← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وقال ابن عباس: فجعلنا تلك (١) العقوبة لهؤلاء القوم الذين مسخوا قردة وخنازير، وعلى هذا الكناية تعود إلى العقوبة (٢)، وهي مدلول عليها بقوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ لأن ذلك يدل على المسخ، والمسخ عقوبة، ويقال: الهاء عائدة على الأمة (٣) الذين اعتدوا، لأن قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ﴾ (٤) يدل على أنهم كانوا أمة وفرقة من الناس، فرجع العائد على المعنى (٥). وقال الزجاج: وجعلنا هذه الفعلة عبرة (٦). والنَّكَال (٧) اسم لما جعلته نكالًا لغيره إذا رآه خاف أن يعمل عمله (٨). وأصل هذا من قولهم: نكل عن الأمر ينكُل نُكولًا، إذا جبن عنه، يقال: نَكَّلْت بفلان، إذا عاقبته في شيء أتاه عقوبةً تُنَكِّل غيره عن ارتكاب مثله، أي: تمنع وتردد. والنِّكْل: القيد، لأنه يمنع الجري، والنِّكْلُ: حديد اللجام (٩).

стр. 1192

وقوله تعالى: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ قال أبو إسحاق: ﴿لِّمَا بَينَ يَدَيهَا﴾ الأمم التي تراها، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ ما يكون بعدها (١). فما في هذا القول عبارة عن الأمم. وقال الفراء: جعلت نكالا لما مضى من الذنوب، ولما (٢) يعمل بعدها، ليخافوا (٣) أن يعملوا بما عمل الذين مسخوا فيمسخوا (٤). فعلى هذا القول (ما) عبارة عن الذنوب، والهاء في (يديها) يعود (٥) على الفرقة الممسوخة وكذلك الهاء في ﴿خَلْفَهَا﴾ (٦). وقيل: هذا على (٧) التقديم والتأخير، تقديره: فجعلناها وما خلفها مما أعد لهم من العذاب في الآخرة عقوبةً ونكالًا لما بين يديها، أي: لما (٨) تقدم من ذنوبهم في اعتدائهم يوم السبت (٩).

стр. 1193

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عماد البحث العلمي التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت٤٦٨هـ) سورة البقرة من آية (٦٧) -آية (١٩٥) تحقيق د. محمد بن عبد العزيز الخضيري أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي الجزء الثالث

стр. 1194

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية عماد البحث العلمي التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت٤٦٨هـ) سورة البقرة من آية (٦٧) -آية (١٩٥) تحقيق د. محمد بن عبد العزيز الخضيري أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي الجزء الثالث

стр. 1195

جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الواحدي, علي بن أحمد التفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت٤٦٨هـ)./ علي بن أحمد الواحدي, محمد بن صالح بن عبد الله الفوزان, الرياض١٤٣٠هـ. ٢٥مج. (سلسلة الرسائل الجامعية) ردمك:٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ١ - ٨٥٨ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج١) ١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي, علي بن أحمد أ- العنوان ... ب- السلسة ديوي ٣.٢٢٧ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠ رقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠هـ ردمك ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ١ - ٨٥٨ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج١)

стр. 1196

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت٤٦٨هـ) [٣]

стр. 1197

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1198

باقي تفسير سورة البقرة

стр. 1199

٦٧ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ الآية. قال الليث (١): القوم الرجال دون النساء، ومنه قوله : ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] أي رجال من رجال، ثم قال: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ قال زهير (٢): وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إخَالُ (٣) أدْرِي ... أَقَوْمٌ آل حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ (٤) وقوم كل رجل: شيعته وعشيرته (٥). وقال أبو العباس: القوم والنفر والرهط معناه الجمع، ولا واحد لها من لفظها، وهم الرجال دون النساء (٦). والمراد بالقوم هاهنا شيعة موسى وأتباعه. وقد يذكر القوم فيدخل فيه النساء كقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١] وكان مرسلاً إلى الإناث والذكور جميعاً، وجاز ذلك لأن

стр. 1200

الغالب من أمر (١) النساء اتباع الأزواج فاكتفى بهم منهن لغلبتهم عليهن (٢). وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ البقرة واحدة (٣) البقر. الأصمعي: يقال: رأيت لبني فلان بَقَرًا وبَقِيرًا وبَاقُورَةً وبَاقِرًا (٤) وبَوَاقِرَ، كله جمع البقر، وأنشد (٥): بَوَاقِرُ جُلْحٌ أسْكَنَتْها الْمَرَاتِعُ (٦) وقال آخر (٧): خَلَقًا كَحَوْضِ الْبَاقِرِ الْمُتَهَدِّمِ (٨) ويقال لجماعة البقرة: بيْقُور (٩) أيضاً، وقال أمية (١٠):

стр. 1201

وعَالَت الْبَيْقُورَا (١) وقيل: إن أصل الحرف من الْبَقْر الذي هو الشقّ، يقال: بقر بطنه إذا شقّه وفتحه، وكان يقال لمحمد بن علي بن الحسين (٢) ﵄ "الباقر"، لأنه بقر العلم وعرف أصله، أي شقه وفتحه (٣). والْبَقِيرُ: ثوب يشق فتلقيه المرأة في عنقها من غير كُمَّيْن ولا جيب (٤). والبقر جنس شأنها أن تشق الأرض في الْكِرَاب (٥).

стр. 1202

وقوله تعالى: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ يقرأ بالتخفيف والتثقيل (١)، وذلك (٢) أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم (٣)، فمن العرب من يثقله، ومنهم من يخففه، نحو: العُسْر واليُسْر والحُكْم (٤) والرُّحْم (٥)، وكذلك ما كان على فُعُل من الجموع قد استمر فيه الوجهان نحو: الكتب، والرسل وحتى جاء ذلك في العين إذا كانت واوا نحو: ........ سُوُكَ الإِسْحِلِ (٦) وقوله:

стр. 1203

وفي الأَكُفِّ اللامِعاتِ سُوُر (١) وأما فُعْل في جمع أفعل نحو أحْمر وحُمْر، وكأنهم ألزموه الإسكان للفصل بين الجمعين، وقد جاء فيه التحريك في الشعر (٢). ومعنى قوله: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ قال أبو زيد: هَزِئتُ به (٣) هُزْءًا وَمهْزَأةً، وهذا لا يخلو من أحد أمرين (٤)، أحدهما: أن يكون المضاف محذوفا؛ لأن الهُزْءَ حَدَثٌ، والمفعول الثاني من هذا الفعل يكون الأول كقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] ويكون التقدير: أتتخذنا أصحاب هزء. أو يكون جعل الهُزْءَ المهزوءَ به مثل الخلْق (٥) والصيد. وقوله (٦): ﴿لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٧] لا يحتاج فيه إلى تقدير

стр. 1204

محذوف، لأن الدِّين (١) ليس بعين. وقول موسى: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ في جواب: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ يدل على أن الهازئ جاهل (٢)، ومعنى ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ﴾ أي: أمتنع به وألجأ إليه، ومصدره العَوْذ والعِياذ (٣). وتقول العرب: أطيب اللحم عُوَّذه، أي الذي عاذ بالعظم، وناقة عائذ: يعوذ بها ولدها، وجعلت عائذًا وهي معوذ بها، وجمعها عُوذ، وهي الحديثات النتاج، وذلك أن الولد يعوذ بها إذا (٤) كان حديثا، فإذا شبّ الولد لم يعذ بالأم، فلهذا يفسر العُوذ بالحديثات النتاج (٥) والأصل ما ذكرنا، ومنه قول لبيد: فالِعينُ سَاكِنَةٌ على أَطْلائِهَا (٦) ... عُوذًا تأَجَّلُ بِالغَضَاءِ بِهَامُهَا (٧) وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ الجهل نقيض العلم، ويقال: استجهلت الريحُ الغصنَ إذا حركته فاضطرب، والمجهلة: الأمر يحملك

стр. 1205

على الجهل (١)، ومنه الحديث: "الولد مجهلة مبخلة (٢) مجبنة (٣) ". وكان حقه (٤) أن يقول: (فقال أعوذ بالله) لأنه عطف على ما قبله، قال الفراء: وهذا في القرآن كثير بغير الفاء، وذلك أنه جواب يستغني أوله عن آخره بالوقفة عليه، فكأنّ (٥) حسن السكوت (٦) يجوز به طرح الفاء. وأنت تراه في رؤوس (٧) الآيات لأنها فصول حسناً (٨)، في ذلك (٩) قوله: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا﴾ (١٠) [الحجر:٥٧, ٥٨, والذاريات:

стр. 1206

٣١، ٣٢]. والفاء حسنة مثل قوله: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [هود: ٢٧، المؤمنون: ٢٤]، ولوكان على كلمة واحدة لم تسقط العرب منه الفاء، من ذلك (١): قمت ففعلت، لا يقولون: قمت فعلت، ولا قلت قال (٢)، حتى يقولوا: قلت (٣) فقال وقمت فقام، أو قلت (٤) وقال، لأنها نسق وليست باستفهام يوقف عليه، قال: وأنشدني بعض العرب: لَمَا رأَيْتُ نَبَطَا أَنْصَارا ... شَمَّرتُ عَنْ رُكْبَتِيَ الإِزَارَا كُنْتُ لَهَا مِنَ النَّصَارى جَارَا (٥) [لم يقل: فكنت، ولا وكنت] (٦). ٦٨ - وقوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ الآية إنما سألوا ما هي، لأنهم لم (٧) يعلموا أنّ بقرةً يحيا بضرب بعضها ميّتٌ، قاله (٨) الزجاج (٩).

стр. 1207

ويقال: بيّن الشيءَ وأبانه إذا (١) أزال الإشكال عنه، والأصل فيه معنى التفريق، والبيان سمي بياناً لأنه التمييز عما يلتبس، والتبيين هو التمييز الذي يقع به التعريف (٢). وترى هذا مستقصًى (٣) عند قوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]. وموضع (ما) رفع بالابتداء، لأنه بمعنى الاستفهام، معناه: أي شيء هي؟ والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله (٤)، وبيان هذه المسألة يذكر (٥) عند قوله: ﴿مَا لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩]. وقوله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ﴾ قال الفراء: الفارض: الهرمة، يقال من الفارض: فرَضَت وفرُضَت، ولم يسمع بِفَرَضَ (٦)، ونحو ذلك قال قتادة (٧). وقال الكسائي: الفارض: الكبيرة العظيمة، قد فرَضت تفرُض فُروضًا. ثعلب عن ابن الأعرابي: الفارض: الكبيرة.

стр. 1208

وقال أبو الهيثم: الفارض: المسنة (١). أبو زيد: بقرة فارض: عظيمة سمينة، والجميع فوارض (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾ قال الليث: البكر من النساء: التي لم تمس، والبكر من الرجال: الذي لم يقرب النساء بعد، والبكر: أول ولد الرجل غلاما كان أو جارية، وبقرة بكر: فتية لم تحمل، والبكر من كل أمر: أوله (٣)، وأصل هذا الباب أول الأمر، فالبكارة أول حال النساء، وهي بكر في أول حالها، والباكورة أول ما يدرك من الثمار، والبُكرة أول النهار (٤). قال الزجاج في قوله: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾: أي: ليست بكبيرة ولا صغيرة، قال: وارتفع (فارض) بإضمار هي (٥). وقال الأخفش: ارتفع على الصفة للبقرة، والوصف بالنفي صحيح، لأنه يرجع في التحقيق إلى أنه يختص بما ينافي ذلك الوصف، تقول: مررت برجل لا قائم ولا قاعد، أي: برجل (٦) مختص بصفة تنافي القيام والقعود (٧).

стр. 1209

وقوله تعالى: ﴿عَوَانٌ﴾ قال الفراء: انقطع الكلام عند قوله: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾، ثم استأنف فقال: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾. قال: والعوان يقال منها: عوَّنت تُعوّن تعْوينًا (١). وقال أبو الهيثم: العوان: النَّصَف التي بين الفارض -وهي المسنة- وبين البكر وهى: الصغيرة (٢). أبو زيد: بقرة عوان: بين المسنة والشابة (٣)، وقد عانت تعون عُووناً إذا صارت عواناً (٤). وقال الأخفش: العوان التي نتجت مرارا، وجمعها عُون (٥). قال ابن (٦) مقبل: ومَأتَمٍ كالدُّمَى حُورٍ مَدَامِعُها ... لَمْ تشقَ بالعَيْشِ أَبْكَارًا وَلَا عُونًا (٧)

стр. 1210

وقال ابن الأعرابي: العَوَان (١) من الحيوان السن بين السنين لا صغير ولا كبير (٢). قال (٣): ويقال في الجمع: عُون، فرس عَوان، وخيل عُون، على فُعْل، والأصل عُوُن فكرهوا إلقاء ضمة على الواو فسكنوها، وكذلك يقال: رجل جواد وقوم جُود، قال زهير: نَحُلُّ (٤) سُهُولَها فإذا فَزِعْنا ... جَرَى مِنْهُنّ بالآصال عُونُ (٥) فزعنا: أغثنا مستغيثًا. قال (٦): وامرأة عوان: ثيب. وحرب عوان: كان قبلها حرب، كأنه قوتل فيها مرتين. قال ابن عباس: عوان: بين (٧) الصغيرة والكبيرة، وهي أقوى ما

стр. 1211

يكون من البقر (١) وأحسن ما يكون (٢). وقال مجاهد: عوان: وسط قد ولدت بطنا أو بطنين (٣). وفائدة قوله: (عوان)، بعد ما نفي أن تكون (٤) بكراً وأن تكون (٥) فارضاً، هو أنه احتمل أن تكون عجلاً أو جنيناً، فقال: عوان، لإزالة اللبس ونفي الاحتمال. وقوله تعالى: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ و (بين) لا تصلح (٦) إلا لشيئين (٧) أو لأكثر، وإنما صلحت من ذلك وحده؛ لأنه في مذهب الاثنين (٨)، والاثنان (٩) قد يجتمعان بـ ذلك وذاك ألا ترى أنك تقول: أظن زيدا أخاك، وكان زيد أخاك، ولا بد لـ (كان وأظن) (١٠) من شيئين، ثم تقول: قد كان ذاك وذلك، وأظن ذلك وذاك (١١)، فيكون جائزا.

стр. 1212

والاسمان اللذان ضمهما ذلك: الهرم والشباب (١)، كأنه قيل: بين الهرم والشباب (٢)، وجاز أن يتضمن ذلك اسمين، لأنه أتى به على مذهب الفعل وأنت تقول في الأفعال: إقبالك وإدبارك يشق علي، فتوحد فعلهما بعدهما، ولا تقول: أخوك وأبوك يزورني لأن الأفعال وإن اختلفت حركاتها جنس واحد، وليست كالأسماء التي يخالف بعضها بعضا، كذلك هاهنا أريد بين الهرم والشباب (٣). ومما يجوز أن يقع عليه (بين) وهو واحد في اللفظ ويؤدي عن الاثنين (٤) فما زاد قوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦]، ولا يجوز: لا نفرق بين رجل منهم، لأن أحدا لا يُثنى كما يثنى الرجل ويجمع، فإن شئت جعلت أحدا (٥) في تأويل اثنين، وإن شئت في تأويل أكثر من ذلك، قال الله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]، وتقول: بين أيهم المال، وبين من قسم المال، فتجرى (٦) (من وأي) على (٧) مجرى أحد لأنهما قد يكونان لواحد. وجميع (٨) هذا قول الفراء (٩)، ونحو هذا قال

стр. 1213

الزجاج فقال: معنى: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ بين البكر والفارض، وانما جاز بين ذلك وبين لا يكون (١) إلا مع اثنين لأن (٢) ذلك ينوب عن الجمل تقول: ظننت زيدا قائما، فيقول القائل: قد ظننت ذاك، وظننت ذلك (٣). قال أبو علي (٤): اعلم (٥) أن بين اسم يستعمل على ضربين: مصدر وظرف، وهما عندي وجميع بابهما يرجع إلى أصل واحد، وهو الافتراق والانكشاف. فأما الذي هو مصدر (٦) فقالوا: بان الخليطُ بيناً أي فارق، وقد بِنْتُه أي: فارقته، أنشد أبو زيد: كَأَنَّ عَيْنَيَّ وَقَدْ بَانُونِي ... غَرْبَانِ في جَدْوَلٍ مَنْجَنُونِ (٧) والمعروف: بان عني، فأما هذا فيتجه على أنه أراد الحرف فحذفه

стр. 1214

فلما حذف الحرف أوصل الفعل (١). وقولهم: بان الأمر وأبان، إنما معناه: انكشف، وفارقه ما كان غشيه من الإشكال بغيره والالتباس بسواه. وقال أبو زيد: البَيُون: البئر الواسعة الرأس الضيقة الأسفل، إذا قام الساقي على شفتها لم ير الماء، وأنشد: إِنَّكَ إِنْ دَعَوْتَنِي ودُوني ... زَوْرَاءُ ذاتُ مَنْزَعٍ بَيُونِ لَقُلْتُ لَبَّيْهِ لِمَنْ يَدْعُونِي (٢) وهذا أيضًا مما ذكرنا (٣)؛ لأن أعلى البئر فارق أسفلها لانهياره بورود السابلة عليها (٤) والمستقين (٥) منها. ولهذا المعنى الذي ذكرنا في أصل هذه الكلمة أضيف (بين) إلى ما دل على أكثر من الواحد في الأسماء، ولم يضف إلى الاسم المفرد الدال على الواحد، لأن ذلك ممتنع في معناه.

стр. 1215

ألا ترى أنك لو قلت: اجتماع زيد (١)، وجمعت زيداً، لم يسغ (٢) حتى تضيف إليه ما تريد (٣) به على الأفراد. هذا أصل (بين) في اللغة، ثم لا يمتنع أن يتسع فيه كما اتسع في غيره، فيستعمل لغير هذا المعنى. مما اتسع فيه أنه استعمل بمعنى الوصل (٤)، وهو ضد الافتراق، وقد بينا أن أصله راجع إلى الافتراق، وإنما جاز استعماله بمعنى الوصل في قوله: ﴿لَقَد تَقَطَّع بَيْنُكُم﴾ [الأنعام: ٩٤] على قراءة من رفع (٥)، لأنه قد كثر استعمالها ظرفًا بين الشيئين ومع الشيئين اللذين بينهما ملابسة ومخالطة، فصار لذلك بمنزلة الوصلة والاقتراب بين الشيئين. وهذا الاتساع إنما هو في المستعمل ظرفا دون التي هي مصدر، لأنه في الاستعمال أكثر. وهذا التوسع في الظروف كثير، والذي استعمل ظرفا أصله الذي هو مصدر؛ لأن المصادر قد استعملت ظروفاً في مواضع كثيرة، والأسماء التي تستعمل تارة ظروفاً وتارة أسماءً لا تمتنع أن تكون مشتقة مثل: خلف وأمام وقدام وأعلى وأسفل ووسط كلها مشتقة، وهي مع ذلك ظروف وقد استعملت أسماءً كما (٦) استعملت ظروفاً، وكذلك بين في نحو قوله: ﴿وَمِن

стр. 1216

بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥]، قد استعملت اسما. كما استعملت ظرفا (١) نحو: بينهما مال، وفي قوله: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] في قراءة من نصب (٢)، لأن المعنى: لقد تقطع الاشتراك (٣) بينكم. وأما ما لزم (٤) الظرفية وبعد عن التمكن كإذ ونحوه فيمتنع اشتقاقه (٥). هذا هو الكلام في بين. فأما ما يقع بعده فهو على ضربين (٦): اسم وجملة. والاسم المفرد الذي بعده لا يخلو من أن يكون دالا على واحد أو أكثر من الواحد. فإن كان دالا على الواحد غير دال (٧) على أكثر منه عطف عليه اسم آخر، وكان العطف بالواو دون غيرها من الحروف العاطفة، [وذلك قولنا: المال بين زيد وعمرو. وإنما كان العطف بالواو لما فيما من معنى الاجتماع، ولأن ذلك حقيقتها وأصلها وليس ذلك موجودا في شيء غيرها من الحروف العاطفة (٨)]، وفي العطف على الاسم المفرد بعد (بين) يحتاج إلى ما يدل على معنى الاجتماع. لما قدمنا ذكره في معنى

стр. 1217

(بين) فلو عطف فيه على الاسم المفرد بحرف غير الواو لبقيت إضافتها كأنها إلى المفرد. ألا ترى أنك لو جعلت موضع الواو الفاء لكان -لما فيها من معنى إتباعه الثاني الأول- لا يكون مجتمعا مع المعطوف عليه، وإذا لم يجتمع معه حصلت الإضافة إلى مفرد دال على واحد، وإضافتها إلى الواحد ممتنع. والذي يدل على أنه حيث تريد (١) الاجتماع لا يجوز العطف بغير الواو (٢) أنك لو قلت: مررت بزيد أخيك وصاحبك، وأنت تريد نعته بالأخوة والصحبة جميعًا (٣) كان العطف بالواو دون سائر أخواتها، إذ (٤) كان الغرض أنه مستحق لهما (٥) معًا. وكذلك الأفعال التي لا تقع إلا من فاعلين لا يكون العطف فيه لأحد الفاعلين على الآخر إلا بالواو دون غيرها، لأنك لو عطفت فيها بغير الواو، لصارت كأنها مسندة إلى فاعل واحد، وذلك فيها فاسد، وذلك نحو الاشتراك والاختصام (٦) والاقتتال وما أشبه هذا. وما امتنع من العطف بالفاء, فهو من (ثم) أشد امتناعًا إذ (٧) كان معناها من معنى الاجتماع أبعد، وإلى الافتراق أقرب لما يدل عليه من التراخي والمهلة (٨).

стр. 1218

فإن قيل (١): أليس قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَه﴾ [النور: ٤٣] فأضاف (بين) (٢) إلى اسم مفرد؟ قيل: الهاء فيه ضمير يعود إلى اسم يراد به الجمع، فجاز إضافة (بين) إليه من حيث جاز إضافته إلى الاسم الذي هذه (٣) الهاء عائدة إليه، وذلك قوله: ﴿سَحَابًا﴾ (٤) ألا ترى أن سحاباً جمع سحابة. فأما قوله (٥): بيني وبينه مال، فمذهب سيبويه فيه أن (بين) الثاني متكرر للتأكيد، ومعناه عنده (٦): بيننا. قال: وهو مثل قولهم: أخزى الله الكاذب منِّي ومنك وإنما هو: منا (٧)، وكقول القائل (٨): فأيِّي ما وأَيُّك كان شرًّا ... فَقِيدَ إلى الْمقَامَةِ لاَ يَرَاهَا (٩)

стр. 1219

إنما هو فأينا، كذلك هاهنا المعنى بيننا، وكرر للتأكيد. وأما قوله تعالى: ﴿عَوَان بَينَ ذَلِكَ﴾ فأضاف (١) (بين) إلى ذلك من حيث جاز إضافته إلى القوم وما أشبه ذلك من الأسماء التي تدل على الكثرة وإن كانت مفردة، وإنما جاز أن يكون قولنا: (ذلك) يراد به مرة الانفراد ومرة الجمع والكثرة لمشابهته الموصولة كـ (الذي وما). ألا ترى أن القبيلين يشتبهان في دلالة كل واحد منها على شيء بعينه. ألا ترى أن (الذي) لا يدل على زيد دون عمرو، و (ما) لا يدل على الفرس دون الحمار، وكذلك (من)، فكان (٢) قولنا (ذلك) وسائر المبهمة كذلك، فلما كان (الذي وما ومن) على ما وصفنا من الدلالة على الجموع والإفراد، وكانت تفرد والمراد في إفرادها الجمع في نحو قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ [الزمر: ٣٣] و ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] و ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] ونحو ذلك مما يكثر تعداده، وكانت المبهمة مثلها في أنها لا تخص (٣) بالدلالة نوعاً ولا شخصاً بعينه، أجري مجراها في أن المراد فيما استعمل منه مفرداً قد يكون الجماعة (٤). وهذا واسع مستحسن في جميع المبهمة، فمن المبهمة (كم) في قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ﴾ [النجم: ٢٦]، وقال: ﴿وَكَم

стр. 1220

مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأعراف: ٤]، ثم قال: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ وقال: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]، وقال: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] (١) وقال: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]. فهذه الأسماء (٢) حسن فيها هذا، لما لم يكن (٣) لواحد بعينه ولا لنوع وحده (٤)، فكذلك (٥) (ذلك) لما كان مبهماً جاز أن يراد به الواحد مرة، وأكثر من الواحد مرة، وعلى هذا الحد صار فاعلاً لحبَّ في قولهم: [حبذا. ألا ترى أنه موضع يقع فيه الاسم (٦)، كما أن فاعل نعم وبئس عام. وقيل:] (٧) حبذا هند، كما قيل: حبذا زيد (٨)، ويدلك على ما ذكرنا من قصدهم بـ (ذلك) الجمع وما زاد على الواحد، أن رؤبة لما قيل له في قوله: فيه خُطُوطٌ من سَوَادٍ وبَلَقْ ... كأَنَّه في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ (٩)

стр. 1221

وجب أن تقول (١): كأنها، وإن أردت السواد والبلق وجب أن تقول (٢): كأنهما. قال: أردت كأن ذاك (٣). فعلم بهذا أنهم يقصدون بـ (ذلك) غير المفرد وأنه قصد هذا المعنى، وعليه حمل كلامه. ويدل أيضًا على أنهم يقصدون بـ (ذلك) إلى (٤) أكثر من الواحد إضافتهم (كلا) إليه، وذلك في قول القائل: وَكِلاَ ذَلِكَ وَجْهٌ وَقَبَلْ (٥) ألا ترى أن (كلا) لا يضاف إلى المفرد، فبان أن المراد بـ (ذلك) الزيادة على الواحد. وكذلك (٦) قوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ إنما أضيف

стр. 1222

(بين) إلى (ذلك) لأن المراد به الزيادة على الواحد. ألا ترى أنه إشارة إلى ما تقدم من قوله مما دل على الفروض والبكارة. فأما قول أبي إسحاق: (لأن ذلك ينوب عن الجمل (١)، يقول القائل: ظننت ذاك، والظن يقتضي مفعولين فقام ذلك أو ذاك مقامهما)، فهذا خطأ (٢)، ولا يجوز أن يقع ذاك وذلك (٣) موقع الجملة، ولا يجوز أن تكون (٤) نائبة عن الجملة، لأنه لوكان نائبا عنها للزم أن ينوب عنها في صلة (الذي) وأخواتها، وفي وصف النكرات (٥). ولو (٦) كان (ذلك) نائبًا عن الجمل لما جاز وقوعه في هذه الآية؛ لأن هذا الموضع ليس من مواضع الجمل، ولا من الأماكن التي يتجه فيها دخول الجمل.

стр. 1223

ألا ترى أن (ذلك) إشارة إلى البكارة والفروض. فلو كان واقعاً (١) موقعَ جملةٍ ما دلّ عليهما (٢)؛ لأن الجملة يُسنَد فيها الحديثُ إلى المحدَّث عنه (٣)، وليس (٤) واحد من الفروض والبكارة بمسند إلى الآخر. وهذا واضح لمن تأمله. فأما قولهم: ظننت ذاك، فهو عند سيبويه إشارة إلى المصدر (٥) كأنك قلت: ظننت ذاك (٦) الظنَّ، وإذا كان إشارة إلى المصدر لم يحتج إلى مفعول ثان، كما أنّ (ضربت) وغيره من الأفعال المتعدية إذا عديته (٧) إلى المصدر لم يلزم أن تُعدِّيه إلى مفعول به، فبان أن (ذاك) من قولهم: (ظننت ذاك) لم يقع موقع الجملة (٨). ٦٩ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ اللون (٩) مرفوع، لأنك لم ترد أن تجعل (ما) صلة، فتقول: يبين لنا لونَها، وقد قرئ

стр. 1224

بها شاذّاً، وهو صواب (١)، ولكنه (٢) أراد (٣): ادع لنا ربك يبيّن لنا أي شيء لونُها؟ ولم يصلح للفعل الوقوع (٤) على (أي) لأن أصله جمع متفرق (٥) من الاستفهام، كقول القائل (٦): يبين لنا (٧) أسوداء هي أم صفراء؟ فلما لم يصلح (٨) للتَّبَيُّن أن يقع على الاستفهام في تفرقه لم [يقع] (٩) على أي، لأنها

стр. 1225

جمع ذلك المتفرق، وكذلك ما كان في القرآن مثله. فأعمِلْ في (١) (ما) و (أي) الفعل الذي بعدهما، ولا تُعمِلْ الذي قبلهما إذا كان مشتقًّا من العلم أو في معناه، كقولك: ما أعلم أنهم قال ذلك، ولا أُعلِمَنَّ أيُّهم قال ذلك، وما أدري أيَّهم ضربتَ (٢). فهو في العلم والإخبار والإنباء وما أشبهها على هذا الوصف، ومنه قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٧]، موضع (ما) (٣) رفع (٤)، رفعتها بيوم، كقولك: ما أدراك أيُّ شيء يوم الدين؟ وكذلك قوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: ١٢]، رفعت (أي) بأحصى، وإنما (٥) امتنعت (أي) من الفعل الذي قبلها، لأنك تجد الفعل غير واقع عليها في المعنى؛ ألا ترى أنك إذا قلت: اسأل (٦) أيهم قام، كان المعنى: سل الناس أيُّهم قام، ولو أوقعت الفعل على أي فقلت: اسأل أيَّهم قام، خرجت من معنى الاستفهام، وذاك جائز إن أردته (٧)، تقول: لأضربنَّ أيَّهم قال ذلك، فهنا (٨) (أي) لا تكون (٩) استفهاماً؛ لأن الضرب لا يقع [على

стр. 1226

اسم، ثم يأتي بعد ذلك استفهام، لأن الضرب لا يقع، (١) على اثنين. وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩] مَنْ نصَبَ أيّاً (٢) أوقع عليها النزع، وليس باستفهام، كأنه قال: ثم لنستخرجن العاتي الذي هو أشدّ عِتيّا. وأما الرفع (٣)، فأن تجعل مكتفيًا بـ (من) في الوقوع عليها كما تقول: قد قتلنا من كل قوم، وأصبنا من كل طعام، ثم تستأنف أيّاً فترفعها بالذي بعدها، كقوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] وكذلك: ﴿يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (٤) [آل عمران: ٤٤]. و (٥) قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا﴾ (٦) ما بعد القول من باب (٧) إنَّ مكسور أبدا، كأنك لم تذكر القول في صدر كلامك، وإنما وقع (قلت) في كلام العرب على أن يحكى به ما كان كلاماً يقوم بنفسه قبل دخوله، فيؤدي

стр. 1227

مع ذكر (قلت) ذلك اللفظ، تقول: قلت: زيد منطلق، وكذلك إن زيدًا منطلق، إذا حكيته تقول: قلت: إن زيداً منطلق (١)، لا اختلاف بين النحويين في ذلك، إلا أن قوماً من العرب، وهم بنو سُلَيم يجعلون باب (قلت) (٢) كباب (ظننت)، فيقولون: قلت: زيداً منطلقاً، وهذه لغة لا يؤخذ بها في القرآن. وقوله تعالى: ﴿فَاقِعٌ﴾ هو مبالغة في نعت الأصفر يقال: فَقَعَ فُقُوعًا وهو يَفْقَعُ ويَفْقُعُ. وربما استعمل الفقوع في معنى الحمرة (٣)، قال البُرجُ بن مُسْهِر: كُمَيْتاً (٤) مِثْلَ ما فَقَعَ الأَديم (٥) أي: اشتدت حمرته، وفاقع يرجع إلى اللون، وهو خبر واسمه اللون، فهو خبر مقدم على الاسم (٦).

стр. 1228

ومعنى ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾: تعجبهم بحسنها (١). ٧٠ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِىَ﴾ أي (٢): أسائمة أم عاملة (٣)؟ ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ ذكَّر الفعل لتذكير (٤) اللفظ كقوله: ﴿نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] وكلُّ جمعٍ حروفُه أقلُّ من حروف واحده جاز تذكيره مثل: بقر ونخل وسحاب، فمن ذكَّر ذهب إلى لفظ الجمع، ولفظ الجمع مذكر، ومَن أنَّثَ ذهب إلى لفظ الجماعة (٥)، قال الله تعالى: ﴿يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ [النور: ٤٣] وقال: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: ١٠]، وقال الزجاج: معناه جنس البقر تشابه علينا (٦). ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ إلى وصفها (٧)، وقيل: إلى القاتل (٨).

стр. 1229

قال رسول الله ﷺ : "وأيمُ اللِّه لو لم يستثنوا لما بُيِّنَتْ لهم آخر الأبد" (١). ٧١ - قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ الذلول: المذللة بالعمل، و ﴿تُثِيرُ اَلأرَضَ﴾ أي: تقلبها للزراعة (٢). ومعنى الإثارة: تفريق الشيء في كل جهة، يقال: أثرت الشيء واستثرته، إذا هيجته. قال (٣): إِذا كَانَ في صَدْر (٤) ابنِ عمِّك إِحْنَةٌ ... فلا تَسْتَثِرْها سوف يَبْدُو دَفِينُهَا (٥) ويقال: ثار الشيء إذا ارتفع عن مكانه، يقال: ثار الغبار، ثار الدخان، وثار الدم في وجه فلان، وثَوَّرْتُ كدُورةَ الماء فثار، ومنه الثور لأنه يثير الأرض (٦).

стр. 1230

وقوله تعالى: ﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ صفة لذلول (١)، والنكرة مع صفتها شيء واحد، ولذلك (٢) قلنا: إن المراد بقوله: ﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ النفي لا الإثبات، لأنه نفي أن تكون مثيرة للأرض (٣)، والنفي دخل على أول الكلام، فانتفى ما كان ينضم إليه، والصفة للنكرة كالصلة للموصول، ولو قلت: فلان ليس بالذي يأتيني كنت نافيًا للإتيان. ألا ترى إلى (٤) قول طرفة: لا كَبِيرٌ (٥) دالفٌ من هَرَمٍ ... أرْهَبُ اللّيْلَ ولا كَلُّ الظُّفُرْ (٦) أراد أنه لا يدلف من الهرم ولا يرهب الليل، ولم يرد الإثبات.
следующие страницы →