← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

وخِطِّيْبَى مصدر كالخطبة، كذا قال أبو عبيد وغيره وأنشدوا: لخطِّيبى التي غَدَرَت وخَانَت ... وهُنّ ذَوَاتُ غائِلِةٍ (١) لُحِينَا (٢) المعنى: لخِطبة زباء التي غدرت بجذيمة حين خطبها إلى نفسها (٣). قال المفسرون: ومعنى التعريض بالخطبة: أن يقول لها وهي في العدة: إنك لجميلة، وإنك لصالحة، وإنك لنَافِقة، وإن من عَزْمي أن أتزوج، وإني فيك لراغب، وما أشبه هذا من الكلام (٤). هذا في عدة المتوفى عنها، فأما الرجعية فلا يحل التعريض بخطبتها (٥) في العدة؛ لأنها في معاني الأزواج، وأما المختلعة والمطلقة ثلاثًا فالصحيح أن التعريض بخطبتها جائز، كجوازه في عدة الوفاة (٦).

стр. 2102

وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: أَسْرَرْتم وأضمرتم في أنفسكم من خطبتهن ونكاحهن. قال مجاهد (١) وابن زيد (٢): هو (٣) إسرار العزم على النكاح دون إظهاره. وقال السدي: هو أن يَدْخُل فَيُسَلِّم ويُهْدِي إن شاءَ ولا يتكلم بشيء (٤). ومعنى الإكنان في اللغة: الإخفاء والستر. قال الفراء: للعرب في أكننت الشيء إذا سترته لغتان، كَنَنْتُهُ، وأَكْنَنْتُهُ وأنشدوني (٥): ثَلاثٌ من ثَلاثٍ قُدَامِيَاتٍ ... مِنَ اللاتِي يَكُنُّ مِنَ الصَّقيعِ (٦) وبعضهم [يرويه] (٧) تُكِن من أكننت (٨). ونحو هذا قال ابن الأعرابي وأبو زيد: قالوا: كننت الشيء وأكننته في الكِنِّ وفي النفس بمعنى. وفَرَّقَ قومٌ بينهما، فقالوا: كننتُ الشيء: إذا صُنته حتى لا تصيبَه آفةٌ، وإن لم يكن مستورًا، يقال: دُرٌّ مكنون، وجاريةٌ مكنونة، وبيضٌ مكنون: مَصُونٌ عن التَّدَحْرُج (٩).

стр. 2103

وأما أكننت فمعناه: أضمرت (١)، ويستعمل ذلك في الشيء الذي (٢) يُخْفِيهِ الإنسانُ وَيسْتُره (٣) عن غيره (٤)، وهو ضِدُّ أَعْلَنْتُ وأَظْهَرْت (٥). وقوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ يعني: الخطبة (٦)، ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. روى الكلبيُّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: السرُّ في هذا الموضع النكاح، وأنشد عنه بيت امرئ القيس: وأن لا يشْهَدَ السِّرَّ أمْثَالي (٧) (٨). وقال الشعبي (٩) والسدي (١٠): لا يأخذ ميثاقها أن لا تنكح غيره،

стр. 2104

وقال الحسن (١) وقتادة (٢) والضحاك (٣) والربيع (٤) وعطية عن ابن عباس (٥): السِرُّ: هو الزنى، وكان الرجل يدخُلُ على المرأة للريبة وهو يعرض بالنكاح، فيقول لها: دعيني فإذا وفيتِ عدتك أظهرت نكاحك، فنهى الله عن ذلك، وقال: الخطبة في السر بمعنى الزنا (٦). ويَحْرُمُ سِرُّ جَارَتهِمِ عَلَيْهِم ... ويَأكلُ جَارُهُم أَنْفَ القِصَاعِ (٧) ونحو هذا قال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ قال: يريد الجماع، يقول لها: أنا راغب فيك، دعيني أجامعك حتى إذا وفيتِ عِدَّتَك أظْهَرْتُ نِكَاحَكِ (٨). وقال الكلبي: معناه: لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع (٩)، وعلى هذا القول السر: الجماع نفسه (١٠).

стр. 2105

قال الفرزدق: مَوَانِع للأسْرَارِ (١) إلا من أَهْلِهَا ... ويخْلِفْنَ ما ظَنَّ الغَيْورُ المُشَفْشَفُ (٢) الذي شفه الهم. يعنى: أنهن عفائف يمنعن الجماع إلا من أزواجهن. فحصل في السرِّ أربعة أقوال: النكاح، والجماع، والزنا، والسِرّ الذي تخفيه وتكتمه غيرك. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ يعنى: التعريض بالخطبة كما ذكرنا (٣)، ويكون التقدير: قولًا معروفًا في هذا الموضع، وهو التعريض (٤) غير التصريح؛ لأن التصريح مزجور عنه، فهو منكر (٥) غير معروف. ويجوز أن يكون المعنى: قولًا معروفًا (٦) منه الفحوى والمعنى دون التصريح. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ قد ذكرنا معنى العزم عند قوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾. ولم يقل: على عقدة النكاح

стр. 2106

اجتزاء بدلالة العزم، لأنه لا يكون إلا على معزوم عليه، كما تقول: ضرب زيدٌ الظهرَ والبطن، أي: عليهما. قال سيبويه: والحذف في هذه الأشياء لا يقاس، ويكون معنى الآية: ولا تعزموا على عقدة النكاح أن تعقدوها حتى يبلغ الكتاب أجله (١)؛ لأنه يجوز أن ينوي بقلبه ويعزم في مدة عدتها أن يتزوجها إذا انقضت المدة، فأما أن يعقد العقد قبل مضي المدة فلا. والمفسرون قالوا: معناه: لا تصححوا عقدة النكاح (٢). وأصل العقد: الشدّ. والعهود (٣) والأنكحة تسمى عقودًا؛ لأنها كَعَقْد الحبل في التوثيق. وقال عبد الرحمن بن زيد: هذه الآية نسخت ما قبلها، والخطبةُ (٤) ومواعدهُ النكاح، وكلُّ شيء جائز إلا النكاح فقط (٥). وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ قيل: الكتاب: القرآن. والمعنى: حتى يبلغ فرض الكتاب أجله، يعنى: العدة المفروضة تنقضي. ويجوز أن يكون الكتاب نفسه في معنى الفرض، فيكون المعنى: حتى يبلغ الفرض كمال أجله، قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] أي: فرض، وإنما جاز أن يقع (كتب) بمعنى فرض؛ لأن ما يكتب يقع في

стр. 2107

النفوس أنه أثبت (١). ٢٣٦ - قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الآية. نزلت في رجل من الأنصار، تزوَّجَ امرأةً من بني حنيفة، ولم يسمِّ لها مهرًا، ثم طلقها قبل أن يَمَسَّها، فأنزل اللهُ هذه الآيةَ، فلما نزلت قال له رسول الله ﷺ : "مَتَّعْها ولو بقلنسوتك" (٢). فإن قيل: ما معنى نفيِ الجناح عن المطلَّق قبل المسيس، ولا جناح على المُطَلِّقِ بعده؟ قيل: ظاهر الآية رفع الحرج عن المطلق قبل المسيس وقبل الفرض، فيحتمل أن يكون معناه: لا سبيل للنساء عليكم إذا طلقتموهن قبل المسيس والفرض بصداق ولا نفقة. ويحتمل أن يكون معناه: إباحة الطلاق له أي وقت شاء، بخلاف ما لو طلق بعد المسيس فإنه يجب أن يطلق للعدة (٣).

стр. 2108

وقال أبو إسحاق: أعلم الله في هذه الآية أن عقد التزويج بغير مهر جائز، وأنه لا إثم على من طَلَّقَ من تزوج بها بغير مهرٍ (١)، كما أنه لا إثم على من طلق من تزوج بها بمهر (٢) (٣). وقال صاحب النظم: ما في قوله: ﴿لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ بمعنى الذي على النعت للنساء والترجمة والبيان عنهن، على نظم: إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن. و (ما) اسم جامد لا يتصرف، ولا يتبين فيه الإعراب ولا العدد (٤). واختلف القراء في قوله: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ فقرأ حمزة والكسائي من المفاعلة، والباقون من الثلاثي (٥)، لإجماعهم على قوله: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٧] ولأن أكثر الألفاظ في هذا المعنى جاء على فَعَلَ دون فاعل، كقوله ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ [الرحمن: ٥٦] كقوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] (٦). والنكاح عبارة عن الوطء وإن كان قد وقع على العقد (٧). فأما ما جاء في الظهار من قوله: ﴿مِّنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، فإنه أراد المماسة التي هي عين (٨) الجماع، وهي حرام في الظهار (٩).

стр. 2109

ومن قرأ: (تماسوهن) فلأن فَاعَل قد يراد به ما يراد بـ فعل، نحو: طارقتُ النعلَ، وعاقبت اللصَّ، وهو كثير (١). وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. أي. توجبوا لهن صداقًا (٢). ومضى الكلام في معنى الفرض عند قوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. واختلفوا في تقديره، فقال قوم: (أو) هاهنا عطف على محذوف قبله، والتقدير: ما لم تمسوهن ممن فرضتم لهن أو لم تفرضوا لهن، لأن كل منكوحة إنما هي إحدى ثنتين: مفروض لها الصداق، وغير مفروض لها. وقال قوم: أو هاهنا بمعنى الواو، يريد: ما لم تمسوهن و (٣) لم تفرضوا لهن فريضة، كقوله: ﴿يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أي: زودوهن وأعطوهن من مالكم (٥) ما يتمتعن به (٦) ومضى الكلام في معنى المتعة والتمتع. فأما من يستحق المتعة: فالمرأة إذا طلقت قبل تسمية المهر وقبل المسيس، فإنها تستحق المتعة بالإجماع من العلماء، ولا مهر، وإنما تستحق المتعة في مقابلة ما حصل (٧) من العقد عليها (٨). وإن طلقها بعد

стр. 2110

الدخول وقبل الفرض، فلها (١) مهر مثلها والمتعة أيضًا (٢). وإن لم يدخلْ بها ولم يَفْرِضْ لها حتى مات ففيها قولان: أحدهما: لها مهر مثلها والميراث، وهو مذهب أهل العراق (٣)، لحديث بِرْوع بنت واشَقْ الأشْجَعِية (٤) حين توفي عنها زوجها، ولم يفرض لها، ولا دخل بها، فقضى رسول الله ﷺ بمهر نسائها، لا وَكْسَ ولا شطط، وعليها العِدّة، ولها الميراث (٥). والقول الثاني: وهو الصحيح: أن لها الميراث، وعليها العدة، ولا مهر لها، ولها المتعة، كما لو طَلَّقها قبل الدخول والتسمية، وهو قول علي (٦) -رضى الله عنه- وكان علي يقول في حديث بِرْوع: لا يقبلُ قولُ

стр. 2111

أَعْرَابيٍ بَوَّالٍ على عقبيه على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ (١). وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ المُوْسِع: الغني الذي يكون في سَعَة من غناه، يقال: أوسعَ الرجل: إذا كَثُرَ مالُه واتَّسَعت حالُه، ويقال: أوسعه كذا، أي: وسعه عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧] (٢). وقوله تعالى: ﴿قَدَرُهُ﴾ أي: قَدْرَ إمكانه وطاقته، فحذف المضاف. والمقتر: الذي في ضيق من فقره وهو المقل الفقير. وأقتر الرجل إذا افتقر. وقرئ (قدْرُه) بالإسكان والتحريك (٣)، وهما لغتان في جميع معاني القدر. يقال: قدر القوم أمرَهم يَقْدِرونه قَدْرًا، وهذا قَدْرُ هذا، واحمل على رأسك قَدْرَ ما تطيق، وقَدْرَ الله الرزق يَقْدِره ويَقْدُره قَدْرًا، وقَدَرْتُ الشيء بالشيء أقدِرُه قَدْرًا، وقَدَرْتُ على الأمر أقدِرُ عليه قُدْرَةً وقُدُورًا وقَدَارةً. كل هذا يجوز فيه التسكين والتحريك، يقال: هذا قدَرُ هذا، واحمل قَدَرَ ما تطيق، وهم يختصمون في القدْرِ والقَدَر، وقدرتُ عليه الثوب قدرًا، وخذ منه بقدرِ كذا وَبِقَدَر كذا، قال الله تعالى: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧] وقال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] ولو حُرِّك كان جائزًا. وكذلك: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، ولو خُفِّفَ جَاز، إلا أَنَّه

стр. 2112

لِوفَاق رؤوس الآي يُحَرَّك (١). وقال الفرزدق: وما صَبَّ رِجْلي (٢) في حديدِ (٣) مُجَاشِعٍ ... مع القَدْرِ إلا حاجةً لي أُرِيدُها (٤) والمتعة غير مقدرة (٥) كما ذكر الله تعالى، فقال: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ قال ابن عباس (٦) والشعبي (٧) والزهري (٨) والربيع (٩): أعلاها: خادم، وأوسطها: ثلاثة أثواب: درع وخمار وإزار، ودون ذلك: وِقَاية (١٠) أو شيءٌ من الوَرِق. وهذا مذهب الشافعي ﵀، قال: أعلاها على الموسع (١١)

стр. 2113

خادم، وأوسطها: ثوب، وأقلها: أقل مَالَه ثمن، قال: وحسن ثلاثون درهمًا (١). وعند أبي حنيفة ﵀: مبلغها إذا اختلف الزوج والمرأة فيها قدر نصف مهر مثلها (٢). وقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ انتصب على: متعوهن متاعًا، وإن شئت على الخروج من القدر، لأنه معرفة وهذا نكرة (٣). وقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بما يعرفون القصد وقدر الإمكان (٤). وقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ منصوب على: حقَّ ذلك عليهم حقًا، يقال: حققت عليه القضاء وأحققت: أي أوجبت (٥). ٢٣٧ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الآية. هذا في المطلقة بعد التسمية وقبل الدخول، حكم الله تعالى لها بنصف المهر ولا عِدَّة عليها (٦)، وإن مات عنها قبل الدخول فلها المهر كاملًا والميراث،

стр. 2114

وعليها العدة بلا خلاف (١). والآية دلالة ظاهرة على أبي حنيفة حيث أوجب كمال الصداق (٢) بالخلوة (٣). قال شريح: لم أسمع الله تعالى ذكر في كتابه بابًا ولا سترًا، إذا زعم أنه لم يمسها فلها نصف الصداق (٤). وهو مذهب ابن عباس، قال: إذا خلا بها (٥) ولم يَمَسَّها فلها نصف المهر، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ الآية (٦). وقال ابن مسعود: لها نصف المهر وإن قعد بين رجليها (٧). فأما ما ذكر عن زرارة ابن أبي أوفى (٨) أنه قال: قضى الخلفاء الراشدون أن الرجل إذا أغلق بابًا وأرخى سترًا وجب المهر (٩). فإنهم أرادوا

стр. 2115

أَنَّ لها المطالبةَ بجميع المَهْر والنكاحُ قائمٌ إذا مَكّنت من نفسها، ولم يريدوا إذا طَلَّقها، أو لعلهم قالوا ذلك على استعمال مكارم الأخلاق، فإنَّ من الكرم أن يوفي مَهْرَها إذا خلا بها وإن لم يطأها. وقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ أي: فَعَلَيكم نصفُ ما فَرَضْتُم، أو فالواجب ذاك (١). والنصف: الجزء من اثنين على المساواة، وكل شيء بَلَغَ نِصْفَ غيره فقد نَصَفَه، يقال: نصفَ النهارُ ينصُفُ، ونَصَفَ الماءُ القَدَحَ، ونصفَ الساقَ إزاري، ونصفَ الغلامُ القرآنَ، ويجوز في جميع ذلك: أنصف النهار، وأنصف الغلام القرآن (٢)، ويجوز في جميع ذلك: أنصف، حكاه الفراء، يقال: أنصف النهار، وأنصف الغلام القرآن (٣) وَنَصَّفَ (٤). قال ابن ميادة: تَرَى سَيْفَه لا ينصُفُ الساقَ نعلُه ... أجَلْ لا وإن كانت طِوالا حَمَائِلُه (٥)

стр. 2116

وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ يعنى: النساء، ولذلك لم تسقط (١) النون مع أن؛ لأن جماعة المؤنث في الفعل المضارع يستوي في الرفع والنصب والجزم، والنون في الدلالة على جمع المؤنث كالواو في الدلالة على جمع المذكر، وكما (٢) لا يسقط واو يفعلون في الإعراب كله رفعه ونصبه وجزمه لم يسقط نون يفعلن (٣). وقال الفراء: (لو) (٤) أسقطوها لأشبه فعل الواحد المذكر، ألا ترى أنك لو أسقطت النون من يقمن لالتبس بفعل الواحد المذكر (٥). ومعنى ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ إلا أن يترك النساء ذلك النصف فلا يطالبن الأزواج به، إذا كُنَّ بالغاتٍ رشيداتٍ، فيسقطُ عن الرجل أو بعضه، فيسقط ذلك القدر (٦). وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ اختلفوا في الذي بيده عقدة النكاح. فقال ابن عباس (٧)، في رواية العوفى: هو ولي المرأة. وهذا قول

стр. 2117

علقمة (١) وأصحاب عبد الله (٢)، وإبراهيم (٣) وعطاء (٤) والحسن (٥) والزهري (٦) والسدي (٧). وقال عكرمة: أذن الله تعالى في العفو، وأي (٨) امرأة عَفَتْ جاز عفوها، فإن شَحَّت عفا وليها وجاز عفوه (٩). وهذا مذهب أهل الحجاز، إلا أنهم قالوا: يجوز عفو ولي البكر، فإذا كانت ثيبا فلا يجوز عفوه عليها (١٠). وقال ابن عباس، في رواية عمار ابن أبي عمار (١١):

стр. 2118

إنه الزوج (١). وهو قول عليٍّ (٢)، وسعيد بن المسيب (٣)، والشعبي (٤)، ومجاهد (٥)، والقرظي (٦)، والربيع (٧) وقتادة (٨) ومقاتل (٩) والضحاك (١٠). وهو الصحيح الذي عليه عامة الفقهاء اليوم (١١). ومعنى عفو الزوج: أن يعطيها الصداق كاملًا، ولما ذكر الله تعالى عفو المرأة عن النصف الواجب ذكر عفو الزوج عن النصف الساقط، فيحسن لها أن تعفو ولا تطالب بشيء، وللرجل أن يعفو ويوفي المهر كاملاً.

стр. 2119

روي أن جُبير بن مطعم تزوج امرأة ثم طلقها قبل البناء فأكمل لها الصداق، وقال: أنا أحقُّ بالعفو، وتأوَّل قوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (١) ولأنَ المهرَ حقُّ المرأة فليس لغيرها إسقاطه، كما أنه ليس للولي أن يهب من مالها شيئًا، كذلك المهر مال لها (٢). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ هذا خطاب للرجال والنساء جميعًا، إلا أن الغلبة (٣) للذكور إذا اجتمعوا مع الإناث، فلذلك غلب التذكير لسبق الأسماء المذكرة (٤) وزيادة التأنيث على ما بينَّا، تقول: قائم، ثم تريد (٥) التأنيث فتقول: قائمة، والمزيد (٦) عليه هو الأصل المغلب (٧). وموضع (أنْ) رفع بالابتداء، تقديره: والعفوُ أقربُ للتقوى (٨)، واللام بمعنى إلى (٩). والمعنى: وعفوُ بعضِكم عن بعضٍ أقربُ (١٠) إلى اتِّقاءِ

стр. 2120

ظلمِ كُلِّ واحد صاحبه ما يجب من حقه (١). وقيل: معناه: أدعى إلى اتقاء معاصي الله؛ لأن هذا العفو ندب، فإذا انتدب إليه علم أنه لما كان فرضًا كان أشد استعمالًا (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ قال ابن عباس: لا تتركوا أن يتفضل بعضكم على بعض، وهذا حث من الله للزوج والمرأة على الفضل والإحسان، وأمر لهما جميعًا أن يستبقا إلى العفو (٣). ٢٣٨ - قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ الآية. الوسطى: تأنيثُ الأوسط، يقال: وَسَطَ فلانٌ الجماعة يَسِطُهم: إذا صار في وَسْطِهم، وهذا أوسطُ من ذاك على المبالغة، والأوسطُ: اسمٌ للوسط، قال الله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨] (٤). واختلفوا في الصلاة الوسطى، فقال معاذ (٥) وعمر (٦) وابن عباس (٧)

стр. 2121

وابن عمر (١) (٢) وجابر (٣) وعطاء (٤) وعكرمة (٥) والربيع (٦) ومجاهد (٧): إنها صلاة الفجر. وهو اختيار الشافعي (٨) ﵀. روى عكرمة عن ابن عباس قال: هي صلاة الصبح، وسطت فكانت بين الليل والنهار، تُصَلى في سواد من الليل وبياض من النهار، وهي أكثر الصلاة تفوت الناس (٩)؛ ولأنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار (١٠). وقال زيد بن ثابت (١١)، وأبو سعيد الخدري (١٢)، وأسامة بن

стр. 2122

زيد (١) وعائشة (٢): إنها الظهر؛ لأنها وسط النهار. ومن خصائصها: أنها أول صلاة فرضت (٣). وقال علي (٤) وعبد الله (٥) وأبو هريرة (٦) والنَّخَعي (٧) وقتادة (٨) والحسن (٩) والضحاك (١٠) والكلبي (١١) ومقاتل (١٢): أنها العصر، وهو اختيار أبي حنيفة (١٣) ﵀.

стр. 2123

روي ذلك مرفوعًا أنها العصر (١)، ولأنها بين صلاتي نهار وصلاتي (٢) ليل (٣). وقال قبيصة بن ذؤيب (٤): إنها المغرب (٥)، لأنها وسط في الطول والقصر من بين الصلوات. ومن خصائصها: أنها لا تقصر (٦). وحكى (٧) الشيخ الإمام أبو الطيب سهل بن محمد، ﵀ (٨)، عن بعضهم: أنها صلاة العشاء الآخرة؛

стр. 2124

لأنها بين صلاتين، لا تقصران (١) فهي الوسطى بينهما (٢). وقال بعضهم: هي إحدى الصلوات الخمس ولا نعرفها (٣) بعينها (٤). سئل الربيع بن خثيم (٥) عنها فقال للسائل (٦): أرأيت إن علمتها أكنت (٧) محافظًا عليها ومضيعًا سائرهن؟ قال: لا، قال: فإنك إن حافظت عليها كلها فقد حافظت عليها (٨). وبه يقول أبو بكر الوراق (٩). وقال: لو (١٠) شاء الله لعينها، ولكنه أراد تنبيه الخلق على أداء الصلوات (١١). وقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ قال أبو عبيد: أصلُ القنوت في

стр. 2125

أشياء، فمنها: القيام، وبه جاءت الأحاديث في قنوت الصلاة؛ لأنه إنما يدعو قائمًا، ومن أبين ذلك: حديث جابر، قال: سئل النبي ﷺ أي الصلاة أفضل؟ قال: "طول القنوت" (١) يريد: طول القيام. والقنوت أيضًا: الطاعة، ومنه قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أي: مطيعين. والقانت: الذاكر لله المصلي، كما قال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩] (٢). قال أبو إسحاق: والمشهور في اللغة والاستعمال أن القنوت: العبادة والدعاء لله في حال القيام، ويجوز أن يقع في سائر الطاعة؛ لأنه إن (٣) لم يكن قيام بالرِّجلين فهو قيام بالشيء بالنية (٤). وعلى هذا صارت الآية دلالة للشافعي أن الوسطى صلاة الفجر (٥)، لأنه لا فرض يُدْعى فيه قائمًا إلا الفجر عنده (٦). فأما المفسرون: فقال ابن عباس في رواية عكرمة (٧) والعوفي (٨)

стр. 2126

والوالبي (١): ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أي: مطيعين. وهو قول الشعبي (٢) وعطاء (٣) والحسن (٤) وقتادة (٥). وقال الضحاك (٦) ومقاتل (٧) والكلبي (٨): لكل أهل دين صلاة يقومون فيها عاصين، فقوموا أنتم لله في صلاتكم مطيعين. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "كل قنوت في القرآن فهو الطاعة" (٩) وقال ابن عباس، في رواية أبي رجاء (١٠): داعين في صلاتكم (١١). فأما ما روي عن زيد بن أرقم (١٢) أنه قال: كنا نتكلم على عهد رسول

стр. 2127

الله ﷺ في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام (١) (٢)، وعلى هذا القنوت هاهنا: الإمساك عن الكلام في الصلاة (٣). وقال بعض (٤) أهل المعاني: ليس القنوت في اللغة بمعنى السكوت، والمراد: أنه لما نزلت الآية فهم النبي ﷺ من أمر الله بالقنوت وهو الطاعة تحريم الكلام في الصلاة فنهى عن الكلام في الصلاة (٥). ٢٣٩ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ الآية، أراد خفتم عدوًّا فحذف المفعول لإحاطه العلم به. والرِّجَالُ: جمع رَاجِل، مثل: تَاجِر وتِجَارُ، وصَاحِب وصِحَاب (٦). والراجل: هو الكائن على رجله ماشيًا كان أو واقفًا. ويقال في جمع راجِل: رَجل ورَجَّالة ورُجّالَه ورِجَال ورُجَّال (٧).

стр. 2128

والرُّكبان: جمع راكبٍ، مثل: فارس وفرسان (١). ومعنى الآية: فإن لم يمكنكم أن تصلوا قانتين مُوَفِّين للصلاة حقَّها فصلُّوا مشاةً على أرجلكم، وركبانًا على ظهور دوابِّكم، فإن ذلك (٢) يجزيكم (٣). قال المفسرون: هذا في المُسَايَفَة والمطاردة، يكبر الرجل مستقبلَ القبلة إن أمكنه، وإن (٤) لم يمكنه يكبر غير مستقبل القبلة، ثم يقرأ ويومئ للركوع والسجود، ولا ينقص بسبب الخوف من عدد الركعات، ولكن إن كان مسافرًا يقصر الصلاةَ كما يقصر المسافر (٥). وما روي عن ابن عباس أنه قال: فرض الله على لسان نبيكم الصلاةَ في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة (٦) فذاك مذهب لا يُعْمَل به (٧). وهذه صلاة شدة الخوف، وهي التي يجوز للمصلي أن يصلي

стр. 2129

من أجلها راكبًا ومومئًا وحيث ما كان وجهه، وأما صلاة الخوف فبيانها في سورة النساء (١)، وقال (٢) ابن عمر في تفسير هذه الآية: ومستقبلي القبلة وغير مستقبلها. والصلاة بالإيماء في شدة الخوف لا يختص (٣) بخوف المشركين، بل إذا خاف سبعًا، أو سيلًا، أو جملًا صائلًا، وما الأغلب (٤) من شأنه الهلاك، له أن يومئ بالصلاة إيماءً، ويعدو عدوًا، أو يركض ركضًا إذا خاف فوت الصلاة (٥). وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ فصلوا الصلوات الخمس تامةً بحقوقها ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ يريد: كما افترض عليكم في مواقيتها (٦). ٢٤٠ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ الآية. قال ابن عباس وغيره من المفسرين: نزلت الآية في رجل من أهل الطائف يقال (٧) له: حكيم بن الحارث، هاجر إلى المدينة وله

стр. 2130

أولاد معه أبواه وامرأته، فمات، فرفع ذلك إلى النبي ﷺ فأنزل الله هذه الآية، فأعطى رسول الله ﷺ والديه وأولادَه ميراثه، ولم يعطِ امرأته شيئًا، غير أنَّهُ أمرَهم أن يُنفقوا عليها من تركةِ زوجها حَوْلًا (١). فكان الأمر في ابتداء الإسلام على هذا، إذا مات الرجل لم يكن لامرأته من الميراث شيء إلا السُّكْنى والنفقة سنة، ما لم تخرج من بيت زوجها، وكان المتوفى يوصي بذلك لها، فإن خرجت من بيت زوجها لم يكن لها نفقة، وكان الحول عزيمةً عليها في الصبر عن (٢) التزوُّجِ، ولكن كانت مخيرةً في أن تعتدَّ إنْ شاءت في بيتِ الزوجِ، وإن شاءت خَرَجَتْ قبلَ الحَوْلِ، على أنها إنْ خرجت سقطتْ نفقتُها. هذا جملةُ حكم هذه الآية. ثم وَرَدَ النَّسْخُ على هذه الآية من وجهين: أحدهما (٣): أن العدة صارت مُقَدَّرةً بأربعة أشهرٍ وعشر، وقد تقدمت الآية الناسخة. والوجه الثاني: أن الميراث ثبت (٤) لها، وسقطت نفقة العدة (٥).

стр. 2131

واختلف القراء في رفع الوصية ونصبها (١). فمن رفع فله وجهان: أحدهما: أن يجعل الوصية مبتدأ، والظرف خبره، وهو قوله: ﴿لَأَزْوَاجِهِم﴾، وحَسُنَ الابتداء بالنكرة، لأنَّه موضعُ تخصيصٍ (٢)، كما حسن أن يرتفع: سلام عليكم، وخير بين يديك. والوجه الآخر: أن يُضمر (٣) له خبرًا، فيكون قوله: ﴿لَأَزْوَاجِهِم﴾

стр. 2132

صفةً للنكرة التي هي الوصية، وتقدير الخبر المضمر: فعليهم وصية لأزواجهم (١). قال أبو عبيد: ومع هذا رأينا (٢) المعنى كله في القرآن رفعًا، مثل قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ [النساء: ٩٢] ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ونحوهما (٣). ومن نصب حمله على الفعل، أىِ: فليوصوا وصيةً، فتُنْصَب الوصيةُ على المصدر، ويكون قوله: ﴿لَأَزْوَاجِهِم﴾ وصفًا كما كان في قول من أضمر الخبر كذلك. ومن حجتهم: أن الظرف إذا تأخر عن (٤) النكرة كان استعماله صفةً أكثر، وإذا كان خبرًا تقدم على النكرة، كقوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ﴾ [المؤمنون: ٦٣] ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: ٣٥] فإذا تأخرت فالأكثر (٥) فيها أن تكون صفات، وهاهنا تأخر الظرف، وهو قوله: ﴿لَأَزْوَاجِهِم﴾، فالأحسن أن تكون صفة للنكرة لا خبرًا (٦). فإن قيل: كيف يوصي المتوفّى، والله تعالى ذكر الوفاة ثم أمر بالوصية؟. قلنا: المعنى: والذين يقاربون الوفاة ينبغي أن يفعلوا هذا، فالوفاة عبارة عن الإشراف عليها (٧).

стр. 2133

وجواب آخر: وهو أن هذه الوصية يجوز أن تكون مضافة إلى الله، بمعنى أمره وتكليفه، كأنه قيل: وصية من الله لأزواجهم، كقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] وهذا المعنى إنما يحسن على قراءة من قرأ بالرفع (١). وقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ انتصب على معنى: متعوهن متاعًا، فيكون كقوله: ﴿وَصِيَّةً﴾ عند من قرأها بالنصب، ويجوز أن يكون على تأويل: جعل الله لهن ذلك متاعًا؛ لأن ما قبله من الكلام قد دل على هذا. وقيل: إنه عبارة عن الحال، وقيل: نصب بالمصدر الذي هو الوصية، كقوله (٢): ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤ - ١٥] (٣). وعنى بالمتاع: نفقة سنتها لطعامها (٤) (٥). وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ نصب على أنه (٦) صفةٌ لمتاع، وقيل: نصب بوقوعه موقع الحال، كأنه قال: مَتِّعوهن مقيمات غير مخرجات. وقيل: انتصب بنزع (٧) الخافض، أراد: من غير إخراج (٨).

стр. 2134

وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ يعنى: من قبل أنفسهن قبل الحول من غير إخراج الورثة، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ يا أولياء الميت ﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ يعنى: التشوف (١) للنكاح والتصنع للأزواج (٢). قال عطاء: يريد التزوج بعد العِدة، يعنى: إذا مضت لها ثلاثة قروء كان لها أن تتزوج، وهذا منسوخ كما بينا (٣). وفي (٤) رفع الجناح عن الرجال بخروج النساء وجهان: أحدهما: لا جناح في قَطْعِ النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول. والثاني: لا جُناحَ عليكم في ترك منعهن من الخروج؛ لأن مُقامَها حولًا في بيت زوجها غيرُ واجب عليها (٥). ٢٤١ - قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ قال ابن زيد: إنما نزلت هذه الآية؛ لأن الله سبحانه لما أنزل قوله: ﴿وَمَتِعُوهُنَ﴾ إلى قوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، قال رجل من المسلمين: إن أحسنت فعلت، وإن لم أرد ذاك لم أفعل، فقال الله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٦) يعنى: المتقين الشرك، فبين أن لكل مطلقة متاعًا (٧).

стр. 2135

والناس طوائف مختلفة في هذا. فطائفة تقول: لكل مطلقة متعة كائنة من كانت، وعلى أي وجه وقع الطلاق، وهو قول الحسن (١) وسعيد بن جبير (٢) وأبي العالية (٣). وطائفة تقول: المتعة واجبة لكل مطلقة إلا المطلقة المفروض لها إذا طلقت قبل الدخول، إنما لها نصف المسمى فقط (٤). وقال بعضهم: ليس شيء من ذلك بواجب، وإنما المتعة إحسان، والأمر بها أمر (٥) ندب واستحباب، وهو مذهب أبي حنيفة (٦). روي أن امرأة خاصمت إلى شريح في المتعة فقال شريح للزوج: (لا تأب أن تكون من المحسنين (٧)) ولا تأب أن تكون من المتقين، ولم يجبره على ذلك (٨).

стр. 2136

قال المفسرون: إنما أعيد هاهنا ذكر المتعة؛ لأنه ذُكر في غير هذه الآية خاصًّا وذكر هاهنا عامًّا (١). ٢٤٢ - قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي: مثل البيان الذي تقدم فيما ذكر من الأحكام يبين آياته، فشبه البيان الذي يأتي بالبيان الذي مضى (٢). وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ قال عطاء: يريد: يفسر لكم فرائضه لتعملوا (٣) بها حتى تفقهوا. قال أبو إسحاق: حقيقة هذا أن العاقل هاهنا الذي يعمل بما افترض الله عليه، لأنه إن فهم الفرض (٤) ولم يعمل به فهو جاهل ليس بعاقل. وحقيقة العقل: استعمالُ الأشياء المستقيمة، ألا ترى أن الله تعالى وصَفَ بالجهلِ أقوامًا آثروا هواهم على ما علموا أنه الحق، وإن كانوا ذوي عقل، من حيث يلزمهم التكليف، فقال: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] فلو كان هؤلاء جهالًا غير مميزين لسقط عنهم التكليف (٥) (٦). وقال غيره: معنى ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: ثبت لكم صفةُ العقلاء، باستعمالِ ما بَيَّنَّا لكم، وهذا قريب مما ذكر.

стр. 2137

٢٤٣ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآية، الرؤية تكون بمعنى رؤية العيان، وتكون بمعنى رؤية القلب، وذلك راجع إلى العلم، والمعنى هاهنا: ألم تعلم، ألم ينته علمك إلى خبر هؤلاء (١). وإنما جاز إطلاق لفظ الرؤية على غير المعاينة؛ لأن النبي ﷺ صار يصدق إخبار الله تعالى إياه كالناظر عيانًا. قال أهل المعاني: وفي هذا تعجيب (٢) وتعظيم، كما تقول: ألم تر إلى ما يصنع فلان. وكل ما في القرآن من نحو هذا فهذا سبيله (٣). وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ قال المفسرون: أراد به قومًا من بني إسرائيل، كانوا أهل قرية يقال لها: داوَرْدَان (٤)، وقع بها الطاعون فخرجوا هاربين منها (٥)، حتى نزلوا واديًا فأماتهم الله جميعًا (٦).

стр. 2138

وقال الضحاك (١) ومقاتل (٢) والكلبي (٣): إنما فروا من الجهاد، وذلك أن نبيًّا لهم يقال له: حزقيل ندبهم إلى الجهاد، فكرهوا وجبنوا، فأرسل الله عليهم الموت، فلما كثر فيهم خرجوا من ديارهم فرارًا من الموت، فلما رأى حِزْقِيل ذلك قال: اللهم ربّ يعقوب، وإله موسى، ترى معصية عبادك، فأرِهِم آيةً في أنفسهم تدلُّهم على نفاذ قدرتك، وأنهم لا يخرجون عن قبضتك، فأرسل الله عليهم الموت. واختلفوا في مبلغ (٤) عددهم، فلم يقولوا دون ثلاثة آلاف، ولا فوق سبعين ألفًا (٥). والوجه من حيث اللفظ أن يكون عددهم يزيد على عشرة آلاف؛ لقوله: ألوف وهو جمع الكثير (٦)، ولا يقال في عشرة فما دونها: ألوف (٧). وقوله تعالى: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ ينتصب على أنه مفعول له، أي: لحذر

стр. 2139

الموت. وجائز أن يكون نصبه على المصدر؛ لأن خروجهم يدل على حذر (١). وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ يجوز أن يكون الله تعالى أماتهم عند قوله لهم (٢): موتوا، ويكون ذلك أمر تحويل (٣)، كقوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة: ٦٥] ويجوز أن يكون هذا أمرًا والمراد منه (٤) الخبر. وقد ذكرنا وجوه الأمر عند قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة: ٦٥] (٥). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ قال ابن عباس: وذلك أن نبيهم حزقيل خرج في (٦) طلبهم فوجدهم بعد ثمانية أيام موتى، وقد نتنوا، فتضرع إلى الله وبكى، وقال: يا رب كنت في قوم يحمدونك ويمجدونك فبقيت وحيدًا لا قوم لي، فأوحى الله إليه رحمة منه له: إني قد جعلت حياتهم إليك، فقال حزقيل: احيوا، فقاموا كأنهم نيام انتبهوا من نومهم، فذلك السبط الذين أُحيوا في الدنيا تشم منهم رائحة منتنة تخالف روائح الناس (٧). وقال قتادة: مقتهم الله على فرارهم من الموت، فأماتهم عقوبة لهم، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ليتوفوها، ولو كانت آجال القوم جاءت ما بعثوا بعد موتهم (٨).

стр. 2140

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ تفضل على هؤلاء بأن أحياهم بعد موتهم وأراهم الآية العظيمة في أنفسهم ليلزموا سُبُل الهدى (١). ٢٤٤ - قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يذهب كثير من أهل التفسير إلى أن هذا خطاب للذين أحيوا (٢). قال الضحاك: أحياهم ثم أمرهم بأن يعاودوا (٣) إلى الجهاد (٤). وقال ابن عباس في رواية عطاء: يحرض المؤمنين على القتال (٥). فهذا يدلُّ على أنَّ الخطاب لأمة محمد ﷺ وهذا أظهر (٦)، لأن الكلام على وجهه لا محذوف فيه، وعلى الأول يحتاج إلى إضمار، أي: وقيل لهم: قاتلوا (٧). قال الزجاج: يقول لا تهربوا من الموت، كما هرب هؤلاء الذين
следующие страницы →