← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

وأما من قرأ ﴿لَمَا﴾ بفتح اللام (١)؛ فـ (ما) (٢) في هذه القراءة، يحتمل (٣) تأويلين: أحدهما: أن تكون موصولة. والآخر: أن تكون للجزاء (٤). فمن قدَّرها موصولةً: كان القول فيها كما ذكرنا في قراءة حمزة. واللاّم في (لَمَا)، لام الابتداء، وهي المتلقية (٥) لِما أُجري مجْرى القَسَم، لأن قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾، بمنزلة القَسَم، كأنَّ المعنى: استحلفهم. وموضع (ما) رفع بالابتداء. والخَبَرُ: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾. و ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ (٦)، متعلق بِقَسَم محذوف؛ المعنى: والله لتؤمنن به. فإن قدرت (ما) للجزاء، كانت (ما) في موضع نصب بـ ﴿آتَيْتُكُمْ﴾. و ﴿جَاءَكُمْ﴾ في موضع جزمٍ بالعطف على ﴿آتَيْتُكُمْ﴾، واللاّم الداخلةُ على (ما) لا تكون المتلقية (٧) للقسم، ولكن تكون بمنزلة اللّام في قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ [الأحزاب: ٦٠] [والمتلقية للقسم؛ قوله (٨): ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾، كما أنها في

стр. 2767

قوله ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾] (١)، قوله (٢) ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ [الأحزاب: ٦٠]. وهذه اللاّم الداخلة على (إنْ) في ﴿لَئِنْ﴾، لا يعتمد القَسَمُ عليها؛ فلذلك جاء حذفها تارةً، وإثباتها تارة؛ كما قال (٣): ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾ [المائدة: ٧٣]، فَتَلْحَقُ هذه اللاّم مرة [(إنْ)] (٤)، ولا تَلْحَقُ أخرى، كما أنّ (أنْ) كذلك في قولهم: (واللهِ أَنْ لو فعلتَ لفعلتُ)، [و] (٥) (واللهِ لو فعلتَ لفعلتُ) (٦). وهذه اللاّم بمنزلة (أَنْ) الواقعة مع (لو). وهذا مذهب سيبويه (٧)، وهو يُقدِّر (ما) ههنا للجزاء (٨)، وانما لم يحمله على أن (ما)

стр. 2768

موصولة، بمنزلة الذي؛ لأنه لو حمله على ذلك، للزم أن يكون في الجملة المعطوفة على الصلة، ذِكرٌ يعود على الموصول، فلما لم ير (١) ذلك، ولم ير أن يضع المُظْهَر موضع المُضْمَر كما يراه أبو الحسن عَدَلَ عن القول: بأن (ما) موصولة، إلى أنها للجزاء، ولم يحملها على الحذف من المعطوف على الصلة؛ لأنه ليس بالكثير، ولا بموضع (٢) يليق به الحذف. و (ما) إذا كانت للجزاء، لا تحتاج إلى عائدِ ذِكرٍ، كما تحتاج إليه (ما) التي بمنزلة (الذي)؛ لأن (ما)، إذا كانت جزاءً، مفعولٌ بها، والمفعولُ لا يحتاج إلى عائدِ ذكرٍ. وهذا الوجه اختيار الزجاج؛ لأنه قال (٣): أجوَد الوجهين: أن يكون (٤) (ما) للشرط والجزاء؛ لأن الشرط يوجب أن كل ما وقع من أمر الرسول (٥) فهذه طريقته. وأبو عثمان المازني أيضًا اختار هذا الوجه، فقال (٦): الوجه عندي: أن يكون (٧) (ما) للجزاء؛ لأن الفعل الماضي إنما يكون في معنى

стр. 2769

المستقبل، في الجزاء لا في غيره، والمعنى: أنه أخذ ميثاقهم على أن ينصروه ويؤمنوا بما يأتيهم فيما يستقبل من كتاب وغيره. والدليل على أن ﴿آتَيْتُكُمْ﴾، ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ﴾، معناه مستقبل: قوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾، وإذا كان جزاءً كانت اللاّمُ توكيدا. وقد قال سيبويه (١): ومثل هذه الآية؛ قوله: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٨]، فهذا جزاء، والفعل (٢) الماضي في معنى المستقبل، ولام القسم التي تعتمد عليها اللاّم في ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ وهي وإن كانت مؤخرة فمعناها التقديم. وقوله تعالى: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ تقديره (٣): أول الكلام في قول من قدّر (ما) جزاء، والتمثيل: (وإذ أخذ اللهُ ميثاق النبيين لتؤمنن به)، وجواب الشرط، محذوف مستغنى عنه؛ لدلالة لتؤمنن به، الذي هو جواب القسم عليه، كما أن قولك: (لآتِيَنَّك إنْ أتيتني)، كذلك؛ والمعنى: (واللهِ، لآتِيَنَّك إنْ أتيتني). فيكفي جوابُ القسم من جواب الجزاء، وإذا كانت بمعنى الجزاء على ما (٤) وصفنا فيكون تقدير المعنى: لأَنْ آتيتكم شيئًا من كتاب وحكمة، -ومهما آتيتكم- ثم جاءكم رسول، لتؤمنُنَّ به.

стр. 2770

فإن قيل: ميثاق الإيمان بمحمد ﷺ ، وسائر الرسل، مأخوذ على جميع النبيين ما (١) أوتوا الكتاب، وانما أوتي (٢) بعضهم؟. قيل: هذا على التغليب؛ فالذكر ذكر الأنبياء الذين أوتوا الكتاب، والمراد: هم، وغيرهم ممن لم يُؤتَ الكتاب، ودخلوا في جملتهم؛ لأنهم بمنزلة من أوتى الكتاب بما أوتوا من الحُكْم والنبوة، وأيضًا فإن الذين لم ينزل عليهم الكتاب أمروا بأن يأخذوا بكتاب نَبِيٍّ (٣) قبلهم، ورُزِقوا علمَ ذلك الكتاب، فدخلوا تحت صفةِ أبناء الكتاب. وقرأ (٤) نافع: ﴿آتَيْنَاكُم﴾ (٥)، وحجته قوله: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء:٥٥]، ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]، ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: ١١٧]. ومن قرأ: ﴿آتَيْتُكُم﴾، فحجته قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الحديد: ٩]، و ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣]، و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١]. والقراءة الأولى: أشبه بكلام البلغاء والملوك، ومن الفصاحة تغيير العبارة عن الواحد إلى الجمع، وعن الجمع إلى الواحد، كقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ

стр. 2771

هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ (١) [الإسراء: ٢] ولم يقل: من دوننا، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾. والقراءة الثانية: أشبه بما قبله مِنْ قولِهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ﴾، وبما بعده من قوله: ﴿إِصْرِى﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ قال ابن الأنباري (٢): وإنّما خاطب، فقال: ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ بعد أن ذكر النبيين وهم غيب؛ لأن في الكلام معنى قول وحكاية، يراد: واذ أخذ الله ميثاق النبيين، فقال مخاطبًا لهم: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾. قال (٣): ونظائر هذا كثيرة (٤). وقوله تعالى: ﴿مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾. دخلت ﴿مِنْ﴾ تبيينًا لـ (ما)؛ كقولك: (ما عندي من الوَرِقِ (٥) والعَيْنِ) (٦).

стр. 2772

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾. يقال: ما وَجْه (١) قوله: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ﴾، والنَّبِيُّون لم يأتهم الرسولُ، وإنما يُبْعَثُ الرُّسُلُ إلى الأمم، لا إلى الرُّسُلِ؟. قيل: يجوز أن يُعْنى بذلك أهل الكتاب في المعنى (٢)؛ لأن الميثاق إذا أُخذ على النبيين، فقد أُخذ على الذين أوتوا (٣) كُتُبَهُمْ من أممهم. وعامَّة ما يُشْرع للأنبياء (٤)، قد (٥) شُرعَ لأممهم وأتباعهم؛ يبين ذلك: أن الفروض التي تلزمنا تلزمُ نبينا (٦) ﵇؛ وإذا كان كذلك؛ فأخذ (٧) الميثاق على النبيين، كأَخْذ الميثاق على الذين أوتوا كتبهم من أممهم، ومن ثَم جاء ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، فجُمع النبي ﷺ ومن تبعه في الخطاب الواحد، وهذا من جهة المعنى. قال ابن الأنباري (٨): إنما أخذ الله ميثاق النبيين (٩)، بأن يؤمنوا برسل

стр. 2773

الله جل وعز بعدهم، فإذا آمنوا بهم، لزم أُمَمَهم الاقتداءُ بهم، والسلوكُ لمنهاجهم. وجواب آخر من طريق اللفظ (١)، وهو: أن يكون المراد: وإذ أخذ ميثاق أممِ النَّبِيِّين وأتباع النَّبِيِّين، شَرط عليهم أنبياؤُهم أن يؤمنوا بكل نَبِيٍّ يبعثه الله ولا يكذبوه، ولا يدخلوا في جملة أعدائه، وأخذوا بذلك عهودهم، فقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾، وهو يريد: ميثاقَ تُبّاع النَّبيين، فحَذَف المضاف. وقال صاحب النظم: معنى النَّبِيِّين ههنا: معنى أُمَمِهم، وصار ذكرهم كالقبيلة للأمم، كما يقال: قَيْس، وتَمِيم، وبَكْر، وهي أسماء رجال بأعيانهم، نُسِب أولادهم إليهم، فصاروا قبائل. ومنه قول الشاعر: أتَسأَلُني السويَّةَ وَسْطَ زَيْدٍ ... ألا إنَّ السَّوِيَّةَ أنْ تُضامُوا (٢) فـ (زيد) ههنا قبيلة لأصحابه؛ لذلك قال: (وَسْطَ زيد). وقوله تعالى: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾. إن قيل: ما معنى: أخْذَ ميثاق النبيين بِنُصْرَةِ مَن لم يَلْقَوْهُ، ولم يدركوا زمانَه؟. قلنا: قد بَيَّنّا (٣) أن المراد بـ ﴿النَّبِيِّينَ﴾: أتباعهم وأممهم. فعلى هذا؛

стр. 2774

لا كلام. وإن (١) قلنا: المراد: هُم، ثم (٢) تتبعهم الأُممُ؛ فمعنى النصر ههنا: أن ينصروه بتصديقه عند قومهم. قال المفسرون في هذه الآية: إن الله تعالى أخذ الميثاق على الأنبياء بتصديق بعضهم بعضًا. وهذا قول: سعيد بن جبير (٣)، وقتادة (٤)، وطاوس (٥)، والحسن (٦)، والسدّي (٧). وقال علي بن أبي طالب ﵁ (٨): لم يبعث الله ؛ (٩) نَبِيًّا، آدَمَ ومَن بَعده، إلا أَخَذَ (١٠) عليه العهد في محمد وأمره (١١)، وأخذ العهدَ

стр. 2775

على قومه لَيُؤمِنُنَّ به، ولَئِن بُعث وهم أحياء لَيُنْصُرُنَّهُ. وقال ابن عباس: يريد بـ ﴿مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾: عَهْدَهُم؛ ليشهدوا بمحمد ﷺ ، بأنه رسول الله. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾. يريد: محمدًا ﷺ . ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾، يريد: إن أدركتموه. فالآية (١) عامة في جميع النبيين؛ على قول: سعيد بن جبير ومَن تابَعَهُ، وخاصَّة في النبي ﷺ ، على قول: عَلِيٍّ، وابن عباس ﵄. وهذا هو الأصح؛ لأن المراد بالآية: التَنْوِيه بذكر محمد ﷺ بما أُخِذ على النبيين مِن التصديق به، واعتماد النصرة له، مع الاحتجاج على أهل الكتاب باتِّبَاع سبيلِ النبيبن فيه (٢). وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ﴾ أي: قال الله تعالى للنبيين: أأقررتم بالإيمان به والنصرة له. و (الإقرار) في اللغة منقول بالألف (٣)، من: (قَرّ الشيءُ، يَقِرُّ) (٤): إذا ثبت، ولزم مكانه، و (أَقَرَّهُ غيرهُ). والمُقِرُّ بالشيء: يُقِرُّهُ على نفسه؛ أي: يُثْبِتُهُ (٥).

стр. 2776

وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ أي: قبلتم عهدي (١). والأخذ؛ بمعنى (القَبُول) (٢)، كثيرٌ في الكلام؛ كقوله: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]؛ أي: لا يُقبل فِدْيَةٌ (٣). وقال: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤]، أي: يقبلها. ومضى الكلام في معنى (الإصْر) (٤). وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا﴾ أي (٥): قال الله للنبيين: فاشهدوا (٦) أنتم على أنفسكم، وعلى أتباعكم، وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعليهم. وهذا القول، يُروى عن عَلِي ﵁ (٧). وقال الزجاج (٨): ﴿فَاَشْهَدُوا﴾ أي: فبينوا (٩)؛ لأن الشاهد هو الذي يصحح دعوى المدعي، ولبينها، وشهادة الله للنبيين: تبيينه (١٠) أمر

стр. 2777

نبوتهم بالآيات المعجزات (١). وحكي عن سعيد بن المُسَيّب أنه قال (٢): هذا الخطاب للملائكة، قال الله تعالى للملائكة) (٣): اشهدوا عليهم بإقرارهم؛ فيكون خطابًا لمن لم يتقدم ذِكْرُهُ (٤). ٨٢ - قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ هذا شرط (٥)؛ وقد ذكرنا أن الفعل الماضي معناه: الاستقبال في الشرط والجزاء، وإنما جاز وقوع الماضي موقع المستقبل في الجزاء؛ لأن حرف (٦) الجزاء لمّا كان يعمل في الفعل، قوي على نقله من معنى المضي إلى الاسقبال، وذلك إشارة إلى أخذ الميثاق. قال ابن عباس (٧): يريد: فمن أعرض عما جئت به، وأنكر ما عاهد الله عليه. وقال الزجاج (٨): فمن تولى؛ أي: أعرض عن الإيمان بعد أخذ الميثاق، وظهور آيات النبي ﷺ .

стр. 2778

وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ دخلت الفاء في (أولئك)؛ لأنه جواب الشرط؛ وإنما تدخل (١) الفاءُ في جواب الشرط؛ لأن الثاني يجب بوجود الأول بلا فصل؛ كقولك: (إنْ تأتِنِي فَلَكَ درهمٌ)، فوجوب الدرهم، بالإتيان عقيبَه بلا فصل؛ فلذلك جاء بالفاء. و ﴿أُولَئِكَ﴾: ابتداء؛ و (٢) ﴿هُمُ﴾: ابتداءً ثانٍ، و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾: خبره، و ﴿هُمُ﴾ (٣) مع خبره: خَبَرُ ﴿أُولَئِكَ﴾، ويصلح أن يكون ﴿أُولَئِكَ﴾: ابتداء؛ و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾: خبرَهُ، و ﴿هُمُ﴾: عِمَاد وفَصْلٌ؛ لا موضع له. ومعنى (الفاسقين) ههنا؛ أي: الذين خرجوا عن القصد، وعن جملة الإيمان. قاله الزجاج (٤). ٨٣ - قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ دخلت الفاءُ في ﴿أَفَغَيْرَ﴾ لأنه عطف جملة على جملة (٥)، وكذلك (٦) لو قيل: (أَوَغَير)، إلّا أَنَّ الفَاءَ تُرتِّبُ (٧)؛ كأنه قيل: أَبَعد أَخْذِ الميثاق، غَيرَ دينِ الله يبغون؟. واختلفوا في الياءِ والتّاءِ، من قوله: ﴿تَبغُون﴾: فمن قرأ بالتاء (٨)؛ فلأن ما قبله خطاب؛ كقوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ﴾.

стр. 2779

ومن قرأ بالياء (١)؛ فوجهه: أن الله تعالى أخبر في الآية السابقة، عن أخذ الميثاق على اليهود والنصارى وغيرهم، فلما كفروا، أخبر عنهم على جهة الاستنكار، فقال (٢): ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾. وقرأ أبو عمرو: ﴿يَبْغُونَ﴾ بالياء، و ﴿تُرجَعُونَ﴾ بالتاء (٣)؛ لأن الأول: خاص لليهود (٤) وغيرهم (٥)، والثاني: عامٌّ لجميع المكلفين (٦). وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾. روى (٧) أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ ، قال في هذه الآية: "الملائكة، أطاعوه في السماء؛ وعبد القيس في الأرض" (٨).

стр. 2780

وبهذا (١)؛ قال ابن عباس في رواية عطاء (٢): قال: يريد بأهل السموات: الملائكة. وبأهل الأرض: المهاجرين والأنصار وعبد القيس، طوعًا، والناس كرهًا. وهذا قول الحسن (٣). وقال قتادة (٤): المؤمن، أسلم طائعًا فنفعه (٥) ذلك، وقبل منه، والكافر، أسلم كَرْهًا في وقت البأس والمعاينة، حين (٦) لا ينفعه ذلك، ولا

стр. 2781

يُقبَل منه، يدل عليه قولُه: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥]. وقال ابن كَيْسان (١)، والزجاج (٢): أي: خضعوا وانقادوا من جهة ما فطرهم عليه، ودَبَّرَهُم به، لا يمتنعُ مُمْتَنِعٌ مِن جِبِلَّةٍ جُبِلَ (٣) عليها، ولا يَقدِرُ على تغييرها، أحب تلكَ الجِبِلَّةِ أو كرهها؛ يدل على تصديق هذا القول: قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ لأن المعنى: أنه بدأكم على إرادته، شئتم أو أبيتم، وهو يبعثكم كما بدأكم، والتأويل: أتبغون دينا غير دين (٤)؛ الذي هذه صفته. وفي قوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ وعيد لهم؛ أي: أتبغون غير دين الله، وتزيغون عن الله، مع أن مرجعهم إليه، فيجازيهم على رفضهم دينه، وأخذهم سواه. وقوله: ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ الطَّوْعُ: الانقياد؛ يقال: (طاعَهُ، يَطُوعُه، طوعًا) (٥): إذا انقاد له، وخضع. فإذا مضى لأمره (فقد أطاعَهُ)، وإذا وافقه، (فقد طاوَعَهُ) (٦).

стр. 2782

وقال ابنُ السِّكِّيت (١): يقال: (طاعَ لهُ، وأطاعَهُ)، سواء، فَمَن قال: (طاعَ)، قال: (يَطَاعُ)، ومن قال: (أطاعَ)، قال: (يُطيعُ). فحصل في (الطَّوْع) لغتان: (طاعً يَطُوعُ)، و (طاعَ يَطاعُ). وانتصب ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾؛ على أنه مصدرٌ وقع موقع الحال؛ وتقديره: طائعًا (٢) أو كارهًا (٣)؛ كقولك: (أتاني رَكضًا)؛ أي: راكضا؛ ولا يجوز: (أتاني كلاما)؛ أي: متكلمًا؛ لأن الكلام ليس بِضَرْبٍ للإتْيَانِ. ٨٤ - قوله تعالى ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية. في هذه الآية إنكارٌ (٤) على الكفار من اليهود والنصارى، فيما ذهبوا إليه (٥) من الإيمان ببعض النبيين دون بعض، وأمْرٌ للنبي ﷺ ، وأمته، أن يقول: آمنا بالله وبجميع الرسل، وما أنزل عليهم: لا نفرق بين جميع الرسل في الإيمان (٦) بهم، كما فعلت اليهود والنصارى. وأجرى أوَّلَ الآية على التوحيد، وآخِرَها على الجمع، في قوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ﴾، ﴿وَنَحْنُ﴾ لدخول أمة محمد ﷺ في هذا الإقرار معه. ٨٥ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ الآية.

стр. 2783

قال ابن عباس (١): يريد: خَسِرَ (٢) ثوابَ الله، وصارَ إلى عذابِهِ؛ وخَسِرَ الحُورَ العِيْنِ. وقال الزجاج (٣): يعني: خَسِرَ عَمَلَهُ؛ حيث لم يُجازَ بِهِ (٤) الجنَّة والثوابَ. ٨٦ - قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾. قال ابن عباس (٥): نزلت في اليهود (٦): قَرَيظة والنَّضِير، ومَن دانَ بدينهم؛ كفروا بالنبي ﷺ بعد أن كانوا قبل مَبْعَثِهِ مؤمنين، وكانوا يَشهَدُون له بالنبوة، فلما بُعِثَ، وجاءهم بالآيات المعجزات، كفروا بغيًا وحَسَدًا (٧).

стр. 2784

وأصل (كيف): أنها للاستفهام والاستخبار عن الحال. ودخلت ههنا للإنكار؛ وذلك أن المسئول يُسألُ لأغراضٍ مختلفة، فقد يُسأل للتعجيز عن إقامة البرهان، وقد يُسأل لتوبيخ، بما يظهر من معنى الجواب. وقد ذكرنا فيما مضى (١): لِمَ جازَ أن يَقَعَ الاستفهام موقعَ الإنكار؟ ومثل هذا قول ابن الرُّقَيّات (٢):

стр. 2785

كيفَ نَوْمِي عَلَى الفِراشِ وَلَمّا ... يَشْمَلِ الشامَ غارَةٌ شَعْوَاءُ. (١). أي: لا نوم لي، ولا أنام. ومثله قوله: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٧] أي: لا يكون لهم عهد. قال (٢) الزجاج (٣): أعلم الله أنه لا جهة لهدايتهم؛ لأنهم قد استحقوا أن يُضلُّوا بكفرهم؛ لأنهم قد كفروا بعد البَيِّنات. وقوله تعالى: ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾.

стр. 2786

عطف بالفعل على المصدر؛ لأنه أراد بالمصدر الفعل؛ تقديره: (كفروا بالله بعد أن آمنوا). فهو عطفٌ على المعنى؛ كما قال: لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي ... أَحَبُّ إليَّ مِن لُبْسِ الشُّفُوفِ (١) معناه: لأن ألبس عباءة، وتَقَرَّ عيني (٢).

стр. 2787

وزاد (١) صاحبُ النظم لهذا بيانا، فقال (٢): قوله: ﴿وَشَهِدُوا﴾ منسوق على ما يمكن في التقدير؛ وذلك أن قوله: ﴿بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ يمكن أن يكون: (بعد أن آمنوا)، و (أَنْ) الخفيفة مع الفعل، بمنزلة المصدر، كقوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]، أي: والصوم. ومثل هذا ممّا حُمِلَ عَلَى الإمكان (٣) قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ﴾ (٤)، فهو (٥) عطف على قوله: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾، ويمكن فيه: إلا أَنْ يوحى إليه. فلمّا كان قوله (٦): ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ بمعنى: يوحى إليه، حمله على ذلك. ومثله من الشعر، قوله: فَظَلَّ طُهاةُ اللَّحْمِ مِنْ بَيْنِ مُنْضِجٍ ... صَفِيفَ (٧) شِواءٍ أو [قَدِيرٍ مُعَجَّلِ] (٨)

стр. 2788

خَفَضَ قولَه: (قَدِيرٍ) (١)؛ لأنه عَطْفٌ على ما يمكن في قوله: (مُنْضِجٍ)، لأنه أمكن أن يكون مضافًا إلى الصَّفِيفِ (٢)، فحمله على ذلك (٣). وقوله (٤) تعالى: ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. يجوز أن يريد بـ ﴿الْبَيِّنَاتُ﴾: ما بُينَ في التوراة والإنجيل. وهو قول ابن عباس (٥). ويجوز أن يريد: ما أتى به (٦) النبي ﷺ من الكتاب والآيات المعجزات. وفي هذا تبعيد لهم من حال الهداية، وبيان لاستحقاقهم الكفر بفعلهم. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس (٧). يريد: لا يرشد من نقض عهود (٨) الله، وظلم نفسه.

стр. 2789

وهذا خاص فيمن (١) علم الله منهم أنهم لا يؤمنون، وأراد ذلك منهم. ٨٧ - قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [آل عمران: ٨٧]. قال ابن عباس (٢): يريد: المؤمنين (٣). فعلى هذا؛ ﴿النَّاسِ﴾، خاصٌ؛ ولكنَّه لمَّا ذكر الثلاثة، قيل: ﴿أَجْمَعِينَ﴾. وقال الزجاج (٤): معنى (لَعْن الناسِ أجمعين لهم): أن بعضَهم يوم القيامةِ يَلعَنُ بعضًا، ومَن خالَفَهم؛ يلعنهم في الدنيا. فقد استقرَّت عليهم لعنةُ الجميع، وإن كان على التفريق. ٨٨ - قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ نصبٌ على الحال مما قبله، وهو قوله: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ (٥).

стр. 2790

وقوله تعالى: ﴿فِيهَا﴾ قال ابن عباس (١): في جهنم. فعلى هذا؛ الكنايةُ (٢) عن (٣) غيرِ مَذْكورٍ (٤). وقال الزجاج (٥): أي: فيما توجبه اللعنة؛ [أي: في عذاب اللعنة] (٦). وقال بعضهم (٧): الكناية راجعة إلى اللعنة. ومعنى (خلودهم في اللعنة): استحقاقهم دائمًا لها، مع ما (٨) توجبه من أليم العقاب، بدوامها. وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ معنى (الإنظار): تأخير العبد، ليُنظَرَ في أمره (٩)؛ أي: لا (١٠) يُؤخرون عن وقتهم المؤقت (١١) لعذابهم.

стр. 2791

٨٩ - قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ موضع ﴿الَّذِينَ﴾: نصبٌ، استثناء من قوله: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ والتوبةُ لا تكون إلا بعد الذنْبِ، ولكنْ فيه دلالةٌ على معنًى تابوا منه؛ وذلك أن التوبة مِن غير الرِّدَّةِ لا ينفع (١) في التَّخَلُّصِ منها (٢)، كما أن التوبةَ من ذَنْبٍ لا ينفعُ في التخلص من ذَنْب آخر (٣). وقوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ قال ابن عباس (٤): يريد: راجعوا الإيمان بالله، والتصديق بِنَبِيِّهِ، وأَصلَحُوا أعمالَهم. وقال الزجاج (٥): معنى ﴿وَأَصْلَحُوا﴾: أظهروا للناس أنهم كانوا على ضلال، وأصلحوا ما كانوا أفسدوهُ مِن تَغْرِيرِهم مَن تَبِعَهم (٦)، مِمَّن لا علم عنده. وشَرَطَ مع (٧) التوبةِ الإصلاحَ؛ لإزالة الإيهام أنهم إذا تابوا من الارتداد، [لم] (٨) يضرهم غيرُهُ مِنَ الفساد؛ وعلى ذلك، قال (٩): ﴿إِلَّا الَّذِينَ

стр. 2792

آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (١)؛ لإزالة الإيهام: أنَّ مَن كان مؤمنًا (٢)، لم (٣) يضره ما عمل بعد ذلك مِن الجُرْمِ. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ دخلت الفاءُ في: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾؛ لِشَبَهِ الجزاء، إذ (٤) كان الكلامُ قد تضمن معنى: (إنْ تابوا؛ فإنَّ الله يغفر لهم). وقوله تعالى: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال الزجاج (٥): أعلم الله أنَّ مِن سَعَةِ (٦) رحمته وتفضله، أنْ يغفرَ لِمَن اجترأ عليه هذا الاجتراء؛ وذلك أنَّ الذي (٧) فعلوا، لا غايةَ وَرَاءَهُ فِي الكفر، وهو: أنَّهم كفروا بعد (٨) تبَيُّنِ الحقِّ. ٩٠ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ قال ابن عباس (٩): نزلت في اليهود؛ كفروا بعد إيمانهم بمحمد، وتصديقِهم إيّاهُ قَبْلَ (١٠) بِعثتِهِ (١١).

стр. 2793

﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ بالإقامة على كفرهم حتى هلكوا عليه. قاله مجاهد (١). وقال الحسن (٢): ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ أي: كلَّما نزلت آية على محمد ﷺ ، كفروا بها. وقال قتادة (٣): إنَّ اليهود كفروا بعيسى والإنجيل، بعد إيمانهم بأنبيائهم وكتبهم، ثم ازدادوا كفرًا، بكفرهم بمحمد والقرآن. ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾.

стр. 2794

قال الحسن (١)، وقتادة (٢)، وعطاء (٣): لأنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت، والله تعالى يقول: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٤)، الآية. وقال ابن الأنباري (٥): لن تُقبل توبتهم التي تقدمت في حال إيمانهم وتصديقهم محمدًا ﷺ لأن الله لا يَقبَلُ مع الإقامة على الشرك توبَةً متقادمةً (٦)، ولا عَمَلًا حَسَنًا ماضيًا مرجوعًا عنه إلى ضدِّه. ٩١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا﴾ إلى قوله: ﴿مِلْءُ الْأَرْضِ﴾ (مِلْءُ (٧) الشيء): قدر ما يَمْلؤه، وهو اسمٌ يُثَنَّى وُيجمع؛ يقال:

стр. 2795

(مِلْءُ القَدَح)، و (مِلآهُ)، و (ثلاثة أملائِهِ) (١). والفرق بين (المِلْءِ) و (المَلْءِ) (٢)، كالفرق بين (الرِّعْي) و (الرَّعْي) (٣). وانتصب ﴿ذَهَبًا﴾ على التفسير (٤). قال المُفضَّل (٥): ومعنى التفسير: أن يكون الكلامُ تامًّا وهو مُبْهَم؛ كقولك: (عندي عشرون)؛ فالعدد (٦) معلوم، والمعدود (٧) مبْهَم. فإذا قلت: (درهمًا) (٨)، فَسَّرت العددَ. وكذلك إذا قلت: (هو أَحْسَنُ

стр. 2796

الناسِ)، فقد أخبرت عن حُسْنِه، ولم يبين (١) في أي شيء هو، فإذا قلت: (وَجْهًا)، أو [(فِعْلًا)] (٢)، فقد بينته، ونصبته [على التفسير، وإنما نصبته] (٣)، لأنه ليس له ما يخفضه ولا ما يرفعه، فلما خلا من هذين، نُصِبَ؛ لأن النصب أخفُّ (٤) الحركات، فجعِل لكل ما لا عامل فيه. وقال سيبويه (٥): انتصب (ذهبًا)؛ لأن الاسم المخفوض قد حال بين الذهب وبين المِلْءِ أن يكون جَرًّا (٦)؛ ومعنى هذا: أنَّ العاملَ (٧) اشتغل بالإضافة في ﴿مِلْءُ الْأَرْضِ﴾ (٨)، وبما يعاقِبُ الإضافة من النون الزائدةِ في (عشرون درهمًا)، فجرى ذلك مجرى الحالِ في اشتغال العامل بصاحبها (٩)، ومجرى المفعول في اشتغال العامل عنه بالفاعل.

стр. 2797

وقوله تعالى: ﴿وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾. قال الفرّاء (١): الواو زائدةٌ، كهي في قوله: ﴿وَلِيَكوُنَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]؛ المعنى: لن يُقَبلَ مِن أحَدِهم مِلْءُ الأرضِ ذهبًا، لو افتدى به. وغَلّطَهُ الزجاجُ وغيرُه (٢)، وقالوا: الواو ههنا للعطف؛ لأن المعنى: لو (٣) عمل مِنَ الخَيْرِ، وقَدَّمَ مِلْءَ الأرضِ ذهبًا؛ يتقرب به الله ، لم ينفعه ذلك مع كفره، ولو افتدى من العذابِ بِمِلْءِ الأرضِ ذهبًا، لم يُقْبَل منه. فالواو دخلت لفعلٍ مُضْمَرٍ، وهو (٤): (القَبُولُ)؛ أي: ولا يُقبل منه لو افتدى به (٥). قال ابن الأنباري: وهذا آكَدُ في التغليظ عليهم، إذْ كانوا لا يُقبل منهم [مِلْء الأرضِ ذَهَبًا، على جهة الصَّدَقَةِ والتَّقْرُّبِ إلى الله جل وعز، ولا يُقبل منهم] (٦) أيضًا على جهة فِدْيَةٍ (٧).

стр. 2798

وقد أشار الفراء إلى هذا القول أيضًا، فقال (١): والواو [ههنا كأنَّ لها فِعْلًا] (٢) مُضْمَرًا بعدها. وقال بعض النحويين (٣): الواو ههنا دخلت لتفصيل نفي القَبول بعد الإجمال؛ وذلك (٤) أنَّ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ [قد عمَّ وجوهَ القَبول] (٥) بالنفي، ثم أتى بالتفصيل، لِئَلّا يتَطَرَّق عليه سوءُ التأويل (٦). ٩٢ - قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ قال شَمِر (٧): اختلف العلماء في تفسير ﴿الْبِرَّ﴾: فقال بعضهم: البِرُّ: الصلاح. وقال بعضهم: الخير، ولا أعلم تفسيرًا [أجمع منه؛ لأنه] (٨) يُحيط بجميع ما قالوا. قال: وجعل لَبِيد (٩) (البِرَّ): التُّقَى؛ حيث يقول:

стр. 2799

وما البِرُّ إلا مُضْمَراتٌ مِنَ التُّقى (١) وقول الشاعر: تُحَزُّ رُؤوسُهم في غَيْرِ بِرِّ (٢) معناه: في غير طاعة وخير. وعلى هذا دار كلام المفسرين. قال عطاء (٣) ومقاتل (٤): البِرُّ: التقوى، في هذه الآية. وقال أبو رَوْق (٥): الخير.

стр. 2800

ورُوِيَ عن ابن عباس، ومجاهد، والسدِّي، أنهم قالوا (١): [البِرُّ؛ المرادُ به ههنا: الجنة. وقال بعض أهل المعاني (٢): معنى الآية: لَنْ تَنالوا] (٣) البِرَّ من الله بالثواب في الجنة. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قال ابن عباس في رواية الضحاك (٤): أراد بهذه الآية: الزكاةَ؛ يعني: حتى تُخرجوا زكاةَ أموالكم. وقال الحسن (٥): كل شيء أنفقهُ المُسْلِمُ مِن مالِهِ؛ يبتغي به وجْهَ الله ، فإنّه من الذي عَنَى الله سبحانه بقوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، حتى التَّمْرَةَ. وقال مجاهد، والكلبي (٦): هذه الآية منسوخة، نسختها آيةُ الزَّكاةِ (٧).

стр. 2801

وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. [تأويلها (١) تأويل الشرط والجزاء، وموضعها نَصْبٌ بـ ﴿تُنْفِقُوا﴾، والفاء في ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾] (٢)، جوابُ المجازاة. وتأويل الآية: وما تنفقوا من شيء فإنَّ اللهَ يجازيكم به قَلَّ أو كَثُرَ، فإنه عليم به، لا يخفى عليه شيء منه. نَظِير هذه الآية (٣) في المعنى: قوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقوله تعالى (٤): ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠] (٥). ٩٣ - قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية. قال أهل التفسير: لما ادَّعى النبي ﷺ أنه على مِلَّةِ إبراهيم؛ قالت اليهود: كيف وأنت تأكل لُحومَ الإبِلِ وألبانها؟ فقال النبي ﷺ : "كان ذلك حلالاً (٦) لإبراهيم، فنحن نحله". فقالت اليهود: كلُّ شيءٍ أصبحنا اليوم نُحرِّمُهُ، فإنه كان مُحرَّمًا على نوح وإبراهيم؛ فأنزل الله تكذيبًا لهم: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٧)

стр. 2802

[الآية] (١) و (الحِلُّ)، و (الحَلالُ)، و (المُحَلَّلُ): واحد. قال ابن عباس في زمزم (٢): (هي حِلٌّ وَبِلّ) (٣). رواه سُفْيَان بن عُيَيْنَة (٤)، عن عَمْرو بن دينار عنه، فسُئِل سفيانُ: ما (حِلٌّ) (٥)؟ فقال: مُحَلَّلٌ. وروى ابن عباس (٦): أن النبي ﷺ قال: "إنَّ يعقوبَ مرض مرضًا شديدًا (٧)، فنذر لَئِن عافاه الله؛ ليُحرِّمَنّ أحبَّ الطعام والشراب إليه. وكان أحب الطعام إليه: لُحْمان الإبل، وأحب الشراب إليه: ألبانها".

стр. 2803

وهذا قول: أبي العالية (١)، وعطاء (٢)، ومقاتل (٣)، والكلبي (٤): أن الذي حرَّم إسرائيلُ (٥) على نفسه كان (٦) لحومَ الإبلِ وألبانَها (٧). قالت العلماء (٨): إنما حرَّمَ إسرائيلُ ذلك على نفسه بإذن الله (٩) له (١٠) [فيه] (١١)، كما جاز (١٢) الاجتهاد في الأحكام لما أَذِنَ اللهُ فيه (١٣).

стр. 2804

وللنبي (١) أن يجتهد في الأحكام؛ لأنه إذا كان بالدين أعلم، ورأيُه أفضل، كان بالاجتهاد أحق، ولا (٢) يجوز لأمته أن يخالفوه في اجتهاده، كما لا يجوز مخالفة الإجماع (٣). وإن (٤) كان من طريق الاجتهاد. فعلى هذا؛ لم تكن لحومُ الإِبِل محرمة عليهم في التوراة، وإنما لزمهم ذلك التحريم من جهة يعقوب. وقال الحَسَنُ (٥): حَرَّم إسرائيلُ على نفسه لحم الجَزُور، تَعَبُّدًا لله ، فسأل ربه أن يجيز ذلك له، فحرَّمَه اللهُ على ولده.

стр. 2805

وقال عَطِيَّةُ (١): إنما كان ذلك حرامًا عليهم، بتحريم إسرائيل ذلك عليهم؛ وذلك أنَّه (٢) قال: لئن عافاني الله؛ لا يأكل لي ولدٌ لحم الجزور (٣). ولم يكن ذلك محرمًا عليهم في التوراة. وقال الضَّحّاك (٤): لم يكن شيءٌ من ذلك عليه (٥) حرامًا، ولا حَرّمَهُ اللهُ عليهم في التوراة، وإنما هو شيء حرموه على أنفسهم؛ اتِّباعًا لأبيهم، ثم أضافوا تحريمَهُ إلى الله ، فكذبهم الله ، فقال: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾. وقال السُدِّي (٦): إنَّ الله تعالى (٧) لما أنزل التوراة، حرَّم عليهم ما كانوا يُحرِّمونه قبل نزولها؛ اقتداءً بأبيهم يعقوب ﵇. فالمفسرون مختلفون كما ترى في أن هذا التحريم: هل ثبت عليهم من الله تعالى في التوراة، أم لا؟.
следующие страницы →