← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 11621–11660 · переход к 11626.

стр. 11621

إليه، وقال أبو عبيدة: العروب الحسنة التبعل (١)، وقال المبرد: العاشقة لزوجها، وأنشد (٢): وفي الخروج عروب غير فاحشةٍ ... ريا الروادف يغشى دونها البصر وفيه قراءتان التثقيل والتخفيف (٣) وهما جائزان مطردان في جمع فعول. وذكر المفسرون في تفسير العرب: العواشق المتحببات الغنجات (٤) المتعشقات الغلمات الشَّكِلات المغنوجات كل ذلك من ألفاظهم (٥). قوله تعالي: ﴿أَتْرَابًا﴾ أي أمثالاً. يقال: هما تربان (٦) والمفسرون يقولون أقرانًا مستويات على سن واحد، وميلاد واحد، بنات ثلاث وثلاثين (٧).

стр. 11622

٣٨ - قوله تعالى: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ قال ابن عباس: يريد أنشأناهن لأصحاب اليمين (١). وقال مقاتل: يقول: هذا الذي ذكرنا لأصحاب اليمين (٢)، وهو قول الكلبي. قال المفسرون: الحور العين للسابقين والعرب الأتراب لأصحاب اليمين (٣). ثم أخبر عنهم فقال: ٣٩ - قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي هم ثلة من المؤمنين الذين كانوا قبل مؤمني هذه الأمة. ٤٠ - ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ من مؤمني هذه الأمة فمن آدم إلينا ثلة ومنا ثلة (٤). وهذا يروى مرفوعًا أن النبي ﷺ قال: "من آدم إلينا ثلة ومني إلى القيامة ثلة ولا يستتمها إلا سودان من رعاة الإبل ممن قال لا إله إلا الله" (٥). وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٦)، ومقاتل. قال مقاتل: فأمة محمد ﷺ أكثر أهل الجنة، واحتج بما روي أن النبي ﷺ قال: "أهل الجنة عشرون ومائة صف، أمتي من ذلك ثمانون صفًّا وأربعون صفًّا من سائر الناس" (٧).

стр. 11623

ومذهب جماعة من المفسرين أن الثلتين جميعًا من هذه الأمة ثلة من سابقيها وثلة من متأخريها، وهذا قول أبي العالية، ومجاهد، والضحاك (١) ويدلس على هذا ما روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال في الثلتين: "هما جميعًا من أمتي" (٢). وهذا القول هو اختيار أبي إسحاق، قال: معناه جماعة ممن تبع النبي ﷺ وآمن به وعاينه، وجماعة ممن آمن به وكان بعده (٣). وذكر الفراء في ارتفاع قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ وجهين: أحدهما: الاستئناف على معنى: هم ثلة. والآخر: أن تكون مرفوعة بقوله: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ ويكون المعنى لأصحاب اليمين ثلتان: ثلة من هؤلاء وثلة من هؤلاء، والمعنى: هم فرقتان، فرقة من هؤلاء، وفرقة من هؤلاء (٤). ٤١ - ثم ذكر أصحاب الشمال ومنازلهم فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد الذين يعطون كتبهم بشمائلهم (٥).

стр. 11624

٤٢ - ﴿فِي سَمُومٍ﴾ أي في حر النار، وذكرنا تفسير السموم عند قوله: ﴿مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] (١)، وقوله: ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧]. وقوله: ﴿وَحَمِيمٍ﴾ قال الكلبي: يعني ماءً حارًّا شديدًا يغلي (٢). ٤٣ - وقوله: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ اليحموم يفعول من الأحم، وهو الأسود، والعرب تقول أسود يحموم إذا كان شديد السواد (٣). وأنشد أبو عبيدة فقال: دَعْ ذا فَكَمْ مِنْ حالكٍ يَحْموم (٤) وكان للنعمان بن المنذر (٥) فرس شديد السواد يسمى يحمومًا، وهو الذي ذكره الأعشى في قوله:

стр. 11625

ويأمر لليحموم كل عشية ... بقت وتعليق فقد كاد يسنق (١) والمفسرون جميعًا قالوا في اليحموم أنه دخان جهنم (٢)، والمعنى أنهم في ظل من دخان جهنم. ثم نعت ذلك الظل فقال: ٤٤ - ﴿لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ قال أبو عبيدة: جره على الأول (٣). قال الفراء: وجه الكلام أن يكون خفضًا متبغا لما قبله، كقوله تعالى: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥] وكذلك قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٢٣، ٣٣] قال: وقد يستأنف بلا فيرفع كما قال (٤): وتريك وجهًا كالصحيفة (٥) لا ... ظمآنُ مختلجٌ ولا جَهِمُ قال ابن عباس: يريد لا بارد المدخل ولا كريم المنظر (٦).

стр. 11626

وقال مقاتل: لا بارد المقيل ولا حسن المنزل (١). قال الفراء: والعرب تجعل الكريم تابعًا لكل شيء نفت عنه فعلاً تنوي به الذم تقول ما هو بسمين ولا بكريم، وما هذه الدار بواسعة ولا كريمة (٢). ثم ذكر أعمال أهل النار التي أوجبت لهم هذا فقال: ٤٥ - ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ يعني كانوا في الدنيا منعمين متكبرين، قال مقاتل: يعني متجبرين في ترك أمر الله (٣) وتفسير الترف قد تقدم (٤). ٤٦ - ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ قال الليث: الحنث: الذنب (٥) العظيم، وتقول العرب: بلغ الغلام الحنث، إذا بلغ مبلغًا جَرَى عليه القلم بالمعصية والطاعة، والحنث: الرجوع في اليمين وهو أن لا يبرها (٦)، وأكثر المفسرين قالوا في الحنث هاهنا: إنه الشرك. قال مقاتل: يعني الذنب الكبير وهو الشرك (٧)، ونحو ذلك قال قتادة ومجاهد والسدي (٨)، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء والكلبي قال: كانوا لا يتوبون عن الشرك ولا

стр. 11627

يستغفرون (١). وقال الشعبي: الحنث العظيم اليمين الغموس (٢)، وشرح أبو بكر الأصم (٣) هذا فقال: إنهم كانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أندادُ الله وكانوا يقيمون عليه، فذلك حنثهم (٤)، واختاره الزجاح فقال: ودليل ذلك قوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] فهذا -والله أعلم- إصرارهم على الحنث العظيم (٥)، ويدل على هذا ما ذكر الله تعالى من إنكارهم البعث وهو قوله: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ الآية. ٥٥ - وما بعدها ظاهر إلى قوله: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ وقرئ شرب بضم الشين (٦) فقال الزجاج: الشَّرب المصدر، والشُّرب الاسم، قال: وقد قيل: إن الشرب أيضًا المصدر (٧). واختار أبو عبيد الفتح، وادعى أنه لغة النبي ﷺ حين قال لأيام التشريق: "إنها أيام أكل وشَرب" (٨).

стр. 11628

قال المبرد: هذا كلام هائل لا يجترأ عليه إلا باليقين، وأكثر الرواية "أكل وشُرب" بالضم، والضم والفتح معروفان عند أهل اللغة أما الفتح فهو على أصل المصدر، والضم اسم للمصدر، والمعنى في ذلك واحد، تقول شغل شَغلا والاسم شُغلِ، وضعف ضَعفًا والاسم الضُعف وكذلك الفَقر والفُقر (١). وأما ﴿الْهِيمِ﴾ فأكثر المفسرين على أنه الإبل العطاش، وهو قول مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير (٢)، ومنهم من ذكر السبب في عطشها، قال عكرمة: هي الإبل المراض ألا تراها تمص الماء مصًا ولا تروى (٣). وقال ابن عباس في رواية عطاء: هي الإبل التي بها الهيام لا تروى (٤)، وقال في رواية أبي صالح: يعني شرب الإبل الظماء (٥) إذا أخذها الداء فلا تكاد تروى (٦)، ونحو هذا ذكر مقاتل (٧). قال الفراء: الهيم الإبل التي يصيبها داء فلا تروى من الماء واحدها

стр. 11629

أهيم (١) والأنثى هيماء، قال: ومن العرب من يقول هائم، والأنثى هائمة، ثم يجمعونه على هيم كما قالوا: عائط (٢)، وعوط (٣)، وحائل وحول، إلا أن الضمة تركت في هيم لئلا تصير الياء واوًا (٤). وقال شمر في حديث ابن عمر رضي الله: (إن رجلاً باع منه إبلاً هيما) (٥) قال شمر: قال بعضهم: الهيم العطاش الظِّماء، ويقال هي المراض التي تمص الماء مصًّا ولا تروى. قال الأصمعي: الهيام داء شبيه بالحمى تسخن عليها جلودها يعني الإبل وقيل إنها لا تروى إذا كانت كذلك (٦)، وهو في قول لبيد (٧): أجزت على معازفها بشعثٍ ... وأطلاحٍ من المهري هيم وقال الضحاك والكلبي: الهيم السهلة من الرملة (٨)، وهو قول ابن

стр. 11630

عباس في رواية عمرو بن في ينار: قال يعني هيام الأرض (١). قال الليث: الهيام من الرمل ما كان ترابًا دقاقًا يابسًا، ومنه قول لبيد: بعجوب أنقاءٍ يميل هيامها (٢) قال مقاتل: يلقى على أهل النار العطش فيشربون كشرب الهيم. ٥٦ - قوله تعالى: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾ قال مقاتل: يعني الذي ذكر من الزقوم والشراب (٣)، وقال الكلبي: هذا نزلهم يعني طعامهم وشرابهم (٤). وقال الزجاج: هذا غذاؤهم يوم يجازون بأعمالهم (٥)، وروي عن أبي عمرو (٦) (نُزُلْهُمْ) مخففًا وهما لغتان (٧)، مثل الشغُل والشغْل، والعنُق

стр. 11631

والعنْق. وتفسير النزاع قد ذكرناه في مواضع (١). ٥٧ - ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾. ثم احتج عليهم في البعث بقوله: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾ قال مقاتل: خلقناكم ولم تكونوا شيئًا وأنتم تعلمون ذلك (٢) (فَلَوْلَا) فهلا (تُصَدِّقُونَ) بالبعث، ثم أخبر عن صنعه ليعتبروا فقال: ٥٨ - قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ ما تقذفون وتصبون في أرحام النساء من النطف، وذكرنا الكلام في الإمناء عند قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ [النجم: ٤٦]. ٥٩ - ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ ما تمنون بشرًا ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ احتج عليهم في البعث بالقدرة على ابتداء الخلق. ٦٠ - قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ وقرأ ابن كثير: (قَدَرْنَا) مخففًا وهما لغتان قدرت الشيء وقدرته (٣)، ويدل عليه قوله (٤): ومفرهةٍ عنسٍ قدرت لساقها ... فخرَّت كما تتابع الريحُ بالقفل

стр. 11632

المعنى: قدررت ضربي لساقها فضربتها فخرت. قال ابن عباس: يريد الآجال (١). قال مقاتل: فمنكم من يموت كبيرًا ومنكم من يموت صغيرًا وشابًا وشيخًا (٢)، وقال الضحاك: تقديره أنه جعل أهل السماء وأهل الأرض فيه سواء شريفهم ووضيعهم (٣)، وعلى هذا يكون معنى (قَدَّرْنَا) قضيناه. قوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ يريد لا يفوتني شيء أريده، ولا يمتنع مني أحد. وهذه الآية متصلة بما بعدها وهو قوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ وعلى من صلة معنى مسبوقين لا من صلة اللفظ، لا يقال: سبقته على كذا، إنما يقال: إلى كذا, ولكن يقال: غلبته على كذا، ويكون مثل سبقته إليه. قال المفسرون: على أن نأتي بخلق مثلكم بدلاً منكم (٤). قال أبو إسحاق (٥): أي إن أردنا أن نخلق خلقًا غيركم لم يسبقنا سابق ولا يفوتنا ذلك (٦). قوله تعالى: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد في غير حليتكم (٧) إلى ما أسمج (٨) منها (٩).

стр. 11633

وقال مقاتل: ونخلقكم في سوى خلقكم مما لا تعلمون من الصور (١)، من أي خلق شئنا، ونحو هذا قال مجاهد والسدي (٢)، وقال الحسن: نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم (٣). وهذه الأقوال كلها تدل على المسخ، وعلى أنه لو شاء أن يبدلهم بأمثالهم من بني آدم قدر، ولو شاء أن يمسخهم في غير صورتهم قدر. وقال أبو إسحاق: إن أردنا أن نجعل منكم القردة والخنازير لم نسبق ولا فاتنا ذلك (٤). وقال بعض أهل المعاني: هذا على النشأة الثانية يكونها الله في وقت لا يعلمه العباد ولا يعلمون كيفيته كما علموا الإنشاء الأول من جهة التناسل (٥)، ويكون التقدير على هذا وما نحن بمسبوقين على أن ننشئكم في وقت لا تعلمون يعني وقت البعث، وتكون هذه الآية متصلة بما بعدها وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ يعني لا تعلمون ذلك ولقد علمتم هذه كيف كانت وهذا الوجه اختيار الحسين بن الفضل (٦). قوله: ﴿فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ والمعنى: قد علمتم ابتداء الخلق حين خلق من نطفة وعلقة ومضغة فلم تنكرون البعث، وروي مرفوعًا: "عجبًا كل العجب

стр. 11634

للمكذب بالنشأة الآخرة وهو يرى النشأة الأولى، وعجبًا للمصدق بالنشأة الآخرة وهو يسعى لدار الغرور" (١). ٦٣، ٦٤ - قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ قال الكلبي: ما تعملون في الأرض (٢). وقال غيره: ما تلقون في الأرض من البذور (٣)، وذكرنا معنى الحرث فيما تقدم (٤). ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ قال الكلبي ومقالَل: تنبتونه أم نحن المنبتون (٥)، قال المبرد: يقال زرعه الله أنماه، ومنه يقال للصبي زرعة الله (٦). ٦٥ - ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ﴾ أي: لجعلنا ما تحرثون ﴿حُطَامًا﴾ قال عطاء: تبنًا لا قمح فيه (٧). وقال مقاتل: هالكًا (٨). قال أبو عبيدة: الحطام والهشيم والرفات واحد (٩).

стр. 11635

وقال أبو إسحاق: أي أبطلناه حتى يكون متحطمًا لا حنطة فيه ولا شيء مما تزرعون هذا كلامه (١). وتلخيص المعنى أن الله يقول: لو نشاء لجعلنا ما تحرثون كلأً يصير بعد يبسه حطامًا متكسرًا لا حنطة فيه، وكل ما نبت من الأرض حطام غير الحب، فإنه صلب لا يتحطم وسائره بعد الهيح حطام (٢). قوله تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ﴾ ذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه: ٩٧] (٣). ﴿تَفَكَّهُونَ﴾ أي تندمون قاله عكرمة والحسن وقتادة (٤)، وقال عطاء والكلبي ومقاتل ومجاهد: تعجبون (٥). قال الفراء (٦): تفكهون: تتعجبون مما نزل بكم في زرعكم، قال:

стр. 11636

ويقال معناه تندمون وكذلك تفكنون (١) وهي لغة لعكل (٢). قال اللحياني: أزد شنوءه يقولون: تفكهون، وتميم تقول: تفكنون. وقال ابن الأعرابي: تفكهت وتفكنت أي تندمت وأنشد لرؤبة فقال (٣): أما جزاء العارف المستيقن ... عندك إلا حاجة التفكَّن وقال الكسائي وأبو عمرو: هو التلهف على ما فات (٤)، والمعنى في الآية: تتلهفون على ما فاتكم، وعلى هذا يتوجه قول من قال تفجعون وتحزنون (٥). ٦٦ - قوله تعالي: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ قال الزجاج وغيره: أي وتقولون: إنا لمغرمون فحذف القول، ومعنى المغرم الذي ذهب ماله بغير عوض (٦). قال أبو إسحاق: يقولون إنا قد غرمنا وذهب زرعنا (٧) يعني: غرمنا

стр. 11637

الحب الذي بذرناه فذهب في غير عوض هذا الذي ذكرنا هو الأصل. قال أبو عبيدة والفراء: لمعذبون (١)، وهو قول ابن عباس وقتادة (٢) , وهذا معنى كأنهم ذهبوا إلى أنهم عذبوا بذهاب أموالهم. وقال عكرمة ومجاهد ومقاتل: لمولع بنا (٣)، والمعنى لمولع بنا الشر من قولهم: أغرم فلان بفلانة إذا أولع بها، ومنه الغرام وهو الشر اللازم وقد تقدم تفسيره (٤). ويدل على القول الأول (٥) قوله تعالى: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي حرمنا ما كنا نطلبه من الريع في الزرع. وما بعد هذا ظاهر ومفسر فيما تقدم إلى قوله: ﴿الَّتِي تُورُونَ﴾ قال الكسائي: أوْرَيْتُ النار وقد ورَتْ ووَرِيَتْ (٦). وقال أبو إسحاق: ورَى الزَّندُ يَرِيَ فهو وارٍ إذا انقدحت منه النار، وأوريت النار إذا قدحتها (٧)، وقال الكلبي والمبرد: أورى القادح إذا أتى بالنار. قال الأعشى (٨):

стр. 11638

ولو بتَّ تقدحُ في ظلمةٍ ... صفاةً بنبعٍ لأوريت نارا يقول أنت ميمون الطائر فلو التمست الشيء من حيث لا يوجد لوجدته. قال أبو عبيدة: تورون: تستخرجون (١). وقال الكلبي: تقدحون (٢). وقال مقاتل: توقدون (٣). قوله تعالى: (شَجَرَتَهَا) قال المفسرون: يعني التي تقدح منها وهي المرخ والعفار (٤). قال المبرد: وهما شجرتان يوريان النار وهما رطبان، ولذلك قال الأعشى (٥): وزندك خير زناد الملوك ... صادف منهنَّ مرخًا عفارًا وتقول العرب للرجل إذا كان معاملته سهلاً غير ملتوٍ ولا مماطلٍ: أرخ يديك واسترخ إن الزناد من مرخ (٦). قوله تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ قال عطاء: موعظة ليتعظ بها المؤمن (٧).

стр. 11639

وقال الكلبي: عظة في الدنيا من نار جهنم (١)، وقال عكرمة، ومجاهد ومقاتل: جعلنا هذه النار تذكرة للنار الكبرى (٢). قال أبو إسحاق: أي إذا رآها الرائي ذكر جهنم وما يخافه من العذاب فذكر الله واستجار به منها (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ قال الفراء، والزجاج: المقوي الذي ينزل بالقواء وهي الأرض الخالية (٤)، وكل من نزل بها من مسافر مار أو مقيم بها فهو مقو. قال الليث: أقوَى القومُ إذا وقعوا في قيً من الأرض (٥). قال ابن عباس: يريد ينتفع بها أهل البوادي والأسفار (٦). وقال الكلبي: منفعة للمسافرين النازلين في الأرض القيّ (٧). وقال مقاتل: يقول: ومنافع لمن كان بأرض في ومنهم الأعراب (٨)، ونحو هذا قال الحسن والضحاك (٩). وعلى هذا القول خص المسافر بالانتفاع بها؛ لأن منفعته بها أكثر من منفعة المقيم، وذلك أن أهل البوادي

стр. 11640

لابد (١) لهم من النار يوقدونها ليلاً لتهرب منهم السباع، وفي كثير من حوائجهم. وقال أبو عبيدة: المقوي الذي لا زاد معه ولا مال، وهذا من قولهم أقوت الدار، أي: خلت (٢)، فالمقوي الخالي من الزاد. وهذا قول الربيع، والسدي. قالا: يعني المرملين المقترين الذين لا زاد معهم فهؤلاء يوقدون النار ويشتون بها لحوم الصيد ولابد لهم منها، وهذه رواية العوفي عن ابن عباس (٣). وفي المقوين قول ثالث، وهو قول عكرمة، ومجاهد، قالا: للمقوين أي للمستمتعين بها من الناس أجمعين (٤) المسافرين والحاضرين يستضيئون بها في الظلمة ويصطلون من البرد وينتفعون بها في الطبخ والخبز (٥). وعلى هذا المقوي من الأضداد. ويقال للفقير: مقوٍ لخلوه من المال، وللغني: مقو لقوته على ما يريد، يقال أقوى الرجل إذا صار إلى حالة القوة، ذكر ذلك قطرب وغيره (٦). والمعنى ومتاعًا للأغنياء والفقراء وذلك

стр. 11641

أنه لا غني بأحد عنها. قال أبو إسحاق: ذكر الله في هذه السورة ما يدل على توحيده وما أنعم به عليهم من خلقهم وتغذيتهم مما يأكلون ويشربون، ثم قال: ٧٤ - قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ أي فبرئ الله مما يقولون في وصفه (١). ٧٥ - قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ أكثر أهل العلم على أن (لا) صلة. المعنى: فأقسم (٢)، وزيادة (لا) كثير في الكلام والتنزيل. وذهب أهل المعاني (٣) إلى أن (لا) (٤) هاهنا رد لقولهم في القرآن إنه سحر وشعر وكهانة، فرد الله ذلك بقوله: ﴿فَلَا﴾، ثم استأنف القسم على أنه قرآن كريم، ومثل هذا قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ [النساء: ٦٥] (٥). وقد مر قوله تعالى: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ وقرئ (بِمَوقِعِ) (٦). قال أبو عبيد: والتي نختار الجماع؛ لأنها في التفسير منازل القرآن حين نزل نجومًا. قال: وبعضهم يتأولها مغائب الكواكب حين تسقط فأي

стр. 11642

الوجهين كان فالجماع أولى (١). وقال المبرد: (موقع) هاهنا مصدر، فهو يصلح للقليل والكثير والواحد والجمع (٢)، كما تقول: عجبت من ضرب القوم، ومن علم القوم فالواحد ينبئ عن الجميع. وقال أبو علي: المصادر وسائر الأجناس إذا اختلفت جاز جمعها، كما قال عز من قائل: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ فجمع للاختلاف وقال ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]، فأفرد لما كان الجميع ضربًا واحداً، فمن قال: ﴿بموقع النجوم﴾ فأفرد؛ فلأنه اسم جنس، ومن جمع فلاختلاف ذلك، فأما قول الشاعر (٣): كأن مَتْنَيْه من النفي ... مواقع الطير على الصفىِّ فليس اسم المصدر وإنما هو موضع فجمع؛ لأن المعنى على الجمع، وإنما شبه مواضع بمواضع (٤). وأما التفسير فقال عطاء عن ابن عباس: يريد: أُقسِم بنزول القرآن، وهو قول الكلبي ومقاتل وسعيد بن جبير وقتادة (٥).

стр. 11643

وذكرنا معنى النجوم في نزول القرآن عند قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١]، وذهب جماعة من المفسرين (١) إلى أن مواقع النجوم معناها مغارب النجوم ومساقطها، وهو قول أبي عبيدة قال: والله تعالى له أن يقسم بما شاء من خلقه وليس للعباد أن يحلفوا إلا به، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] (٢). وقال الحسن: يعني انكدارها وانتثارها (٣)، وهذا على قراءة من قرأ: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ لأنه مصدر يريد بوقوعها سقوطها من السماء عند انكدارها، ويجوز الجمع أيضًا لإضافته إلى النجوم ولكل نجم وقوع. ٧٦ - ثم أخبر عن عظم هذا القسم فقال، قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ قال الفراء والزجاج: هذا يدل على أن المراد بمواقع النجوم نزول القرآن (٤)، والضمير في (إِنَّهُ) يعود على القسم، ودل عليه قوله: ﴿أُقْسِمُ﴾، والمعنى: وأن القسم بمواقع النجوم لقسم عظيم لو تعلمون عظمه لانتفعتم بذلك. وقال أبو علي الفارسي: التقدير في: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ ما علموا، كما تقول: لو قمت أي: قم (٥).

стр. 11644

وزعم أبو الحسن أن الماضي في هذا المعنى أكثر من المضارع. والآية اعتراض بين المقسم والمقسم عليه لأن التقدير: فأقسم بمواقع النجوم إنه لقرآن كريم. وقوله: (لَّوْ تَعْلَمُونَ) اعتراض أيضًا بين الصفة والموصوف من الجملة التي هي اعتراض (١). ثم ذكر المقسم عليه بقوله: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ) أي إن الكتاب الذي أنزل على محمد ﷺ لقرآن كريم. قال الكلبي: حسن كريم على ربه (٢). وقال مقاتل: كرمه الله وأعزه لأنه كلامه (٣). وقال أهل المعاني (٤): القرآن الكريم الذي من شأنه يعطي الخير الكثير بالدلائل التي تؤدي إلى الحق في الدين. وقال الأزهري: الكرمُ اسم جامع لما يُحمد، والله كريم حميد الفعال. ٧٧ - و ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ أي قرآن يحمد لما فيه من الهدى والبيان والعلم والحكمة (٥). ٧٨ - قوله: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قال جماعة المفسرين: يريد في اللوح المحفوظ. قال الكلبي: مكنون من الشياطين (٦).

стр. 11645

وقال مقاتل: مستور من خلقه عند الله في اللوح المحفوظ (١). وقال أبو إسحاق: أي مصون في السماء (٢). وقال مجاهد: في كتاب مكنون لا يصيبه تراب، ولا غبار (٣). ٧٩ - قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أكثر المفسرين على أن الكناية في قوله (لا يمسه) تعود إلى الكتاب المكنون، وهو اللوح المحفوظ. والمطهرون هم الملائكة، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وباذان، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، والضحاك، والكلبي، وقتادة، ومقاتل (٤)، قالوا: المطهرون الملائكة طهروا من الشرك والذنوب والأحداث والنجاسات، فالذي في السماء لا يمسه إلا المطهرون، وأما كتابنا فيمسه الطاهر وغير الطاهر، وهو اختيار الفراء والزجاج، قالا: لا يمس ذلك اللوح المحفوظ إلا الملائكة (٥). والمعنى على هذا القول أن النسخة التي في السماء من القرآن مكنون مصون لا يصل إليه أحد، ولا يمسه إلا الملائكة الذين وصفوا بالطهارة، ومذهب الفقهاء (٦) في هذه الآية أن الضمير في قوله: (لَّا يَمَسُّهُ) يعود إلى

стр. 11646

القرآن، والمراد بالقرآن المصحف لقوله ﷺ : "نهى أن يُسافر بالقرآن إلى أرض العدو" (١). يعني المصحف، والمراد بقوله: (الْمُطَهَّرُونَ) أي من الأحداث والجنابات، وقالوا: قوله: (لا يَمَسُّهُ) خبر في معنى النهي ومنعوا بهذه الآية الجنب والحائض والمحدث من مس المصحف وحمله، وإن كان بعلاّقة أو في غلاف، وهذا قول محمد بن علي، وعطاء، وطاووس، وسالم، والقاسم، وعبد الرحمن بن الأسود، وإبراهيم، وسفيان، ومذهب مالك، والشافعي (٢).

стр. 11647

٨٠ - قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال أبو إسحاق: تنزيل صفة لقوله: ﴿لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ وعلى هذا المراد بالمصدر المفعول، والمعني منزل كقولهم: ضَرْب الأمير ونَسْج اليمن، قال: ويجوز أن يكون مرفوعًا على: هو تنزيل من رب العالمين (١)، قال الكلبي: يعني القرآن تنزيل من رب العالمين على رسول الله ﷺ (٢). ٨١ - قوله تعالى: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ القرآن يا أهل مكة ﴿أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ قال تكفرون وتكذبون (٣). وقال مقاتل: تكفرون (٤). وقال الكلبي: تكذبون أنه ليس كما قال لكم وأنه لا جنة ولا نار ولا بعث (٥). قال أبو عبيدة: المدهن والمداهن واحد (٦)، وقال الفراء: مدهنون مكذبون، ويقال: كافرون (٧). وقال الزجاج: أي أفبالقرآن تكذبون، قال: والمدهن والمداهن الكذاب المنافق (٨).

стр. 11648

وقال ابن الأعرابي: ﴿مُدْهِنُونَ﴾ منافقون والإدهان والمداهنة اللين والمصانعة، وهو أن يسر خلاف ما يظهر، والمدهن الذي يجري في الباطن على خلاف الظاهر (١). هذا أصل معناه في اللغة. ثم قيل للمكذب مدهن، وإن صرح بالتكذيب والكفر، ويجوز أن يكون هذا خطابًا لمن آمن بالقرآن ظاهرًا وأسر الكفر به، وهذا معنى الإدهان والمداهنة. قال المؤرج: المدهن المنافق الذي يلين جانبه ليخفي كفره (٢). ٨٢ - قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قال ابن عباس وجماعة المفسرين: تجعلون شكركم أنكم تكذبون بنعمة الله عليكم فتقولون سقينا بنوء كذا (٣). قال أبو إسحاق: كانوا يقولون مطرنا بنوء كذا, ولا ينسبون السقيا إلى الله فقيل لهم: أتجعلون رزقكم أي شكركم بما رزقتم التكذيب (٤). وقال أبو علي الفارسي: أي وتجعلون رزقكم الذي رزقكموه أي شكر رزقكم -فحذف المضاف- أن تكذبوا بذلك الرزق أنه من الله وأن تنسبوه إلى غيره فتقولوا مطرنا بنوء كذا.

стр. 11649

ويجوز أن يكون المعنى أن تكذبوا بما جاء به التنزيل في قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا﴾ [ق: ٩] إلى قوله: ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ [ق: ١١]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ)﴾ [البقرة: ٢٢] فذكر أنه أنزل الماء ورزق به العباد الثمار، فمن نسب الإنزال إلى النجم فقد كذب برزق الله وكذب بما جاء به القرآن (١). والمعنى: أتجعلون بدل الشكر التكذيب. وروي عن عاصم ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ خفيفة (٢) أي تنسبون هذا الرزق إلى غير الله، وقال الأزهري: معنى الآية وتجعلون شكر (٣) رزقكم الذي رزقكم الله التكذيب بأنه من عند الله الرزق، وتجعلون الرزق من عند غير الله (٤)، وذلك كفر، فأما من جعل الرزق من عند الله وجعل النجم وقتًا وقته الله للغيث، ولم يجعله المغيث الرزق رجوت أن لا يكون مكذبًا، والله أعلم. وقال ابن إسحاق في بعض أماليه: من قال مطرنا بنوء كذا ومراده أنا مطرنا في وقت طلوع نجم كذا ولم يقصد إلى فعل النجم فذلك والله أعلم جائز، كما جاء عن عمر ﵁ أنه استسقى بالمصلى ثم نادى العباس: كم (٥) بقي من نوء الثريا؟ فقال: إن العلماء بها يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعًا بعد وقوعها، فوالله ما مضت تلك السبعة حتى غيث

стр. 11650

الناس (١). وإنما أراد عمر: كم بقي من الوقت الذي جرت به العادة أنه إذا تم أتى الله بالمطر. هذا الذي ذكرنا هو قول جماعة المفسرين (٢). وقال الحسن: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أي حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون قال: وخسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب به (٣). ٨٣ - ثم احتج عليهم بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ يقول فهلا إذا بلغت الروح أو النفس الحلقوم عند الموت. ٨٤ - ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ﴾ يجوز أن يكون خطاباً للذين بلغت روحهم الحلقوم، وهم الذين أسرفوا على الموت (٤)، ويجوز أن يكون خطاباً لأهل الميت والذين يحضرونه عند السياق (٥).

стр. 11651

قوله: (تَنظُرُونَ) قال مقاتل: إلى أمري وسلطاني (١). وقال عطاء: إلى ما كنتم تكذبون به (٢)، يعني العذاب. وقال الكلبي: تنظرون إليه متى تخرج نفسه (٣). قال أبو إسحاق: أي أنتم يا أهل الميت في تلك الحالة ترونه قد صار إلى أن تخرج نفسه (٤). وقال صاحب النظم: معنى (تَنظُرُونَ) هاهنا لا يمكنكم الدفع ولا تملكون شيئًا (٥)، كما قال تأبط شرًّا: فخالط سهل الأرض لم يكدح الصفا ... به كدحةً والموت خزيانُ ينظر (٦) وقوله: ينظر هاهنا، معناه: لا يقدر على شيء. ٨٥ - قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ أي بالعلم والقدرة والرؤية وذلك أن الله تعالى يراه من غير مسافة بينه وبينه فهو أقرب إليه من كل من يراه بمسافة بينه وبينه (٧). ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ أي لا تعلمون ذلك. وهذا خطاب للكفار، هذا قول أهل المعاني. وقال المفسرون: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ﴾ يعني ملك الموت وأعوانه (٨).

стр. 11652

والمعنى: ورسلنا القابضون روحه أقرب إليه منكم، ولكن لا تبصرون أولئك الذين حضروه لقبض الروح. ٨٦ - قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ قال أكثر المفسرين: غير محاسبين وهو قول عطاء، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومقاتل (١). وقال الكلبي: غير مملوكين (٢). وقال أبو عبيدة: غير مجزيين (٣). واختار الفراء والزجاج غير مملوكين (٤)، والمدينة: الأمة المملوكة. وأنشد أبو عبيدة للأخطل (٥): ربت فربا في كرمها ابن مدينةٍ ... يزلُّ على مسحاته يتركَّلُ ٨٧ - قوله تعالى: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ أي تردون تلك النفس التي بلغت الحلقوم. قال الفراء: وأجيب ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ﴾ و ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ﴾ بجواب واحد، وهو قوله: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾، قال: ومثله قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٣٨]، أجيبتا بجواب واحد

стр. 11653

وهما جزاءان (١). وقال صاحب النظم: قوله: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ جواب لقوله: ﴿فَلَوْلَا﴾ المتقدمة والمتأخرة على تأويل: فلولا إذا بلغت النفس الحلقوم ترجعونها أي تردونها إلى موضعها إن كنتم غير محاسبين ولا مجزيين كما تزعمون، يقول: إن كان الأمر كما تقولون أنه لا بعث ولا حساب ولا جزاء ولا إله يقوم بذلك، فهلَّا تردون نفسًا ممن يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم؟ وإذا لم يمكنكم في ذلك حيلة بوجه من الوجوه فلم لا يدلكم ذلك على أن الأمر إلى غيركم وهو الله (٢). وقال أبو إسحاق: معناه هلا ترجعون الروح إن كنتم غير مدينين، أي: غير مملوكين مدبَّرين ليس لكم في الحياة والموت قدرة، فهلا إن كنتم كما زعمتم في مثل قولكم الذي جاء في القرآن: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] أي إن كنتم تقدرون أن تؤخروا أجلًا فهلا ترجعون الروح إذا بلغت الحلقوم وهلا تردون عن أنفسكم الموت (٣). ولما دل بما ذكر على أنهم محاسبون ومجزيون ومملوكون، ذكر طبقات الخلق عند الموت والحشرجة. ٨٨ - قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ إن كان هذا الذي بلغت روحه الحلقوم من المقربين عند الله في الدرجات والتفضيل (فَرَوْحٌ) أي:

стр. 11654

فله روح وهو الراحة والاستراحة، قاله ابن عباس والكلبي وقتادة والضحاك (١). وقال مجاهد: الروح الفرح (٢). قوله: ﴿وَرَيْحَانٌ﴾ قالوا: يعني الرزق في الجنة (٣)، وذكرنا الريحان بمعنى الرزق في قوله: ﴿ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ [الرحمن: ١٢]. وقال الحسن وأبو العالية: هو ريحاننا هذا يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه (٤). ٩٠، ٩١ - ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ أي المتوفى ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾. قال مقاتل: سلم الله لهم أمرهم يتجاوز عن سيئاتهم ويقبل حسناتهم (٥). وقال الكلبي: يسلم عليك أهل الجنة، وقال أيضًا: يقول السلام لك (٦)، قال الزجاج: أي أنك ترى فيهم ما تحب من السلام وقد علمت ما أعد لهم من الجزاء (٧).

стр. 11655

وقال الفراء: سلم لك أنهم (١) من أصحاب اليمين، وحذف أنهم (٢) من الكلام كما تقول: أنت مصدق مسافر عن قليل إذا كان قد قال إني مسافر عن قليل (٣)، والمعنى: أنت مصدق أنك مسافر فألقيت أن. ٩٢ - ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ﴾ بالبعث ﴿الضَّالِّينَ﴾ عن الهدى. ٩٣ - ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ أي فالذي يعد له حميم جهنم. ٩٤ - ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي إدخال نار عظيمة يقال: أصلاه النار، أي: جعله يصلاها ويقاسي حرها، والمصدر هاهنا مضاف إلى المفعول كما تقول لفلان إكرام وإعطاء مال، أي: يعطي المال، كذلك هاهنا يصلى الجحيم (٤)، كما قال: ﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾ [الانشقاق: ١٢] في قراءة من شدد (٥). ٩٥ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ قال مقاتل: إن هذا الذي ذكر للمقربين وأصحاب اليمين وللمكذبين لهو حق اليقين لا شك فيه (٦). وقال أبو إسحاق: أي هذا الذي قصصنا عليك في هذه السورة من الأقاصيص وما أعد الله لأوليائه وأعدائه وما ذكر مما يدل على وحدانيته

стр. 11656

ليقين (١). ومعنى (حَقُّ اليَقِينِ) حق الأمر اليقين عند الأخفش والبصريين (٢)، وعند الكوفيين هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه (٣). وقال أبو إسحاق: هذا كما تقول إن زيدًا لعالم، وإنه للعالم حق العالم إذا بالغت في التوكيد (٤). ٩٦ - قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال أبو إسحاق: فنزّه الله عن السوء. والباء يجب أن تكون زيادة للتوكيد (٥)، والاسم يكون بمعنى الذات والنفس كأنه قيل: سبح ونزه ربك العظيم. والله أعلم بالصواب.

стр. 11657

سورة الحديد

стр. 11658

تفسير سورة الحديد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال المقاتلان يعني كل شيء من ذي الروح وغيره من الشجر، والجبال، والبحار، والشمس، والقمر، وكل خلق فيهما ولكن لا تفقهون تسبيحهم (١). وقال أهل المعاني: تسبيح ما لا يعقل تنزيه لله من السوء بما فيه من الآية الداعية إلى ذلك كأنها ناطقة به إذ صنعه يقتضي صانعًا غير مصنوع (٢). قال أبو إسحاق: وهذا خطأ؛ لأن التسبيح تمجيد لله وتنزيهه من [السوء] (*)، قال الله ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] فلو كان التسبيح آثار الصنعة لكانت معقولة، وكانوا يفقهونها، وأيضًا فإنه قال ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] فلو كان تسبيحها آثار الصنعة لم يكن في هذا تخصيص لداود (٣)، وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وفي مواضع.

стр. 11659

٢ - قوله تعالى: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ قال المفسرون: يحيى الأموات للبعث ويميت الأحياء في الدنيا (١). وقال الزجاج: ويجوز أن يكون المعنى يحيي النطف التي إنما هي موات ويميت الأحياء، ويكون موضع يحي ويميت رفعًا على معنى هو يحيي ويميت ويجوز أن يكون نصبًا على معنى له ملك السموات والأرض محييًا ومميتًا قادرًا (٢). ٣ - قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ قال جماعة المفسرين: هو الأول قبل كل شيء، كان هو ولا شيء موجود، فهو الأول بلا ابتداء، والآخر بعد كل شيء بلا انتهاء، يفني الأشياء، ويبقى آخرًا كما كان أولاً، وهذا يروى مرفوعًا أنه "الأول وليس قبله شيء والآخر وليس بعده شيء" (٣). قال الأزهري: ولا يجوز أن يعدو في تفسير الاسمين ما روي عن النبي ﷺ (٤). قوله تعالى: ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ أي الغالب العالي على كل شيء، ومثل قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] أي غالبين عالين، من قولك: ظهرت

стр. 11660

على فلان أي علوته. ومنه قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] وهذا معنى ما روي في الحديث: "والظاهر فليس فوقك شيء" وهذا قول أكثر أهل العلم (١)، ويجوز أن يكون معنى الظاهر أنه ظاهر بالأدلة والشواهد على ربوبيته (٢). وهذا معنى ما روي في الخبر: "اللهم أنت الظاهر فلا تخفى". قوله تعالى: ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ قال أبو إسحاق: الباطن العالم بما بطن، كما تقول: فلان يبطن أمر فلان، أي يعلم دِخْلَةَ أمره (٣). قال الليث: يقال أنت أبطن بهذا الأمر من فلان، أي: أخبر بباطنه فالله تعالى العالم الباطن بكل شيء فلا أحد أعلم منه (٤) ، وهذا معنى ما روي في الحديث: "وأنت الباطن فليس دونك شيء" أي ليس أقرب منك بالعلم شيء، ويجوز أن يكون معنى الباطن أنه محتجب عن الأبصار وهو معنى ما روي في الخبر "والباطن فلا يُرى". ٤ - قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ مفسر في سورة الأعراف (٥) إلى قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ﴾ وهو مفسر في سورة سبأ (٦) إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ أي بالعلم والقدرة وليس ينفك أحد من تعلق علم
следующие страницы →