار ذلك مثل: ما ضرب من رجل ولا امرأة. الوجه الثاني: أن يكون صفة للنكرة، وقوله: ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ صفة معطوفة على صفة، وإذا كان كذلك احتمل موضع قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ ضربين: أحدهما: أن يكون جرًا على لفظ قوله: ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ والآخر: أن يكون رفعًا على موضع ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾. فإن قلتَ: فما وجه دخول (لا) في قوله: ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ وليس الكلام على هذا التأويل بنفي؟ فالقول فيه: أنه لما كان معطوفًا على ما هو منفي في المعنى وإن لم يكن منفيًا في اللفظ جاز أن يحمل الكلام على المعنى فيدخل فيه لا؛ لأن قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ صفة لمنفي (١) فأجريته مجرى المنفي فاستجزت العطف عليه بلا، والحمل على المعنى في النفي قد جاء في غير شيء من كلامهم ألا ترى أنهم قد قالوا: إن أحدًا لا يقول إلا زيد لما كان في المعنى منفيًا. وإن شئت قلت: إن (لا) زائدة وقد ذكرنا زيادتها في غير موضع (٢). قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ قال ابن عباس: من قبل أن أخلق خلقي (٣). وقال الكلبي والمقاتلان: من قبل أن أخلق الأنفس (٤). وعلى هذا

стр. 11689

الضمير في نبرأها للأنفس وهو اختيار الفراء (١). وذكر أيضًا الضمير للأرض والأنفس جميعًا (٢)، وعن ابن عباس أيضًا أنها للمصيبة (٣). قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ قال ابن عباس: إن حفظ ذلك على الله هين (٤). وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر: ١١] والمعنى أن إثبات ذلك على كثرته يسير هين على الله. ٢٣ - قوله: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ هذا يدل على قول الشعبي إن المصيبة تكون من خير وشر؛ لأن الله تعالى ذكر في هذه الآية الحزن والفرح جميعًا، وهذه اللام تجعل أول الكلام سببًا لآخره، كما تقول: قمت لأضربك، بينت باللام أن القيام سبب للضرب وفي هذه الآية ليس الأمر على ذلك؛ لأن إثبات الله تعالى للحوادث والكائنات قبل خلقها لو كان سببًا لنفي الحزن والفرح ما فرح أحد ولا حزن، ولا وجد فرح ولا حزن، ولكن اللام تتعلق بإخبار الله تعالى إيانا بانقضائه وسبق قدره وبالكائنات، وذلك يوجب نفي الفرح والحزن وكأنه قيل: أخبرناكم بهذا لكيلا تأسوا، وحذف ذلك؛ لأن المشاهدة أغنت عنه وهذا معنى ما ذكره صاحب النظم (٥).

стр. 11690

والذي يوجب نفي الأسى والفرح من هذا أن الإنسان إذا علم أن ما قضي عليه من مفرح (١) أو محزن سيصيبه لا محالة قَلَّ فرحه وحزنه لاستشعاره العلم بذلك قبل وقوعه. قوله تعالى: ﴿مَا آتَاكُمْ﴾ قراءة العامة بالمد من الإيتاء، وقرأ أبو عمرو مقصورًا من الإتيان (٢) عادل به ﴿فَاتَكُمْ﴾ فكما أن الفعل للفائت في قوله: ﴿فَاتَكُمْ﴾ كذلك يكون الفعل الذي في قوله: ﴿مَا آتَاكُمْ﴾ والعائد إلى الموصول من الكلمتين الذكر المرفوع بأنه فاعل، ووجه قراءة العامة أن الخير الذي يأتيهم هو مما يعطيه الله فإذا قد كان ذلك منسوبًا إلى الله وهو المعطي لذلك، ويكون فاعل الفعل في (آتاكم) ضميرًا عائدًا إلى اسم الله، والهاء محذوفة من الصلة تقديره: بما آتاكموه (٣). قال المبرد: المعنى في قوله: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ أي لا يكون منكم في هذا ولا في هذا ما يجاوز مقدار ما ينبغي فيه (٤). وشرحه الزجاج فقال: معناه: لا تحزنوا حزنًا يطغيكم حتى يخرجكم إلى أن تلزموا أنفسكم الهلكة، ولا تعتدوا بثواب ما تسلبونه وما فاتكم،

стр. 11691

ولا تفرحوا فرحًا شديدًا تأثروا فيه وتبطروا، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ فدل بهذا أنه ذم الفرح الذي يختال فيه صاحبه ويبطر، فأما الفرح بنعمة الله والشكر عليها فغير مذموم (١). وهذا كله معنى ما روى عكرمة عن ابن عباس: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا للمصيبة صبرًا وللخير شكرًا (٢). ٢٤ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ هذه الآية مستأنفة لا تتعلق بما قبلها لأنها في صفة اليهود الذين كتموا صفة محمد ﵇ وبخلوا ببيان فعته، قاله ابن عباس في رواية عطاء والكلبي ومقاتل (٣)، والآية مفسرة في سورة النساء (٤). و (الذين) ابتداء وخبره محذوف دل عليه قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ على تقدير الذين يبخلون الله غني عنهم (٥). قال ابن عباس: ومن يتول عن الإيمان فإن الله غني عن عبادته، حميد إلى أوليائه (٦). وقال مقاتل: يعني بخل اليهود حين بخلوا بالزكاة والنفقة في سبيل الله. يقول الله غني عما عندهم حميد عند خلقه (٧).

стр. 11692

والذي ذكرنا من حذف الخبر قول الأخفش، قال: وحذف الخبر كير في القرآن كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ﴾ [الرعد: ٣١] الآية، ولم يأت له خبر (١)، وقراءة العامة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ وقرأ ابن عامر (فإن الله الغني) (٢). ومن أثبت (هو) كان فصلاً، ولا يكون مبتدأ والفصل حذفه أسهل، ألا ترى أنه لا موضع للفصل من الإعراب وقد يحذف فلا يخل بالمعنى (٣). ٢٥ - قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ قال مقاتل بن حيان: البينات: الإخلاص لله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة إلى ذلك دعت الرسل (٤). فالبينات على قول ابن سليمان الحجج (٥)، وعلى قول ابن حيان الأحكام في العبادة، والأول الوجه (٦)؛ لقوله (٧): ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾، والكتاب يتضمن الأحكام. قوله تعالى: ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ قال قتادة وابن حيان: الميزان: العدل (٨).

стр. 11693

ويكون المعنى على. هذا وأمرنا بالعدل، وهذا كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: ١٧] وقد مر. وقال مقاتل بن سليمان: يعني الموازين (١). وهو قول ابن زيد. قال: ما يوزن (٢) به. وعلى هذا المعنى أنزلنا معهم الكتاب ووضعنا الميزان فيكون من باب: علفتها تبنًا وماء باردًا (٣) وأكلت خبزًا ولبنًا. وقد مر في مواضع، يدل على صحة هذا قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٦]. قوله: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ أي: ليتبعوا ما أمروا به من الطاعة والعدل فتعملوا بينهم بالعدل. ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ قال الكلبي: أنزل الله على آدم القلاة والمطرقة

стр. 11694

والكلبتين (١). وروي عن ابن عباس: نزل آدم من الجنة معه خمسة أشياء من الحديد: السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة والإبرة (٢). ويدل على صحة هذا ما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: أنزل الحديد، والنار، والماء، والملح" (٣) هذا مذهب المفسرين. وذهب قوم إلى أن معنى أنزلنا الحديد أنشاناه وأحدثناه، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦] وهو معنى قول مقاتل يقول: بأمرنا كان الحديد (٤)، وهذا قول أبي علي الفارسي. وقال قطرب: معنى أنزلنا هيأنا وخلقنا من التنزل - يقال: أنزل الأمير على فلان نزلاً حسنًا (٥)، ومعنى الآية: أنعمنا بالحديد وجعلناه مهيأ لكم

стр. 11695

وهذا القول قريب من قول أبي علي. قوله تعالى: ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ قال أبو إسحاق: يمتنع به ويحارب (١) به، وهو قول المفسرين: فيه قتال شديد، قاله عطاء والكلبي (٢). وقال مقاتل: بأس شديد للحرب (٣)، والمعنى: أنه يتخذ منه آلتان للحرب: آلة الدفع، وآلة الضرب، وقد جمعهما مجاهد في قوله: جُنَّة وسلاح (٤). قوله تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ قال المقاتلان والكلبي: ما ينتفعون به في معايشهم مثل السكاكين والفأس والمبرد (٥). وقال عطاء عن ابن عباس: لأن كل شيء خلقه الله من حجر أو شجر لا يصلح إلا بالحديد (٦). وقال أبو إسحاق: يستعملونه في أدواتهم وما ينتفعون به (٧). قال صاحب النظم قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ كل هذا معترض بين قوله: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾؛ لأن قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ لا يتصل بإنزال الحديد وهو نسق على قوله: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (٨).
следующие страницы →