← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

تقول: مع أهله، ومنه قوله (١): ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] معناه: لا (٢) تُضيفوا (٣) أموالهم إلى أموالكم في الأكل (٤). وقال أبو إسحاق (٥): (إلى) ههنا إنما قاربت معنى (مع)، بأن صار اللفظ لو (٦) عُبِّرَ عنه بـ (مع) (٧) أفاد مثل هذا المعنى، لا أنَّ (إلى) في معنى (مع) (٨). لو قلت: (ذهب زيد إلى عمرو)، لم يجز أن تقول: (مع عمرو) في (٩) هذا الموضع؛ لأن (إلى) غاية، و (مع) تضمُّ الشيءَ إلى الشيءِ، والمعنى في الآية: من يضيف نُصْرَته إيَّايَ إلى نُصْرةِ الله. والحروف (١٠)، إنما يقع بعضها مكان بعض؛ لنوع تقارب في المعنى؛ لا أنَّ (١١) أحدهما يقوم مقام الآخر، كقوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]؛ أي: على. وأصل (في): إنما هو للوعاء (١٢)، وأصل (على): لما علا [على] (١٣)

стр. 2662

الشيء، تقول: (التمرُ في الجِراب)؛ المعنى فيه: أنَّ الجِراب مشتمل عليه، ولو (١) قلت: (التمرُ على الجِرابِ)، لم يصلح (٢) في هذا المعنى. وجاز ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، بمعنى: على، لأن الجِذْع مشتمل على المصلوب، ولو قلت: (زيدٌ في الجبل)، و (على الجبل). [يصلح] (٣)؛ لأن (٤) الجبل قد اشتمل على زيد، فعلى هذا مَجاز هذه الحروف (٥). وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ اختلفوا في (الحواريِّين): فقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير (٦): كانوا

стр. 2663

صيَّادين، سُمُّوا حواريين؛ لبياض ثيابهم. قال السُدِّي (١): وذلك أنَّ عيسى [﵇] (٢) مرَّ بهم وهم يصطادون السمكَ، فقال: ما تصنعون؟ فقالوا (٣): نصطاد السمك. قال: أفلا تمشون حتى نصطاد الناس؟ قالوا: وكيف ذاك؟ قال: من أنصاري إلى الله؟ قالوا: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى بن مريم، عبد الله ورسوله، فآمنوا به، وانطلقوا، فهم الحواريُّون. قال ابن الأنباري (٤): وهذا قول بعض اللُّغَويِّين (٥)، يقول: الحواريُّون: النِظَافُ الثِّياب؛ من قول العرب: (قد حُرْت الثوبَ): إذا غسلته، ونَظَّفته، قال: وإنما يراد بنظافة الثياب: نظافةُ الأديان والأعمال. يقال: (فلانٌ نظيف الثياب): إذا كان صالحًا، و (دَنِسُ الثياب): إذا كان غادرًا و (٦) فاجرًا. قال امرؤ القيس: ثِيابُ بني عَوْفٍ طَهارى نقِيَّةٌ (٧)

стр. 2664

أراد بـ (الثياب): الأفعال. وقال [ابن عباس] (١) في رواية عَطَاء (٢): كانوا قَصَّارين (٣)، وكانوا يُحَوِّرُون الثياب؛ أي: يُبَيِّضونَها (٤).

стр. 2665

وهو قول مصعب (١)، قال (٢): كانوا مع عيسى، اتَّبعوه وصدَّقوه (٣)، وكانوا إذا احتاجوا إلى الطعام أو (٤) الشراب، دعا الله تعالى، فيخرج (٥) من الأرض ما يأكلون، وما يشربون، أينما كانوا. فقالوا له (٦): من (٧) أفضل منَّا؟ إذا شئنا أطعمتنا، وإذا شئنا سقيتنا، وقد آمنَّا بك!؟ فقال: أفضل (٨) منكم من يعمل بيده، ويأكل من [كسبه] (٩). قال: فصاروا يغسلون الثياب بالكراء، ثمَّ صار هذا الاسم مُستعمَلا فيمن أشبههم (١٠) من المُصدِّقين بأنبيائهم (١١)؛ تشبيهًا بهم. وروى جُوَيْبِر (١٢) عن الضحَّاك، قال (١٣): مرَّ عيسى ﵇ بغسَّالين،

стр. 2666

يغسلون الثياب، فدعاهم إلى عبادة الله ، فآمنوا، فسمَّاهم الله: حواريين. قال: وهي (١) بلغة النَّبَط (٢): هواري (٣). قال أبو بكر (٤): فمن أخذ بهذا القول، قال: هذا حرفٌ اشتركت فيه لغة العرب ولغة (٥) النَّبَطٍ. وهذا قول مقاتل بن سليمان: إنَّ الحواريِّين القصَّارون (٦). قال أبو بكر (٧):

стр. 2667

ويقال (١): الحوارُّيون: المجاهدون، وسُمِّيَ أصحابُ عيسى حواريين؛ لمجاهدتهم معه، وصبرهم على منازعة أهل الكفر، وأنشد: ونحن أناسٌ يملأُ البَيْضَ هامُنا ... ونحنُ حَواريُّون حينَ نُزاحِفُ. جماجمُنا يومَ اللقاءِ تِراسُنا ... إلى الموت نمشي (٢) ليس فيها تَجانُفُ (٣)

стр. 2668

والمختار من هذه الأقوال عند أهل اللغة: أنَّ هذا الاسم لزمهم للبياض. قال (١) أبو عبيد (٢): سُمَّي أصحاب عيسى الحواريين، للبياض، وكانوا قصَّارين. قال الفرزدق (٣): فقلت إنَّ الحوارِيَّات مَعْطَبَةٌ ... إذا تَفَتَّلْنَ (٤) من تَحْتِ الجَلابِيبِ (٥) يعني: النساء (٦). ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "الزُّبَير (٧) ابنُ (٨) عمَّتي، وحَواريَّ من

стр. 2669

أمَّتي" (١). قال أبو عبيد (٢): أصل هذا إنما كان (٣) بُدُوَّهُ (٤) الحواريُّون (٥)،

стр. 2670

أصحاب عيسى؛ سُمُّوا بذلك لأنهم كانوا يحوِّرون الثياب، وهو (١): التبييض، فلما كانوا هؤلاء أنصار عيسى دون الناس، قيل لكلِّ ناصرٍ نَبِيَّهُ: (حواريٌ)، تشبيها بأولئك. وروى (٢) ثَعْلَب عن ابن الأعرابي: الحوارُّيون: الأنصار، وهم خاصَّة الصحابة (٣)، وهذا معنى قول قتادة (٤)، والكلبي (٥)، وأبي رَوْق (٦)، قالوا: الحواريُّون: خَواصُّ عيسى، وأصفياؤه (٧). واختاره الفرَّاء (٨). وروى شَمِر عن ابن الأعرابي، أنه قال (٩): الحواري: الناصح، وأصله: الشيء الخالص. وكلُّ شيءٍ خَلَصَ لونُهُ، فهو: حَواري. والحواريَّات من النساء: النَّقِيَّاتُ الألوان والجلود. قال أبو عبيدة (١٠): يقال لنساء الأمصار: حواريات؛ لأنهنَّ تباعدن

стр. 2671

عن قَشَفِ الأعرابيات، وأنشد: فَقُلْ للحواريَّات يَبكِينَ غيرَنا ... ولا يبْكِينا إلاَّ الكلابُ النَّوابِحُ (١) واختار الزجَّاج هذا القول، وقال (٢): الحُذَّاقُ باللغة يقولون: الحواريون: صفوة الأنبياء، الذين خَلَصوا (٣)، وأخْلصوا في التصديق بهم، ونُصرتهم (٤).

стр. 2672

وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَنصَارُ الله﴾. أي: أنصار دين الله، آمنَّا بالله، واشهد يا عيسى بأنَّا مسلمون. ٥٣ - وقوله تعالى: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ قال عطاء، عن ابن عبَّاس (١): يريد: مِن النبيِّين (٢)؛ لأن كل نبي شاهدُ أمتِّهِ. قال: فنبَّأهم الله -تعالى- أجمعين، إجابة (٣) لهم، فأحيوا الموتى، وصنعوا كل ما صنع عيسى (٤). وقال أكثر أهل التفسير (٥): (اكتبنا [مع الشاهدين] (٦)): مع الذين شهدوا للأنبياء بالصدق. ومعنى (اكتبنا معهم): أَثبِت أسماءَنا مع أسمائهم؛

стр. 2673

لنفوز بمثل (١) ما فازوا، وننال مِن الكرامة مثل ما نالوا. ٥٤ - [و] (٢) - قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ﴾. أصل (المَكْر) في اللغة: السعي في الفساد (٣) في خفية، ومُداجاة (٤). قال الزجاج (٥): يقال: (مَكَرَ الليلُ، وأمْكَر): إذا أظلم (٦). قال ابن عباس (٧): يريد: أنَّ عامَّة بني إسرائيل كفروا به، وهَمَّوا بقتله، وتواطئُوا على الفتك به، فذلك مكرهم به. وقوله تعالى: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾. قال أهل المعاني (٨): المَكْرُ مِنَ (٩)

стр. 2674

المخلوقين: خِبٌّ (١) وخِداعٌ، وهو مِنَ الله: استدراجه العِبادَ. قال الله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢). قال ابن عباس في تفسيره (٣): كلَّما أحدثوا خطيئةً، جدَّدْنا (٤) لهم نعمةً. وليس المراد بـ (مَكْرِ اللهِ) في هذه الآية، هذا الوجه. ووجه (مكرِ اللهِ) بهم في هذه القصَّة، ما قال الزجاج، وهو أنه قال (٥): المكر من الله : المجازاة على ذلك، فسُمِّي باسمه، كقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، وقد مرَّ (٦)

стр. 2675

قال المفسرون: ومكْرُ اللهِ بهم في هذه القصَّه: إلقاءُ شَبَهِ عيسى على (١) من دَلَّ عليه، حتى صُلِب بَدَلَه. قال ابن عباس: وذلك أن أحد الإنجيلية (٢) ممن آمن به، نافَقَ، فدلَّ (٣) عليه، فجعله (٤) الله تعالى في سورة عيسى، فأُخِذ فَصلِبَ (٥).

стр. 2676

وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. أي: أفضل المُجازين بالسيِّئَة العقوبة. ٥٥ - قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى﴾. الآية. العامل في (إذ): قوله: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ (١). واختلف أهل التأويل في هذه الآية على طريقين: أحدهما: إجراء الآية (٢) على سياقها من غير تقديم ولا تأخير. وهو قول الحسن (٣)، والكلبي (٤)، وابن جُريج (٥)، وابن زيد (٦)، ومَطَر (٧)، قالوا: معنى

стр. 2677

﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابضك من غير موت. و (التَّوَفِّي): أخذُ الشيء وافيًا (١). وقد ذكرنا هذا فيما تقدم (٢). يدل على هذا القول: قوله: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ [المائدة: ١١٧]، أي: قبضتني إلى السماء (٣). فعلى هذا، معنى قوله: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابضك وافيا، لم ينالوا منك شيئًا (٤). وقال (٥) الربيع (٦): معناه: متوفيك وفاة نومٍ (٧)، للرفع (٨) إلى السماء،

стр. 2678

يدلُّ عليه: قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠]. قال ابن عباس في رواية الوالبي (١): معناه: إنِّي مميتك. ووجه هذا القول؛ ما قال وهبٌ (٢): توفَّى اللهُ عيسى ثلاثَ ساعات من النهار، ثمَّ أحياه، ورفعه إليه (٣). وقال الواسطي (٤): معناه: إنِّي متوفيك عن شهواتك و [عن] (٥) حظوظ

стр. 2679

نفسك؛ وذلك (١) أن عيسى لمَّا رُفع إلى السماء، صارت حالُهُ (٢) كحالِ الملائكةِ (٣) والطريق (٤) الآخر في هذه الآية: أنها على التقديم والتأخير. قال ابن عباس في رواية عطاء (٥): هذا مقدَّمٌ ومؤخَّرٌ، يريد: إني رافعك إليَّ، ومتوفيك بعد أن أُهبِطك إلى الأرض حتى تكون فيها، وتتزوج، وُيولَد لك، وتكون في أمَّة محمد، ومعهم حتى تموت. (٦) وفي حديث أبي هريرة: أنه يُدفن في حجرة النبي ﷺ ، فيقوم أبو بكر وعمر يوم القيامة بين رسولين: محمد وعيسى ﵉ (٧).

стр. 2680

قال الفرَّاء (١): يقال: إنَّ هذا مقَدَّمٌ ومؤَخرٌ؛ المعنى (٢): إني رافعك إليَّ، ومُطَهِّرُكَ من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إيَّاك إلى (٣) الدنيا. ومثله من المقدَّم والمؤخر، قوله: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١] (٤)

стр. 2681

[الآية] (١)، وقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [أي] (٣): و (٤) إلى سمائي ومحل كرامتي. فجعل ذلك رَفْعًا إليه؛ للتفخيم (٥) والتعظيم، ومثله، قوله: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩]، وإنما ذهب إبراهيم ﵇ من العراق إلى الشام، والتقدير: إلى أمر ربي، لأنه أمره بذلك المكان. وقوله تعالى: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. أي: مُخرِجُك مِن بينهم؛ لأن كونه في جملتهم، بمنزلة التنجيس له بهم. وقوله تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.

стр. 2682

قال ابن عباس في رواية عطاء (١): يعني بـ (الذين اتَّبعوه): الحواريّين ومن كان على دينهم. وقال قتادة (٢)، والربيع (٣)، والكلبي (٤)، ومقاتل (٥): هم أهل الإسلام من أمَّة محمد ﷺ ، اتَّبعوا دين المسيح، وصدَّقوه بأنَّه (٦) رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه. فوالله ما (٧) اتَّبعه من دعاه (٨) ربًّا. وقوله تعالى: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يحتمل أن يكونوا فوقهم بالبرهان والحُجَّة، ويحتمل بالعِزِّ والغَلَبَةِ. وقال ابن زيد (٩): وجاعل النصارى فوق اليهود، فاليهود: مُسْتذلُّون

стр. 2683

مقهورون، والنصارى وأهل الروم: لهم الملك والبسطة. و (الاتِّباعُ) على هذا القول، بمعنى: الادِّعاءُ والمحبَّة، لا بمعنى: اتِّباع الدين والمِلِّة (١). والاختيار: ما سبق من القولين. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾. عَدَل عن الغَيْبَة إلى الخطاب؛ لتَغليب الحاضر على الغائب، لمَّا دخل معه في المعنى، وهو محمد ﷺ . ووجه اتصال هذا الكلام بما قبله من المعنى: كأنَّه قيل: أمَّا الدنيا: فالحال فيها ما ذكرنا، وأما الآخرة: فيقع فيها الحكم في (٢) اختلافكم في الدين وأمر عيسى. ٥٦ - قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ الآية. العذاب (٣) في الدنيا: القتل الذي نالهم (٤)، وينالهم (٥)، وسَبْي الذراري، وأخذ الجزية. ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. أي: مالهم مَن يمنعهم مِن عذاب الله. ٥٧ - قوله تعالى: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ التَوْفِيَةُ: التكميلُ (٦) في الأداء. وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. أي (٧): يعذِّبهم، ولا يرحمهم، ولا

стр. 2684

يُثْنِي عليهم (١). ٥٨ - قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾: إشارة إلى ما تقدَّم من النبأ عن (٢) عيسى ومريم والحواريِّين. وقوله تعالى: ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾. قال ابن عباس (٣): يريد: نخبرك به. جَعَلَ إخبارَه به (٤)، وإظهارَهُ له (٥): تِلاوَةً، لأن التلاوة: إظهار وإخبار (٦).

стр. 2685

ويجوز أيضًا أن تكون (١) التلاوة (٢) لجبريل ﵇، والله تعالى يضيفها إلى نفسه (٣)؛ لأن تلاوة جبريل بأمر الله [تعالى] (٤). ومثله: ﴿نَحْنُ (٥) نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ (٦)، وأمثاله كثيرة. ومعنى ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾: أي (٧): من العلامات الدالة على تثبيت رسالتك (٨)؛ لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارئ كتاب أو من يوحى إليه، وقد علموا أنك أمِّيٌّ لا تقرأ. وقوله تعالى: ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾. يعني: القرآن. ولـ ﴿الْحَكِيمِ﴾ (٩) ههنا

стр. 2686

معنيان: أحدهما: أنه بمعنى: الحاكم، مثل: القدير، والعليم، ومعناه: ذو الحِكْمَةِ (١) في تأليفه ونظمه، وإبانة (٢) الفوائد فيه. [والحِكْمَة: أصله في اللغة: المنع عن الفساد. والقرآنُ حاكمٌ، على معنى: أنه بما فيه] (٣) من العِبَرِ والدِّلالات، مانع عن الكفر والفساد. وهذا كما وُصِفت الدِّلالةُ بأنَّها الدليلُ؛ لأنها بمنزلة الناطق بما فيها من البيان. وهذا الوجه، اختيار الزجَّاج (٤). الثاني: أنَّه بمعنى: المُحكَم، (فَعِيل) بمعنى: (مُفعَل). قال الأزهري (٥): وهو سائغ (٦) في اللغة؛ لأن (حَكَمتُ) يجري مجرى (أَحْكَمت) في المعنى، فَرُدَّ إلى الأصل. ومعنى (المُحْكَم) في القرآن: أنه أُحكِم بالأمر والنهي، وبيان الحلال والحرام. قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]. وهذا قول مقاتل (٧). قال: الحكيم: هو المُحكَمُ من الباطل. قال الليثُ (٨):

стр. 2687

وسمَّى الأعشى القصيدَةَ المحكَمةَ: (حكيمةً)؛ فقال (١): وغَرِيبَةٍ تأتي المُلوكَ حكيمةٍ ... قد قُلتُها ليُقالَ مَنْ ذا قالَها (٢). ٥٩ - و (٣) قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ (٤) الآية. نزلت في وَفْدِ نجران، حين قالوا للنبي ﷺ : (وهل رأيت ولدًا من غير ذكرٍ؟)؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية (٥). وقد ذكرنا معنى (المَثَل) فيما تقدم (٦)، وأن المراد به بيان أنَّ سبيلَ الثاني سبيلُ الأول. فالله تعالى قد ذكر في القرآن قصَّهَ آدَمَ، وإنشاءه إيَّاه من غير والدٍ، ثم دلَّ في هذه الآية على أنَّ سبيلَ الثاني (٧) وهو عيسى، في إنشائِه، وخَلْقِهِ من غير ذَكَرٍ سبيلُ الأول، وهو آدَم.

стр. 2688

وفي هذه الآية حجةٌ على من أنكر القياس؛ لأن الله تعالى احتجَّ فيها على المشركين، ولا يجوز أن يدلَّهم إلاَّ بما فيه دليلٌ. فقياس (١) خَلْقِ عيسى من غير ذَكَرٍ، كقياسِ خَلْقِ آدم، بل الشأن فيه أعجب؛ لأنه خُلِقَ من غير ذَكَرٍ ولا أنثى. وقوله تعالى: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾. أي: في الخَلْق والإنشاء. خَلَقَ عيسى من غير أب، كما خَلَقَ آدمَ من غير أبٍ ولا أُمٍ. وتمَّ الكلام عند قوله: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ (٢)، وهو جملةُ تامَّةٌ، وتشبيهٌ كاملٌ. ولو اقتصر عليه حصل المراد. قال: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ وهذا ليس بِصِلَه لـ ﴿آدَمَ﴾، ولا صِفَةٍ، لأن الصلة للمبهمات (٣)، والصفة للنكرات (٤)، ولكنَّهُ خبرٌ مستأنَفٌ على جهة التفسير لحال آدم (٥).

стр. 2689

قال الزجَّاج (١): وهذا كما تقول في الكلام: (مَثَلُك، مَثلُ زيدٍ). تريد: أنك تشبهه في فِعْلٍ، ثم تخبر بقصَّة زيد، فتقول: كذا وكذا. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. اختلفوا في المَقُولِ له ﴿كُنْ﴾: فالأكثرون (٢): على أنه (آدَمُ)، وعلى هذا يقع الإشكال في لفظ الآية؛ لأنه إنما يقول له: (كُنْ) قبل أن يخلقه لا بعده، وههنا يقول: ﴿خَلَقَهُ﴾ , ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾. والجواب: إنَّ الله تعالى أخبرنا أوَّلًا أنه خلق آدم من غير ذَكَر ولا أنثى، ثم ابتدأ خبرًا آخَرَ، أراد أَنْ يُخبرنا به، فقال: ثم (٣) إني أخبركم أيضًا بعد خبري الأول: أني قلت له ﴿كُنْ﴾، فكان، [فجاء] (٤) [(ثم)] (٥) لمعنى (٦) الخبر الذي تقدم، والخبر الذي تأخر في الذِّكْر، لا أن (٧)

стр. 2690

الخَلْقَ تقدم على قوله: ﴿كُنْ﴾، وهذا كما تقول للرجل: أخبرك أني أعطيتك اليوم ألفا، ثم إني أخبرك [أني] (١) قد أعطيتك (٢) أمس قبلَ هذا ألفا، فـ (أمس) متقدم (٣) لـ (اليوم)، وإنما جاء (ثم)؛ لأن خبَرَ اليومِ متقدمٌ خبرَ (٤) أمس، وجاء خبرُ أمس بعد مُضِيِّ (٥) خبرِ اليوم، ومثله قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: ٦]، وقد خُلِقت (٦) بعد خلق زوجها، ولكن هذا واقع على الخبر دون الخلق؛ لأن التأويل: أخبركم أني قد خلقتكم من نفس واحدة؛ لأن حوَّاء أيضًا خُلِقت من ضلعه، ثم إني أخبركم أني (٧) خلقت زوجها منها، ومثل هذا مما جاء في الشعر، قوله: قُلْ لِمَن سادَ ثمَّ سادَ أبوهُ ... ثم قد سادَ قبلَ ذلك جدُّهْ (٨)

стр. 2691

ومعلوم أن الأبَ متقدم له، والجدَّ متقدم للأب، ولكنه أخبر عن سيادته أولًا، ثم عن سيادة أبيه، ثم عن سيادة جدِّه؛ فالترتيب يعود إلى الخبر، لا إلى الوجود. ويجوز أن يكون المراد: أنه خلقه قالَبًا من تراب، ثم قال له: (كن بَشَرًا)، فيصح النظم (١). وقال بعضهم: المقول له ﴿كُنْ﴾: عيسى ﵇ (٢)، ولا إشكال على هذا. وفي قوله: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾، وجهان من التأويل: أحدهما: أن هذا دلالة على أنه تعالى يخلق الشيء من غير نصب ولا تعب؛ لا أنَّه يختلقه بقوله ﴿كُنْ﴾؛ لأنه لو أراد خلق شيء وُجد ذلك الشيء، وإن لم يقل له: (كن).

стр. 2692

والثاني: أن قولَه: ﴿كُنْ﴾، علامةٌ لما يريد خلقه وإنشاءه. وقوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ﴾. قال بعض النحويين (١): هو بمعنى: كان. وكذا فسَّره ابن عباس، فقال (٢): ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾، فَكانَ، فجرى عليه (٣) الروح. وقد ذكرنا أنه يجوز أن يراد بمثال المستَقبَلِ الماضي، مستقصىً عند قوله: ﴿تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾ (٤). وقال آخرون (٥): المعنى: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾، فيكون كما يأمر الله تعالى. وقوله: ﴿فَيَكوُنُ﴾، حكاية لتلك الحالة التي يكون فيها آدمُ كما شاءَ اللهُ. ٦٠ - قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ ارتفع ﴿الْحَقُّ﴾ عند الفراء (٦) والزجاج (٧) بخبر ابتداءٍ محذوف. المعنى: [(الذي أنبأناك من قصة] (٨)

стр. 2693

عيسى، الحَقُّ). أو: (ذلك النبأ في أمر عيسى، الحقُّ). فحُذِفَ؛ لتقدم ذِكْره، وأغنى حضورُ المعنى للنفس عن الإشارة إليه. وقال أبو عبيدة (١): هو استئنافٌ بعد انقضاء الكلام، وخبره: في قولك (٢): ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ [و] (٣) هذا كما تقول: الحقُّ من الله تعالى (٤)، والباطل من الشيطان (٥). وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد: نهي غيره عن الشكِّ، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٦) ويحتمل أن يكون المعنى: فلا تكن من الممترين أيُّها السامع للبرهان، من المكلفين كائنًا مَنْ كان. والامْتِراءُ: الشكُّ (٧). قال ابن الأنباري (٨): وهو مأخوذ من قول العرب: (مَرَيْتُ الناقةَ والشاةَ): إذا حَلَبْتهما (٩). فكأنَّ الشاكَّ يجتذب

стр. 2694

بِشَكِّه (١) سِرًّا، كاللبن (٢) الذي يُجتذَب (٣) عند الحلب. ويقال: (قد مارى فلانٌ فلانا): إذا جادله واستخرج غضبه (٤). ٦١ - قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ أي: في عيسى ﵇. وقيل (٥): الهاء تعود إلى ﴿الْحَقُّ﴾، في قوله: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾. أنَّ عيسى عبد الله ورسوله. ﴿فَقُل تَعَالَواْ﴾. أصله: (تعالَيُوا)؛ لأنه (تَفاعَلُوا)؛ من: (العُلُوِّ)، فاستُثْقِلت الضمة على الياء، فسُكِّنت، ثم حُذِفَت لاجتماع الساكِنَيْن. وأصله: العُلُوُّ والارتفاع. فمعنى (تعالَ): ارتفع. إلاَّ أنه أكثر (٦) في الاستعمال حتى صار لكل مجيء، وصار بمنزلة (هَلُمَّ) (٧). وقوله تعالى: ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾. فقال المفسرون (٨): لمَّا احتجَّ الله تعالى على النصارى من طريق القياس بقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى﴾ [آل

стр. 2695

عمران: ٥٩]، الآية؛ أمر (١) النبي ﷺ ، أن يحتجَّ عليهم من طريق الإعجاز وهو: المباهلة. ومعنى المباهلة: الدعاء على الظالم من الفريقين (٢). فلما نزلت هذه الآية، دعا رسول ﷺ وفد نجران إلى المباهلة، وخرج رسول الله ﷺ محتضنًا الحسينَ (٣)، آخذًا بيد الحَسَن (٤)، وفاطمة (٥) تمشي خلفه، وعَلِيٌّ خلفها، وهو يقول لهم: إذا أنا دعوت فَأَمِّنوا. فقال: أُسْقُفُّ (٦) نَجْران: يا

стр. 2696

معشر النصارى: إني لأرى وجوهًا لو سألوا الله أن يزيل جبلًا عن مكانه لأزاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة. ثمَّ قبلوا الجِزْيَةَ وانصرفوا. فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، إنَّ العذاب قد تدلَّى على أهل نجران، ولو تلاعنوا، لمُسِخوا قِرَدَةً وخنازيرَ، ولا ضطَرَبَ عليهم الوادي نارًا، ولاستأصل الله نجرانَ وأهلَهُ، حتى الطيرَ على الشجر، ولَمَا حالَ الحولُ على النصارى حتى هلكوا" (١).

стр. 2697

وقوله تعالى: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾. قال أهل المعاني: يعني بـ (الأنفس): بني العم. والعرب لا تستنكر أن تخبر عن ابن العم بأنه نفسُ ابن عمِّهِ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١)؛ أراد: إخوانكم من الدين (٢)، فأجرى (٣) الأخوَّةَ في (٤) الدين، مجرى الأخوَّةِ في (٥) القرابةِ (٦). وإذا (٧) وقعت النفس على البعيد في النسب، كان أجدر أن تقع على القريب في النسب والدين؛ وإنَّما قلنا هذا؛ لأن المتكلم لا يقول ادعوا فلانا وفلانا ونفسي؛ لأنه يكون حاضرًا.

стр. 2698

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ الابتهال في اللغة يكون على معنيين: أحدهما: التضرع إلى الله. والثاني: الالتعان، والدعاء بـ (البَهْلَةِ)، وهي: اللَّعْنَةُ. يقال: (عليه بَهْلَةُ اللهِ)؛ وبَهلتهُ؛ أي: لعنته (١). قال لَبِيد: في قُرومٍ سادةٍ مِن قومِهم ... نَظَرَ الدهرُ إليهم فابْتَهَلْ (٢).

стр. 2699

أي: دعا عليهم بالهلاك، وكلا (١) المعنيين مروي عن ابن عباس. قال (٢) في رواية الكلبي (٣): قوله ﴿نَبْتَهِلْ﴾ أي: نجتهد في الدعاء. وقال في رواية عطاء (٤): ندعُ (٥) الله باللَّعنة على الكاذبين. ٦٢ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ الآية. أي (٦): هذا الذي أوحيناه إليك من الآيات والحُجَجِ. فـ ﴿هُوَ﴾ (٧) ههنا يصلح أن يكون فَصْلًا وعِمادًا (٨)، ويكون ﴿الْقَصَصُ﴾

стр. 2700

خَبَرَ ﴿إِنَّ﴾. ويصلح أن يكون ﴿هُوَ﴾ ابتداءً، وخَبرُه: ﴿الْقَصَصُ﴾. وهما جميعًا خبرُ إنَّ (١). والقَصَصُ: مصدر قولهم: (قَصَّ فلانٌ الحديثَ، يقصُّه قَصًّا، وقَصَصًا) (٢). وأصله (٣): اتِّباعُ الأثر؛ يقال: (خرج فلانٌ قَصَصًا في أثر فلان)، و (قَصًّا) (٤)؛ وذلك إذا اقتصَّ أثَره، ومنه قوله تعالى: [﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]. وقيل للقاصِّ يقصُّ (٥) لأتباعه خبرًا بعد خبر] (٦)، وسَوقه الكلامَ سَوقًا. فمعنى (٧) (القَصَص): الخبر الذي تَتَابَعُ (٨) فيه المعاني.
следующие страницы →