← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

الشعر، فمما (١) جاءت ألف (أنا) مثبته فيه وصلًا من الشعر قول الأعشى: فكَيْفَ أنا وانْتِحَالِي القَوافي ... بعيد المَشِيبِ كَفَى ذاكَ (٢) عارَا (٣) وما أنشده الكسائي: أنا شَيْخُ العَشِيرةِ فاعرِفُوني ... حَمِيدٌ قد تَذَرَّيْتُ السَّنَاما (٤) وقول آخر: أنا عبيد الله يَنْمينِي عُمَر خَيْرُ قُرَيْشٍ مِنْ مَضَى ومَنْ غَبَر (٥) (٦)

стр. 2207

وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾، إنما انتقل إبراهيم من الحجة الأولى مع إمكانه أن يناقضه بأن يقول له: أحيي من قتلته إن كنت صادقًا، قطعًا للخصومهَ، وتركًا للإطالة، واحتجاجًا بالحجة المسكتة، لأن عدوّ الله لما لبس في الحجة بأن قال: أنا أفعل ذلك، احتج عليه إبراهيم بحجة لا يمكنه فيه (١) أن يقول: أنا أفعل ذلك، ولو قال ذلك بان عجزه وافتضاحه، ولزمه من الحجة ما لا سبيل إلى التدليس فيه، وصار كلام إبراهيم ﵇ قدوةً للمجادِل إذا تمرَّد الخصمُ (٢) وقصدَ التلبيسَ بالمحالِ، وكان الإدلاء في الحجة الأخرى مما يقطعه ويفحمه فالصواب ذكرها، ولا يكون تركُ الأُولى انتقالًا لعجز، ولكه تنبيهٌ على قِلةِ عَقْلِ الخصم، أو على تعسفه في الكلام (٣). فإن قيل: كان للنمرود أن يقول لإبراهيم: فليأت بها ربك من المغرب، قيل: علم بما رأى من الآيات أنه يفعل فيزداد (٤) فضيحةً؛ لأن هذه المحاجة (٥) كانت مع إبراهيم بعد إلقائه في النار، وخروجه منها سالمًا، فعلمَ أنَّ من قَدَرَ على حفظ إبراهيم في تلك النار العظيمة من الاحتراقِ، يَقْدِرُ على أن يأتي بالشمس من المغرب، وقيل: إن الله تعالى خذله عن التلبيس (٦) بالشبهة نصرة لنبيه.

стр. 2208

وقوله تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ يقال: بَهَتَه يَبْهَتُه بَهْتًا وبُهْتانًا: إذا واجهه بالكذب عليه، هذا هو الأصل، ثم تُسمَّى الحَيْرةُ عند استيلاء الحجة بُهْتًا لأنها كحيرة المواجَه بالكذب، وفيه ثلاث لغات: بُهِت الرجل فهو مبهوت، وبَهِت، وبَهُتَ، قال عروة العذري (١): فما هو إلا أن أرَاهَا فُجاءةً ... فَأُبْهَتُ حَتّى ما أكادُ أُجِيْبُ (٢) أي: أتحير وأسكت (٣). وتأويل قوله (٤): فبهت أي: انقطع وسكت (٥). ٢٥٩ - قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ﴾ الآية. قد ذكرنا أن هذه الآية معطوفة على ما قبلها في المعنى، كأنه قيل: أرأيت (٦) كالذي حاج، أو كالذي مر (٧)، والعرب تحمل على المعاني كثيرًا (٨)، قال الفرزدق:

стр. 2209

فكيْفَ بلَيْلَةٍ لا نَجْمٍ فيها ... ولا قَمَرٍ لسَاريهَا مُنِيرِ (١) أراد: فكيف بليلة ليست بليلة نجم ولا قمر، وقال آخر: وَجَدْنَا الصَّالِحِينَ لَهُم جَزَاءً ... وجَنَّاتٍ وعَيْنًا سَلْسَبِيلًا (٢) فنصب الجنات بالنسق على الجزاء وجنات وعينا (٣)، وقال آخر: مُعَاوِيَ إنَّنا بَشَرٌ فاسْجَحْ ... فلَسْنَا بالجِبَالِ ولا الحَدِيدَا (٤) أراد: فلسنا الجبال والحديد (٥)، فحمل على (٦) المعنى وترك اللفظ. وذهب أبو الحسن الأخفش إلى أن الكاف زائدة، وعطف الذي على الذي من قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي﴾ (٧) والقول الأول اختيار أبي علي، وهو وجه

стр. 2210

حسن (١). واختلفوا في الذي مَرَّ. فقال قتادة (٢) والربيع (٣) وعكرمة (٤) والضحاك (٥) والسدي (٦): هو عزير (٧). وقال وهب (٨) وعطاء عن ابن عباس (٩): هو أرميا؟ وهو الخضر. وقال مجاهد: هو رجل كافر (١٠) شك في البعث (١١). وقوله تعالى: ﴿عَلَى قَرْيَةٍ﴾ قال وهب (١٢) وعكرمة (١٣) وقتادة (١٤)

стр. 2211

والربيع (١): إيليا، وهي بيت المقدس. وقال (٢) ابن زيد: هي القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت (٣). وقوله تعالى: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ قال أبو عبيد عن أبي زيد والكسائي: خَوَت الدار (٤) تَخْوِي خُوُيًّا، إذا خلت، قال الكسائي: ويجوز: خويت الدار (٥). الأصمعي: خَوَى البيتُ فهو يَخْوِي خَوَاءً، ممدود، إذا ما خلا من أهله (٦). والخَوَى: خُلُوّ البطن من الطعام، وأصل معنى هذا الحرف: الخُلوّ. ومن هذا ما ورد في الحديث أن النبي ﷺ كان إذا سجد خَوَّى (٧) أي: أخلى ما بين عَضُدَيْهِ وجَنْبَيْهِ وبَطْنِهِ وفَخِذَيْه، وخَوَاءُ الفرس: ما بين قوائمه، وخَوَاءُ الأرض: بَرَاحُها (٨) قال أبو النَّجْم يصف فرسًا طويلًا: يَبْدُو خَوَاءُ الأرْضِ من خَوَائِه (٩)

стр. 2212

ثم يقال للبيت إذا سَقَطَ وتَهَدَّم: خوي؛ لأنه بِتَهَدُّمه يَخْلُو من أهله، وكذلك خَوَتِ النجوم وأَخْوَت: إذا سَقَطت ولم تمطر؛ لأنها خَلَتْ من المطر (١). والعَرْشُ: سَقْفُ البيت، والعُرُوش: الأَبْنِيَة، والسُّقُوفُ من الخَشَب، يقال: عَرَشَ الرجلُ يَعْرِشُ ويَعْرُشُ، إذا بنى بناءً من خَشَبٍ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ أي: متهدِّمة ساقطة خراب، قاله ابن عباس (٣) والربيع (٤) والضحاك (٥). ومعنى: ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ أي: حيطانها كانت قائمة، وقد تهدمت سقوفها ثم انقعرت (٦) الحيطان من قواعدها، فتساقطت على السقوف المتهدمة (٧). ومعنى الخاوية: بمعنى المنقعرة وهي المنقلعة من أصولها، يدلك على ذلك قوله تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]. وقوله تعالى في موضع آخر: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] وهذه الصِّفَةُ في خراب المنازل من أبلغ ما يوصف به. قال الأزهري: وإنما قيل للمنقعر: خاو؛ لأن الحائط إذا انقلع خَوِي

стр. 2213

مكانه، أي: خلا منه، فيقال: خَوِي البيت، أي: خلا عن الجدار، ثم يقال: خَوِي الحائط: إذا تهدّم (١). وقال بعضهم ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ أي: خالية عن عروشها لتهدمها، جعل (على) بمعنى عن كقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢)﴾ [المطففين: ٢] أي: عنهم. وقوله تعالى: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ قال وهب: إن بُخْتَنَصّر دخل هو وجنوده بيت المقدس، وقتل بنى إسرائيل حتى أفناهم وسبى ذرارِيَهم، وخرب بيت المقدس، فلما رجع إلى بابل ومعه سبايا بني إسرائيل أقبل أَرْمِيا على حمار له، معه عصير عنب في زُكرة (٢) وسلة تين، حتى غشي إيليا، فلما وقف عليها ورأى خرابها قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (٣). ومن قال: المار عزير، قال: هذا من قوله (٤). وفي قول مجاهد قوله: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يكون إنكارًا للبعث؛ لأنه جَعَل المارَّ كافرًا، وعلى قول غيره: لا يكون إنكارًا للبعث، ولكن تأويله: أنه أحب أن يزداد بصيرة في إيمانه، فقال: ليت شِعْرِي كيف يحيي الله الأموات (٥)؟ كما قال إبراهيم: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾

стр. 2214

[البقرة: ٢٦٠] والمراد بإحياء القرية: عمارتها (١). وقال آخرون: إنه لما رأى خلاءها (٢) من السكان وتهدم أبنيتها استبعد أن يعمرها الله، لا منكرًا للقدرة، ولكن متعجبًا منها لو كانت (٣). ومعنى أنى: من أين، كقوله: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧] يعني: من أين يفعل الله ذلك، على معنى: أنه لا يفعله. فأحب الله تعالى أن يُرِيَه آيةً في نفسه، وفي إحياء القرية، فأماته الله مائةَ عَامٍ. قال وهبٌ: ربط أرميا حمارَه بحبل جديد، فألقى الله عليه النوم، فلما نام نزع الله منه الروحَ مائة عام، وأماتَ حماره، وعصيرُه وتِيْنُه عنده، وأعمى الله سبحانه عنه العيون، فلم يَرَهُ أحدٌ، وذلك ضُحَى، ومنع اللهُ السباعَ والطيرَ لحمَه، فلما مضى من موته سبعون سنة أرسل الله مَلَكًا إلى ملك (٤) من ملوك فارس عظيم، يقال له: نوشك، فقال: إن الله يأمرك أن تنفر بقومك فَتَعْمُر بيتَ المقدس وإيليا وأرضَها حتى تعودَ أَعْمَر ما كان، فانتدب الملك لعمارتها، وأهلك الله بُخْتَنَصّر، ورَدّ من بقي من بني إسرائيل إلى بيت المقدس، فعمروها ثلاثين سنة، وكثروا حتى كانوا على أحسن ما كانوا عليه، فلما مضت المائة أحيا الله منه عينيه، وسائرُ جسدِه ميت، ثم أحيا جسدَه وهو ينْظُر، ثم نظر إلى حماره فإذا عظامه بيض متفرقة (٥) تلوح، فسمع صوتًا من السماء: أيتها العظام البالية، إن الله يأمرك أن تكتسي

стр. 2215

لحمًا وجلدًا، فكان كذلك، ثم قام بإذن الله تعالى ونهق، فذلك قوله: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾ فيه وجهان من القراءة: الإدغام، والإظهار (٢). فمن أظهر فلتباين المخرجين، وذلك أن الظاءَ والذالَ والثاءَ من حَيِّز، والطاءَ والدالَ والتاءَ من حَيِّز، فلما تباين المخرجان واختلف الحَيِّزَان لم يُدْغِم. ومن أدغم: أجراهما مجرى المثلين، من حيث اتفق الحرفان في أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا، واتفقا في الهمس، ورأى الذي بينهما من الاختلاف في المخرج خلافًا يسيرًا. فأدغم، أَجْراهما مجرى المِثْلين، ويقوي ذلك اتفاقُهم في الإدغام في سِتٍّ، ألا ترى أن الدالَ أُلْزِمَتْ الإدغامَ في مقَارِبِهِ وإن اخْتَلَفَا في الجَهْرِ والهَمْس (٣).

стр. 2216

(وكم) ههنا: استفهام عن مبلغ العدد الذي لبث، ومعناه: كم أقمت ومكثت هاهنا؟ (١). قال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، وذلك أن الله أماته ضحى في أول النهار؟ وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس، فقال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾ وهو يرى أن الشمس قد غربت، ثم التفت فرأى بقيةً من الشمس، فقال: أو بعض يوم، جاء (٢) بمعنى: بل بعض يوم؛ لأنه رجعَ عن قوله: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾ (٣). ﴿قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾. العام (٤) -وجمعه أعوام-: حولٌ يأتي على شتوة وصيفة، قيل: إن أصله من العوم، الذي هو السِّباحة؛ لأن فيه سَبْحًا طويلًا لما يمكن من التصرف فيه (٥). ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ﴾ يعني: التين ﴿وَشَرَابِكَ﴾ يعني: العصير (٦). ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: لم يتغير ولم ينتن بعد

стр. 2217

مائة سنة (١). وقال أبو عبيدة: لم يأت عليها السنون فيتغير، يريد: أن مر السنين عليه لم يغيره. وفيه قراءتان: إحداهما: إثبات الهاء في الوصل، والأخرى: حذفها، ولا اختلاف في إثباتها في الوقف (٢). وأصل هذا الحرف، من السنه، والسَّنه مترددة (٣) بين أصلين: أحدهما: سَنَوَة، والآخر: سَنَهَة (٤)، فالذي يدل على أن أصلها سنوة، قولهم في الاشتقاق منها: أَسْنَتَ القومُ، إذا أصابتهم السَّنَةُ، وينشد قوله: ورِجَالَ مَكَّةَ مُسْنِتُون عِجَافُ (٥)

стр. 2218

وقولهم في جمعها: سَنَوات، وفي الفعل منها: سَانَيْتُ الرجل مُسَانَاةً، إذا عامَلْتَه سَنَةً سَنَةً، قال لبيد: وسَانَيْتُ مِن ذِي بَهْجَةٍ وَرَقْيتُه ... عليه السُّموط عابِسٍ مُتَعصِّب (١) يقال: سَانَيْتُ الرجلَ أي: رَاضَيْتُهُ وأَحْسَنْتُ مُعَاشَرَتَه، ومعناه: عَامَلْتُه مُعَاملةَ من كأنه يريد صحبةَ السنين؛ لأن طولَ الصحبة بحسن (٢) العشرة، وقولهم في التصغير: سُنَيه، فمن حذف الهاء أخذه من التَّسَنِّي، بمعنى التغير من السنه، على أن أصلها سنوة، فيكون المعنى: فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتغير لما أتى عليه من طول الأيام، ألا ترى أن تطاول الأيام على العصير يُغَيِّرُهُ خَمْرًا أو خَلّا (٣). وعند الفراء: يجوز أن تكون أصل سنة: سننه (٤)، قال: لأنهم قد قالوا في تصغيرها: سُنَيْنَة، وإن كان ذلك قليلًا، فعلى هذا يجوز أن يكون: لم يَتَسَنَّ، لم يَتَسَنَّنْ، فَبُدِّلَتِ النونُ ياءً لما كثرت النونات، كما قالوا: تَظَنَّيْت (٥)، وكقول العجاج: تَقَضِّيَ البَازِي إذا البَازِي كَسَرْ (٦)

стр. 2219

ووجه آخر لمن حذف الهاء ذكره الفراء (١) وأبو عمرو الشيباني (٢) (٣) وهو: أن يكون مأخوذًا من قوله تعالى: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] يريد: متغير، فيكون قد بُدِّلَتْ نُونُه ياءً على ما ذكرنا (٤). واعترض الزجاج على هذا، وقال: هذا ليس من ذاك (٥)؛ لأن مسنون إنما هو مصبوب على سُنَّةِ الطريق (٦). قال أبو علي الفارسي: قد حكي عن أبي عمرو الشيباني أنه قال (٧): لم يتسن: لم يتغير من قوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] وأبدل من النون ياءً فإن كان هذا ثابتًا (٨) عن أبي عمرو وقاله على (٩) جهة الاستنباط من قوله: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ فهو خلاف ما فسره أبو عبيدة، لأنه يقول:

стр. 2220

المسنون: المصبوب (١)، وإن قال ذلك (٢) من حيث رواه وسمعه، فذاك على أنه يجوز أن يكون قوله: (لم يتسن) ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ بمعنى مصبوب، فيكون (لم يتسن) بمعنى: لم يَتَصَبَّبْ، أي: أن الشراب على حاله وكما تركته لم يَتَصَبَّبْ، وقد أتى عليه مائة عام، والسَّنُّ في اللغة: هو الصَّبُّ وإن لم يكن على سُنَّةِ الطَّريق، قال: تُضَمَّرُ بالأصائلِ كلَّ يَوْمٍ ... تُسَنُّ عَلَى سَنَابِكِها قُرُون (٣) أي: تُصَب عليها دُفَعٌ من العرق (٤). فعلى ما ذكرنا من هذه الأوجه الهاء تكون للوقف، فينبغي أن تُلْحَقَ في الوقف، وتسقط في الدَّرْج. وأما من أثبت الهاء في الوصل فإنه يجعل اللام في السنة الهاء (٥)، فيقول: إنها في الأصل سَنَهَة، وتصغيرها سُنَيْهَة، ويحتج بقولهم: سَانَهَتِ النخلةُ، بمعنى: عَاوَمَتْ، وآجَرْتُ الدارَ مُسَانهة، وأنشد الفراء:

стр. 2221

ليْسَتْ بِسَنْهَاءَ ولا رُجْبِيَّةٍ ... ولكن عَرَايَا في السِّنين الجَوَائِحِ (١) ويكون التَّسَنُّهُ بمعنى التغير، فعلى هذا من وقف بالهاء وقف على لام الفعل، وإذا وصل بالهاء كان بمنزلة: لم يَتَّقهِ زيد، ولم يجبهُ عمرو (٢). قال الأزهري: وأحسن الأقاويل في السنة: أن أصلها سَنَهَة، نَقَصُوا الهاء منها كما نقصوها من الشَّفَة، ولأن الهاء ضاهت حروف اللين التي تنقص. والوجه: أن يُقْرَأ بالهاء في الوقف والإِدراج (٣)، وهو اختيار أكثر القراء.

стр. 2222

قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: إنه نظر إلى التين فإذا هو كما اجتناه، ونظر إلى العصير فإذا هو كهيئته لم يتغير (١). فإن قيل: ذكر شيئين وأخبر عن أحدهما أنه لم يتغير؟ قيل: التَّغَيُّرُ راجعٌ إلى أقرب اللفظين، وهو الشراب، واكتفى بالخبر عن أحدهما عن الخبر عن الثاني؛ لأنه في معنى الثاني، كما قال الشاعر: عِقَابٌ عَقَنْبَاة (٢) كأنَّ وَظِيفَها ... وخُرطُومَها الأعْلَى بنانٌ مُلوّح (٣) ذكر الوظيف والخرطوم، وأخبر عن أحدهما، ويدل على صحة هذا التأويل: قراءة ابن مسعود (٤) فانظر إلى طعامك، وهذا شرابك لم يتسن (٥). وقوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ وذلك أنه لما أحياه الله وقال له: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ وأراه طعامه غير متغير، وكذلك شرابه، وأراه علامة مكثه مائة سنة ببلى عظام حماره، فقال: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ (٦) فرأى حماره ميتًا عظامُهُ بيضٌ تلوح، فأذن الله له في الحياة، فاجتمعت أعضاؤه وانتظمت، حتى عاد إلى حالة الحياة، وجاءه فوقف عند رأسه ينهق.

стр. 2223

وقوله تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ قال بعضهم: هذه الواو مقحمة زائدة، والجالب للام في نجعلك (لبثت)، كأنه قال: بل لبثت مائة عام لنجعلك آية للناس (١) ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ على هذا تقدير الآية ونظمها، وإقحام الواو جائز عند بعض الكوفيين، أجازوا ذلك في مواضع من التنزيل، سنذكرها إن شاء الله. وقال الفراء: دخلت الواو لنية فعل بعدها مضمر (٢)، لأنه لو قال: لنجعلك، كان شرطًا للفعل الذي قبله، كأنه قيل: ولنجعلك آية للناس فعلنا ذلك، يعني: ما فعله من الإماتة والإحياء، ومثله قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ [الأنعام: ١٠٥] معناه: وليقولوا دارست صرّفْناها، ومثله ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] أراد: وليكون من الموقنين نريه الملكوت (٣). ومعنى كونه آية للناس: أنه لما أحيي بعد الإماتة كان ذلك دلالة على البعث بعد الموت في قول أكثر المفسرين (٤). وقال الضحاك وغيره: جعله الله آية للناس بأن بعثه شابًا أسودَ الرأس واللحيةِ وبنو بنيه شيب (٥).

стр. 2224

وقوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بالعظام عظام حماره، وأن اللام فيه بدل عن الكناية (١). وقال آخرون: أراد به عظام هذا الرجل نفسه، وذلك أن الله تعالى لم يمت حماره وأحيا الله عينيه ورأسَه، وسائرُ جسده ميت، ثم قال له: انظر إلى حمارك، فنظر فرأى حماره واقفًا كهيئة يوم ربطه حيًّا، لم يطعم ولم يشرب مائة عام، وتقدير الآية على هذا: وانظر إلى عظامك كيف ننشرها، واللام في هذا القول بدل عن كاف الخطاب، وهذا قولُ قتادة (٢) والربيع (٣) وابن زيد (٤). وقال عطاء عن ابن عباس: يريد عظام نفسه وعظام حماره (٥). وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ (٦) أي: نحييها، يقال: أنشر الله الميت فنشر، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢]، وقال الأعشى:

стр. 2225

يا عَجَبًا للمَيتِ الناشِرِ (١) وقد وصفت العظام بالإحياء في قوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا﴾ [يس:٧٨ - ٧٩] فكذلك في قوله: ننشرها (٢). وقرئ (نَنْشُرُها) (٣) بفتح النون وضم الشين، قال الفراء: كأنه ذهب إلى النَّشْر بعد الطي (٤)، وذلك أن بالحياة يكون الانبساط (٥) في التصرف، فهو كأنه مطوي ما دام ميتًا، فإذا عاد حيًا صار كأنه نُشر بعد الطي. وقال آخرون: يقال: نَشَر الميتُ ونَشَره اللهُ، مثل: حَسَرَتِ الدابةُ، وحَسَرْتُها أنا، وغاض الماء وغِضْتُه، قال العجاج: كم قد حَسَرْنا من عَلاةٍ عَنْسِ (٦) (٧) (٨)

стр. 2226

وقرأ حمزة والكسائي نُنْشِزُها بالزاي على معنى: نرفع بعضها إلى (١) بعض، وإنشاز الشيء: رَفْعُه، يقال: أَنْشَزْتُه فَنَشَزْ، أي: رفعته فارتفع، ويقال لما ارتفع من الأرض: نَشْزٌ، ومنه: نشوز المرأة، وهو أن تنبو عن الزوج في العشرة ولا تلائمه، وترتفع عن حد رضاه (٢). ومعنى الآية على هذه القراءة: كيف نرفعها من الأرض فنردها إلى أماكنها من الجسد، ونركب بعضها على بعض (٣). وقال الأخفش: يقال: نَشَزْتُه وأَنْشَزْتُه، أي: رفعته (٤). وروي عن النخعي أنه كان يقرأ (نَنَشُزُها) بفتح النون وضم الشين والزاي (٥). وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وذلك أنه لما شهد ما شاهد من إحياء الله وبعثه إياه بعد وفاته، أخبر عما تبيّنه وتيقنه مما لم يكن تبيّنه هذا التبيُّنَ الذي لا يجوز أن يعترض فيه إشكال، ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته قبل، وتأويله: أني قد علمت مشاهدة ما كنت أعلمه غيبًا (٦) (٧).

стр. 2227

وقرأ حمزة والكسائي (١): (قال اعلمْ) موصولًا مجزومًا على لفظ الأمر، وذلك أنه لما تبين له ما تبين نَزَّلَ نفسه منزلة غيره، فخاطبها كما يخاطِبُ سِواها، وهذا مما تفعله العرب، يُنزّل أحدهم نفسه منزلة الأجنبي، فيخاطبها كما يخاطبه، ويجري التخاطب بينهما كما يجري بين الأجنبيين، قال الأعشى: وَدِّع هُرَيْرَةَ إنّ الرَّكْبَ مُرْتَحِلُ (٢) خاطب نفسه كما يخاطب غيره، كذلك (٣) قوله لنفسه: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ نزله منزلة الأجنبي المنفصل منه؛ لينبهه على ما تبين له (٤) (٥). ويجوز أن يكون الله تعالى قال له: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، يدل على صحة هذا التأويل قراءة عبد الله والأعمش: قيل: اعلم (٦). ٢٦٠ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ الآية. العامل في (إذ) عند الزجاج اذكر، كأنه قيل: واذكر هذه القصة (٧)، وعند غيره: كأنه قيل: ألم تر إذ قال إبراهيم، عطف على ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي

стр. 2228

حَاجَّ﴾ (١). واختلفوا في سبب سؤاله إحياء الميت، والأكثرون على أنه رأى جيفة بساحل البحر، يتناوله السباع والطير ودوابّ البحر، ففكر كيف يجتمع ما قد تفرّق من تلك (٢) الجيفة، وتطلعت نفسه إلى مشاهدة ميت يحييه ربه، ولم يكن شاكًّا في إحياء الله تعالى الموتى، ولا دافعًا له، ولكنه أحب أن يرى ذلك كما أن المؤمنين يحبون أن يروا محمدًا ﷺ والجنة، ويحبون رؤية الله تعالى، مع الإيمان بذلك وزوال الشك، فكذلك أحب إبراهيم أن يصير الخبر له عيانًا (٣)، وهذا معنى قول الحسن (٤) والضحاك (٥) وقتادة (٦). وقال ابن عباس (٧) والسدي (٨) وسعيد بن جبير (٩): إن ملك الموت

стр. 2229

استأذن ربه أن يأتي إبراهيم فيبشره أن الله تعالى اتخذه خليلا، فأذن له فأتاه وبشَّره بذلك، فحمد الله ، وقال: ما علامة ذلك؟ قال: أن يجيب الله دعاك وتحيي الموتى بسؤالك، فقال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾. قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾. والألف فيه ألف إيجاب، كقول جرير: ألَسْتُم خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا (١) يعني: أنتم كذلك (٢). ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ بأن أنال ما قد تَمَنَّيْتُه، وأحببت رؤيته، واشتهيت مشاهدته. وقال الحسن (٣) وقتادة (٤)، أي: بزيادة اليقين والحجة، وعلى قول ابن عباس بحقيقة الخلة وإجابة الدعوة، ويدل على هذا: ما روى الضحاك عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ قال معناه: لكن لأرى من آياتك وأعلم أنك قد أجبتني (٥) (٦). وروى الوالبي عنه: لكن لأعلم أنك تُجِيبُني إذا دعوتك، وتعطيني إذا سألتك (٧). وعن سعيد بن جبير قال معناه: ولكن ليزداد قلبي إيمانًا (٨).

стр. 2230

وقال الأزهري: أي: يسكن إلى المعاينة بعد الإيمان بالغيب. ويقال: طامن ظهره: إذا حنى ظهره، بغير همزة، والهمزة التي في (اطمأن) ليست بأصلية أدخلت فيها حذار الجمع بين الساكنين (١). قال الله تعالى: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ قال ابن عباس: أخذ طاوسًا ونَسْرًا وغرابًا وديكًا (٢)، وفي قول مجاهد (٣) وابن إسحاق (٤) وابن زيد (٥): حمامةً بدل النسر (٦). وقوله تعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ قال أكثر أهل اللغة والتفسير (٧): معناه: مِلْهُنَّ إليك، يعني: وَجِّهْهُنَّ إليك وادْعُهُنَّ واضممهن، قاله عطاء (٨) وابن زيد (٩).

стр. 2231

يقال: صُرْتُهُ أَصُورُه، إذا أملته (١)، وأنشدوا على الإمالة: على أنني في كل سَيْرٍ أسِيرُه ... وفي نظري من نَحْوِ أرضِكَ أَصْوَر (٢) فقالوا (٣): الأصور المائل العنق (٤). وقول آخر: الله يَعْلَمُ أَنّا في تَلَفُّتِنا ... يومَ الوَدَاعِ إلى أحْبَابِنا صُورُ (٥) جمع: أصْوَرَ، أي: مائلة. وهذان البيتان من الصَّوْر، يعنى: الميل، وهو لازم، والصَّوْر: الإمالة، ساكنة العين، قال الطرماح (٦): عفائف إلا ذاك أو أن يَصُورَهَا ... هوًى والهَوَى للعَاشِقِينَ صَرُوعُ (٧) وقال آخر: يَصُور عنُوقَها أحْوَى زَنِيمٌ ... له ظَابٌ كما صَحِبَ الغَرِيمُ (٨) وعلى هذا في الكلام محذوف، كأنه قيل: فصرهن إليك وقطعهن، ثم

стр. 2232

اجعل على كل جبل منهن جزءًا، فحذف الجملة التي هي قَطِّعْهُن، لدلالة الكلام عليها، كقوله: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] على معنى: فضرب فانفلق؛ لأن قوله: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ يدل على التقطيع (١). وقال أبو عبيدة (٢) وابن الأنباري (٣) وجماعة: صرهن، معناه: قطعهن (٤). وهو قول ابن عباس (٥) وسعيد بن جبير (٦) والحسن (٧) ومجاهد (٨). يقال: صار الشيء يَصُورُه صَوْرًا: إذا قطعه، قال رؤبة يصف خصمًا ألد: صُرْنَاه بالحُكم ويعي الحُكَّما (٩)

стр. 2233

أي: قطعناه، ومنه قول الخنساء: ولو يلدغني الذي لاقيته حَضَنٌ ... لَظَلَّت الشُّمُّ منه وهي تَنْصَارُ (١) أي: تنصرع (٢) وتنفلق. فمن فسر صُرْهُن بمعنى قَطِّعْهُن لا يحتاج إلى إضمار، كما ذكرنا في الإمالة، ويكون قوله: ﴿إِلَيْكَ﴾ من صلة الأخذ، كأنه قيل: خذ إليك أربعة من الطير فقطعهن (٣). وقرأ حمزة (فصِرهن) بكسر الصاد (وقد فسر هذا الحرف على قراءة حمزة بالإمالة والتقطيع، كما ذكرنا في قراءة من ضم الصاد) (٤) (٥). فمن الإمالة: ما أنشده الكسائي هذا (٦): وفَرْعٍ يصيرُ الجِيدَ وَحْفٍ كأنّه ... على اللِّيتِ قِنوانُ الكُرومِ الدَّوَالِحِ (٧).

стр. 2234

معناه: يميل الجيد من كثرته. قال الفراء: وهذه لغة هذيل (١). وسليم (٢)، يقولون: صاره يصيره: إذا ماله (٣). وقال الأخفش وغيره: صِرهن، بكسر الصاد: قطعهن، يقال: صاره يصيره: إذا قطعه (٤). قال الفراء: وأرى أن ذلك مقلوبٌ من صَرَى يَصْري إذا قطع (٥)، قال ذو الرمة: وودَّعْنَ مُشْتَاقًا أصبْنَ فُؤَادَه ... هَوَاهُنّ إن لم يَصره اللهُ قَاتِلُه (٦) فقدمت ياؤها، كما قالوا: عثى وعاث (٧)، وأنشد:

стр. 2235

صَرَتْ نظرهٌ لو صَادَفَتْ جَوْزَ (١) دَارعٍ ... عَدَا والعَوَاصِي من دَمٍ الجَوْفِ (٢) تَنْعَرُ (٣) وأنشد أيضًا: يقولون: إنَّ الشَّأمَ يَقْتُلُ أهلَهُ ... فمَنْ لِيَ إن لَم آتِهِ بِخُلُودِ تَعَرَّب آبائي فما إن صَرَاهُم ... عن الموت إذ لم يَذْهَبُوا وجُدُودِي (٤) فالإمالة والقطع يقال في كلِّ واحد من القراءتين (٥). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ قال المفسرون: إن الله تعالى أمره أن يذبح تلك الطيور، وينتف ريشها، ويقطعها، ويفرق أجزاءها، ويخلط ريشها ودماءها ولحومها، بعضها ببعض، ففعل ذلك، ثم

стр. 2236

أمر بأن يجعلها على أربعة أجبُل، فجعل أجزاء تلك الطيور أربعة أقسام، وجعل على كل جبل رُبعًا منها (١). وقال ابن جريج (٢) والسدي (٣): جعلها سبعة أجزاء، ووضعها على سبعة أجبل. وقال مجاهد (٤) والضحاك (٥): كل جبل بحسب الإمكان، كأنه قيل: فرقه على كل جبل يمكنك التفرقة عليه، قالوا: ففعل ذلك إبراهيم، وأمسك رؤوسهن عنده، ثم دعاهن: تعالين بإذن الله سبحانه، فجعلت أجزاء الطيور يطير بعضها إلى بعض، حتى لقيت كل جثة بعضها بعضًا، وتكاملت أجزاؤها، ثم أقبلن إلى رؤوسهن، فكلما جاء طائر أشار بعنقه إلى رأسه، فكان إبراهيم إذا أشار إلى واحد منها بغير رأسه امتنع الطائر وتباعد، حتى يشير إليه برأسه، فتلقى كل طائر رأسه، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ (٦). وهو نصبٌ على المصدر، أي: سَعَيْنَ سعيًا، ويجوز أن يكون في موضع الحال (٧).

стр. 2237

وفي سعيها إلى إبراهيم دليل صحة إقدامها، وعود عظامها إلى مفاصلها، ولو طارت إليه لم يكن في طيرانها هذه الدلالة (١) ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يمتنع عليه ما يريد (٢) ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يدبر ويفعل. ٢٦١ - وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ الآية. قال أهل المعاني: هذه الآية متصلة بقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٤٥] وما بين الآيتين من الآيات اعتراض بالاستدعاء إلى الحق بالحجج والعبر التي ذكرها. وقال الزجاج: لما قصَّ الله ما فيه الدلالة على توحيده، وما أتاه الرسل من البينات، حث على الجهاد، وأعْلَمَ أن من جاهد من كفر بعد هذا البرهان فله في جهاده ونفقته الثواب العظيم، وقد وعد الله في الحسنات أن فيها عشر أمثالها من الجزاء، ووعد في الجهاد أن الواحد يضاعف سبعمائة مرة، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ (٣). ونظمُ الآية: مثلُ صدقاتِ الذين ينفقون (أموالهم في سبيل الله) (٤)، أو مثلُ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله (٥) كمثل زارعٍ

стр. 2238

حبةٍ، فحذف المضاف (١). فإن قيل: فهل رؤي سنبلة فيها مائة حبة حتى يضرب المثل بها؟ قيل: قد يتصور ذلك وإن لم ير، وليس القصد في المثل تصوير سنبلة فيها مائة حبة، وإنما القصد التشبيه بمثل هذه السنبلة، على تقدير التصوير، لا على تحقيق التصوير، والعادة في الأمثال التي تضرب أن يشبه الشيء بما يجوز أن يتصور، وإن لم ير ذلك الشيء، وقد قيل: إنه رأى ذلك في سنبل الدُّخن، وقد قيل: المراد بقوله: ﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ (٢) أنها إذا بذرت أنبتت مائة حبة، فقيل: فيها مائة حبة على هذا المعنى، كما يقال: في هذه الحبة حبّ كثير (٣) ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ من أهل النفقة في طاعته ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ جواد لا ينقصه ما يتفضل به من السعة، (عليم) بمن ينفق (٤). ٢٦٢ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ إلى قوله ﴿مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ المنّ في اللغة على وجوه: يكون بمعنى الإنعام، يقال: قد منَّ عليَّ فلان: إذا أَفْضَل وأَنْعَم، ولفلان عليّ منّة، أي: نعمة، أنشد ابن الأنباري: فمِنّي عَلَيْنَا بالسَّلامِ فَإِنَّما ... كلامُكِ ياقُوتٌ ودُرٌّ مُنَظَّمُ (٥)

стр. 2239

ومن النعمة: قوله ﷺ : "ما من الناس أحد أمنّ علينا في صحبته ولا ذات يده من ابن أبي قحافة (١) ". يريد: أنعم وأسمح بماله، ولم يرد المنة التي تهدم الصنيعة، والله تعالى يُوصَفُ بأنه مَنَّان، أي: منعم. قال أهل اللغة: المن: الإحسانُ إلى من لا يستثيبه، ولهذا يقال: الله تعالى منّان، لأن إحسانه إلى الخلق ليس لطلب ثواب، ومن هذا قوله: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ﴾ [ص: ٣٩] وقوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أي: لا تعط لتأخذ من المكافأة أكثرَ مما أعطيت (٢). والمنّ في اللغة أيضًا: النقص من الحق والبخس له، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: ٣] يقال: غير مقطوع، وغير منقوص، ومن هذا يسمى الموت: مَنُونًا؛ لأنه يُنْقِصُ الأَعْدَاد، ويقطع الأعمار (٣). ومن هذا: المِنَّةُ المذمومة؛ لأنها تُنْقِصُ النعمة وتُكَدِّرُها، قال

стр. 2240

الشاعر في المِنَّةِ المَذْمومة: أَنَلْتَ قليلًا ثم أسْرعَت مِنَّةً ... فَنَيْلُكَ مَمْنُون (١) لِذَاك قليلُ (٢) فالمراد بالمن الذي في الآية: المنُّ الذي هو الاعتداد بالصنيعة (٣)، وذكرها الذي يكدرها. والعَرَبُ تتمدّح بترك المنِّ بالنعمة، قال قائلهم: زَادَ مَعْروفَكَ عِنْدِي عِظَمًا ... أنَّهُ عِنْدَكَ مَسْتُورٌ حقيرْ تَتَنَاسَاهُ كأنْ لم تَأتِهِ ... وهو في العالم مَشْهورٌ كبيرْ (٤). قال المفسرون: معنى المنّ المذكور في الآية: هو أن يقول: قد أحسنت إلى فلان، ونَعَشْتُه (٥)، وجبرت حاله، وأعنته، يمنُّ بما فعل (٦). والأذى: هو أن يذكر إحسانه لمن لا يحب الذي أحسن إليه وقوفه عليه، وما أشبه ذلك من القول الذي يؤذيه (٧).

стр. 2241

٢٦٣ - قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ أي: كلام حسن، وردٌّ على السائل جميل، وقال عطاء: عدةٌ حسنة (١)، وفي الجملة: أنه قول معروف، تعرفه النفوس وتقبله ولا تنكره. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: سَترٌ (٢) لخلة السائل، قاله ابن جرير (٣)، وقال عطاء والحسن (٤): أي: تجاوز عن السائل، إذا استطال عليه عند رده، مثل ما يتجاوز عن أخيه إذا استطال عليه وعن زوجته وعن خادمه (٥)، علم الله تعالى أن الفقير إذا ردّ بغير نوال شق عليه ذلك، فربما يدعوه ذلك إلى بذاءة اللسان، فأمر بالصفح والعفو عنه، وبين أن ذلك خير من صدقة يتبعها أذى، أي: مَنّ وتعيير للسائل بالسؤال (٦). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾ أي: عن صدقة العباد، وإنما دعاكم إليها ليُثِيبَكُم عليها (٧). يقال: غَنِيَ عن الشيء يَغْنَى عنه غنى مقصور، فهو غانٍ عنه وغَنِيٌّ عنه (٨)، والغِنَى: نقيضُ الحاجة (٩).

стр. 2242

﴿حَلِيمٌ﴾ إذ لم يعجل بالعقوبة على من يمن ويؤذي بصدقته (١). ٢٦٤ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾ أراد: ثواب صدقاتكم وأجرها (٢) ﴿بِالْمَنِّ﴾ هو أن تمن بما أعطيت وتعتد به، كأنك إنما تقصد به الاعتداد، وقال ابن عباس: ﴿بِالْمَنِّ﴾ على الله (٣). (والأذى) (٤) هو أن يوبخ المعطَى. وقوله تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ أخبر الله تعالى أن المن والأذى يبطلان الصدقة، كما تبطل نفقة المنافق الذي إنما أعطى وهو لا يريد بذلك العطاء ما عند الله، إنما يريد (٥) ليوهم أنه مؤمن (٦). والرياء مصدر المُرَاءاة، يقال: رياء ومراءاة، مثل: راعيته رِعَاءً ومُرَاعَاةً، وهو أن ترائي غيرك بعملك (٧). قال ابن عباس: يريد كالذي يتصدق لا يرجو لها ثوابًا، ولا يخاف من منعها عقابًا (٨). وقوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ﴾ أي: مثل هذا المنافق المرائي ﴿كَمَثَلِ

стр. 2243

صَفْوَانٍ﴾ (١)، وهو الحجر الأملس، ومثله: الصفا. أبو عبيد عن الأصمعي: الصَّفْواء أو (٢) والصَّفْوان والصَّفَا مقصور كلُّه واحدٌ (٣). والوابل: المطر الشديد، يقال: وَبَلَتِ السماءُ تَبِلُ وَبْلًا، وأرض مَوْبُولَةٌ: أصابها وابل (٤). والصَّلْد: الأملسُ اليابس، يقال: حَجَرٌ صلْدُ، وجبين صلْدٌ: إذا كان براقًا أملس، وأرض صلد: لا تنبت شيئًا كالحجر الصلد، قال تأبط شرًا (٥) في الحَجَر: ولَسْتُ بِجُلْبٍ جُلْبِ ريحٍ وقِرةٍ ... ولا بصَفًا صلْدٍ عَن الخَيْرِ مَعْزِل (٦) وقال رؤبة في الجبين:

стр. 2244

برّاق أصلادِ الجبينِ الأَجْلَهِ (١) وقال بعض بني أسد في الأرض الصلدة: وإنِّي لأرجو الوَصْلَ منكِ كَما رَجَا ... صَدَى الجَوْفِ (٢) مُرْتَادًا كداه صُلود (٣) جمعُ صَلْد، وأصله من قولهم: صَلَدَ الزَّنْدُ وأصلد (٤): إذا لم يوْرِ نارًا (٥). وهذا مثل ضربه الله تعالى لعمل المنافق وعمل المنّان الموذي، يعنى: أن الناس يرون في الظاهر أن لهؤلاء أعمالًا كما يُرى التُرابُ على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحل كله وبطل؛ لأنه لم يكن لله، كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب، فلا يقدر أحد (من الخلق) (٦) على ذلك التراب الذي أزاله المطر عن الصفا، كذلك هؤلاء في العمل الذي حبط، إذا قدموا على ربهم لم يجدوا شيئًا (٧)، فهو قوله: ﴿لَا

стр. 2245

يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ أي: على ثواب شيء (١) ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ قال أبو إسحاق: أي: لا يجعلهم بكفرهم مهتدين، وقيل: لا يجعل جزاءهم على كفرهم أن يهديهم (٢). ٢٦٥ - قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ الآية. هذا مثل ضربه الله لمن ينفق، يريد ما عند الله ولا يمن ولا يؤذي، وقوله (٣): ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ أي: مثل نفقتهم أو إنفاقهم، فحذف المضاف كقولهم: يا خيل الله اركبي (٤). وقوله تعالى: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ قال الزجاج: أي: وينفقونها مقرين بأنها مما يثيب الله عليها (٥). فعلى هذا يكون المعنى: وتثبيتًا من أنفسهم لثوابها، يعني: أنهم أيقنوا أن الله يثيب عليها فيثبتوا (٦) ذلك الثواب، بخلاف المنافق فإنه ينفق رياء (٧) ولا يحتسب، ولا يؤمن بالثواب، وعلى هذا المعنى دارت أقوال المفسرين. فقال السدي (٨) وأبو صالح (٩) وابن زيد (١٠): يقينًا.
следующие страницы →