← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

اسم، ثم يأتي بعد ذلك استفهام، لأن الضرب لا يقع، (١) على اثنين. وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩] مَنْ نصَبَ أيّاً (٢) أوقع عليها النزع، وليس باستفهام، كأنه قال: ثم لنستخرجن العاتي الذي هو أشدّ عِتيّا. وأما الرفع (٣)، فأن تجعل مكتفيًا بـ (من) في الوقوع عليها كما تقول: قد قتلنا من كل قوم، وأصبنا من كل طعام، ثم تستأنف أيّاً فترفعها بالذي بعدها، كقوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] وكذلك: ﴿يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (٤) [آل عمران: ٤٤]. و (٥) قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا﴾ (٦) ما بعد القول من باب (٧) إنَّ مكسور أبدا، كأنك لم تذكر القول في صدر كلامك، وإنما وقع (قلت) في كلام العرب على أن يحكى به ما كان كلاماً يقوم بنفسه قبل دخوله، فيؤدي

стр. 1227

مع ذكر (قلت) ذلك اللفظ، تقول: قلت: زيد منطلق، وكذلك إن زيدًا منطلق، إذا حكيته تقول: قلت: إن زيداً منطلق (١)، لا اختلاف بين النحويين في ذلك، إلا أن قوماً من العرب، وهم بنو سُلَيم يجعلون باب (قلت) (٢) كباب (ظننت)، فيقولون: قلت: زيداً منطلقاً، وهذه لغة لا يؤخذ بها في القرآن. وقوله تعالى: ﴿فَاقِعٌ﴾ هو مبالغة في نعت الأصفر يقال: فَقَعَ فُقُوعًا وهو يَفْقَعُ ويَفْقُعُ. وربما استعمل الفقوع في معنى الحمرة (٣)، قال البُرجُ بن مُسْهِر: كُمَيْتاً (٤) مِثْلَ ما فَقَعَ الأَديم (٥) أي: اشتدت حمرته، وفاقع يرجع إلى اللون، وهو خبر واسمه اللون، فهو خبر مقدم على الاسم (٦).

стр. 1228

ومعنى ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾: تعجبهم بحسنها (١). ٧٠ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِىَ﴾ أي (٢): أسائمة أم عاملة (٣)؟ ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ ذكَّر الفعل لتذكير (٤) اللفظ كقوله: ﴿نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] وكلُّ جمعٍ حروفُه أقلُّ من حروف واحده جاز تذكيره مثل: بقر ونخل وسحاب، فمن ذكَّر ذهب إلى لفظ الجمع، ولفظ الجمع مذكر، ومَن أنَّثَ ذهب إلى لفظ الجماعة (٥)، قال الله تعالى: ﴿يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ [النور: ٤٣] وقال: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ [ق: ١٠]، وقال الزجاج: معناه جنس البقر تشابه علينا (٦). ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ إلى وصفها (٧)، وقيل: إلى القاتل (٨).

стр. 1229

قال رسول الله ﷺ : "وأيمُ اللِّه لو لم يستثنوا لما بُيِّنَتْ لهم آخر الأبد" (١). ٧١ - قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ الذلول: المذللة بالعمل، و ﴿تُثِيرُ اَلأرَضَ﴾ أي: تقلبها للزراعة (٢). ومعنى الإثارة: تفريق الشيء في كل جهة، يقال: أثرت الشيء واستثرته، إذا هيجته. قال (٣): إِذا كَانَ في صَدْر (٤) ابنِ عمِّك إِحْنَةٌ ... فلا تَسْتَثِرْها سوف يَبْدُو دَفِينُهَا (٥) ويقال: ثار الشيء إذا ارتفع عن مكانه، يقال: ثار الغبار، ثار الدخان، وثار الدم في وجه فلان، وثَوَّرْتُ كدُورةَ الماء فثار، ومنه الثور لأنه يثير الأرض (٦).

стр. 1230

وقوله تعالى: ﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ صفة لذلول (١)، والنكرة مع صفتها شيء واحد، ولذلك (٢) قلنا: إن المراد بقوله: ﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ النفي لا الإثبات، لأنه نفي أن تكون مثيرة للأرض (٣)، والنفي دخل على أول الكلام، فانتفى ما كان ينضم إليه، والصفة للنكرة كالصلة للموصول، ولو قلت: فلان ليس بالذي يأتيني كنت نافيًا للإتيان. ألا ترى إلى (٤) قول طرفة: لا كَبِيرٌ (٥) دالفٌ من هَرَمٍ ... أرْهَبُ اللّيْلَ ولا كَلُّ الظُّفُرْ (٦) أراد أنه لا يدلف من الهرم ولا يرهب الليل، ولم يرد الإثبات.

стр. 1231

قال ابن الأنباري (١): غلط أبو حاتم في هذا (٢)، لأنه قال: الوقف جيد على قوله: (ذلول) (٣)، ثم يبدأ بـ (تثير (٤) الأرض)، وقال: إن الله تعالى وصف هذه البقرة بما لا يعرفه الناس وصفاً لغيرها من البقر، فجعلها تثير الأرض ولا تسقي الحرث على خلاف ما نشاهد من بقرنا. وقد أبطل (٥) الفراء وغيره من كبار النحويين هذا الوقف (٦)، وردّ عليه هذا الاختيار بأن البقرة متى أثارت سقت، وغير جائز أن يُدّعى أعجوبةٌ في حرف من القرآن لم تؤثر (٧) عن أهل العلم ما ادعاه، فلا يقبل (٨) عنه ذلك، مع ما ذكرنا أنه لا يصح من (٩) طريق النحو أن المراد منه الإثبات. وموضع (تثير) رفع في التأويل لأنه نعت لذلول، والمعنى: أنها بقرة لا ذلول مثيرة للأرض، أي: ليست كذا ولا كذا، أي: لا توصف بالتذليل ولا بإثارة الأرض، كما تقول في (١٠) الكلام: عبد الله ليس بعاقل حازم، وزيد ليس

стр. 1232

بآكل شارب، فتنفي (١) عنه الفعلين. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ دخلت (لا) لأنه معطوف على قوله: (ذلول) فلما كان فيه حرف النفي أدخل أيضا فيما انعطف عليه (٢). [وجاز عطف الفعل على الاسم، لأن فيه معنى الفعل كأنه قيل: لم تُذلَّل، والاسم إذا كان مبنيّاً على الفعل] (٣) جاز عطف الفعل عليه، كما تقول: زيد صائم ويصلي، ويجوز أن تكون (لا) مستأنفة، يراد بها: لا ذلول تثير الأرض، وليست تسقي الحرث. قال أبو العباس: والحرث كل موضع ذللته من الأرض ليزرع (٤) فيه، ويقال له عند غرسه وبذره إلى حيث بلغ: حرث. فمعنى الحرث: الأرض المهيأة للزرع (٥)، ومنه قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، على التشبيه بالأرض التي (٦) قد هُيِّئت للزرع. فأما الزرع فإنما هو النماء، من ذلك قولك للصبي: زرعه الله (٧)، ويوضح هذا قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا

стр. 1233

تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ [الواقعة:٦٣, ٦٤]. وقوله تعالى: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ قال قتادة، والربيع، وابن عباس: أي من العيوب (١). وقال الحسن: من أثر العمل (٢). وقال مجاهد: من الشية (٣). وقوله تعالى: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ الوشى في اللغة معناه (٤): خلط لون، وكذلك في الكلام يقال: وشيتُ (٥) الثوب أشِيه وَشْيًا وشِيَةً (٦). والشية مما نقص منه الواو (٧)، وعوض فيه الهاء كالدية من وَدَيْتُ، والعِدة من وَعدتُ (٨)، ويجوز أن يكون (٩) الشية مصدراً، يقال: وَشَيْتُ أشي شِيَةً (١٠)

стр. 1234

ووَشْيا (١). قال الزجاج: أي (٢) ليس فيها لون يفارق سائر لونها (٣). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا الْآنَ﴾ الآن هو الوقت الذي أنت فيه، وهو حد الزمانين (٤)، حد الماضي من آخره وحد الزمان (٥) المستقبل من أوله (٦). وذكر الفراء في أصله قولين (٧): أحدهما: أن أصله (أوان) (٨) حذفت منه الألف وغيرت واوه إلى الألف ثم أدخلت عليه الألف واللام، ولم يخلعا منه كما فعلوا بالذي وتركوه على مذهب الأداة، والألف واللام له لازمة غير مفارقة. والقول الثاني: أن أصله: آن (٩) ماضي يئينُ، بني اسماً لحاضر الوقت، ثم ألحق به الألف واللام وترك على بنائه؛ لأن أصله فَعَلَ

стр. 1235

منصوبة، كما قالوا: نهى رسول الله ﷺ عن قيلَ وقالَ وكثرةِ السؤال (١) وكانتا كالاسمين وهما منصوبتان. ولو خفضا على النقل لهما من حد الأفعال إلى الأسماء في النية لكان صواباً. قال: وسمعت العرب تقول: أعييتني من شُبَّ إلى دُبَّ، ومن شُبٍّ إلى دُبٍّ مخفوض منون، يذهبون به مذهب الأسماء، والمعنى منذ كان صغيراً يشِبُّ إلى أن دَبَّ كبيرًا (٢). ومثله (أمس) فإن أصله الأمر من: أمسى يُمسي بُنيَ اسماً للوقت، وألحق به الألف واللام (٣). قال أبو علي الفارسي (٤): حكم ما يبنى من الأسماء أن يكون لمضارعته الحرف، فلمضارعته له (٥) ما يجب أن يخرج إلى حكمه كما أن

стр. 1236

نوعاً منها لمشابهتها الأفعال (١) يخرج إلى حكمها (٢) فيمنع ما لا يكون لها من الجر والتنوين. وكذلك (الآن) بني لما فيه من مضارعته الحرف. وجهة المضارعة تضمنه معنى الحرف، وإذا تضمن الاسم معنى الحرف وجب بناؤه. [وذلك التضمن هو تضمن معنى (٣) التعريف، لأن التعرف حكمه أن يكون بحرف، فلما تضمن معنى الحرف وجب بناؤه] (٤)، كما أن خمسة عشر لما تضمن معنى الحرف بني. فإن قيل: كيف تضمن معنى الحرف، والحرف نفسه فيه، ولو جاز بناؤه وفيه الحرف لجاز بناء الرجل ونحوه؟ قيل: الألف واللام في (الآن) ليس كهما في (الرجل)؛ لأن الرجل لا يتعرف (٥) بغير الألف واللام، والآن يتعرف بغيرهما (٦). والدليل على تعرف (الآن) بغير ما ظهر فيه من الحرفين، أن ما فيه الألف واللام مما يعرف به يلزم أن يكون قبل دخوله (٧) عليه نكرة كرجل، والرجل، وليس (الآن) كذلك. ألا ترى أنه ليس (آن) (٨) منكورا، ثم

стр. 1237

يكتسي التعريف بالحرف كالرجل. ويراد بـ (الآن) الوقت الحاضر (١)، وما هو أقل القليل، ثم قد تتسع فيه العرب، فتقول: أنا الآن أنظر في النجوم، وأنا الآن أنظر في العلم، وأنا الآن أصل من قطعني (٢)، وليس يراد أنه (٣) في ذلك الوقت اليسير يفعل ذلك، ولكن غرضه أنه في وقته ذلك وما أتى من (٤) بعد، وتطاول، يفعل هذا الضرب من الفعل. وهذا كقولهم: أنا اليوم خارج، يريد به الذي هو عقيب الليلة. ثم قالوا: أنا اليوم شيخ، وأنا اليوم متماسك، فاليوم أصله لما هو عقيب الليلة ثم يتسع فيستعمل لغير ذلك الزمان. فكذلك (الآن) أصله للوقت الحاضر، ثم قد يتسع فيه. فإن قلت: فهل تجد الألف واللام في اسم غير هذا، والاسم الذي فيه غير متعرف به (٥)؟

стр. 1238

فالجواب: أن قولهم: (الذي) فيه الألف واللام وليس (١) تعريف الاسم بهما، إنما تعريفه بغيرهما. والدليل على ذلك: تعريف سائر الموصولات (٢) سوى الذي (٣) ولا ألف ولام فيها. فقد وجدت الألف واللام في هذا الاسم (٤) أيضا لغير التعريف (٥). ويدل أيضا على أن التعريف في (الذي) ليس باللام، أنّ كثيراً من العرب قد يستعمل موضع (الذي): (ذو)، وهو عندهم معرفة. أنشد أبو زيد لقيس بن جِرْوة (٦) جاهلي: لئنْ لَم تُغَيِّرْ (٧) بَعْضَ مَا قَدْ صَنَعْتُمُ ... لَأَنْتَحِيَنْ (٨) للعَظْمِ ذُوأنا عارِقُه (٩)

стр. 1239

فإن قيل: إذا كانت اللام زيادة (١) في الذي غير متعرف بها، فهل يوجد حرف زائد لا يجوز إسقاطه؟ قلنا: قد يكون زائدًا لازماً، ألا ترى أنهم يقولون: آثِراً ما (٢)، ولا يسقطون هذا الزائد، ورب (٣) زائد لازم حتى يكون بمنزلة ما هو من نفس الحرف. ومثل ذلك (مِن) في ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [الحج: ٤٨]، و (ما) في سِيَّما (٤)، فليس لزوم هذا الحرف وامتناع حذفه مما يمنع من الحكم بزيادتها (٥). ومما يقوي زيادة اللام، ما (٦) أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن (٧)، عن أبي العباس محمد بن يزيد (٨) عن أبي عثمان (٩) قال: سألت الأصمعي عن قول الشاعر:

стр. 1240

وَلَقَدْ جَنَيْتُكَ أكْمُؤًا وَعَسَاقِلا ... وَلَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ بَنَاتِ الأوْبَرِ (١) لم أدخل اللام (٢)؟ فقال: أدخله زيادة للضرورة، كقول الآخر: (٣) يَا ليْتَ أمَّ العَمْرِو كانَت صَاحِبي (٤) فكما أن اللام زيادة فيما ذكرنا، كذلك هو في (الآن) زائدة، ولا تستوحشنَّ من قولنا فيها، فقد قال بزيادته سيبويه والخليل في قولهم: مررت بهم الجمّاءَ الغفير نصب على نية (٥) إلغاء الألف واللام نحو: طرًّا

стр. 1241

وقاطبة (١). وقال به أبو الحسن والأصمعي، وقبله أبو عثمان وأبو العباس وأبو بكر، فلم يدفعوه فيما روينا عنهم في البيت، وأما أبو الحسن الأخفش فإنَّه قال في قولهم: (مررت بالرجل خير منك، ومررت بالرجل مثلك) إن اللام زائدة (٢)، وبعد: فإن حرف التعريف حرف كسائر الحروف التي تلزم معنى، ثم تزاد (٣) في موضع آخر معرًّى من ذلك المعنى، كـ (باء الجر، ومن) وغيرهما، وكما جاءت (ما ولا) زائدتين، ولكل واحد منهما معنى يلزمه إذا لم يزد، وكذلك حرف التعريف (٤). فإن قيل: إذا كانت اللام زائدة فهلّا جعلت هذا الاسم من الأسماء المنكورة (٥) المبنية كـ (أين وكيف) ونحوه (٦)؟ فالجواب أن هذا الاسم لا يجوز أن يكون كـ (أين) ونحوه من المنكورة (٧) المبنية؛ لأن هذا مختص (٨)

стр. 1242

مشار به إلى شيء بعينه، كما أن (هذا) مشار به إلى شيء واحد بعينه من سائر ما يحضر (١). ألا ترى أنك تخص به الوقت الحاضر دون الماضي ودون الآتي، إلا أن يتسع (٢) فيه فالإشارة به والقصد فيه إلى المعين المخصوص يخرجه عن أن يراد به الشائع المنكور (٣) كـ "كيف" وبابه. قال أبو على: وأما قول الفراء (٤) إن قولنا: (الآن) يجوز أن يكون الآن (٥) من قولنا: آنَ أن (٦) يفعل كذا، دخلت عليه [الألف واللام مثل شُبَّ (٧) إلى دُبَّ. وهذا قول يفسد في: اللفظ والمعنى، ومن حكم مثله ألا يعرج عليه] (٨) أما فساده في اللفظ: فلأن ذلك لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون فعلاً مجرّداً من الفعل. أويكون فعلًا معه فاعل. فإن كان فعلاً مجردّاً من الفاعل لزم إعرابه وامتنع حكايته، وذاك مذهب العرب والنحويين جميعا.

стр. 1243

ألا تراهم سمَّوا (١) العنبر بن عمرو بن تميم (٢): خَضَّمَ (٣) لكثرة أكله (٤)، فأعربوه ولم يحكوه. قال سيبويه: وسمعناهم يصرفون رجلاً سُمَيَ كَعْسَبَ (٥)، وهو فعلل (٦) من الكعسبة، وهي (٧) شدة العدو، وإنما لم يجز حكايةُ الفعل إذا نُقِل فسمّي به من أجل أن الفعل يلزمه الفاعل (٨)، فلا يفارقه. فلو حكي بعد التسمية للزمه الفاعل كما كان يلزمه قبل , لأنه لا يخلو (٩) من الفاعل، الحكاية (١٠) فيه إذا سمي به تؤدي إلى خلاف الغرض المقصود؛ لأن

стр. 1244

المسمي بالفعل لو حكاه في حال (١) التسمية للزمه التسمية بالجملة دون المفرد، إذ الفعل لا يخلو من الفاعل بحال، فلما كان كذلك أزيل (٢) عن الفعلية بإعرابه، وترك حكايته، وصح التسمية به (٣) لذلك دون فاعله. ويدل على امتناع هذه الكلمة أن [تكون] (٤) فعلا، دخول لام (٥) التعريف عليها، وهذه اللام دخولها يكون على الأسماء، كما أن التنوين من خواص الأسماء. ولا يجوز (٦) في قولهم: (الآن) (٧) أن يكون فعلاً معه فاعله غير مجرد منه؛ لأن دخول اللام عليه يمنع ذلك، ألا ترى أن اللام لا تدخل على الجمل كما لا تدخل على الفعل فهذا فساده (٨) من جهة اللفظ. وأما فساده من جهة المعنى، فقولهم: آن أن تفعل كذا (٩) مقلوب من (١٠) أنى يَأني وأصل هذه الكلمة في اللغة إنما هو بلوغ الشيء (١١) وانتهاؤه ومكثه وامتداده، فهو خلاف الآن وعكسه. والدليل على صحة

стр. 1245

القلب في هذا، أنه لا مصدر لـ (آن)، كما أن قولهم: أيس يأيس لما كان مقلوبًا من يئس ييأس (١) لم يكن له مصدر [ولوكان له مصدر] (٢) لكان من باب جذب وجبذ (٣)، ولم يكن قلبا. فإن قلت (٤): فقد قالوا: الإياس، وقد سمّوا الرجل إياسًا؟ قيل: إن إياساً من إسْتَه إذا أعطيتَه (٥)، وتسميتهم بإياس كتسميتهم بـ (عطية وعطاء)، ومن هذا الباب قوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٦) أي أما بلغ، أما حان. والآن اسم للوقت الذي أنت فيه وهو باق، والباقي غير المتقضي (٧) المنتهي. وأما قولهم: أعييتني من شُبَّ إلى دُبَّ (٨) فهذا الكلام مخرجه مخرج الأمثال التي تلزم طريقةً واحدةً ووجهاً واحداً، كقولك للرجل: أَطِرِّي

стр. 1246

فَإنَّكِ نَاعِلة (١)، والصَّيفَ ضيَّعت اللبن (٢)، فمعنى هذا: أنت عندي ممن يجب أن يقال له هذا. فهذه الأمثال وما شبه بها إنما تقال كما قيلت حيث جرت، ولذلك (٣) أيضًا دخلت (إلى) على الجملة كأنهم جعلوها الوقت (٤). فأرادوا: أعييتني من وقت الشباب إلى وقت الكبر والدبّ بالعصا (٥). وأما (٦) قوله: يجوز أن يكون الآن مأخوذا من الأوان فتكون الألف منقلبة عن الواو (٧)، فإن ذلك لا ينبغي أن يجوز، لأن هذه المبنية مشابهة بالحروف (٨) والأصوات [فكما لا يكون (٩) الحروف

стр. 1247

والأصوات] (١) مشتقة كذلك (٢) لا يكون هذه (٣) الأسماء مشتقة (٤). ومعنى قوله: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالوصف البين التام الذي دل على التمييز من بين أجناسها (٥)، ويقال: جاء مجيئاً وجَيْئةً، ومنه: الجَيْئة (٦)؛ لأنه يجيئها الماء فيجتمع فيهما. [وقوله: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ في الآية إضمار، أراد: فطلبوها، فوجدوها، فذبحوها] (٧). وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ قال القرظي: لغلاء ثمنها (٨).

стр. 1248

وقال وهب: مخافة الافتضاح (١). وذكرنا ما في (كاد) عند قوله ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ﴾ [البقرة: ٢٠]. قال عكرمة: لو أنهم عمدوا (٢) إلى أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم ولكنهم شدّدوا فشُدِّد عليهم (٣)، وقيل: إن أول من راجع موسى في ذبح البقرة هو القاتل مخافة أن ينكشف ويفتضح. ٧٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ الآية. كان الاختلاف في القاتل قبل ذبح البقرة، وإنما تأخر في الكلام؛ لأن الله لما قال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، علم المخاطبون أن البقرة لم تذبح إلا للدلالة على قاتل خفيت عينه عليهم، فلما استقرّ علم هذا في نفوسهم أتبعه بقوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ على جهة التوكيد، لا أنه عرّفهم (٤) الاختلاف في القاتل بعد أن دلهم على ذبح البقرة (٥)، وقيل: إنه

стр. 1249

من المؤخر الذي يراد به التقديم، وتأويل ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾، فسألتم موسى فقال لكم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. وهذا عادة العرب في كلامهم، قال الله جل اسمه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ [الكهف:١, ٢]، أراد: أنزل على عبده الكتاب قِيَماً (١). وقال الفرزدق يمدح خال هشام (٢): وَمَا مِثْلُه في النَّاسِ إلا (٣) مُملَّكًا ... أبو أمِّهِ حَيٌّ أبوهُ يُقَارِبُهْ (٤) أراد: وما مثله (٥) في الناس حي يقاربه إلا مملكاً، أبو أم المملك أبوه، فقدّم وأخّر.

стр. 1250

وأضاف القتل إليهم في قوله: ﴿وَإِذ قَتَلتُم﴾ وإن كان القاتل واحداً على ما ذكرنا من مذهب العرب أنهم يضيفون فعل البعض إلى جماعة القبيلة، يقولون للقبيلة: انهزمتم يوم ذي قار وإنما انهزم بعضهم (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِذ قَتَلتُم﴾ ينعطف على قوله: ﴿وَإِذ قَلتُم يَامُوسَى﴾ (٢) [البقرة: ٥٥]، ﴿وَإِذ فَرَقنَا﴾ [البقرة: ٥٠] والذكر مضمر فيها كأنه: واذكروا إذ قتلتم (٣)، ولهذا لم يأت لـ (إذ) بجواب. ومثله قوله: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ (٤)، وليس شيء قبله تراه ناصباً لصالح، فعلم بذكر النبي وبالمرسل (٥) إليه أن فيه إضمار (٦): أرسلنا. ومثله: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء: ٧٦]، ﴿وَذَا اَلنوُنِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وهذا يجري على مثال ما قال في سورة ص: ﴿وَاذكُر عَبدَنَا﴾ [ص: ٤٥] (٧)، ثم ذكر الذين من بعدهم بغير (واذكر) لأن معناه متفق،

стр. 1251

فجاز ذلك، ويستدل على (أن) في هذه الآية (١) مضمرة أنه قال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦]، ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦]، فلما ذكر هاهنا (واذكروا) (٢) مع (إذ) علم أنه مراد مع (إذ) وإن حذف (٣). وقوله تعالى: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ قال ابن عباس: اختلفتم فيها (٤). وقال الربيع: تدافعتم (٥). وأصل الدرء: الدفع، يعني: ألقى ذاك على هذا، وهذا على ذاك، فدافع كل واحد عن نفسه (٦). والتدارؤ والمدارأة مهموزتان. قال أبو عبيد: وهي المشاغبة والمخالفة على صاحبك (٧). ومنه حديث قيس بن السائب (٨): "كان رسول الله صلى الله عليه

стр. 1252

وسلم شريكي (١)، فكان خير شريك لا يدارئ ولا يماري" (٢). وكل من دفعته عنك فقد دارأته. قال أبو زبيد (٣): كانَ عَنِّي يردُّ دَرْؤُكَ بَعْدَ ... اللهِ شَغْبَ المُستَصْعَبِ المِرِّيدِ (٤)

стр. 1253

وأصله تدارأتم ثم أُدغمت التاءُ في الدال وأُدخلت الألفُ لِيسلَمَ سكونُ الحرف الأول (١). ومثله: ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ [التوبة: ٣٨]، ﴿اطَّيَّرنَا﴾ [النمل:٤٧]. قال الكسائي: التاء إذا كانت في الأفعال تدغم في حروف كثيرة، في التاء مثل: اتّابع بمعنى تتابع، وأنشد: تُولِي الضَّجِيعَ إذا مَا اسْتَافَهَا خَصِراً ... عَذْبَ المَذَاقِ إِذَا مَا اتَّابَعَ القُبَلُ (٢) وفي الثاء نحو: ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ [التوبة: ٣٨]، وفي الدال نحو: ﴿ادَّارَكُوا﴾ [الأعراف:٣٨] وفي الذال نحو: ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ (٣) وفي الصاد نحو: ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩] وفي الزاي نحو: ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ [يونس: ٢٤] وفي الطاء نحو: (اطَّهَّروا) (٤) و ﴿اطَّيَّرْنَا﴾ (٥)، وفي السين نحو: ﴿واسَّمَّعَ﴾ (٦)

стр. 1254

وفي الظاء نحو: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ (١)، وفي الشين نحو: ﴿تَشَقَّقُ﴾ (٢) فمتى ما لقيت التاء حرفاً من هذه الحروف أُدغمت، وإذا لم تَلقَه ظهرت (٣)، من ذلك: يتعلّمون ويتكلّمون ويترامون، ولا يكون مدغمًا. فإن ابتدأت بقوله: ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ وأخواته فقد اختلف الناس فيه. فقال بعضهم: إذا ابتدأت قلت: تثاقلتم: فتركت الإدغام (٤)، قال: وهذا أحب إليّ. وقال بعضهم: لا بل أقطع الألف فأقول: اثاقلتم، يكون (٥) هذه الألف كألف وافتعل واستفعل عند الابتداء. ولم يكتب (٦) بالألف إلا وهي هكذا عند الابتداء. قال الكسائي: ولم أسمع من العرب إلا بالبيان، وذلك أن الإدغام لا يكون إلا وقبله شيء، فأما إذا ابتدأت فلا. قال الفراء: والعرب تبني المصدر على الإدغام كما بنوا الفعل، فيقولون: ادّارأ ادّارُؤا مثل ادّارَكَ ادّارُكاً واثّاقَل اثّاقُلاً وازّامُلاً، وما كان

стр. 1255

مثله فإن فيه الإدغام (١) والإظهار في مصدره (٢). وكتب في المصحف (فادّرأتم) بغير ألف قبل الراء (٣) كما كتبوا (الرحمن) بغير ألف الاختصار، لأنهم قد يحذفون لطول الكلام كما يحذفون لكثرة الاستعمال. وقوله: (فيها) الكناية عائدة على النفس (٤). وقال ابن الأنباري: يجوز أن تعود على القتلة، لأن (قتلتم) يدل على المصدر (٥). ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ من أمر القتيل، وأدخل التنوين لأنه ميعاد في المستقبل (٦)، وقد مضى الكلام في هذه المسألة (٧). ٧٣ - قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ قال ابن عباس: اضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف، وهو المقتل. وقال الضحاك: بلسانها، واختاره الحسين بن الفضل. سعيد بن جبير: بعَجْب ذنبها، واختاره يمان بن رباب، قال: لأنه

стр. 1256

أساس البدن الذي (١) رُكِّبَ عليه الخلقُ (٢). ثم قال: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ معناه: اضربوه ببعضها فيحيا، فضُرِبَ فحَيِيَ (٣)، كذلك يحيي الله الموتى كما أحيا هذا القتيل، وأضمر (فيحيى) كما قال: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] والمعنى: فضرب فانفلق (٤)، فهذا احتجاج على منكري البعث (٥). فإن قيل: ما معنى ضرب القتيل ببعض البقرة، والله قادر على إحيائه بغير ذلك؟ والجواب: أنّ في ذلك تأكيداً أنه ليس على جهة المخرقة والحيلة، ولا على جهة الكهانة والسحر، إذ جعل الأمر في إحيائه إليهم، وجعل ذلك عند الضرب بموات لا إشكال في أنه علامة لهم وآية للوقت الذي يحيا فيه

стр. 1257

عندما يكون منهم، فبان أنه من فعل الله (١). وقوله تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ يقال: أَرَيْتُه الشيءَ إرايةً (٢) من غير همز شبيهاً بالمنقوص، مثل: إقامة، وترك الهمز؛ لأن الياء في أريت غير مهموز. ويقال أيضًا: أريته إِرَاءَة، لأن الياء إذا جاءت بعد الألف همزت، ويقال أيضا: إراءً بنوا على الهمز كأنهم قالوا: أرأيته إِرْءَاءً، ثم تركوا الهمز، قال الفراء: وأجودها (٣): إراية غير مهموز. وروى شمر عن ابن الأعرابي: أَرَيْتُه الشيءَ إِراءةً وإراية وإرْءَاءَةً (٤). ومعنى قوله ﴿آيَاتِهِ﴾ أي: آيات قدرته في خلق الحياة في الأموات. قال الزجاج: وهذه القصة في القرآن من أدلّ الدلائل على نبوة محمد ﷺ ، حيث أخبرهم بما صدّقه في ذلك أهلُ الكتاب، وهو رجل عربي أمّي لم يقرأ كتاباً ولم يتعلم من أحد، ولم يكن هذا من علم العرب (٥). ٧٤ - قوله تعالى: ﴿ثُمَ قَسَت قُلُوبُكُم﴾ معنى القسوة في اللغة: الشدة والصلابة واليبس، ويقال: حجر قاسٍ: صلب، وأرض قاسية: لا تنبت شيئا، وعامٌ قَسِيٌّ: ذو قحط، قال شمر: هو الشديد (٦) لا مطر فيه (٧).

стр. 1258

ويقال: قَسا قلبُه يَقْسُو قَسْوَةً وقَسَاوةً وقُسُوًّا (١). وقال بعضهم: قسا قلبه قِسِيًّا، والعرب تقلب الفعول في المصدر إلى الياء فيقول: طغا طِغِيّاً وعتا عِتِيّاً. قال أبو إسحاق: وتأويل القسوة ذهاب اللين والرحمة والخشوع (٢). وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: أي من بعد إحياء الميت لكم بعضوٍ من أعضاء البقرة، وهذه آية عظيمة كان يجب على من شاهدها أن يلين قلبه (٣) ويخضع (٤). قال الكلبي: قالوا بعد ذلك: لم نقتله نحن، فلم يكونوا قط أعمى قلباً ولا أشد تكذيباً لنبيهم منهم عند ذلك (٥). قال أبو إسحاق: ويحتمل أن يكون (من بعد ذلك)، أي: من بعد إحياء الميت والآيات التي تقدمت، نحو: مسخ القردة والخنازير، ورفع الجبل فوقهم، وانبجاس الماء من حجر. وإنما جاز (ذلك) للجماعة، ولم يقل: (ذلكم)، لأن الجماعة يؤدي عن لفظها الجميع والفريق، والخطاب في لفظ واحد، والمعنى جماعة (٦).

стр. 1259

وقوله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ قال أبو إسحاق: لا يجوز عندي إسكان الواو والياء من (هو وهي) لأن كل مضمر فحركته إذا انفرد الفتح نحو (أنا) فكما لا يسكن نون أنا فلا تسكن (١) هذه الواو. قال أبو علي فيما استدرك عليه (٢): إسكان الواو من (هو) والياء من (هي) غير ممتنع. ولو قال قائل: الجيد الإسكان (٣) لسكون النون في أنت (٤)، كما قال (٥) هو: لا يجوز الإسكان فيها لتحرك النون في (أنا)، لما كان بينهما فصل. فإن قلت: فقولهم: (نحن) من المضمر المنفصل، وآخره متحرك فذلك لا يشبه هو وهي وأنا وأنت، لأن آخر (نحن) إنما حرك لالتقاء الساكنين، ولوكان آخره متحرّكًا من الجهة التي ذكرت (٦) لا لالتقاء الساكنين لما جاز إسكان الآخر من (هم) ومن (أنت) لأنهما أيضا مضمران منفردان. فإن قلت: إن آخر (أنت) متحرك، وليس بساكن، كما أن آخر (أنا) متحرك. فليس هذا بسؤال، لأن آخر الاسم في أنت إنما هو النون، والتاء للخطاب وليست من نفس الكلمة، كما أن الألف من (أنا) إذا وقعت لتبيين الحركة في الوقف، لا من نفس الحرف فإن اعتد بـ (التاء) مع أنها زائدة في

стр. 1260

الكلمة، فليعتد بـ (الألف) أيضًا في (أنا) مع كونها زائدة، وإذا اعتد بها سقط الاحتجاج، لأنها حينئذٍ ساكنة الأخير، وإنما اختير الحركة في هو وهي لأنها أكثر، وفي اللغات أشهر، لا لما ذكره (١). ويدل على جواز (٢) هذا الإسكان (٣) ما أخبرني محمد بن (٤) الحسن عن أبي حاتم عن أبي زيد: كأَطُومٍ فَقَدَتْ بُرْغُزَهَا ... أعْقَبَتْهُ الغُبْسُ منه عَدَمَا غَفَلَتْ ثم أَتَتْ تَرْقُبُهُ ... فإِذا هي بِعظامٍ ودَمَا (٥) وقوله تعالى: ﴿كَالْحِجَارَةِ﴾ قال الليث: الحجارة جمع الحجر (٦)، وليس بقياس، لأن الحجر يجمع على أحجار، ولكن يجوز الاستحسان في العربية مثل الاستحسان في الفقه، وترك (٧) القياس.

стр. 1261

قال (١): ومثله: المِهَارة والبِكَارة، لجمع: المُهْر والبَكْر (٢). وأقرأني العروضي عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري عن أبي الهيثم قال: العرب تدخل الهاء في كل جمع على فِعَال أو فُعُول، فتقول: عظام وعِظَامةٌ وفِحَالةٌ وجمالةٌ (٣) وذِكَارةٌ وذُكورَة وفُحُولَة وعُمُومة وحُمُولَة، قال: وإنما زادوا هذه الهاء لأنه إذا سكت عليه اجتمع فيه عند السكت ساكنان (٤). قال الأزهري: وهذه العلة (٥) أحسن من علة الاستحسان الذي شَبَّهه بالاستحسان في الفقه (٦). قال المفسرون: إنما شبه قلوبهم بالحجارة في الغلظة والشدة، ولم يقل (٧): (كالحديد)، وإن كان الحديد أصلب من الحجارة، لأن الحديد يلين بالنار، وقد لان لداود بإذن الله حتى صار كالعجين، ولا تلين الحجارة بمعالجة أبداً، ولأن في الحديد منافع، تلك المنافع لا توجد في الحجارة، فشبه الله قلوبهم بالحجارة لقسوتها ولعدم المنفعة منها (٨).

стр. 1262

وقوله: ﴿أَو أَشَدُّ﴾ (أو) دخلت لغير معنى شك، ولكنها للإباحة (١) كما ذكرها في قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾، وقيل: (أو) هاهنا بمعنى بل (٢) كقوله تعالى: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]. وقيل: أراد إبهام علم ذلك على المخاطبين، كالعادة في مثل هذا في المخاطبة أن يقال: فلان كالبدر أو أحسن، وكالبحر أو (٣) أجود، فأما الله تعالى فهو عالم أي ذلك كان (٤). وارتفع (أشدُ) بإضمار (هي) كأنه قال: أو هي أشدُّ (٥). ويجوز أن يرتفع بالعطف على موضع الكاف، كأنه قيل: فهي مثل الحجارة (٦) أو أشد (٧). قال ابن عباس في هذه الآية: إنما قال: ﴿أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ لأن الحجارة

стр. 1263

ليس لها ثواب ولا عليها عقاب، وهي تخاف الله تعالى (١)، وقد مر عيسى ابن مريم ﵇ بجبل فسمع منه أنيناً فقال: يا رب ائذن لهذا (٢) الذي يئنّ حتى يكلّمني، فأذِن اللهُ للجبل فقال: إني سمعت الله يقول: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] فخفتُ أن أكون من تلك الحجارة (٣). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ (٤) الكناية عائدة على (ما)، و (ما) من المبهمات يجوز تذكيره وتأنيثه، تقول العرب: من النعال ما يعجبني بالياء والتاء حملاً على التأويل (٥). وقيل: إن (من) واقعة على بعض الحجارة، وبعض مذكر، والعرب تقول: بعض النساء قام، وبعضهن قمن، فمن ذكر فللفظ (بعض) ومن أنث فلتأويله (٦). والأنهار جمع نهْر ونَهَر، وأصله من السعة، يقال: أنهرت الفتق، أي: وسعته (٧)، ومنه قوله (٨):

стр. 1264

فأنهرت فتقها (١) والنهر: اتساع الضياء، والنهر: أوسع من الجدول، والانتهار: إظهار الزجر، لا يكنى عنه، والنهار: ولد الكروان (٢)، لأنه مشبه بالنهار لبيضه. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ قيل: أراد به جبل موسى، لما تجلّى ربه للجبل جعله دكّاً (٣). وقال ابن الأنباري: يجوز أن يجعل الله تعالى للحجر عقلاً فيخشاه، كما جعل بحراء (٤) عقلاً حتى عرف خطاب النبي ﷺ (٥)، وكذلك ما

стр. 1265

صحت الأخبار به من تسبيح الحصا في يد رسول الله ﷺ (١). وكذلك قوله تعالى: في قصة داود ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠]، وروي عنه ﷺ أنه قال: "إني لأعرف (٢) حجراً بمكة كان يسلّم عليّ كلّما مررتُ به" (٣). وروي أنه قال: "كان موسى ﵇ يخرج من الرَّوحاء يؤمُّ هذا البيت يُلبّي، ومقامُ الروحاء يُجاوبه" (٤). وكذلك قوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] يدل على عقل
следующие страницы →