← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

معشر النصارى: إني لأرى وجوهًا لو سألوا الله أن يزيل جبلًا عن مكانه لأزاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة. ثمَّ قبلوا الجِزْيَةَ وانصرفوا. فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، إنَّ العذاب قد تدلَّى على أهل نجران، ولو تلاعنوا، لمُسِخوا قِرَدَةً وخنازيرَ، ولا ضطَرَبَ عليهم الوادي نارًا، ولاستأصل الله نجرانَ وأهلَهُ، حتى الطيرَ على الشجر، ولَمَا حالَ الحولُ على النصارى حتى هلكوا" (١).

стр. 2697

وقوله تعالى: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾. قال أهل المعاني: يعني بـ (الأنفس): بني العم. والعرب لا تستنكر أن تخبر عن ابن العم بأنه نفسُ ابن عمِّهِ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١)؛ أراد: إخوانكم من الدين (٢)، فأجرى (٣) الأخوَّةَ في (٤) الدين، مجرى الأخوَّةِ في (٥) القرابةِ (٦). وإذا (٧) وقعت النفس على البعيد في النسب، كان أجدر أن تقع على القريب في النسب والدين؛ وإنَّما قلنا هذا؛ لأن المتكلم لا يقول ادعوا فلانا وفلانا ونفسي؛ لأنه يكون حاضرًا.

стр. 2698

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ الابتهال في اللغة يكون على معنيين: أحدهما: التضرع إلى الله. والثاني: الالتعان، والدعاء بـ (البَهْلَةِ)، وهي: اللَّعْنَةُ. يقال: (عليه بَهْلَةُ اللهِ)؛ وبَهلتهُ؛ أي: لعنته (١). قال لَبِيد: في قُرومٍ سادةٍ مِن قومِهم ... نَظَرَ الدهرُ إليهم فابْتَهَلْ (٢).

стр. 2699

أي: دعا عليهم بالهلاك، وكلا (١) المعنيين مروي عن ابن عباس. قال (٢) في رواية الكلبي (٣): قوله ﴿نَبْتَهِلْ﴾ أي: نجتهد في الدعاء. وقال في رواية عطاء (٤): ندعُ (٥) الله باللَّعنة على الكاذبين. ٦٢ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ الآية. أي (٦): هذا الذي أوحيناه إليك من الآيات والحُجَجِ. فـ ﴿هُوَ﴾ (٧) ههنا يصلح أن يكون فَصْلًا وعِمادًا (٨)، ويكون ﴿الْقَصَصُ﴾

стр. 2700

خَبَرَ ﴿إِنَّ﴾. ويصلح أن يكون ﴿هُوَ﴾ ابتداءً، وخَبرُه: ﴿الْقَصَصُ﴾. وهما جميعًا خبرُ إنَّ (١). والقَصَصُ: مصدر قولهم: (قَصَّ فلانٌ الحديثَ، يقصُّه قَصًّا، وقَصَصًا) (٢). وأصله (٣): اتِّباعُ الأثر؛ يقال: (خرج فلانٌ قَصَصًا في أثر فلان)، و (قَصًّا) (٤)؛ وذلك إذا اقتصَّ أثَره، ومنه قوله تعالى: [﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]. وقيل للقاصِّ يقصُّ (٥) لأتباعه خبرًا بعد خبر] (٦)، وسَوقه الكلامَ سَوقًا. فمعنى (٧) (القَصَص): الخبر الذي تَتَابَعُ (٨) فيه المعاني.

стр. 2701

وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾. (مِن) (١) دخلت توكيدا (٢) لنفي جميع من ادَّعى المشركون أنَّهم آلهة (٣)، أي: أن عيسى ليس بإلهٍ كما زعموا، وإنَّما اقتضت (مِن) توكيد النفي؛ لأن أصلها لابتداء الغاية، فدلت (٤) على استغراق النفي لابتداء الغاية إلى انتهائها (٥). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. معناه ههنا (٦): أنه لا أحد يستحقُّ إطلاق هذه الصفة (٧) له إلا هو. ٦٣ - قوله تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ الآية. أي (٨): فإن أعرضوا عمَّا أتيت به من البيان، فإنَّ الله يعلم من يُفسِد (٩) خلقه فيجازيه على إفساده. ٦٤ - قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ الآية (١٠). الخطاب

стр. 2702

لنصارى نجران؛ عند الحسن (١)، والسُدِّي (٢)، وابن زيد (٣)، ومحمد بن جعفر بن الزبير (٤). وليهود المدينة؛ عند قتادة (٥)، والربيع (٦)، وابن جُرَيج (٧). وعند بعضهم (٨): الخطاب لهما جميعًا (٩).

стр. 2703

وقوله تعالى: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ﴾. معنى (١) الكلمة: كلامٌ فيه شرح قِصَّة، وإن طال؛ ولذلك يقول (٢) العرب للقصيدة: (الكلمة) (٣). وقوله تعالى: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. [يريد بـ (السواء): العدل، وكذلك في قراءة عبد الله (إلى كلمة عدل بيننا وبينكم)] (٤). قال ابن قتيبة (٥): ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾؛ أي: نَصَفٍ. يقال: (دعا إلى

стр. 2704

السواء)؛ أي: إلى النَّصَفَةِ؛ وإنَّما قيل و (النَّصَفَة): (سواءٌ)؛ لأنَّ أعدل الأمور أوساطها (١). وقال الزجاج (٢): ﴿سَوَاءٍ﴾: نعتٌ للكلمة، يريد: ذات سواء. وذكرنا الكلام في معنى ﴿سَوَاءٌ﴾ في ابتداء سورة البقرة. والمعنى: إلى كلمة عادلة مستقيمة مستوية، إذا أتيناها نحن وأنتم كنَّا على السواء والاستقامة. ثمَّ قال: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾. موضع (٣) ﴿أَنْ﴾: خَفْضٌ على البدل من ﴿كَلِمَةٍ﴾ المعنى: تعالوا إلى أن لا نعبد إلاَّ الله. وهذا تفسير للكلمة (٤). قال الزجاج (٥): وجائز أن تكون في موضع (رفع)؛ كأن قائلًا قال: ما الكلمة؟ فأجيب، فقيل: هي: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (٦). وقوله تعالى: ﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾. أي: لا نعبد معه غيره. يقال: أشرك معه فلانًا: أي: جعله شريكه، وأشرك باللهِ غيره؛ أي: عبده معه عبادة الله؛ فمعنى الباء، معنى (مع) (٧)، وفي الباء وجه آخر،

стр. 2705

ذكرنا (١) عند قوله: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥١]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. قال عطاء عن ابن عباس (٢): يريد: كما اتخذت النصارى عيسى، واتخذت بنو إسرائيلَ عُزَيْرًا. قال الزَّجاج (٣): أي: نرجع إلى أنَّ (٤) معبودَنا الله ، وأن عيسى بشر، كما أننا بشر، فلا نتَّخذه (٥) ربًّا. وقال بعضهم (٦): معناه: لا نطيع في المعاصي أحدًا. والله تعالى أخبر عن اليهود والنصارى لمَّا (٧) أطاعوا في معصيته (٨) علماءَهم، فإنهم اتخذوا (٩) من دونه آلهةً، فقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (١٠). وفي الخبر: (من أطاع مخلوقًا في معصية الله، فكأنما

стр. 2706

سجد سجدة لغير الله) (١). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾. أي: إنْ أعرضوا عن الإجابة (٢)، فقابلوا أنتم إعراضَهم عن الحقِّ بِخِلافِهِ؛ للإنكار عليهم، وقولوا: ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. أي: مقرون بالتوحيد مستسلمون لما أتتنا به الأنبياءُ. ٦٥ - قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾. الآية (٣). قال ابن عباس (٤)، والسدِّي (٥)، وقتادة (٦): اجتمعت اليهود، ونصارى نجران عند رسول الله ﷺ ، فتنازعوا في إبراهيم، فقالت اليهود: ما كان إلا يهوديا، وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيًّا، فنزلت هذه الآية. وقوله (٧) تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾. يريد: إنَّ اليهودية حدثت بعد نزول التوراة، والنصرانية، بعد نزول الإنجيل.

стр. 2707

وإنما أنزلت التوراة والإنجليل بعد مهلك إبراهيم بزمان طويل، وليس في الكتابين اسمه بواحد من [دين] (١) اليهود والنصارى. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. أي: فساد هذه الدعوى؛ إذ العقل يزجر عن الإقامة على دعوى بغير حُجَّة، فكيف بما ظهر فساده بالمناقضة؟. ٦٦ - وقوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾. اختلفوا فيه: فقرأ ابن كثير (٢) من طريق قُنْبُل (٣): ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ (٤)، بِوَزْنِ (هَعَنْتُم) (٥)، أُبْدِلَ (٦) من همزة الاستفهام الهاءُ؛ أراد: أأنتم (٧). والهمزة قد تُبدل هاءً (٨)، كقولهم: (أرقت الماء) و (هرقته) (٩)، و (إبرِيَة) و (هِبرِيَة) (١٠).

стр. 2708

وهذا كإبدالهم من الباء (١)، الواوَ، في قولهم: (والله)، ومن الواوِ التَّاءَ في (تالله) (٢)، فهذه حروف مفردة قد وقع الإبدال منها. ولا (٣) يجوز أن يكون أراد ﴿هَا أَنْتُمْ﴾، و (ها) للتنبيه، ثم حَذَف الألفَ، فصار: (هأنتم)، كما حذف الألف من (ها) في (هَلُمَّ)؛ لأن

стр. 2709

الحروف لا يحذف منها إلَّا إذا كان فيها تضعيف، وليس ذلك في (ها)، وإنَّما حُذِف من (هَلُمَّ)؛ لأن الَّلام التي هي فاءٌ، في تقدير السكون، لأن (تَلُمَّ)؛ (١) كان في الأصل: (تلْمُمْ) (٢)، و (لَمَّ) أصله (٣): (الْمُم)، فهي (٤) متحركة بحركة منقولة إليها، والحرف المتحرك بالحركة المنقولة، قد تكون في نيَّة السكون؛ كقولهم: (اَلَحْمَرْ) (٥)، فالَّلام (٦) في تقدير (٧) سكون؛ بدلالة تقدير الهمزة التي للوصل معها، فكذلك الَّلام في (هَلُمَّ)، وإذا كان في نية سكون، استقام حذف الألف من (ها) كما يُحذف لالتقاء الساكِنَيْنِ، وليس ذلك في (هأنتم) (٨)؛ فإذا كان كذلك لم يستقم الحذف فيه، كما جاء في (هَلُمَّ). ومعنى الاستفهام في (أنتم) (٩): تقرير (١٠). وقرأ نافع وأبو عمرو (ها انتم) (١١) استفهامًا من غير همزٍ ولا مَدٍّ (١٢).

стр. 2710

و (ها) (١) في هذه القراءة للتنبيه، دخلت على (أنتم)، وخُفِّفت (٢) الهمزةُ في (أنتم)؛ لوقوعها بعد أَلِفٍ، كما تقول في (هَبَاءَةٍ): (هَبَايَة) (٣) مليَّنة الهمزة، وفي (المسائل) (٤): (المسايل). ويجوز أيضًا على (٥) هذه القراءة: أن يكون (٦) الهاءُ بدلًا من همزة الاستفهام، كما ذكرنا في قراءة ابن كثير، ودخلت الأَلِفُ التي تدخل للفصل بين الهمزتين في مثل قولك: ﴿أَأَنْتُمْ﴾ (٧)، و ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾ (٨) [الأنعام ١٤٣] في قراءة أبي

стр. 2711

عمرو (١). فإن قيل: إن الألف إنما تدخل للفصل بين المِثْلين، واجتماع المِثْلين قد زال ههنا بإبدال الهاء من الهمزة (٢)، فلا يُحتاج إلى الألف؛ ألا ترى أنَّ من قال: (هَراقَ)، قال: (أُهْرِيق)، ولم يحذف (٣) الهاء مع الهمزة، كما يحذف (٤) إذا قال: (أُرِيق)؛ لزوال اجتماع المثلين؟ قيل: إن البدل قد يكون في حكم المُبدَل عنه، ألا ترى أنَّك لو سميت رجلًا: بـ (هَرِق)، لم تصْرفْهُ كما لا تصرفُ مع الهمزة؛ لأن حكم الهاء حكم الهمزة، وكذلك في كثير من المواضع، البَدَلُ يكون في حكم المُبدَلِ عنه. وقرأ أهل الكوفة (٥): (ها أنتم) (٦) بالمدِّ في (ها)، وتحقيق الهمزة في (أنتم)، ويكون (٧) (ها) في قولهم، حرف التنبيه، ولا يكون الهاءُ بدلًا من همزة الاستفهام، كما يجوز (٨) أن يكون بدلًا منها في قراءة أبي عمرو؛ ولأنهم (٩) لا يرون إدخال الألف بين الهمزتين.

стр. 2712

فإن قيل: ما وجه التنبيه (١) بـ ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ مع أنه لا يُنبَّهُ الإنسان على نفسه، وإنما يُنبَّه على ما أغفله؟. قيل: إنَّ التنبيه (٢) وإن كان على ما أغفله من حاله فإنه يُنبَّه بذكر ما يعلم على ما لا يعلم، فلذلك خرج التنبيه على النفس؛ والمعنى: على حال النفس. وقوله تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ﴾. في موضع النداء؛ يعني: يا هؤلاء (٣). وقد ذكرنا زيادة بيان عند قوله ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]. وقوله تعالى: ﴿حَاجَجْتُمْ﴾. أي: جادلتم، وخاصمتم (٤). ويُسَمَّى الجدال بِحُجَّةٍ أو شبهة: حِجاجًا؛ لأن صاحب الشبهة (٥) يُوهِم أن معه حُجَّة. وقوله تعالى: ﴿فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾. قال السدِّي (٦): هو ما وجدوه في كتبهم، وأنزل عليهم [بيانه] (٧) وقصته (٨).

стр. 2713

وقال آخرون (١): يعني: في أمر محمد ﵇ (٢)؛ لأنهم كانوا يعلمونه بما يجدون من نعته في كتابهم، وحاجُّوا (٣) فيه بالباطل. وقوله تعالى: ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾. أي: لِمَ تجادلون في شأن إبراهيم، وليس في كتابكم أنَّه كان يهوديًّا أو نصرانيًّا، والله يعلم شأن إبراهيم، وأنه لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، وأنتم لا تعلمون. فينبغي أن [تلتمسوا] (٤) حقَّهُ من باطله؛ إذ لا تعلمون أنه كان يهوديًّا ونصرانيًّا. ثم بيَّن حال إبراهيم، فقال: ٦٧ - ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ الآية. نزَّهه وبرأه من الدِّينَينِ، ووصفه بدين الإسلام. واليهودية والنصرانية صفتا ذَمِّ، ما تعبَّد (٥) بهما قط؛ [لأنَّ موسى لم يكن يهوديا (٦)] (٧)، وعيسى لم يكن نصرانيًا، مع قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. فاليهودية (٨) مِلَّةٌ محرَّفة عن شريعة موسى، والنصرانية مِلَّةٌ مُحرَّفةٌ عن

стр. 2714

شريعة عيسى ﵉. فإن قيل: الله تعالى أخبر (١) أن (٢) إبراهيم كان (٣) مُسْلِمًا، فهل كان إبراهيم على جميع ما نحن عليه من شريعة الإسلام؟ قيل: إنه كان مسلما، وإن كان على بعض شريعتنا؛ لأنَّ تلاوة القرآن واجبة في صلاتنا، ولم ينزل القرآن إلاَّ على نبينا ﷺ (٤)، والدليل على أنه كان مسلما بإقامة بعض الشريعة: أن أصحاب النبي ﷺ كانوا مسلمين في الابتداء قبل استكمال الشريعة (٥). ٦٨ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾. أَوْلَى: أفْعَل؛ من (الوَلْي)؛ الذي هو: القُرْبُ (٦)؛ أي: أقرب الناس إلى إبراهيم، وأحقهم به: الذين (٧) اتَّبعوه على دينه ومِلَّتِه. ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾. يعني: محمدًا ﷺ . ﴿وَالَّذِينَءَامَنُوا﴾ يعني: بمحمد (٨) ﷺ . من المهاجرين والأنصار والتابعين. قال الزجاج (٩): أي: فهم الذين ينبغي أن يقولوا: إنَّا على دين

стр. 2715

إبراهيم. وفي هذا بيان أنَّ (١) الأَوْلَى بالإنسان: المُوافق له في دينه، دون ولده، ومن يرجع إليه في نسبه، ممن يخالفه في مذهبه، ولا يُعتَدُّ (٢) بالولادة أو نحوها من القرابة في عقد الولاية. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ذكرنا ما فيه عند قوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٣) الآية (٤). ٦٩ - قوله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. أي: تَمَنَّت (٥). وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُم﴾ (٦) الآية (٧). ﴿طَائِفَةٌ﴾؛ الطائفةُ، معناها في اللغة: القطعة من كل شيء. يقال: (طائفةٌ من الناس)، (وطائفة من الليل) (٨).

стр. 2716

قال بعض أهل اللغة: الطائفة: الفِرْقَة؛ سُمِّيَت بها لتصرفها في الإقبال والإدبار؛ كأنها تطوف (١)؛ كقولهم: (الإنسان (٢)، دَيُّور وديَّار)؛ لكثرة دورانه (٣). وقوله تعالى: ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾. ولم يقل: أنْ يُضِلُّونكم، لأن (لو) (٤) أوفق مع التمني (٥)، فإنَّ (٦) قولك: (لو كان كذا)، تَمَنٍّ [منك] (٧) تمنيته (٨) لِكَوْنِه (٩). ومثله: قوله: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾ [البقرة: ٩٦]، وقد مرَّ.

стр. 2717

والإضلال (١) في كلام العرب ضد الهداية والإرشاد. يقال: (أضللتُ فلانا): إذا وجَّهته للضلال عن الطريق فلم ترشده. نزلت هذه الآية في نَفَرٍ من اليهود. قال ابن عباس (٢): هم قُرَيظَة والنَّضير وبنو قَيْنُقاع؛ أرادوا أن يَسْتَنزِلوا (٣) المسلمين عن دينهم ويردوهم إلى الكفر (٤).

стр. 2718

وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ (١) لأن المؤمنين لا يقبلون فولهم، وما يدعونهم إليه فيحصل عليهم الإثم بتمنيهم إضلال المؤمنين. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: وما يعلمون أن هذا يضرهم، وما يضر المؤمنين. ٧٠ - قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ الخطاب لليهود (٢). وقوله: ﴿لِمَ﴾ أصلها: (لِمَا)؛ لأنها (٣) (ما) التي للاستفهام، دخلت عليها الَّلام فحُذِفت الألِفُ استخفافًا؛ لأن حرف الجرِّ صار عِوَضًا منها، مع وقوعها طَرَفًا (٤)، تدل (٥) عليها الفتحةُ (٦)، وعلى هذا قوله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ:١]، و ﴿فَبِمَ

стр. 2719

تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]. والوقف على هذه الحروفِ يكون بالهاء (١)، نحو: (فِبْمَهْ)، و (لِمَهْ). ولا يجوز حذفُ الأَلِفِ [من (ما)، إذا كانت موصولة] (٢)؛ لأن [الألِفَ في] (٣) الموصولةِ [بِمَنْزِلَة حرفٍ في وسط الاسم؛ لأن الموصولة] (٤) لا تتم (٥) إلا بِصِلَتِها، والطَّرَف (٦) أقوى على التغيير من وسط الاسم، كما قوي على التغيير بالإعراب (٧) والتنوين (٨). وزعم الكسائيُّ (٩)، أن أصل (كَمْ) (١٠) كما، وهذا غلط منه عند

стр. 2720

البصريين؛ لمخالفة (١) (كَمْ) (ما) في اللفظ، والمعنى؛ أما في اللفظ: فكان يجب أن تبقى الفتحة (٢) لتدل على الألِفِ، كما باقيت في (لِمَ) ونحوه. وأما في المعنى: فإن (كم) سؤالٌ عن العدد، و (ما) سؤال عن الجنس، فليس بينهما مشابهة، ولا لكاف التشبيه في (كَمْ) معنًى. وقوله تعالى: ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. يعني: القرآن (٣). ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾، قال قتادة (٤)، والربيع (٥)، والسُّدِّي (٦): أي: تشهدون بما يدل على صحة القرآن من كتابكم؛ لأن فيه نعت محمد وذكره. وقيل (٧): ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ بمثلها من آيات الأنبياء التي تقرون بها. فحذف من الكلام ما يشهدون به ويقرون؛ لأن الكلام كان توبيخًا، فَدَلَّ على: (وأنتم تشهدون بما عليكم فيه الحجة)، فحُذِف؛ للإيجاز، مع الإستغناء عنه بالتوبيخ. والحجة عليهم: إقرارهم بالبشارة لمحمد ثم الكفر به، والإقرار بمثل

стр. 2721

آياته للأنبياء، ثم كفرهم بما جاء به محمد وجحدهم؛ فكان (١) ذلك مناقَضَةً منهم. ٧١ - قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ ذكرنا معنى (اللَّبْس) فيما تقدم (٢). و (الحَق) ههنا: التوراة التي أنزل على موسى، و (الباطِلُ): ما كتبوه بأيديهم وغيروه وحرفوه من نعت محمد ﷺ ، وخبره (٣)، في قول: الحسن (٤)، وابن زيد (٥). وقال قتادة (٦): لِمَ تخلطون (٧) الإسلام باليهودية والنصرانية؛ وذلك أنهم تداعوا إلى إظهار الإسلام في صدر النهار، والرجوع عنه في آخره؛ لتشكيك الناس فيه. وقوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ يعني أمر محمد ﷺ . قاله [قتادة] (٨)،

стр. 2722

ومقاتل (١). وقال عطاء (٢): يريد بـ ﴿الْحَقَّ﴾: النبي ﷺ . وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يعني: تعلمون الحق، وأنه رسول الله، وأن الإسلام دين الله. ونظير هذه الآية: قوله في البقرة: ﴿وَلَا تَلبِسُواْ اَلحَقَّ بِالبَاطِلِ﴾ (٣) الآية. ٧٢ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية، قال الحسنُ (٤)، والسدِّيُّ (٥): تواطأ اثنا عشرَ حَبْرًا من اليهود، وقال بعضهم لبعض: أظهروا الإيمان بمحمد ﷺ ، في أول النهار، وارجعوا عنه في آخر النهار؛ فإنه أحرى أن ينقلب أصحابه عن دينهم ويشكوا فيه؛ إذا قلتم: نظرنا في كتبنا فوجدنا محمدًا ليس بذاك، وقال مجاهد (٦)، ومقاتل (٧)،

стр. 2723

والكلبي (١): قال بعض اليهود لبعض: أظهروا الإيمان بالذي (٢) [أنزل] (٣) على محمد في أمر الكعبة، والصلاة إليها، أولَ النهار، ثم اكفروا به آخرَ النهار (٤)، وارجعوا إلى قبلتكم؛ لعلهم يَشُكُونَ فيرجعون إلى قبلتكم؛ فأطلع اللهُ نبيَّه على سرِّ اليهود ومكرهم. وقوله تعالى: ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾ قال ابن عباس (٥): أول النهار. والوَجْهُ في اللغة: مُسْتَقْبَلُ كلِّ شيء؛ لأنه أول ما يُواجَهُ منه، كما يقال لأول الثَّوْبِ: (وَجْهُ الثوب) (٦). روى (٧) ثعلب عن ابن الأعرابي: (أتيته بوجهِ نَهارٍ)، و (صدر نهار)،

стр. 2724

و (شباب نهار)؛ أي: أول النهار؛ وأنشد للربيع بن زياد (١): مَنْ كان مسرورًا بِمَقتَلِ مالِكٍ ... فَلْيَأتِ نِسْوَتَنا بِوَجْهِ نهارِ (٢). وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: عن دينهم (٣). وقال الكلبي (٤): إلى القبلة الأولى. ٧٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ الآية.

стр. 2725

قتادةُ (١)، والرَّبيعُ (٢)، والسُّدي (٣)، والحسنُ (٤)، وابن زيد (٥)، وأكثرهم: على أن هذا من كلام اليهود بعضهم لبعض؛ والمعنى: لا تصدِّقوا إلا لِمَن تبع دينكم اليهودية، وقام بشرائعكم. ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ من: العلم، والحكمة، والكتاب، والحجة، والمَنِّ والسَّلْوَى، والفضائل والكرامات. والتقدير: (٦) لا تُصَدِّقوا بأن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم، إلا لِمَنْ تبع دينكم. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ اعتراضٌ بين المفعول وفعله، وهو من كلام الله تعالى. قال ابن عباس (٧): ومعناه: إنَّ الدينَ دينُ اللهِ. ومثله في سورة البقرة: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ (٨) [البقرة: ١٢٠]. وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ التقدير: (بأن يُؤتى)؛ لأن الإيمان

стр. 2726

يتعدَّى بالجارِّ، فلمَّا حذفَ الجار من ﴿أَنْ﴾، كان موضع ﴿أَنْ﴾ على ما ذكرنا من الخلاف؛ في قول الخليل: يكون جَرًّا (١)، وفي قول سيبويه: يكون نصبًا (٢). وقد ذكرنا هذا الخلاف في مواضع. فأما الَّلام في ﴿لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، فقال أكثر النحويين (٣): إنها دخلت صِلَةً وتأكيدًا (٤)؛ كهي في قوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ (٥)؛ والمعنى: رَدِفَكم. وأنشد ابن الأنباري (٦) على هذا: ما كنتُ أَخدَعُ للخليلِ بِخُلَّةٍ ... حتى يكونَ ليَ الخليلُ خَدوعا (٧) قال: أراد: ما كنت أَخدَعُ الخليلَ، فزاد الَّلام.

стр. 2727

وقال الآخر: يَذمُّونَ للدنيا (١) وهم يَحْلِبونها ... أَفَاوِيقَ (٢) حتى ما يَدُرُّ لها ثُعْلُ (٣) أراد: يذمون [الدنيا. فأكَّدَ الكلامَ بالَّلام. وُيروى: (يَذُمُّونَ لِي الدنيا) بالياء. وقال] (٤) أبو علي الفارسي (٥): (الإيمان) لا يتعدَّى إلى مفعولين،

стр. 2728

فلا يجوز أيضًا أن يَتعَلَّقَ (١) بجارَّيْنِ، وقد تعلق بالجارِّ المحذوف من قوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ فلا يتعلق بالَّلام من (٢) قوله: ﴿لَمَنْ﴾، إلا أن يُحمَل (الإيمان) على معناه، فيَتَعدَّى إلى مفعولين، ويكون المعنى: ولا تقرُّوا بأنْ يؤتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم، إلا لِمَن تبع دينكم؛ كما تقول: (أقررت لِزيدٍ بألف)، فيكون اللامُ متعلقًا بالمعنى، ولا تكون زائدةً (٣) على حَدِّ ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ (٤)، و ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ (أحَدٌ) (٦) إنَّما يُستعمل (٧) لتعميم النفي؛ كقولك: (ما رأيت أحدًا مِنَ الناس) (٨). وههنا دخل (أَحَدٌ) للنفي الواقع في

стр. 2729

أول الكلام، وهو قوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾؛ كما دخلت (١) (مِنْ) في صِلَةِ (أنْ يُنَزَّلَ) في قوله: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ [البقرة: ١٠٥]. فكما دخلت (مِنْ) في صلة (أنْ يُنَزَّلَ)؛ لأنه مفعول للنَّفي الَّلاحق لأوَّلِ الكلام (٢)، كذلك دخل (أحدٌ) في [صِلَةِ (أنْ) في] (٣) قوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾؛ لدخول النفي في أول الكلام. والكلام في معنى (أحد)، قد تقدم عند قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]. وقوله تعالى: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ﴾ عطف على قوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾؛ المعنى: ولا تؤمنوا بأن يحاجُّوكم عند ربكم؛ لأنكم أصح دينًا منهم، فلا يكون لهم الحجة عليكم عند الله. قوله: ﴿يُحَاجُوكُمْ﴾، الضمير (٤) فيه ضمير الجماعة، وهو خبر عن ﴿أحدٌ﴾ في قوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾، وجاز ذلك؛ لأن الأسماء المنفردة قد تقع للشياع (٥) في المواضع التي يراد بها الكثرة؛ كقوله: ﴿يُخرِجُكم طِفْلاً﴾ (٦)، وقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (٧) [الفرقان: ٧٤]، وقوله:

стр. 2730

﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (١). وقد مضى مثل هذا في قوله: ﴿لَا نُفَرقُ بَينَ أَحَدٍ﴾ (٢). وقرأ ابن كثير: ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ (٣) بالمدِّ (٤). وعلى هذه القراءة يحتاج أن يستأنف الآية في بيان المعنى والنظم. فقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾؛ معناه على هذه القراءة: ما ذكره الزجَّاجُ، قال (٥): قالت اليهود بعضهم لبعض: لا تجعلوا تصديقكم للنبي ﷺ في شيء مما جاء به، إلا لليهود؛ أي: لا تخبروا أحدًا بصدق ما أتى به، إلا أن يكونَ منكم؛ فإنكم (٦) إن قلتم ذلك للمشركين كان (٧) عونًا لهم على تصديقه، ويكون معنى (الإيمان): الإقرار، كما ذكرنا، وأحد مفعوليه محذوف، والتقدير: لا تقروا إلا لليهود (٨) بصدق محمد. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ هو من كلام الله، معترض من كلام اليهود على ما ذكرنا. وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ ﴿أَنْ﴾ (٩) في موضع رفع

стр. 2731

بالابتداء (١)، ولا يجوز أن يُحمل على ما قبله؛ لقطع الاستفهام بينهما، وخبره محذوف؛ والمعنى: أأنْ (٢) يُؤتَى أحَدٌ، يا معشر اليهود، مثل ما أوتيتم من الكتاب والعلم، تصدقون به، أو تعترفون، أو تذكرونه لغيركم، أو تشيعونه في الناس؟ أو نحو هذا مما دلَّ عليه قوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. وهذا في قول من قال: (أزيدٌ ضربته) (٣)؟ ومن قال: (أزيدًا ضربته؟)، كان (أنْ) عنده في موضع نصب (٤). ومِثْلُ حَذْفِ خبر المبتدأ لدلالة ما قبل الاستفهام عليه: حَذْفُ الفعل في قوله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ﴾ [يونس: ٩١] التقدير (٥): آلآن أسلمتَ حين لا ينفعك الإيمانُ من أجل المعاينة؟. فحذف الفعل لدلالة ما قبل الاستفهام عليه. ومثل هذه الآية في المعنى: قوله: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٦]، وبَّخ بعضهم بعضًا بالحديث بما علموه من أمر النبي ﷺ ، وعرفوه من صفته.

стр. 2732

ولعل ابن كثير اعتبر هذه الآية في قراءته (١). فإن قيل: فكيف وجْهُ دخول ﴿أحدٌ﴾ في هذه القراءة، وقد انقطع من النفي [بِلحاقِ] (٢) الاستفهام (٣)، وإذا انقطع، كان (٤) الكلام إيجابًا وتقريرًا، فلا يجوز دخول ﴿أحدٌ﴾؟ قيل: يجوز أن يكون ﴿أحدٌ﴾ في هذا الموضع (أحدًا) الذي في نحو: (أحدٌ وعشرون)، وهذا يقع في الإيجاب، ألا ترى أنه بمعنى واحد؟. وقال أبو العباس (٥): إن (أحدًا)، و (وَحَدًا)، و (واحدًا) بمعنىً. وقوله تعالى: ﴿أَوْ يُحَاجُوكُمْ﴾ (أو) في هذه القراءة (٦) بمعنى: حتىَّ (٧)؛ ومعنى الكلام: أأن (٨) يُؤتَى أحدٌ مثل ما أوتيتم، تذكرونه لغيركم؛ حتى

стр. 2733

يحاجُّوكم عند ربكم؟. قال الفرَّاء (١): ومثله في الكلام: قولك: (تعلَّقْ به، أو يُعْطِيَكَ حقَّكَ)؛ أي: حتى. وقال امرؤ القيس: فقلتُ له لا تَبْكِ عينُكَ إنَّما ... نُحاوِلُ (٢) مُلْكًا أو تَموتَ فنُعْذَرا (٣) أي: حتى تموت. ومن هذا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وسنذكره إن شاء الله. فهذا (٤) وجهٌ، وأجود منه: أن نجعله عطفًا على الاستفهام؛

стр. 2734

والمعنى: أنْ يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم، أو يُحاجَّكم (١) أحدٌ عند الله، تصدِّقون به؟. وهذه الآية من مشكلات القرآن، وأصعبه تفسيرًا، ولقد تدبَّرت أقوال أهل التفسير والمعاني في هذه الآية، فلم أجدْ قولًا يطرد في الآية من أولها إلى آخرها مع بيان المعنى، وصحة النظم. وقد يسر الله تعالى بفضله ههنا سوق الآية في القراءتين على تفسيرٍ بيِّن، ونظمٍ صحيحٍ، وله المِّنة في ذلك. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس (٢): يريد: ما تفضَّل به عليك، وعلى أمَّتك. ٧٤ - قوله تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾ قال الحسن (٣)، ومجاهد (٤)، والربيع (٥): بنُبُوَّتِه. وقال (٦) ابن عباس: بدينه (٧).

стр. 2735

وقال ابن جريج (١): بالقرآن والإسلام. [و] (٢) قال عطاء (٣): يريد: اختصَّك وتفضل عليك وعلى أمَّتِك، بدينه ورحمته. ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ﴾. (٤) على أوليائه وأهل طاعته. ﴿الْعَظِيمِ﴾. لأنه لا شيء أعظم عند الله من الإسلام. والفَضْلُ في اللغة: الزيادة. وأكثر ما يُستعمل في زيادة الإحسان (٥). والفاضل: الزائد على غيره في خصال الخير. ثم كثر استعمال الفضل حتى صار لكل نفعٍ قَصَد به فاعلُهُ أن ينفع صاحبَهُ. ٧٥ - قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ﴾ الآية. قال عُظْمُ (٦) أهلِ التفسير: أخبر الله تعالى في هذه الآية اختلاف أحوال أهل الكتاب، في الأمانة والخيانة؛ ليكون المؤمنون على بصيرة في ترك الركون إليهم؛ لاستحلال أموالهم (٧). قال (٨) مقاتل (٩): يعني بـ (الذي يُؤَدِّي): مؤمني أهل الكتاب؛
следующие страницы →