← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

٢٦٣ - قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ أي: كلام حسن، وردٌّ على السائل جميل، وقال عطاء: عدةٌ حسنة (١)، وفي الجملة: أنه قول معروف، تعرفه النفوس وتقبله ولا تنكره. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: سَترٌ (٢) لخلة السائل، قاله ابن جرير (٣)، وقال عطاء والحسن (٤): أي: تجاوز عن السائل، إذا استطال عليه عند رده، مثل ما يتجاوز عن أخيه إذا استطال عليه وعن زوجته وعن خادمه (٥)، علم الله تعالى أن الفقير إذا ردّ بغير نوال شق عليه ذلك، فربما يدعوه ذلك إلى بذاءة اللسان، فأمر بالصفح والعفو عنه، وبين أن ذلك خير من صدقة يتبعها أذى، أي: مَنّ وتعيير للسائل بالسؤال (٦). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾ أي: عن صدقة العباد، وإنما دعاكم إليها ليُثِيبَكُم عليها (٧). يقال: غَنِيَ عن الشيء يَغْنَى عنه غنى مقصور، فهو غانٍ عنه وغَنِيٌّ عنه (٨)، والغِنَى: نقيضُ الحاجة (٩).

стр. 2242

﴿حَلِيمٌ﴾ إذ لم يعجل بالعقوبة على من يمن ويؤذي بصدقته (١). ٢٦٤ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾ أراد: ثواب صدقاتكم وأجرها (٢) ﴿بِالْمَنِّ﴾ هو أن تمن بما أعطيت وتعتد به، كأنك إنما تقصد به الاعتداد، وقال ابن عباس: ﴿بِالْمَنِّ﴾ على الله (٣). (والأذى) (٤) هو أن يوبخ المعطَى. وقوله تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ أخبر الله تعالى أن المن والأذى يبطلان الصدقة، كما تبطل نفقة المنافق الذي إنما أعطى وهو لا يريد بذلك العطاء ما عند الله، إنما يريد (٥) ليوهم أنه مؤمن (٦). والرياء مصدر المُرَاءاة، يقال: رياء ومراءاة، مثل: راعيته رِعَاءً ومُرَاعَاةً، وهو أن ترائي غيرك بعملك (٧). قال ابن عباس: يريد كالذي يتصدق لا يرجو لها ثوابًا، ولا يخاف من منعها عقابًا (٨). وقوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ﴾ أي: مثل هذا المنافق المرائي ﴿كَمَثَلِ

стр. 2243

صَفْوَانٍ﴾ (١)، وهو الحجر الأملس، ومثله: الصفا. أبو عبيد عن الأصمعي: الصَّفْواء أو (٢) والصَّفْوان والصَّفَا مقصور كلُّه واحدٌ (٣). والوابل: المطر الشديد، يقال: وَبَلَتِ السماءُ تَبِلُ وَبْلًا، وأرض مَوْبُولَةٌ: أصابها وابل (٤). والصَّلْد: الأملسُ اليابس، يقال: حَجَرٌ صلْدُ، وجبين صلْدٌ: إذا كان براقًا أملس، وأرض صلد: لا تنبت شيئًا كالحجر الصلد، قال تأبط شرًا (٥) في الحَجَر: ولَسْتُ بِجُلْبٍ جُلْبِ ريحٍ وقِرةٍ ... ولا بصَفًا صلْدٍ عَن الخَيْرِ مَعْزِل (٦) وقال رؤبة في الجبين:

стр. 2244

برّاق أصلادِ الجبينِ الأَجْلَهِ (١) وقال بعض بني أسد في الأرض الصلدة: وإنِّي لأرجو الوَصْلَ منكِ كَما رَجَا ... صَدَى الجَوْفِ (٢) مُرْتَادًا كداه صُلود (٣) جمعُ صَلْد، وأصله من قولهم: صَلَدَ الزَّنْدُ وأصلد (٤): إذا لم يوْرِ نارًا (٥). وهذا مثل ضربه الله تعالى لعمل المنافق وعمل المنّان الموذي، يعنى: أن الناس يرون في الظاهر أن لهؤلاء أعمالًا كما يُرى التُرابُ على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحل كله وبطل؛ لأنه لم يكن لله، كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب، فلا يقدر أحد (من الخلق) (٦) على ذلك التراب الذي أزاله المطر عن الصفا، كذلك هؤلاء في العمل الذي حبط، إذا قدموا على ربهم لم يجدوا شيئًا (٧)، فهو قوله: ﴿لَا

стр. 2245

يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ أي: على ثواب شيء (١) ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ قال أبو إسحاق: أي: لا يجعلهم بكفرهم مهتدين، وقيل: لا يجعل جزاءهم على كفرهم أن يهديهم (٢). ٢٦٥ - قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ الآية. هذا مثل ضربه الله لمن ينفق، يريد ما عند الله ولا يمن ولا يؤذي، وقوله (٣): ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ أي: مثل نفقتهم أو إنفاقهم، فحذف المضاف كقولهم: يا خيل الله اركبي (٤). وقوله تعالى: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ قال الزجاج: أي: وينفقونها مقرين بأنها مما يثيب الله عليها (٥). فعلى هذا يكون المعنى: وتثبيتًا من أنفسهم لثوابها، يعني: أنهم أيقنوا أن الله يثيب عليها فيثبتوا (٦) ذلك الثواب، بخلاف المنافق فإنه ينفق رياء (٧) ولا يحتسب، ولا يؤمن بالثواب، وعلى هذا المعنى دارت أقوال المفسرين. فقال السدي (٨) وأبو صالح (٩) وابن زيد (١٠): يقينًا.

стр. 2246

وقال الشعبي (١) والكلبي (٢): يعني: تصديقًا من أنفسهم، يعلمون أن ما أَخْرجوا خيرٌ لهم مما تركوا. وقال بعضهم: التثبيت، هاهنا، بمعنى: التثبت، وهو مذهب عطاء ومجاهد والحسن، قال عطاء (٣) ومجاهد (٤): يتثبت في صدقته، فيضعها في أهل الصلاح والعفاف، فهذا تثبت في طلب من يصرف إليه المال. وقال الحسن: كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت، فإن كان لله أمضى، وإن خالطه شك أمسك (٥). وإنما جاز أن يكون التثبيت بمعنى التثبت؛ لأنهم ثبتوا أنفسهم تثبيتًا في طلب المستحق، وصرف المال في وجهه، فكانوا متثبتين، كما أن من صرف نفسه عن شيء فهو منصرف، وصح أن يقال: انصرف عنه، كذلك هؤلاء لما ثبتوا أنفسهم جاز أن يقال: تثبتوا (٦). وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ (٧) الرَّبْوة: ما ارتفع من

стр. 2247

الأرض، وفيها لغات: رُبْوة ورَبْوة ورِبْوة ورَباوة ورِباوَةٌ ورُباوة (١). قال الأخفش والذي نختاره: رُبْوَةٌ بالضم (٢)، لأنك لا تكاد تسمع في جمعها غير الرُّبَى، وأصلها من قولهم: رَبَا الشيء يَرْبُو: إذا زاد وارتفع، ولهذا يقال لها: الرَّابِيَة؛ لأن أجزاءها ارتفعت عن صفحة المكان الذي هي بها (٣)، ومن هذا يقال: أصابه رَبْوٌ: إذا أصابه نفسٌ في جوفه لزيادة النفس على عادته، ومن هذا أيضًا: الربا في المال؛ لأنه معاملة على أن يأخذ أكثر مما يُعطي، وإنما خصت الجنة بأنها على ربوة؛ لأن الموضع المرتفع من الأرض إذا كان له ما يُرَوِّيْهِ من الماء فهو أكثرُ ريعًا من المستفل، ونَبْتُه يكونُ أحسن، وأنضر ما تكون الجنان والرياض على الرُّبى، قال الأعشى: ما رَوْضَةٌ (مِنْ رِياضِ) (٤) الحَزْنِ (٥) مُعْشِبَةٌ ... خَضْرَاءُ جَادَ عليها مُسْبِلٌ هَطِلُ فخص رياض الحزن (٦) لما ذكرنا (٧) (٨).

стр. 2248

وقوله تعالى: ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ وهو أشد المطر. ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ الأُكُل: ما يؤكل، قال الله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] أي: ثمرتها وما يؤكل منها، فالأُكُلُ في المعنى مثل الطُعمة، تقول: جعلته أُكْلًا له، كما تقول جعلته له (١) طُعمة (٢). وأنشد الأخفش: فما أُكْلَةٌ إن نِلْتُها بغَنِيمَة ... ولا جَوْعةٌ إن جُعْتُها بغَرام (٣) وقال أبو زيد: يقال: إنه (٤) لذو أكل: إذا كان له (٥) حظّ من الدنيا (٦). والضمُّ والتخفيف في الكاف لغتان (٧)، ويجمع على الآكال (٨). قال المفسرون: الأُكل: المراد به الثمر. وقوله تعالى: ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ قال ابن عباس، في رواية عطاء: يريد: حملت في سنة من الريع ما يحمل غيرها في سنتين (٩).

стр. 2249

وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ أي: فالذي يُصِيبها طَلٌّ، وهو المطر اللِّينُ الصغارُ القَطْر، يقال: طَلَّت السماء تَطُلُّ طَلًّا فهي طَلَّة، وطُلَّتِ الأرض فهي مَطْلُولة، وروضة طَلَّةٌ نَدِيَّة، وتقول العرب في الدعاء: رحُبَت عليك الأرض وطُلَّت، بضم الطاء، ومن نصب الطاء أراد: وطَلَّت عليك السماء (١). فإن قيل: كيف قيل فيما مضى ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ قيل: فيه إضمار المعنى: فإن يكن لم يصبها وابل فطل، ومثله من الكلام: قد أعتقت عبدين، فإن لم أعتق اثنين فواحدًا بقيمتهما، المعنى: إن أكن لم أعتق، قاله الفراء (٢). وتم المعنى عند قوله: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ ثم زاد تأكيدًا وزيادة معنى فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ﴾ وأصابها طلٌّ فتلك حالها في الثراء وتضاعف الثمرة لا ينقص بالطل عن مقدارها بالوابل، وفي الكلام إضمار لا يتم المعنى إلا به، كأنه قيل: فإن لم يصبها وابل وأصابها طل فتلك حالها، فحذف لأن الباقي يدل عليه، تقول: كما أن هذه الجنة تثمر في كل حال ولا يخيب صاحبها، قلّ المطر أو كثر، كذلك يضعف (٣) الله ثواب صدقة المؤمن المخلص، سواء قلت نفقته وصدقته أم (٤) كثرت (٥).

стр. 2250

٢٦٦ - قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ الآية. الأكثرون من المفسرين على أن هذه الآية راجعة في المعنى إلى قوله: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ وأن هذا تقريرُ مثلٍ للمراء في النفقة (١) (٢)، وقال مجاهد: هذا مثل للمفرط في طاعة الله، المشتغل بملاذ الدنيا، يحصل في الآخرة على الحسرة العظمى (٣). وقال ابن عباس: هو مثل الذي يختم عمله بفساد، وكان يعمل عملًا صالحًا، فهو مثل للجنة المذكورة في الآية، ثم يبعث الله له الشيطان فيسيء في آخر عمره، ويتمادى في الإساءة حتى يموت على ذلك، فيكون الإعصار مثلصا لإساءته التي مات عليها (٤). وقوله تعالى: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ عطف بماض على مستقبل، قال الفراء: وذلك يجوز (٥) في يود؛ لأنها تتلقى مرّة بأن ومرة بلو، فجاز أن يقدر أحدهما مكان الآخر لاتفاق المعنى، كأنه قيل: أيود أحدكم لو كانت له جنة، وذلك أن (لو) و (أن) مضارعتان في المعنى، فتجاب أن بجواب لو، ولو بجواب أن، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] المعنى: وإن أعجبتكم، وقال: ﴿وَلَئِنْ

стр. 2251

أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ [الروم: ٥١]، فأجيبت لئن بإجابة لو، وقال: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] معناه: ودوا أن تدهن (١). والإعصار: ريح ترتفع وتستدير نحو السماء كأنها عمود، وهي التي يسميها الناس الزوْبَعة، وهي ريح شديدة، ومنه: إن كنت ريحًا فقد لاقيت إعصارًا (٢) وقال ابن الأعرابي: يقال: إعصار وعِصَار، وهو أن يهيجَ الريحُ الترابَ (٣). قال المفسرون: مثلُهم كمثلِ رجلٍ كانت له جَنَّةٌ فيها من كلِّ الثمرات، وأصابه الكِبَرُ فَضعُفَ عن الكسب، وله أطفال لا يجدون عليه، ولا ينفعونه، فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت، ففقدها أَحوَج (٤) ما كان إليها، عند كبر السن، وضعف الحيلة، وكثرة العيال، وطفولة الولد، وضعف عن إصلاحها لكبره، وضعف أولاده عن إصلاحها لصغرهم، ولم يجد هو ما يعود به على أولاده، ولا أولاده ما يعودون به على أبيهم، فبقي هو وأولاده فقراء عجزة متحيرين، لا يقدرون على حيلة، كذلك يبطل الله عمل المنافق والمرائي، حين لا مُسْتَعْتب لهما، ولا توبة، ولا إقالة من ذنوبهما (٥). وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ أي: كمثل بيان هذه الأقاصيص

стр. 2252

التي ذكرها، من قصة الذي يمر على قرية، وقصة إبراهيم، ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾، أي: العلامات والدلالات التي تحتاجون إليها في أمر توحيده. ٢٦٧ - وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ يعنى: الجيادَ (١) الخِيارَ (٢)، وقيل: يعنى: الحلالاتِ (٣) مما كسبه الإنسان بالتجارة والصناعة من الذهب والفضة. ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ يعنى: الحبوب مما يجب فيه الزكاة. ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾ التَّيَمُّم: القَصْد والتَّعَمُّد، يقال: أمَمْتُه وتَيَمَّمْتُه وَتَأمَّمْتُه ويَمَّمْتُهُ، كله بمعنى: قصدته، قال الأعشى: تَيَمَّمْتُ قَيْسًا وكَمْ دُونَه ... من الأرضِ من مَهْمَهٍ ذي شَزَن (٤) وقال آخر: رَمَى بصُدُورِ العِيسِ مُنْخَرقَ الصَّبا ... فلم يَدْرِ شَخْصٌ بعدها أين يَمَّمَا (٥) أي: أين قَصَد، ويقال أيضًا: يممته الشيء، قال:

стр. 2253

يَمَّمْتُه الرُّمْحَ شَزْرًا ثم قلتُ له ... هَذِي المروة لا لعب الزحاليق (١) (٢) وقراءة العامة: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾ مخففة التاء، على حذف إحدى التاءين، وقرأ ابن كثير مشددة التاء على الإدغام (٣). قال أبو علي: والإدغام في هذا ينبغي أن لا يجوز؛ لأن المدغم يسكن، وإذا سكن لزم أن تجلب همزة الوصل عند الابتداء به، كما جلبت في أمثلة الماضي، نحو: ادّارأتم، وازينت، واطّيّر، وهمزة الوصل لا تدخل على المضارع، ألا ترى أن من قال في يترّس: اترس، لا يقول في المضارع: اتّرسون، بمعنى: تتترسون، ولا ايفكرون، في تتفكرون (٤)، وهذا يلزم أن يقوله من قال: ولا تيمّموا مشدّدة التاء، وفي ﴿يَمِينِكَ تَلْقَفْ﴾ [طه: ٦٩] ولا تدخل همزة الوصل على المضارع، قال أبو علي: وسألت أحمد بن موسى: كيف يبتدئ من أدغم؟ فقال كلامًا معناه: إنه يصير إذا ابتدأ إلى قول من خَفّف ويدعُ الإدغام. وأما التاء المحذوفة على قراءة العامة فقال هشام: هي الأولى من التائين، والفراء يقول: أيهما شئت أسقطت لنيابة الباقية عنها، وسيبويه لا يسقط إلا الثانية.

стр. 2254

قال ابن عباس جاء رجل ذات يوم بعذق حَشَف فوضعه في الصدقة فقال رسول الله ﷺ : "ما صنع صاحب هذا" فأنزل الله هذه الآية (١). وقال علي بن أبي طالب (٢). والحسن (٣) ومجاهد (٤): كانوا يتصدقون بشرار في ثمارهم ورُذَالة أموالهم، فأنزل الله هذه الآية (٥) ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾.

стр. 2255

يعني: الرديء من أموالكم (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قال الفراء: (أن) هاهنا في مذهب جزاء، يدلك عليه: أن المعنى: إن أغمضتم بعض الإغماض أخذتموه، وإنما فتحتها لأن إلا وقعت عليها، وهي في موضعِ خفضٍ، وإذا رأيت (أن) في الجزاء قد أصابها معنى خفض أو نصب أو رفع، انفتحت فهذا من ذلك، والمعنى، والله أعلم: ولستم بآخذيه إلا على الإغماض، أو بإغماض، وعن إغماض. قال: ومثله: قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] (٢). وأنكر المبرد ذلك، وقال: (أن) إذا كانت مع الفعل بمعنى المصدر كانت مفتوحة أبدًا على كل حال، وذلك نحو: أن تأتينى خير لك. والمعنى في الآية: ولستم بآخذيه إلا بإغماضكم فيه (٣). والإغْمَاضُ في اللغة: غَضُّ البصر (٤)، وإطباق جَفْنٍ على جَفْنٍ، قال رؤْبة: أَرَّقَ عَيْنِي عن الإِغْمَاضِ ... بَرْقٌ سَرَى في عَارِضٍ نهّاض (٥) وأصله من الغموض، وهو الخفاء، غمُض الشيء يَغْمُضُ غُموضًا، والإغْمَاضُ والغَمْضُ (٦): إطباق الجفن؛ لأنه إِخْفَاءُ العين، والغَمْضُ:

стр. 2256

المتطامن الخفي من الأرض (١). والمراد بالإغماض في الآية: التجويزُ والمساهلة، وذلك أن الإنسان إذا رأى ما يكره أَغْمَضَ عينه لئلا يرى ذلك، ثم كثر ذلك حتى جُعِلَ كلُّ تجاوز ومساهلة في البيع وغيره (٢) إغماضًا (٣). قال الطِّرِمَّاح في الإغماض بمعنى (٤) المساهلة: لم يَفُتْنا بالوِتْرِ قومٌ وللضيمِ ... رجالٌ يَرْضَونَ بالإِغْمَاضِ (٥) ويقال من هذا: اغمض لي في البياعة، أي: زدني لمكان ردائته، أو حُط لي من ثمنه (٦)، ومعنى قوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ يقول: أنتم (٧) لا تأخذونه إلا بِوَكْسٍ، فكيف تُعْطُونَه في الصَّدَقَةِ (٨).

стр. 2257

قال ابن عباس في رواية العوفي: لو كان لأحدكم على رجل حقٌّ فجاءه بهذا لم يأخذه إلا وهو يرى أنه قد أغمض له عن بعض حقه وتساهل فيه (١). وقال في رواية الوالبي: ولستم بآخذي هذا الرديء بحساب الجيد حتى تحطوا من الثمن (٢)، وبه قال الحسن (٣) وقتادة (٤)، وهذا القول يحمل على الإغماض إذا كان متعديًا إلى آخر، كما تقول: أغمضت بصر الميت وغَمَّضْتُه، كان المعنى: ولستم بآخذيه إلا إذا أغمضتم بصر البائع، يعني: أمرتموه بالإغماضِ والحطِّ من الثمن، فيكون المفعولُ محذوفًا في (٥) هذا (٦)، يدل على هذا المعنى: قراءة أبي مجلز ﴿تُغْمِضُوا﴾ فيه بضم التاء وفتح الميم (٧) يعني: إلا أن يُهضم لكم. قال صاحب "النظم": اختلف في نظم هذه الآية فريقان: أحدهما: زعم أن انتهاء الفصل الأول إلى قوله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ ثم ابتدأ خبرًا آخر في وصف الخبيث، فقال: (تنفقون منه) أي: من

стр. 2258

الخبيث تنفقون، ولا تأخذون منه إلا إذا أغمضتم، أي: ساهلتم. وقوله تعالى: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ الآخذون وصف وضع موضع الفعل، والمراد: لا تأخذون، كقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] أي: أم صَمَتُّم، فيكون تأويل هذا الفصل: تنفقون منه ولا تأخذونه إذا وجب لكم إلا بالإغماض. الفريق الثاني: أن انتهاء الفصل: ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾، فيكون (الذي) مضمرًا، كأنه قيل: ولا تيمموا الخبيث منه الذي تنفقونه، ولستم بآخذيه إلا بالإغماض (١)، والعرب قد تضمر (الذي) كما ذكرنا في قوله: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦]. قال المفسرون: وفي هذه الآية بيان أن الفقراء شركاء رب المال في ماله، فإذا كان ماله جيدًا فهم شركاؤه في الجيد، والشريك لا يأخذ الرديء من الجيد، إلا بالتساهل (٢). ٢٦٨ - قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ الفَقْرُ والفُقْرُ لغتان (٣)، وهو الضعف بقلة الملك، وأصل الفقر في اللغة: كسر الفَقَار، يقال: رجل فَقِرٌ وفَقِير: إذا كان مكسور الفَقَار (٤)، قال طرفة: إنَّنِي لَسْتُ بِمَوْهُونٍ فَقِرْ (٥)

стр. 2259

وقال لبيد: رَفَعَ القَوَادِمَ كالفَقِيرِ الأعْزَلِ (١) ولم يسمع من الفقر الذي هو ضد الغنى: فِعْل، إنما يُقَال: أَفْقَرَه الله فافتقر (٢). ومعنى الآية: أن الشيطان يُخَوِّفكم بالفقر، ويقول (٣) للرجل: أمسك مالك، فإنك (٤) أن تصدقت افتقرتَ (٥). والفحشاء: البخلُ ومنعُ الزكاة في هذه الآية، وروي عن مقاتل (٦) والكلبي (٧): أن كل فحشاء في القرآن فهو الزنى إلا في هذه الآية. قال الأزهري: والعَرَبُ تسمي البخيلَ فاحشًا، وأنشد لطرفة:

стр. 2260

أرَى المَوْتَ يَعْتَامُ الكِرَامَ ويَصْطفي ... عَقِيلةَ مَالِ الفَاحِشِ المُتَشَدّدِ (١) (٢) ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ﴾ أن يجازيكم على صدقتكم ﴿مَغْفِرَةً﴾ لذنوبكم، وأن يخلف عليكم (٣). ٢٦٩ - قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية. ابن عباس (٤) وقتادة (٥)، وأكثر المفسرين (٦) على أن المراد بالحكمة هاهنا: علم القرآن، والفهم فيه، والفقه في الدين. وقال السدي: هي النبوة (٧)، وقال مجاهد، في رواية ابن أبي نجيح (٨): هي الإصابة في القول والفعل (٩).

стр. 2261

قال المفضل: جماع الحكمة ما يَرُدُّ إلى الصواب (١)، ومضى الكلام في الحكمة، ومعناها وأصلها في اللغة (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: ما يتعظ إلا ذوو العقول، وإنما قيل: للاتعاظ: تَذَكُّر؛ لأنه ما لم يتذكر آيات الله وأوامره ونواهيه لم يتعظ، وإنما يتعظ بذكر ما يزجُره عن الفساد، ويدعوه إلى الصلاح، وذكرنا تفسير الألباب فيما تقدم (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ النذر: ما يلتزمه الإنسان لله بإيجابه على نفسه، يقال: نَذَر يَنذرُ وينذِر. قال جميل (٤): فلَيْتَ رِجَالًا فِيكِ قَدْ نَذَرُوا دَمِي ... وهَمُّوا بَقَتْلي يابُثَيْنُ لَقُونِي (٥)

стр. 2262

وأصله من الخوف، لأن الإنسان إنما يَعْقِدُ على نفسِهِ بالنذر خوفَ التقصير في الأمر المهم عنده (١). وهو في الشريعة على ضربين: مُفَسَّرٌ وغيرُ مُفَسَّرٍ. فالمفسر، مثل أن تقول: لله عليَّ عتقُ رقبة، ولله عليَّ حَجٌّ، وما أشبه هذا، فيلزمه الوفاء به لا يجزيه غير ذلك. وغيرُ المُفسَّر، أن يقول: نذرت لله أن لا أفعل كذا، ثم يفعله، أو يقول: لله عليّ نذر من غير تسمية، فيلزمه في ذلك كفارة يمين (٢)؛ لقول رسول الله ﷺ : "من نذر نذرًا وسَمَّى، فعليه ما سَمَّى، ومن نذر نذرًا ولم يُسَمِّ، فعليه كفارةُ يمين (٣) ". والمفسرون حملوا الإنفاق في (٤) هذه الآية على فرض الزكاة، والنذر على التطوع بالصدقة؛ لأن كل ما نوى الإنسان أن يتطوع به فهو نذر. ٢٧٠ - وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ أي: يجازي عليه (٥)، فدل بذكر العلم على تحقيق الجزاء، كما قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]. وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُهُ﴾ ولم يقل: يعلمهما (٦)؛ لأن الكناية عادت

стр. 2263

إلى الآخر منهما (١)، كقوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢] هذا قول الأخفش (٢). وقال غيره: الكناية عادت إلى ما في قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ لأنها اسم، كقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ (٣) [البقرة: ٢٣١]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ وعيد لمن أنفق في غير الوجه الذي يجوز له، من ربا، أو معصية، أو من مال مغصوب مأخوذ من غير وجهه (٤). والأنصار: جمع نصير، مثل: شريف وأشراف، وحبيب وأحباب (٥)، يعني: لا أحد ينصرهم من عذاب الله. ٢٧١ - قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ الآية. فنعما نزلت لما سألوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: صدقة السِّر أفضل أم صدقة (٦) العلانيهَ؟ (٧). والصدقة تطلق على الفرض والنفل، والزكاة لا تطلق إلا على الفرض.

стр. 2264

قال الزجاجي: أصل (١) صدق على هذا الترتيب موضوع للصحة والكمال، من ذلك قولهم: رجل صَدْقُ النظر، وصدق اللقاء، وصَدَقُوهم القتال، وفلان صادق المودة، وهذا خَلٌّ صادق الحُموضة، وشيء صادق الحلاوة، وَصَدَقَ فلانٌ في خبره، إذا أخبر به على الوجه الذي هو عليه صحيحًا كاملًا، والصَّدِيقُ سُمِّي صَدِيْقًا لِصِدْقِهِ في المَوَدَّة، والصَّدَاقُ سمي صَدَاقًا لأن عقد النكاح به يتم ويَكْمُل، وسَمَّى الله تعالى الزكاةَ صَدَقَةً لأن المال بها يَصِحُّ ويكْمُل، فهي سبب لكمال المال ونماه، كما أن الزكاة سميت زكاة لأن بها تزكو الأموال وتنمى وتزداد بأن يبارك الله فيها (٢). وقوله تعالى: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ فيه ثلاثة أوجه من القراءة (٣): أحدها: كسر النون وجزم العين، وهو قراعةُ أبي عمروٍ، واختيار أبي عبيد، قال: لأنها لغة النبي ﷺ ، حين قال لعمرو بن العاص (٤): "نِعْمّا

стр. 2265

بالمال الصالح للرجل الصالح" (١) هكذا روي في الحديث بسكون العين (٢)، وهذه القراءة لا تستقيم عند النحويين؛ لما فيها من الجمع بين ساكنين، الأول منهما ليس بحرف مدّ ولين، وإنما يجوز الجمع بين ساكنين إذا كان أحدهما حرف مدّ ولين، نحو: دابّة وشابّة؛ لأن ما في الحرف من المد يصير عوضًا من الحركة (٣). وأما ما ذكر أبو عبيد من أنها لغة النبي ﷺ ، فقال الزجاج: لا أحسب أصحاب الحديث ضبطوا هذا، ولا هذه القراءة جائز عند النحويين البتة؛ لأن فيها الجمع بين ساكنين مع غير حرف من مد ولين (٤). ومن احتج لأبي عمرو في هذه القراءة قال: لعله أخفى حركة العين، كأخْذِه بالإخفاء في نحو: بارئكم ويأمركم، فظن السامع الإخفاء إسكانًا،

стр. 2266

للطف ذلك في السمع وخفائه (١). وسمعت أبا الحسن القهندري ﵀ يحتج لقراءة أبي عمرو، يقول: إنه لم يُبال الجمع بين ساكنين؛ لقوة العين، وخفاء سكون الميم عند الإدغام إذ اللسان ينبو (٢) عن الحرف المدغم نبوة واحدة، ولا يظهر سكون المدغم (٣). الوجه الثاني من القراءة في هذا الحرف: (فنِعِما هي) بكسر النون والعين، قالوا: كسر العين اتباعًا لكسرة الفاء، فرارًا من الجمع بين ساكنين، فأتبع العين الفاء في الكسرة، هذا قول أكثرهم، وقال أبو علي الفارسي: لا يجوز أن تكون هذه القراءة ممن قال: نِعْم، فلما أدغم حرك العين، كما يقول ﴿يَهْدِي﴾ [يونس: ٣٥]، يتحرك الهاء إذا أدغمت التاء في الدال، وأنكر قول من قال: إن العين كسرت اتباعا للفاء (٤)، وقال: هذا لا يجوز في حرفين، وإنما جاز في يهدّي لأنه حرف واحد، ألا ترى أنه لا يجوز في قولك: هذا قرْم (٥) مالك، أن تدغم الميم في الميم ويحرك الراء،

стр. 2267

وكذلك: جسم ماجد، لا يجوز فيه الإدغام لما فيه من الجمع بين ساكنين، ولأنهما حرفان منفصلان، ولكن هذه القراءة على لغة من يقول في نعْم نِعِم. (١) وفي (نعم) أربع لغات: أحدها: نَعِم بفتح النون وكسر العين، وهو الأصل. والثاني: نِعِم بكسر النون والعين، أتبعوا الأول الثاني؛ لأن الكسرة أشبه بحروف الحلق. والثالث: نَعْمَ بفتح الأول وإسكان (٢) الثاني، فعلوا ذلك أيضًا تخفيفًا، وهكذا القول في بئس، وقد مضى الكلام فيهما عند قوله: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩٠] بما فيه مقنع (٣). قال سيبويه: أما قولُ بعضهم في القراءة ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ فَحَرَّك العين، فليس على لغة من يقول: نِعْمَ ما، فأسكن العين، ولكن على لغة من قال: نِعِم فحرك العين. وحدثنا أبو الخطاب (٤): أنها لغة هُذيل (٥)، ولو كان الذي قال: نعمّا، ممن يقول في الانفصال: نِعْمَ، لم يجز الإدغام على قوله، لما يلزم

стр. 2268

من تحريك الساكن في المنفصل (١). الوجه الثالث من القراءة: (نَعِمّا هي) بفتح النون وكسر العين، ومن قرأ بهذه القراءة فقد جاء بالكلمة على أصلها، وهو نَعِمَ كما قال طرفة: نَعِمَ السَّاعُونَ في الأمْرِ المُبِرْ (٢) ولا يجوز أن يكون ممن يقول: نَعْم قبل الإدغام، كما أن من قرأ: ﴿نِعِمَّا﴾ لا يكون ممنْ قال قبل الإدغام نِعْمَ، ولكن قارئ الوجه الثالث ممن يقول: نَعِم، فجاء بالكلمة على أصلها (٣). فأما (ما) في قوله: ﴿فَنِعِمَّا﴾ قال أبو إسحاق: (ما) في تأويل الشيء، أي: نعم الشيء هي (٤)، فعلى هذا (ما) تكون في محل الرفع. وقال أبو علي: الجيد في تمثيل هذا: أن يقال: (ما) في تأويل شيء؛

стр. 2269

لأن (ما) هنا: نكرة فتمثيله بالنكرة أبين، والدليل على أن (ما) نكرة هنا: أنها لا تخلو من أن تكون معرفة أو نكرة، فإن كانت معرفة فلا بُدّ لها من صلة، وليس هنا (ما) توصَل به (ما) (١)، ألا ترى أن الذي بعدها اسم مفردٌ، وهو هي، والاسم المفرد لا يكون صلة لـ (ما) (٢)، وإذا كانت غير موصولة كانت منكورة، وإذا كانت منكورةً كانت منصوبةً، فـ (ما) في نعما بمنزلة سائر النكرات التي تنتصب في هذا الباب، فإن قلت: أرأيت (ما) إذا لم تكن موصولة هل تخلو من أن تكون موصوفة، وعلى هذا ما (٣) يذهب إليه فيها لا تكون موصوفة أيضًا؛ لأنه ليس في هذا الكلام ما يصح أن يكون وصفًا لها؟ قلنا: لا تكون هنا موصوفة، كما لم تكن في التعجب في قولنا: ما أحسن زيدًا، موصوفةً ولا موصولة (٤). والمعنى في قوله: ﴿فَنِعِمَّا هِىَ﴾ أن في نعم ضميرُ الفاعل، و (ما) في موضع نصب، وهي تفسير الفاعل المضمر قبل الذكر، والمخصوص بالمدح بقوله: (نعم) هو. (هي) في قوله: ﴿فَنِعِمَّا هِىَ﴾ والمعنى: إن تبدوا الصدقات فيكم (٥) فنعم شيئًا إبداؤُها، وليس المعنى على أنه: إن تبدوا الصدقات فَنِعْمَ شيئًا الصدقات، إنما هو في الإظهار والإخفاء، وترجيح أحدهما على الآخر، وتعليمنا أيهما أصلحُ لنا وأفضلُ، فكما أن قوله:

стр. 2270

﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ المعنى فيه: فالإخفاءُ خيرٌ لكم، كذلك قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ المعنى فيه: فنعم شيئًا إبداؤها، فالإبداء هو المخصوص بالمدح، إلا أن المضاف الذي هو الإبداء حُذِفَ، وأقيم المضاف إليه الذي هو ضمير الصدقات مقامه، فعلى هذا قوله: ﴿هِيَ﴾ في محل الرفع (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الإخفاء: نقيض الإظهار، والخِفَاء: الغِطَاء، والخفيّة: عَرِينُ الأسد، لأنه يَخْتَفِي فيها. والخوافي من الريش ما دون القوادم؛ لأنها تخفى بها (٢). وقوله تعالى: ﴿فَهُوَ﴾ كناية عن الإخفاء، لأن الفعل يدل على المصدر، أي: الإخفاء خير لكم (٣)، وإنما كان الإخفاء والله أعلم خيراً؛ لأنه أبعدُ من أن يشوب الصدقة مُراءاةٌ للناس، وتصنعٌ لهم، فتخلص لله سبحانه (٤). فأما التفسير، فأكثر المفسرين على أن المراد بالصدقات في هذه الآية التطوّع لا الفرض؛ لأن القرض إظهاره أفضل من كتمانه، والتطوع كتمانه

стр. 2271

أفضل، لأنه أبعد من الرياء، كما تقول في الصلاة، فإن فرض الصلاة (١) تؤدى في الجماعة ظاهرًا، وهو أفضل، والتطوع كتمانه أفضل (٢)، وهذا القول مرويٌّ عن ابن عباس (٣). وقال بعضهم: المراد بالصدقات، هاهنا، القرض، وكان كتمانه على عهد رسول الله ﷺ أفضل، لأن المسلمين إذ ذاك لم تكن تسبق إليهم ظِنَّةٌ في منع الواجب، فأما اليوم والناس يسيئون الظن فإظهار الزكاة أحسن، أما التطوع فإخفاؤه أحسن، فإنه أدلّ على أنه يراد به الله وحده، وهذا اختيار الزجاج (٤). وقال بعضهم: هذه الآية عامة في الصدقات والزكاة، والإخفاء في كل صدقة من زكاة وغيرها أفضل. وهذا قول الحسن (٥) وقتادة (٦). وقوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ التكفير في اللغة: التغطية والستر، ورجل مُكَفَّرٌ في السلاح: مُغَطَّى فيه، ومنه، يقال: كفّر عن يمينه، أي: ستر ذَنْبَ الحِنْثِ بما بَذَلَ من الصدقة، والكَفَّارة الساترة لما

стр. 2272

حصل من الذنب (١). والرفع (٢) في (يكفر) من وجهين: أحدهما: أن يجعله خبرَ مبتدأ محذوف، تقديره: ونحن نكفر. والآخر: أن تستأنف الكلام وتقطعه مما قبله، ولا تجعل العاطف للإشراك، ولكن لعطف جملةٍ على جملةٍ، ومن هذا القبيل قوله: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ [المرسلات:١٦ - ١٧] هو عطف جملة مستأنفة على معنى: نحن نفعل ذلك. ومن قرأ: (ونكفر) بالنون والجزم، فوجهه: أن يُحْمَلَ الكلام على موضع قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وموضِعُه جَزْمٌ، ألا ترى أنه لو قال: وإن تخفوها تكن أعظم لأجركم، لجزم، فقد علمتَ أن قولَه: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في موضع جزم، ومثله في الحمل على الموضع: قراءة من قرأ: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٨٦]، بالجزم، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. ومن الحمل على المعنى قول أبي دؤادٍ: فَأَبْلُونِي بَلِيَّتَكُم لَعَلِّي ... أُصَالِحْكُم وأَسْتَدْرِجْ نَوِيَّا (٣)

стр. 2273

واختلفوا في الياء والنون في (نكفّر) فمن قرأ بالياء، فلأن ما بعده على لفظ الإفراد، فيُكَفِّر أشبه بما بعده من الإفراد منه بالجمع، ومن قرأ بالنون على لفظ الجمع، فإنه أتى بلفظ الجمع، ثم أفرد بعد، كما أتى بلفظ الإفراد ثم جمع، في قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾. ثم قال: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ (١) [الإسراء: ١ - ٢]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أدخل (من) للتبعيض؛ ليكون العباد فيها على وجل ولا يتكلوا (٢). وقال ابن الأنباري: (من) هاهنا توكيد للكلام، والتقدير: ويكفر عنكم سيئاتكم، فأكد (٣) الكلام بمن كما قال: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [محمد: ١٥]. وقال عطاء عن ابن عباس: (من) هاهنا صلة للكلام، يريد: جميع سيئاتكم (٤).

стр. 2274

٢٧٢ - قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ الآية. نزلت هذه الآية حين جاءت قُتيلة (١) أم أسماء بنت أبي بكر (٢) إليها تسألها، وكذلك جَدّتها، وهما مشركتان (٣)، أتتا أسماء تسألانها شيئًا، فقالت: لا أعطيكما حتى أستأمر رسول الله ﷺ ، وإنكما لستما على ديني، فاستأمرته في ذلك، فأنزل الله في هذه الآية، وأمرها رسول الله ﷺ أن تتصدق عليهما (٤). والمعنى: ليس عليك هدى من خالفك فتمنعهم الصدقة ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها. وأراد بالهدى هاهنا: هدى التوفيق وخلق الهداية؛ لأنه كان على رسول الله ﷺ هدى البيان والدعوة لجميع الخلق (٥)،

стр. 2275

﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ قال ابن عباس: يريد: أولياءه (١). ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ أي: من مالٍ (٢) وهو شرط وجوابه ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ (٣). ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ ظاهره خبر، وتأويله نهي، أي: ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله، فلما لم يجئ بلا وجاء بما صرفه عن وجه الجزم؛ لأن (ما) لا ينهى بها وإن كان جحدًا، وعادتهم في النهي أن يكون بـ لا، والخبرُ في النفي يأتي والمراد به النهي، كقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]. ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] وفي الإثبات يأتي والمراد به الأمر، كقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وكقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] (٤). وأجرى كثير من أهل المعاني هذا على ظاهر الخبر (٥)، قال الزجاج: هذا خاص للمؤمنين، أعلمهم الله أنه قد علم أنهم يريدون بنفقتهم ما عند الله (٦). وقال غيره: المراد بهذا نفي المنّ، يقول: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ

стр. 2276

وَجْهِ اللَّهِ﴾ فلا تَمُنُّوا به، إذ كان (١) ما تنفقون لأنفسكم من حيث هو ذخر لكم، ولابتغاء وجه الله الذي يُوفَّرُ به الجزاءُ لكم، فهو من كلِّ جهةٍ عائدٌ عليكم. وقال صاحب النظم: قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ حالٌ متوسط بين الجزاءِ والشرط، تأويله: وما تنفقوا من خير، وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله، أي: إذا أنفقتم على هذه الحال فلأنفسكم، كما تقول في الكلام: ما تفعل من خير، ولا تفعله إلا لله، فهو مقبولٌ منك. وقال بعضهم: القصد بقوله (٢): ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ أن يُعَلِّمَهُم التعميمَ بالإنفاق والصِّلَة، يقول: أنتم ما تنفقون (٣) أموالكم إلا ابتغاء وجه الله، فلا (٤) يضركم أن تبتغوا وجه الله بالإنفاق على المشركين، مثاله: قولك لمن تنصحه (٥): إن قصدك بالمعروف الثواب فلا تخصص به أولياءك دون أعدائك، فيستفاد من هذا تعليم التعميم، وتعليم كيفية القصد في الإعطاء. قال أهل العلم: وهذا في صدقة التطوع، أباح أن يتصدق على المليّ والذمي، فأما صدقة القرض فلا تجوز إلا للمسلمين (٦). وفي ذكر الوجه في قوله: ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ قولان:

стр. 2277

أحدهما: أن المراد منه تحقيق الإضافة؛ لأن ذكر الوجه يرفع الإبهام أنه له ولغيره، وذلك أنكَ لمَّا ذكرتَ الوجه ومعناه النفس، دل على أنك تصرِف الوهم عن الإشراك إلى تحقيق الاختصاص، فكنت بذلك محققًا للإضافة ومزيلًا لإبهام الشركة. القول الثاني: أنك إذا قلت: فعلته لوجه زيد، كان أشرفَ في الذكر من: فعلتُه له، لأن وجه الشيء في الأصل أشرف ما فيه، ثم كثر حتى صارَ يدل على شرف الذكر في الصفة فقط من غير تحقيق وجه، ألا ترى أنك تقول: وجه الدليل كذا، وهذا وجه الرأي، ووجه الأمر، فلا تريد تحقيق الوجه، وإنما تريد أشرف ما فيه، من جهة شدةِ ظهورِهِ وحسن بيانه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ أي: يوفِّر لكم جزاءه، قال ابن عباس: يريد: يجازيكم في الآخرة (١). وإنما حسن ﴿إِلَيْكُمْ﴾ مع التوفية؛ لأنها تضمنت معنى التأدية (٢). ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئًا، كقوله تعالى: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]، يريد: لم تنقص (٣) (٤). ٢٧٣ - قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ﴾ الآية. قال المفسرون: هؤلاء فقراء المهاجرين، كانوا نحوًا من أربعمائة رجل، لم يكن لهم مساكنُ بالمدينة ولا عشائر، حثّ الله الناس (٥) على الإنفاق

стр. 2278

عليهم، فكان (١) مَن عنده فضل أتاهم به إذا أمسى (٢). واللام في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ متعلق بمحذوف، تأويله: هذه الصدقات، أو النفقة للفقراء، وقد تقدَّم ما يدل عليه؛ لأنه قد سبق ذكر الإنفاق والصدقات. قال ابن الأنباري: وهذا كما تقول: عاقل لبيب، إذا تقدم وصف رجل، والمعنى: الموصوف عاقل لبيب (٣) وكذلك كتبوا على الأكياس: ألفان ومائتان، والمعنى: الذي في الكيس ألفان، وأنشد: تَسْألُنِي عن بَعْلِها أيُّ فَتَى ... خَبٌّ جَزُوعٌ وإذا (٤) جَاعَ بَكَى (٥) أراد: هو خَبٌّ، فَحَذَف المبتدأ وأبقَى خبره. وكثير من الناس قالوا: هذه اللام مردودة على موضع اللام من قوله: ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ كأنه قال: وما تنفقوا من خير فلأنفسكم، للفقراء، فأبدل الفقراء من الأنفس (٦)، وهذا غلط؛ لأن بدل الشيء من غيره لا يكون إلا والمعنى مشتمل عليه، وليس كذلك ذكر النفس هاهنا؛ لأن (٧) الإنفاق لها

стр. 2279

من حيث هو عائد عليها، وللفقراء من حيث هو واصل إليهم، وليس من ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] لأن الأمر لازم للمستطيع خاصة. ولا يجوز أيضًا أن يكون العامل في هذه اللام (تنفقوا) إلا الأخير في الآية المتقدمة؛ لأنه لا يفصل بين العامل والمعمول فيه بما ليس منه، كما لا يجوز: كانت زيدًا الحُمّى تأْخُذُ (١). وقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الإحصار في اللغة: أن يعرِضَ للرجل ما يحول بينه وبين سفره، من مرض أو كسر أو عدوٍّ أو ذهابِ نفقةٍ أو عَطَبِ رِكَابٍ، أو ما جرى مجرى هذه الأشياء. يقال: أُحْصِرَ الرجل فهو مُحْصَر، ومضى الكلام في معنى الإحصار عند قوله: ﴿فَإِنْ أحُصِرتُم﴾ [البقرة: ١٩٦] بما يغني عن الإعادة. فأما التفسير، فقد فسرت (٢) هذه الآية بجميع الوجوه والأعذار (٣) التي ذكرنا في معنى الإحصار، فقال قتادة: حبسوا أنفسهم في سبيل الله، أي: في طاعته للغزو، فلا يتفرغون إلى طلب المعاش (٤)، وبقريب (٥) من

стр. 2280

هذا القول قال ابن زيد، لأنه يقول: من كثرة ما جاهدوا صارت الأرض كلُّها حربًا عليهم، لا يتوجهون جهةً إلا ولهم فيها عدو (١)، فهذا القول كالأول، من حيث إن خوف العدو منعهم عن السفر، إلا أن الخوف في هذا القول على أنفسهم لو خرجوا، وفي الأول على بيضة الإسلام بقوة العدو واستيلائهم (٢) لو خرجوا لطلب المعاش. وقال سعيد بن المسيب (٣): هؤلاء قوم أصابتهم جراحات مع رسول الله، وصاروا زَمْنَى، فأحصرهم المرض والزمانة عن الضرب في الأرض (٤)، فعلى هذا القول هم محصرون (٥) بالمرض والزمانة، وهذا القول اختيار الكسائي (٦)؛ لأنه يجعل الإحصار من الخوف والمرض. وقال ابن عباس، في رواية عطاء: هؤلاء قوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد في سبيل الله، فعذرهم الله، فقال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ يريد: الجهاد (٧)، وعلى
следующие страницы →