← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

قال المفسرون: إنما أعيد هاهنا ذكر المتعة؛ لأنه ذُكر في غير هذه الآية خاصًّا وذكر هاهنا عامًّا (١). ٢٤٢ - قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي: مثل البيان الذي تقدم فيما ذكر من الأحكام يبين آياته، فشبه البيان الذي يأتي بالبيان الذي مضى (٢). وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ قال عطاء: يريد: يفسر لكم فرائضه لتعملوا (٣) بها حتى تفقهوا. قال أبو إسحاق: حقيقة هذا أن العاقل هاهنا الذي يعمل بما افترض الله عليه، لأنه إن فهم الفرض (٤) ولم يعمل به فهو جاهل ليس بعاقل. وحقيقة العقل: استعمالُ الأشياء المستقيمة، ألا ترى أن الله تعالى وصَفَ بالجهلِ أقوامًا آثروا هواهم على ما علموا أنه الحق، وإن كانوا ذوي عقل، من حيث يلزمهم التكليف، فقال: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] فلو كان هؤلاء جهالًا غير مميزين لسقط عنهم التكليف (٥) (٦). وقال غيره: معنى ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: ثبت لكم صفةُ العقلاء، باستعمالِ ما بَيَّنَّا لكم، وهذا قريب مما ذكر.

стр. 2137

٢٤٣ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآية، الرؤية تكون بمعنى رؤية العيان، وتكون بمعنى رؤية القلب، وذلك راجع إلى العلم، والمعنى هاهنا: ألم تعلم، ألم ينته علمك إلى خبر هؤلاء (١). وإنما جاز إطلاق لفظ الرؤية على غير المعاينة؛ لأن النبي ﷺ صار يصدق إخبار الله تعالى إياه كالناظر عيانًا. قال أهل المعاني: وفي هذا تعجيب (٢) وتعظيم، كما تقول: ألم تر إلى ما يصنع فلان. وكل ما في القرآن من نحو هذا فهذا سبيله (٣). وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ قال المفسرون: أراد به قومًا من بني إسرائيل، كانوا أهل قرية يقال لها: داوَرْدَان (٤)، وقع بها الطاعون فخرجوا هاربين منها (٥)، حتى نزلوا واديًا فأماتهم الله جميعًا (٦).

стр. 2138

وقال الضحاك (١) ومقاتل (٢) والكلبي (٣): إنما فروا من الجهاد، وذلك أن نبيًّا لهم يقال له: حزقيل ندبهم إلى الجهاد، فكرهوا وجبنوا، فأرسل الله عليهم الموت، فلما كثر فيهم خرجوا من ديارهم فرارًا من الموت، فلما رأى حِزْقِيل ذلك قال: اللهم ربّ يعقوب، وإله موسى، ترى معصية عبادك، فأرِهِم آيةً في أنفسهم تدلُّهم على نفاذ قدرتك، وأنهم لا يخرجون عن قبضتك، فأرسل الله عليهم الموت. واختلفوا في مبلغ (٤) عددهم، فلم يقولوا دون ثلاثة آلاف، ولا فوق سبعين ألفًا (٥). والوجه من حيث اللفظ أن يكون عددهم يزيد على عشرة آلاف؛ لقوله: ألوف وهو جمع الكثير (٦)، ولا يقال في عشرة فما دونها: ألوف (٧). وقوله تعالى: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ ينتصب على أنه مفعول له، أي: لحذر

стр. 2139

الموت. وجائز أن يكون نصبه على المصدر؛ لأن خروجهم يدل على حذر (١). وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ يجوز أن يكون الله تعالى أماتهم عند قوله لهم (٢): موتوا، ويكون ذلك أمر تحويل (٣)، كقوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة: ٦٥] ويجوز أن يكون هذا أمرًا والمراد منه (٤) الخبر. وقد ذكرنا وجوه الأمر عند قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة: ٦٥] (٥). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ قال ابن عباس: وذلك أن نبيهم حزقيل خرج في (٦) طلبهم فوجدهم بعد ثمانية أيام موتى، وقد نتنوا، فتضرع إلى الله وبكى، وقال: يا رب كنت في قوم يحمدونك ويمجدونك فبقيت وحيدًا لا قوم لي، فأوحى الله إليه رحمة منه له: إني قد جعلت حياتهم إليك، فقال حزقيل: احيوا، فقاموا كأنهم نيام انتبهوا من نومهم، فذلك السبط الذين أُحيوا في الدنيا تشم منهم رائحة منتنة تخالف روائح الناس (٧). وقال قتادة: مقتهم الله على فرارهم من الموت، فأماتهم عقوبة لهم، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ليتوفوها، ولو كانت آجال القوم جاءت ما بعثوا بعد موتهم (٨).

стр. 2140

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ تفضل على هؤلاء بأن أحياهم بعد موتهم وأراهم الآية العظيمة في أنفسهم ليلزموا سُبُل الهدى (١). ٢٤٤ - قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يذهب كثير من أهل التفسير إلى أن هذا خطاب للذين أحيوا (٢). قال الضحاك: أحياهم ثم أمرهم بأن يعاودوا (٣) إلى الجهاد (٤). وقال ابن عباس في رواية عطاء: يحرض المؤمنين على القتال (٥). فهذا يدلُّ على أنَّ الخطاب لأمة محمد ﷺ وهذا أظهر (٦)، لأن الكلام على وجهه لا محذوف فيه، وعلى الأول يحتاج إلى إضمار، أي: وقيل لهم: قاتلوا (٧). قال الزجاج: يقول لا تهربوا من الموت، كما هرب هؤلاء الذين

стр. 2141

سمعتم خبرهم فلا ينفعكم الهرب (١). وقيل: إنه حث على الشكر بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ كأنه قال: واشكروا وقاتلوا في سبيل الله. وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سميع لما يقوله المُتَعَلل (٢) ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يضمره، فإياكم والتعلل بالباطل، وقيل: ﴿سَمِيعُ﴾ لقولكم إن قلتم، كقول الذين تقدم ذكرهم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بضمائركم (٣). ٢٤٥ - قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ الآية. القرض: اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء، يقال: أقرض فلان فلانًا، إذا أعطاه (٤) ما يتجازاه منه، والاسم منه: القرض، وهو ما أعطيتَه لتكافأ عليه، هذا إجماع من أهل اللغة (٥). قال الكسائي: القرض: ما أسلفت من عمل صالح (٦) أو سيئ (٧). وقال الأخفش: تقول العرب: لك عندي قَرْضُ صِدْق، وقرض سوء (٨)، لأمر يأتي فيه مسرته أو مساءته (٩). وقال الزجاج: القرض: البلاء الحسن، والبلاء السيئ (١٠).

стр. 2142

وأنشد بيت أمية: كلُّ امْرئٍ سَوْف يُجْزَى قرضَه حَسَنًا ... أو سَيِّئًا ومَدِينًا كالذي دانا (١) وقال ابن كيسان: القَرْضُ أن تعطيَ (٢) شيئًا ليرجع إليك مثله، ولتُقْضَى شبهه (٣). يقال: تقارضا الثناءَ: إذا أثني كلُّ واحد منهما على صاحبه. ويقال: قارضه الودُّ (٤) والثناء. وأصله في اللغة: القطع، ومنه المقراض (٥) ومعنى أقرضته: قطعت له قطعة يجازى عليها. وانقرض القوم: إذا هلكوا، لانقطاع أثرهم (٦). شبه الله عمل المؤمنين لله على ما يرجون من ثوابه بالقرض؛ لأنهم إنما يعطون ما ينفقون ابتغاء ما وعدهم الله من جزيل الثواب (٧). والقرض في هذه الآية اسم لا مصدر، ولو كان مصدرًا لكان إقراضًا (٨). قال أهل المعاني: هذا تلطف من الله في الاستدعاء إلى أعمال البر؛

стр. 2143

لذلك أضاف الإقراض إلى نفسه، وهذا كما جاء في الحديث: إن الله تعالى يقول لعبده: استطعمتك (١) فلم تطعمني (٢). كأنه قيل: مَنِ الذي يعمل عمل المقرض بأن يقدم فيأخذ أضعاف ما قدم في وقت فقره وحاجته. وتأويله: في الذي يقدم لنفسه إلى الله تعالى ما يجد ثوابه عنده (٣). قال ابن زيد: هذا القرض (٤) الذي دعا الله إليه هو في الجهاد. وقال الحسن: هو في أبواب البر كله. وقوله تعالى: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ قال عطاء: يعنى حلالًا. الواقدي: طيبة به نفسه (٥). ونذكر أوصاف القرض الحسن في سورة الحديد إن شاء الله. وقوله تعالى: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف، والرفع والنصب (٦). أما التشديد والتخفيف فهما لغتان. والرفع: بالنسق على ما في الصلة، أو الاستئناف، وهو الاختيار؛ لأن الاستفهام في هذه الآية عن فاعل الإقراض، ليس عن الإقراض، وإذا كان كذلك لم يحسن النصب؛ لأنه في هذه الآية (٧) ليس مثل قولك: أتقرضني

стр. 2144

فأشكرك، لأن الاستفهام هاهنا عن الإقراض. فأما وجه النصب: فهو أن يحمل الكلام على المعنى لا على اللفظ؛ لأن المعنى: أيكون قرض فيضاعفه، كقراءة من قرأ: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ (١) (٢) [الأعراف: ١٨٦] جزم قوله: ﴿وَيَذَرُهُم﴾ لأن معنى قوله: ﴿فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ لا يهده (٣). ونحو هذا كثير مما حُمِل الكلام فيه على المعنى دون اللفظ، قال الحسن والسدي: هذا التضعيف لا يعلمه إلا الله تعالى، و (هو) (٤) مثل قوله: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، ومعنى التضعيف والإضعاف والمضاعفة واحد، وهو الزيادة على أصل الشيء حتى يصير مثلين أو أكثر (٥). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ يعنى: يمسك الرزق عمن يشاء، ويضيق عليه، ويوسع على من يشاء، في قول عطاء عن ابن عباس والحسن وابن زيد والأكثرين (٦). وحكى الزجاج: يقبض الصدقات ويبسط الجزاء عليها عاجلًا وآجلًا (٧).

стр. 2145

وحكى أبو الهيثم السجزى، عن بعضهم قال: إن الله تعالى لما أمرهم بالصدقة أخبر أنه لا يمكنهم ذلك إلا بتوفيقه، فقال: (١) ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ يعني يقبض بعض القلوب فيزويه كيلا ينشط (٢) لخير، ويبسط بعضها فيقدم لنفسه خيرًا (٣). ٢٤٦ - وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية. الملأ: الأشراف من الناس، وهو اسمٌ للجماعة، كالقومِ والرَّهْطِ والجيش، وجمعه: أملاء، قال الشاعر: وقال لها الأَمْلاَء من كلِّ مَعْشَر ... وخَيْرُ أقَاوِيلِ الرِّجَالِ سَدِيدُها (٤) وأصله من الملأ، فالملأ: هم الذين يملؤون العيون هيبة ورُواءً (٥)، وقيل: هم الذين يملؤون المكان إذا حضروا (٦). وقال أبو إسحاق: الملأ: الرؤساء سموا بذلك لأنهم مِلآءٌ ومُلآءُ (٧) بما يحتاج إليه (٨) من قولهم: مَلُؤَ الرجل يَمْلُؤُ ملاءَةً فهو مليء (٩).

стр. 2146

وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا﴾ قال قتادة: هو يوشع (١). وقال السدي: هو شمعون (٢). وقال سائر المفسرين: هو أشمويل (٣). وكان سبب قولهم ذلك لنبيهم، فيما قال الكلبي (٤) ووهب (٥): أن الأحداث كثرت في بني إسرائيل، وعظمت فيهم الخطايا، وغلب عليهم عدُوُلهم (٦) فَسَبوا كثيرًا من ذراريهم، فسألوا نبيهم ملكًا تنتظمُ به كلمتهم، ويجتمع أمرهم، ويستقيم حالهم في جهاد عدوهم، فقال لهم ذلك النبي: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ وهذا استفهام شك، يقول: لعلكم أن تَجْبُنُوا عن القتال (٧). وقرأ نافع وحده (عسِيتم) بكسر السين، واللغة المشهورة فتحها (٨). ووجه قراءة نافع: ما حكاه ابن الأعرابي: أنهم يقولون: هو عسٍ

стр. 2147

بكذا، وما أعساهُ، وأَعْسِ به، فقولهم: عسٍ، يقوي عسِيتم بكسر السين، ألا ترى أن عسٍ، مثل (١): حرٍ وشجٍ، فإن قالوا: يلزمه أن يقرأ: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ﴾ [الإسراء: ٨] قيس: القياس هذا، وله أن يأخذ باللغتين فيستعمل إحداهما في موضع، والأخرى في موضع (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ اختلف النحويون في وجه دخول (أن) هاهنا، والقائل يقول: ما لَكَ تفعل كذا كقوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣] و ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [الحديد: ٨]. فقال الأخفش: (أن) هاهنا زائدة. المعنى: وما لنا لا نقاتل في سبيل الله (٣). وقال الفرَّاءُ: ذهب الى المعنى؛ لأن قول: مَا لَكَ لا تصلي، معناه:

стр. 2148

ما يمنعك أن تصلي، فلما ذهب إلى معنى المنع أدخل أن (١)، الدليل على ذلك: قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ [ص: ٧٥]، وعلى هذا المعنى قال: ﴿مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٢] (٢). وقال الكسائيُّ: المعنى: وما لنا في أن نقاتل، فأسقط (في) (٣) وارتضى الزجاج هذا القولَ وصحَّحه. وقال: المعنى: أي شيء لنا في أن لا نقاتل. أي: أيُّ غرضٍ (٤) لنا في ترك القتال وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا، ولكن (في) سقطت مع (أن)، وكثيرًا ما يحذف حرف الجر مع أن، وقد مضت لهذا نظائر (٥). ورجح أبو علي الفارسي قول الكسائي على قول الفراء، فقال: إذا اتجه للكلام وجه صحيح وكان مستمرًّا على الأصول، فلا معنى للعدول عنه إلى غيره، وكما جاز وقوع الفعل موقع الحال في قولك: ما لك تفعل كذا، والمعنى: ما لك فاعلًا، كذلك يجوز وقوع حرف الجر موقعها، كما ذكر الكسائي، وسد مَسَدَّها، ألا ترى أنك تقول: خرجت في الثياب، كما تقول: خرجت لابسًا، فالظرف هاهنا يقع موقع الحال، فكذلك في الآية، فإذا كان ما ذكرناه من تقدير حرف الجر متجها (٦) متخرجًا (٧) على معنى

стр. 2149

مستقيم ولفظ مستعمل، لم يكن بنا حاجة إلى أن نقدر أنَّ معنى ما لنا: ما يمنعنا، وكأنه قال: ما يمنعنا أن نقاتل أي: ما يمنعنا من أن نقاتل (١)، على أنا لا ندفع الحمل على المعنى في كثير من المواضع، ولكن لا يستحسن (٢) ترك الظاهر والعدول عنه إلى غيره ما وجد للتأويل على الظاهر مساغ، وإذا حمل الكلام على ما ذكره الفَرَّاء ففي الكلام تقدير حرف جرٍ، كما أن في حمله على الظاهر تقديرُ حرفِ جرٍّ (٣)، وإذا استوتِ الحالتانِ فلزومُ الظاهرِ أعْجَبُ إلينا (٤). وعلى الأقوال كلها (أن لا نقاتل (٥)) في محل النصب، لوقوعه موقع الحال، كقوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] وقوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩]، كأنه (٦) قيل: ما لنا غير مقاتلين. وكما جاز وقوع الفعل الموجب موقع الحال في هذا النحو مثل: ما لك نفعل كذا، جاز أيضًا وقوع المنفي موقعه نحو: ما لك لا تفعل، كقوله تعالى: ﴿مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا﴾ [يوسف: ١١] ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات: ٩٢] (٧) وأنشد أبو زيد:

стр. 2150

ما لَكَ لا تَذْكُرُ أُمَّ عَمْرِو ... إلّا لعَيْنَيْكَ غُرُوبٌ تَجْرِي (١) وذهب المبرد في هذه الآية إلى غير ما ذهب إليه هؤلاء، وهو أنه قال: ما في هذه الآية جحدٌ لا استفهام، كأنه قيل: ما لنا ترك القتال، وعلى هذا سهل الأمر في دخول أن (٢). وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا﴾ ظاهرُ الكلام العموم وباطنه الخصوص؛ لأن الذين قالوا هذا لم يُخْرَجُوا من دِيَارِهم، ولكن إذا أُخْرِج بعضُهم جاز لكلهم أن يقولوا هذا، كما يقال: قتلناكم يوم ذي قار، وكما قال موسى بن جابر الحنفي (٣): ذهبتُم فلُذْتمُ بالأميرِ وقُلْتُم ... تَرَكْنا أحَادِيثًا ولَحْمًا مُوضّعَا (٤) والذين قالوا هذا لم يكونوا بهذه الصفة، وعنوا بالإخراج من الديار: السبيَ والقهر (٥) على نواحيهم (٦). وقوله تعالى: ﴿وَأَبْنَائِنَا﴾ أرادوا: أُفْرِدنا من أبنائنا بالتفريق بيننا

стр. 2151

بالسبي والقتل. ومعنى الآية: أنهم أجابوا نبيَّهم بأن قالوا: إنما كنا نزهد في الجهاد إذ كنا ممنوعين في بلادنا لا (١) يظهر علينا عدو، فأما (٢) إذْ (٣) بَلَغَ ذلك منا فلابُدَّ من الجهاد، فنطيع ربنا في الغزو ونمنع نساءنا وأولادنا (٤). قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ وهم الذين عبروا النهر، ويأتي (٥) ذكرهم بعد هذا (٦). قال عطاء: وفي هذا تحريض للمهاجرين والأنصار، ووعيدٌ لمن تَخلَّفَ عن النبي ﷺ في القتال (٧)، فقال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ يريد: المشركين والمنافقين (٨). ٢٤٧ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ أي: قد أجابكم إلى ما سألتم، من بَعْثِ الملكِ يُقَاتِل وتُقَاتلون معه، وكان طالوتُ رجلًا دبَّاغًا، يعمل الأدم، وكان من أدنى بيوت بني إسرائيل، وكان من سبط بنيامن، ولم يكن من سبط النبوة، ولا من سبط المملكة، ولذلك أنكروا مُلكه (٩)، و ﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ

стр. 2152

بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ لأنا من سبط الملوك ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ أي: لم يؤت ما يتملك به الملوك ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ اختصه بالملك ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (١). قال ابن عباس: كان طالوتُ يومئذ أعلمَ رجلٍ في بنى إسرائيل وأجمله وأتمه (٢). والبسطة: الزيادة في كل شيء، ويسمى طول القامة: بَسْطَةً. والزيادة في المال والعلم وفي كل شيء: بسطة (٣). وقال الكلبي: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ بالحرب (٤) ﴿وَالْجِسْمِ﴾ يعني: بالطول. وكان يفوقُ الناسَ برأسه ومنكبه (٥)، وإنما سمي طالوت لطوله (٦). قال الزجاج: أعلمَ اللهُ أن الذي يجب أن يقع به الاختيارُ العلمُ، ليس أن الله لا يُملِّكُ إلا ذا مالٍ، وأعلمَهم أنَّ الزيادة في الجسم مما يهيب به العدو ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٧) يريد: أن الملك ليس

стр. 2153

بالوراثة، إنما هو بإيتاء الله واختياره (١). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ قيل في الواسع ثلاثة أقوال: أحدها: أنه واسع الفضل والرزق والرحمة، وسعت رحمته كل شيء، وهذا كما يقال: فلان كبير وعظيم (٢)، يراد: أنه كبيرُ القدر، كذلك هو واسع بمعنى: أنه واسع الفضل، وهذا القول اختيار الأزهري (٣) (٤). والثاني: أنه واسع بمعنى: مُوَسِّع، أي: يوسع على من يشاء (من عباده) (٥) من نعمه، وهذا قول الزجاج (٦)، لأنه قال في قوله: ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ معناه: يوسع على من يشاء، ويعلم أين ينبغي أن تكون السعة. الثالث: أنه واسع بمعنى ذو سعة (٧)، ويجيء فاعل (٨) كثيرًا ومعناه ذو كذا، نحو: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أي ذات رضى، وهمّ ناصب: ذو نصب، فلما قال لهم النبي ذلك، قالوا له: لا نصدقك أن الله بعثه علينا، ولكنك تريد أن تحمله علينا مضارة لنا إذ سألناك ملكًا، فأراهم النبي على صحة مُلْك طالوت وتمليك الله إياه آيةً (٩) وهي قوله: ٢٤٨ - ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾

стр. 2154

قال أصحاب الأخبار: إن الله تعالى أنزل على آدم تابوتًا فيه صور الأنبياء من أولاده، فتوارثه أولاد آدم إلى أن وصل إلى يعقوب، فكان في بنى إسرائيل، وكانوا إذا اختلفوا في شيء تكَلَّم وحكم بينهم، وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو، فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا النصرة، فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العَمَالقة، فغلبوهم على التابوت، وسلبوه فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت دعا النبي ربه، فنزل بالقوم الذين غلبوا (بنى إسرائيل على التابوت) (١) داء بسببه، وذلك أنهم كانوا قد أخذوا التابوت فجعلوه في موضع غائطهم وبولهم، وكل من بال عنده أو تغوط ابتلاه الله بالبواسير، حتى تنبهوا أن ذلك لاستخفافهم بالتابوت، أخرجوه ووضعوه (٢) على ثورين، فأقبل الثوران يسيران، ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما (٣)، حتى أتوا به منزل طالوت، فلما رأوا التابوتَ عند طالوت، علموا أن ذلك إمارة ملكه عليهم، فذلك قوله: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ الآية (٤). والإتيان على هذا مجاز لأنه أُتِيَ به ولم يأت هو، فنسبَ الإتيان إليه توسعًا، كما يقال: ربحت الدراهم، وخسرت التجارة، وعزم الأمر. وقال آخرون: إن التابوت لم تحمله الملائكة ولا الثوران، بل كان

стр. 2155

يسير بقدرة الله ، بلا حامل يحمله، ولا جارٍّ يجره، وهم ينظرون إليه، والملائكة تحفظه وترعاه، حتى وضع عند طالوت، وهذا قول ابن عباس، وعلى هذا الإتيان حقيقة في التابوت. وأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين جميعًا؛ لأن من حفظ شيئًا في الطريق ورعاه جاز أن يوصف بحمل ذلك الشيء وإن لم يحمله، كما يقول القائل: حملت الأمتعة إلى زيد، إذا رعاها وحفظها في الطريق، وإن كان الحامل غيره، وتقول: حملت متاعي إلى مكة، ومعناه: كنت سببًا لحمله (١). وقوله تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال وَهْبٌ: السكينة: روح من الله يتكلم، وكانوا إذا اختلفوا في أمر نطق ببيان ما يريدون (٢). وقال قتادة (٣) والكلبي (٤): هي فعيله من السكون، أي: طمأنينة من ربكم. وفي أي مكان كان التابوت اطمأنوا إليه وسكنوا. وهذا اختيار الزجاج. قال: أي: فيه ما تسكنون به إذا أتاكم (٥). والسكينة: مصدر وقع موقع الاسم، نحو القضية والعزيمة، وهذا معنى قول الحسن، قال: جعل الله لهم في التابوت سكينةً لا يفرُّون عنه

стр. 2156

أبدًا وتطمئن قلوبهم (١). وجاء في التفسير: أن السكينة لها رأس كرأس الهرة من زبرجد وياقوت، ولها جناحان (٢). وقال مقاتل: كان فيه رأس كرأس الهرة إذا صاح كان الظفرُ لبني إسرائيل (٣). وقوله تعالى: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ والبقية: مصدَرٌ وَقَعَ مَوْقِعَ الاسم، مثل: السكينة ونحوها، فيقال للباقي: بقية، وجمعها: بقايا (٤). قال المفسرون: البقية التي كانت في التابوت: لوحان من التوراة، ورضُاض الألواح التي تكسَّرت لما ألقى موسى الألواحَ، وقفيزٌ من المن الذي كان ينزل عليهم، ونعلا موسى، وعمامة هارون، وعصاه، وعصى موسى، وطست من ذهب، قيل: كان يغسل فيه (٥) قلوب الأنبياء (٦). وإنما جعل هذه الأشياء بقية لأنها بقيت مما تركه موسى وهارون.

стр. 2157

وأراد بآل موسى وآل هارون: موسى وهارون نفسهما، والعرب نقول: آل فلان، لو تريد نفسه (١). قال جميل: بثينة (٢) مِنْ آل النّساء وإنما ... يَكُنَّ لأدْنَى لا وِصَالَ لِغَائِبِ (٣) وعلى هذا يتأول قوله ﷺ لأبي موسى: "لقد أُوتيَ هذا مِزمارًا من مزامير آل داود (٤) " أراد: داود نفسه؛ لأنَّه لا يُعْلَم أحدٌ من آله أُعْطِيَ من حسن الصوت ما أعطيه داود. أخبرنا أبو الحسين بن أبي عبد الله الفسوي، أخبرنا أحمد بن محمد الفقيه، أخبرني أبو رجاء الغنوي، قال: حدثنا أبي، قال حدثنا ابن عمر بن شبه، قال: سمعت أبا عبيدة وسأله رجلٌ عن رجل أوصى لآل فلان: ألفلان نفسه المسمى من هذا شيء؟ قال: نعم، قال الله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ

стр. 2158

فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، ففرعون أوَّلُهم، وأنشد: ولا تبكِ مَيْتًا بعد ميت أجنة ... علي وعباس وآل أبي بكْرِ (١) يريد: أبا بكر نفسه، وآل الرجل في اللغة: شخصه (٢)، وقد ذكرناه عند قوله: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾ أي: في رجوع التابوت إليكم علامة أنَّ الله قد ملَّكَ طالوت عليكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: مصدقين (٣). قيل: إنهم كفروا بتكذيبهم نبيَّهُم في تمليك طالوت، ولذلك لم يَصْبر عن الماء - لَمَّا ابتلاهم اللهُ بالنهر إلا القليل منهم، وهم الذين أطاعوا ولم يكذبوا، فعلى هذا قوله: (إن كنتم مؤمنين) أي: مصدقين بتمليك طالوت إذ عاد إليكم التابوت (٤). وقيل: أراد ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ كما تزعمون (٥)، ويجوز أن يكون المعنى: إن في ذلك لآية لمن كان مؤمنًا منكم، فدخل الشرط للتوكيد، كقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، أي: من كان مؤمنًا توكل، وكما تقول: إن كنت أخي فأكرمني، لم يدخل الشرط للشك في الأخوة، ولكن توكيدًا للإكرام، ومثله في القرآن كثير.

стр. 2159

٢٤٩ - قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ الآية. وجْهُ اتصال هذه الآية بما قبلها (١) يظهر بتقدير محذوف يدل عليه باقي الكلام، كأنه (٢) قيل: فأتاهم التابوت بالصفة التي وُعِدوا فصدقوا؛ لأن قوله: ﴿فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ بعد تلك (٣) المنازعة، يدل على أن الآية أتتهم فانقادوا لأجلها (٤). ومعنى الفصل: القطع (٥). يقال: قولٌ فَصْلٌ، إذا كان يقطع بين الحق والباطل، وفَصَلَ عن المكان، قطعه بالمجاوزة عنه، يقال: فَصَل يَفْصِل فُصُولًا، ومنه قوله: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ [يوسف: ٩٤]. وفَصَلْتُ اللحم عن العظم فَصْلًا، وفَاصَل الرجل شَريكَه وامْرَأَتَه فِصَالًا (٦). والجنود جمع جند: وكل صنف من الخلق جُنْدٌ على حِدَة، يقال: الجَرَاد أكْثَرُ جنودِ الله (٧)، ومنه: "الأرواح جنودٌ مجندة" (٨).

стр. 2160

قال السدي: وكانوا يومئذ ثمانين ألف مقاتل (١). وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ يعنى: قال طالوت. قال وهب (٢): إنهم شكوا قلة المياه بينهم وبين عدوهم، وقالوا: إن المياه لا تحملنا، فادع الله سبحانه أن يجري لنا نهرًا، فقال لهم طالوت: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ﴾ (٣). وهذا لا يجوز أن يقوله إلّا نبي؛ لأن الله عالم الغيب، فلا يظهر على غيبه أحدًا، إلا من ارتضى من رسول. فيجوز أن طالوت قال ذلك بوحى من الله إليه، فقد قيل: إنه لما مُلِّك عليهم صار نبيًّا، ويجوز أن يكون قال ذلك بإخبار نبيٍّ إياه (٤). وإنما وقع الابتلاء ليتميز الصادق من الكاذب، فإن طالوت كان لا يعلم بمن له نيةٌ في القتال معه، ومن ليست له نية، فابْتُلُوا بالنهر ليتميَّزَ المحقق من المعذِّر، وذلك النهر: هو نَهْر فِلَسْطين في قول ابن عباس (٥) والسدي. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾، الكناية تعود على النهر في الظاهر، وهو في المعنى للماء.

стр. 2161

وقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ مِنِّي﴾ أي: من أهل ديني وطاعتي (١)، فحذف، ودل (مِنّي) عليه. وقيل: تأويله: ليس معي على عدوي، كقوله ﵇: "من غشنا فليس منّا (٢) " أي: ليس من أهل ديننا، وليس (٣) هو معنا في حقيقة ديننا (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ طَعْمُ كُلِّ شيء ذوقُه، ومثله التطعُّمُ، يقال: تطعَّمت منه، أي: ذُقْتُه، قال ابن الأنباري: العرب تقول: قد أَطْعَمْتُكَ الماءَ، يراد به: أَذَقْتُكَ، وطعمت الماء أَطْعَمُه، بمعنى: ذقُته أذوقه (٥) (٦). أنشدنا أبو العباس العَرْجِي (٧):

стр. 2162

فإن شِئْتُ حَرّمْتُ النِّساءَ سِوَاكُمُ ... وإن شِئْت لم أَطْعَم نُقَاخًا ولا بَرْدًا (١) أراد: لم أذق. والنُّقَاخُ: الماءُ العَذْب (٢). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ الاغتراف: الأَخْذُ من الشيء باليدِ أو بآلة كما يُغْتَرَفُ من الماء. والمِغْرَفَةُ: الآلة التي يُغْرَفُ بها، وكذلك الغَرْفُ مثل الاغْتِرَاف (٣). واختلف القراء في فتح الغين من (غرفة) وضمها (٤). فمن فتح الغين عدَّى الفعل إلى المصدر، والمفعول محذوف في قوله، والمعنى: إلا من اغترف ماءً غَرْفةً. ومن ضم الغين عدَّى الفعل إلى المفعول به، ولم (٥) يعده إلى المصدر؛ لأن الغُرفَة بالضم: الشيء المُغْتَرف، والماء المغروف، فهذا بمنزلة إلا من اغترف ماء (٦). إلا أن كثيرًا من البغداديين يجعلون هذه الأسماء المشتقة من المصادر بمنزلة المصادر،

стр. 2163

وُيعْمِلونَها كما يُعْمِلُون المصادر، فيقولون: عجبت من دُهنك لحيتَكَ، ويحتجون بقول القُطامي: وبعد عَطَائِكَ المِائةَ الرَّتَاَعا (١) (٢) فعلى هذا يجوز أن ينتصب الغُرْفة، انتصاب الغَرْفَة. وزعم بعضهم (٣) أن الاختيار الضم، لأنه لو جاء على معنى المصدر لمرة واحدة لكان (اغترافة) (٤). وليس فيما قال حجة؛ لأنه إذا كان معنى الغرف والاغتراف واحدًا جاز: اغْتِرَافةً (٥)؛ لأنه الأصل، وجاز غَرْفَة لأنه أخف (٦). وقوله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ قال المفسرون: قال لهم طالوت: من شرب من النهر وأكثر فقد عصى الله وخالف أمره وتعرَّض لعقابه، ومَنِ اغترف غرفة بيده أقنعته، فهجموا على النهر بعد عطش شديد

стр. 2164

أضر بهم فوقع أكثر أصحاب طالوت في النهر، وأكثروا الشرب، وأطاع قوم قليل عددهم، فلم يزيدوا على الاغتراف، فأما من اغترف كما أمره الله تعالى: قوي قلبه، وصحَّ إيمانه، وعبر النَّهْرَ سالمًا، وكَفَتْه تلك الغرفة الواحدة لشربه ودوابه، والذين شربوا وخالفوا أمر الله اسودَّت شفاهُهم، وغلبهم العطش فلم يرووا، وبقوا على شاطئ النهر، وجبنوا عن لقاء العدو (١)، ولم يشهدوا الفتح (٢). قالوا: وتلك الغرفة المباحة لم تكن ملء الكف، ولكن المراد بالغرفة أن يغترف مرةً واحدةً بقربةٍ أو جرةٍ وما أشبه ذلك، تكفيه وتكفي دابته، غير أن العصاة انغمسوا في النهر ولم يغترفوا، بل شربوا منه وسقوا دوابهم. وأولئك القليل، الذين لزموا الاغتراف، كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، في أصح الأقاويل (٣)؛ لأن النبي ﷺ قال لأصحابه يوم بدر: "أنتم اليوم على عدة أصحاب طالوت حين عبروا النهر، وما جاز معه إلا مؤمن"، قال البراء بن عازب: وكنا يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا (٤). وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ يقال: جاوزتُ المكان والطريق مجاوزةً وجوازًا، وكذلك جُزْتُ الطريق، فأنا (٥) أجوزه جَوازًا ومجَازًا وجُؤُوزًا، وأَجَزْتُ أيضًا مثل جُزْتُ، قال امرؤ القيس:

стр. 2165

فَلمّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الحَيِّ (١) البيت، والمَجَازُ في الكلام هو ما جاز في الاستعمال، أي: نَفَدَ واستمرَّ على وَجْهِهِ، ومنه يقال: هذا يَجُوزُ. أي: يمرُّ على وجهِه (٢) لا يَمْنَعُه مَانعٌ (٣). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ الطاقة: [مصدرٌ بمنزلة] (٤) الإطاقة، يقال: أطقتُ الشيء إطاقةً وطاقةً وطَوْقًا، مثل: أطَعْتُ إطاعةً وطاعةً وطَوْعًا (٥). قال ابن عباس والسدي: يعنى هؤلاء الذين شربوا، وخالفوا أمرَ الله ، وكانوا أهل شك ونفاق، قالوا: ﴿قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ وانصرفوا عن طالوت، ولم يشهدوا قتال جالوت (٦). وقال الحسن وقتادة وابن زيد: هم المؤمنون الذين عبروا مع طالوت

стр. 2166

النهر، ممن ضَعُفَت بصيرتُهم ولم يبلغوا منزلة غيرهم (١). وهذا اختيار الزجاج، لأنه قال: لما رأوا قلتهم قال بعضهم لبعض: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ يعنى: القليل الذين اغترفوا (٢). وعلى قول الحسن: هم صلحاء المؤمنين والأماثل منهم. ومعنى يَظُنّون: يَعْلمون وُيوقِنون (٣). وذكرنا هذا عند قوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ (٤) [البقرة: ٤٦]. ويجوز أن يكون الظن هاهنا (٥) شكًّا لا علمًا، وله تأويلان: أحدهما: قال الذين يتوهمون أنهم يُقْتلون مع طالوت فيلْقَون الله تعالى شهداء (٦)، فوقوع الشك في القتل لأنهم لم يَيْقَنُوهُ، ولم يدرُوا أيكونُ أم لا؟ والثاني: الذين يظنون أنهم ملاقو ثواب الله فحذف المضاف، وهو كثير. وقوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ قال الفراء: لو ألقيت (٧)

стр. 2167

من (١) ههنا جاز في (فئة) الرفع والنصب والخفض. فمن نصب قال: أصل (كم) الاستفهام (٢)، وما بعدها (من) النكرة مُفَسّر كتفسير العدد، فجعل (كم) بمنزلة عدد ينصب ما بعده، نحو: عشرين وثلاثين. ومن خفض قال: طالت صحبة (من) للنكرة في كم (٣)، فلما حذفناها أعملنا إرادتها فخفضنا، كقول العرب إذا قيل لأحدهم: كيف أصبحت؟ قال: خيرٍ، يريد بخير. ومن رفع نوى تقديمَ الفعل، كأنه قيل: كم غلبت فئة، وأنشد: كم عَمَّةٍ لك يا جَرِيرُ وخَالةٍ ... فَدْعَاءَ قد حَلَبَتْ عليَّ عِشَاري (٤) قال: يجوز فيه الأَوْجُه الثلاثة، وأنشد في جوازِ الرفعِ قولَ امرئ القيس: تَنُوصُ وكم من دُويها من مَفَازَةٍ ... وكم أرضِ جَدْبٍ (٥) دونهَا ولصُوصُ (٦) (٧)

стр. 2168

والفئة: الجماعة، لأنَّ بعضَهم قد فاءَ إلى بعضٍ فصاروا جماعةً، وقال الزجاجُ: أصلُ الفئةِ: من قولهم فأوت رأسَه بالعصا، وفأيْتُ، فالفئةُ فرقةٌ من هذا، كأنها (١) قطعة (٢). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ أصل (مع): للمصاحبة (٣)، كأنه قال: الله يصحبهم النصر والمعونة (٤). ﴿الصَّابِرِينَ﴾ قال عطاء: على طاعة الله، وعن محارمه. ٢٥٠ - وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ الإفراغ: الصَّبُّ، يقال: أَفْرَغْتُ الإناء إذا صَبَبْت ما فيه، أصله من الفَرَاغ: وهو الخُلُوّ، وفلان فَارغٌ، معناه: أنه خَالٍ مما يَشْغَلُه، والإِفراغ: إِخْلاَءُ الإِنَاءِ مما فيه، وإنما يخلو بصَبِّ كُلِّ ما فيه، فمعنى ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أي: اصبب (٥) علينا أتمَّ صبٍّ وأبلغَه (٦).

стр. 2169

﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ بتقويةِ قلوبِنا، أو باختلاف كلمةِ الأعداء حتى يتخاذلوا، أو بإلقاء الرُّعْبِ في قلوبهم حتى يظهر منهم الخور، وما أشبه هذا مما يكون من أسباب النصر (١). ٢٥١ - قوله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ هذه الآية تتصلُ بما قبلَها بتقدير محذوف (٢) يتقدمها ويتصل بها، كأنه قيل: فأنزل الله عليهم صبرًا ونصرًا (٣)، فهزموهم بإذن الله. وأصل الهزمِ في اللغة: الكسر، يقالُ: سقاءٌ مُنْهَزِمٌ: إذا تشقَّقَ مع جَفافٍ، وهَزَمْتُ العظم والقَصَبة هَزْمًا، وهزمت الجيشَ هزمًا وهَزِيمةً وهِزِّيمى مقصور، والهَزْمَةُ: نقرةٌ في الجبل أو في الصخرة. قال سفيان بن عينية في ذكر زمزم: هي هَزْمَةُ جبريل، يريد: هَزَمَها جبريلُ (٤) برجله، فخرَجَ الماء، ويقالُ: سمعتُ هَزْمَةَ الرعد. قال الأصمعي: كأنَّهُ صوتٌ فيه تشقق، ويقالُ للسحابِ: هَزِيمٌ؛ لأنه يتشقَّقُ بالمطرِ، وهَزْمُ الضريع، وهَزْمه: ما تكسر منه (٥)، قال قيسُ بن خويلد (٦).

стр. 2170

وحُبِسْن في هَزْمِ الضَّريعِ فكلُّها ... حَدْباءُ (١) دَامِيَةُ اليَدَيْنِ حَرُودُ (٢) فمعنى (هزموهم): كَسَرُوهم ورَدُّوهُم (٣). قوله تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ قال المفسرون وأصحاب الأخبار: إن جالوت طلبَ البِرازَ فخرج إليه داود، وكان ممن عبر النهر مع طالوت، فرماه بحجر من مقلاعه، فوقَعَ بين عينيه، فخرجَ من قَفاهُ، وقَتَلَ من ورائه ثلاثين رجلًا، وانهزمَ القومُ عن آخرهم، وخَرَّ جالوتُ قَتيلًا (٤). وقوله تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: جمع له المُلْك والنبوة (٥)، قال ابن عباس: يريد بعد طالوت (٦). وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ قال الكلبيُّ: يعنى: صنعةَ الدروع، والتقدير: في السرد (٧). وقيل: منطق الطير وكلام الحُكْل (٨).

стр. 2171

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ قال ابن عباس (١) ومجاهد (٢): لولا دفع الله بجنود المسلمين وسراياهم ومرابطيهم لغلب المشركون على الأرض، فقتلوا المؤمنين وخربوا (٣) البلاد والمساجد. وقال سائر المفسرين: لولا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار، لفسدت الأرض ولهلكتْ بِمَنْ فيها (٤). وتصديقُ هذا: ما روي أن النبي ﷺ قال: "يدفع الله بمن يصلي من أمتي عمَّنْ لا يصلُي، وبمن يزكي، عمَّن لا يزكِّي، وبمن يصومُ عمَّن لا يصوم، وبمن يَحُجُّ عمن لا يَحُجُّ، وبمن يُجاهدُ عمن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على تركِ هذه الأشياء ما ناظَرَهُم (٥) الله طرفةَ عين"، ثم تلا رسولُ الله ﷺ هذه الآية (٦). واختلف القراء في قوله ﴿دَفْعُ اللَّهِ﴾ فقرأ بعضهم: (دفاعُ الله)، وقرأ بعضهم: (دفعُ الله) (٧).

стр. 2172

ومعنى الدفع: الصرف عن الشيء (١). والدفاع يحتمل أن يكون مصدرًا لِفَعَلَ، كالكتاب واللقاء والنكاح، ونحوها من المصادر التي جاءت على فِعالٍ، ويجوزُ أن يكون مصدرًا لفاعَلَ (٢)، يُدلُّ على ذلك قراءةُ من قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨]، ونظيرُ الدفاع في كونه مصدرًا لِفَعَلَ وفاعَلَ: الكتاب، فقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، الكتاب فيه مصدر: كاتَبَ. وقال: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فالكتاب هاهنا: مصدرٌ لِكَتَبَ؛ لأن المعنى: كَتَبَ (٣) هذا التحريمَ عليكم، ومعنى (دَفَعَ) و (دافَعَ) سواء، قال أبو ذؤيب: ولَقَدْ حَرِصْتُ بأن أُدَافِعَ عَنْهُم ... فإِذا المَنِيَّةُ أقْبَلَتْ لا تُدْفَعُ (٤) المعنى: حرصتُ بأن أدفعَ عنهم المنيةَ فإذا المنيةُ لا تُدْفَعُ (٥). ونصب (بعضهم) على البدل من الناس (٦)، المعنى: ولولا دفع الله بعض الناس ببعض.

стр. 2173

٢٥٣ - قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا﴾ أي: هذه الآيات التي أنبأتُكَ بها آيات الله (١) أي: علاماته التي تدل على توحيده (٢)، ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: أنت من هؤلاء الذين قَصَصْت آياتهم؛ لأنك قد أُعطيت مثل ما أعطوا وزيادة. ٢٥٣ - قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية. ﴿تِلْكَ﴾ ابتداء، وإنما قال: ﴿تِلْكَ﴾ ولم يقل: أولئك الرسل؛ لأنه ذهب إلى الجماعة، كأنه قيل: تلك الجماعة. والرسلُ رفع، لأنها صفة لتلك، وخبر الابتداء: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ﴾ (٣). والمعنى في ذكر تفضيل بعضهم على بعض زوال الشبهة لمن أوجب التسوية بينهم في الفضيلة، لاستوائهم في القيام بالرسالة. وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ أي أراد: كلّمه الله، فحذف الهاء، والهاء تحذف كثيرًا من الصلة (٤)، وقد ذكرنا هذا في مواضع. وعنى بقوله: ﴿مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ موسى ﵇ (٥).

стр. 2174

وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ قال أبو إسحاق: جاء في التفسير: أنه يعني به محمدًا (١) ﷺ ، أُرسل إلى الناس كافةً، وليس شيء من الآيات التي أعطيها الأنبياء إلا والذي أُعطي محمد ﷺ أكبر (٢) (٣). وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قد مضى تفسير هذا فيما تقدم. والله تعالى أخبر في هذه الآية بتفضيل بعض الأنبياء على بعض ليعرف الناس أنهم ليسوا سواءً في الفضيلة، غير أن النبي ﷺ نهانا عن الخوض في تفضيل بعض الأنبياء على بعض، ولا نخالف أمره، فقال في خبر أبي هريرة: "لا تفضلوا بين الأنبياء (٤) " فيستفاد (٥) من الآية معرفة تفاضلهم، وننتهي (٦) عن (٧) الكلام في ذلك؛ لنهيه ﷺ . وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني: من بعد الرسل ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أي: من بعد ما وضحت لهم البراهين ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ﴾ (ثبت على إيمانه) (٨) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ

стр. 2175

كَفَرَ﴾ كالنصارى بعد المسيح، اختلفوا فصاروا فرقًا، ثم تحاربوا (١)، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾، كما قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥]. وكرر (٢) المشيئة باقتتالهم تأكيدًا للأمر، وتكذيبًا لمن زعم أنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم، لم يجر به قضاء ولا قدر من الله تعالى، ثم قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد﴾ فيوفق من يشاء فضلًا، ويخذل من يشاء عدلًا (٣). ٢٥٤ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ قال الحسن: أراد الزكاة المفروضة، قال: لأنه مقرون بوعيد، وقال الآخرون (٤): أراد صدقة التطوع، والنفقة في الخير. قال ابن عباس في هذه الآية: نَفَقَةُ الرجل على أهله وولده وخادمه وجاره صدقة، إذا كان من حلال، وفي غير سرف. وقال أبو إسحاق: أي: أنفقوا في الجهاد، ولْيُعِنْ بعضكم بعضًا عليه (٥). ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ يعنى: يوم القيامة، يريد: لا يؤخذ في ذلك اليوم بدلٌ ولا فداء، كقوله: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠]، وقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٦]، فذكر لفظ البيع لما فيه من المعاوضة وأخذ البدل.
следующие страницы →