← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. [تأويلها (١) تأويل الشرط والجزاء، وموضعها نَصْبٌ بـ ﴿تُنْفِقُوا﴾، والفاء في ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾] (٢)، جوابُ المجازاة. وتأويل الآية: وما تنفقوا من شيء فإنَّ اللهَ يجازيكم به قَلَّ أو كَثُرَ، فإنه عليم به، لا يخفى عليه شيء منه. نَظِير هذه الآية (٣) في المعنى: قوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقوله تعالى (٤): ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠] (٥). ٩٣ - قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية. قال أهل التفسير: لما ادَّعى النبي ﷺ أنه على مِلَّةِ إبراهيم؛ قالت اليهود: كيف وأنت تأكل لُحومَ الإبِلِ وألبانها؟ فقال النبي ﷺ : "كان ذلك حلالاً (٦) لإبراهيم، فنحن نحله". فقالت اليهود: كلُّ شيءٍ أصبحنا اليوم نُحرِّمُهُ، فإنه كان مُحرَّمًا على نوح وإبراهيم؛ فأنزل الله تكذيبًا لهم: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٧)

стр. 2802

[الآية] (١) و (الحِلُّ)، و (الحَلالُ)، و (المُحَلَّلُ): واحد. قال ابن عباس في زمزم (٢): (هي حِلٌّ وَبِلّ) (٣). رواه سُفْيَان بن عُيَيْنَة (٤)، عن عَمْرو بن دينار عنه، فسُئِل سفيانُ: ما (حِلٌّ) (٥)؟ فقال: مُحَلَّلٌ. وروى ابن عباس (٦): أن النبي ﷺ قال: "إنَّ يعقوبَ مرض مرضًا شديدًا (٧)، فنذر لَئِن عافاه الله؛ ليُحرِّمَنّ أحبَّ الطعام والشراب إليه. وكان أحب الطعام إليه: لُحْمان الإبل، وأحب الشراب إليه: ألبانها".

стр. 2803

وهذا قول: أبي العالية (١)، وعطاء (٢)، ومقاتل (٣)، والكلبي (٤): أن الذي حرَّم إسرائيلُ (٥) على نفسه كان (٦) لحومَ الإبلِ وألبانَها (٧). قالت العلماء (٨): إنما حرَّمَ إسرائيلُ ذلك على نفسه بإذن الله (٩) له (١٠) [فيه] (١١)، كما جاز (١٢) الاجتهاد في الأحكام لما أَذِنَ اللهُ فيه (١٣).

стр. 2804

وللنبي (١) أن يجتهد في الأحكام؛ لأنه إذا كان بالدين أعلم، ورأيُه أفضل، كان بالاجتهاد أحق، ولا (٢) يجوز لأمته أن يخالفوه في اجتهاده، كما لا يجوز مخالفة الإجماع (٣). وإن (٤) كان من طريق الاجتهاد. فعلى هذا؛ لم تكن لحومُ الإِبِل محرمة عليهم في التوراة، وإنما لزمهم ذلك التحريم من جهة يعقوب. وقال الحَسَنُ (٥): حَرَّم إسرائيلُ على نفسه لحم الجَزُور، تَعَبُّدًا لله ، فسأل ربه أن يجيز ذلك له، فحرَّمَه اللهُ على ولده.

стр. 2805

وقال عَطِيَّةُ (١): إنما كان ذلك حرامًا عليهم، بتحريم إسرائيل ذلك عليهم؛ وذلك أنَّه (٢) قال: لئن عافاني الله؛ لا يأكل لي ولدٌ لحم الجزور (٣). ولم يكن ذلك محرمًا عليهم في التوراة. وقال الضَّحّاك (٤): لم يكن شيءٌ من ذلك عليه (٥) حرامًا، ولا حَرّمَهُ اللهُ عليهم في التوراة، وإنما هو شيء حرموه على أنفسهم؛ اتِّباعًا لأبيهم، ثم أضافوا تحريمَهُ إلى الله ، فكذبهم الله ، فقال: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾. وقال السُدِّي (٦): إنَّ الله تعالى (٧) لما أنزل التوراة، حرَّم عليهم ما كانوا يُحرِّمونه قبل نزولها؛ اقتداءً بأبيهم يعقوب ﵇. فالمفسرون مختلفون كما ترى في أن هذا التحريم: هل ثبت عليهم من الله تعالى في التوراة، أم لا؟.

стр. 2806

وكيفما (١) كان، ففي التوراة بيان أن ابتداء هذا التحريم من جهة يعقوب، وقبله كان حلالًا لإبراهيم ﵇. والنبي ﷺ كان يَدَّعي دين إبراهيم. ٩٤ - قوله تعالى: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ الافتراء: اختلاق الكذب (٢). والفِرْيَةُ: الكذِبُ والقَذْفُ (٣). وأصلُهُ مِنْ: (فَرْيِ الأديم)، وهو: قَطْعُهُ (٤)، فقيل للكَذِبِ: افتراء؛ لأن الكاذب يقطع به على التقدير، من غير تحقيق. وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: من بعد ظهور الحُجَّة: بأنَّ التحريم إنما كان من جهة يعقوب، ولم يكن محرمًا قبله. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أنفسهم ومن يدعونهم إلى مذهبهم. ٩٥ - قوله تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ أي: في جميع ما أخبر به، وفيما أخبر (٥) مِنْ أنَّ ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. [الآية] (٦). ٩٦ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾. الآية. قال أبو إسحاق (٧): معنى (الأول) في اللغة: ابتداء الشيء. ثم جائزٌ أن يكون له ثانٍ، وجائزٌ أن لا يكون؛ كما تقول: (هذا أوَّلُ مالٍ (٨) كَسَبْتُهُ). جائزٌ أن

стр. 2807

يكون بعده كسبٌ، وجائزٌ أن لا يكون، ولكن إرادتك: (هذا ابتداءُ كَسْبِي). ومضى الكلامُ في معنى (الأول) واشتقاقه، عند قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١]. واختلفوا في تأويل قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾ فقرأت على الشيخ أبي حسَّان، محمد بن أحمد بن جعفر، فقلت: أخبركم أبو سَهْل، هارون بن محمد (١) بن هارون الإسْتَرَاباذي (٢) أبنا (٣) أبو محمد، إسحاق بن أحمد الخزاعي (٤)، أبنا (٥) أبو الوليد، محمد بن عبد الله الأَزْرَقي (٦)، حدثنى

стр. 2808

مهدي بن أبي المهدي (١)، ثنا أبو أيوب البصري (٢)، ثنا هشام (٣)، عن حميد (٤)، قال: سمعت مجاهدًا يقول: (خلق الله هذا البيت قبل أن يخلق شيئًا من الأرضين) (٥). وبه عن الأزرقي، قال: حدثني يحيى بن سعيد (٦)، عن محمد بن عمر بن إبراهيم (٧)، عن عثمان بن عبد الرحمن (٨)، عن هشام، عن مجاهد، قال: (لقد خلق الله موضع هذا البيت، قبل أن يخلق شيئًا من الأرض بألفي سنة، وإنَّ قواعده لفي الأرض السابعة السفلى) (٩).

стр. 2809

وبه عن الأزرقي، ثنا علي بن هارون العجلي (١)، ثنا [عن أبيه] (٢)، [قال] (٣): ثنا [القَاسم] (٤) بن عبد الرحمن الأنصاري (٥)، حدثني محمد بن علي بن علي بن أبي طالب (٦)، عن أبيه (٧)، قال: (إنَّ الله بعث ملائكته، فقال: ابنوا لي في الأرض بيتًا بمثال البيت المعمور وقَدْرِهِ، وأمر الله مَنْ في الأرض مِنْ خَلْقِه، أن يطوفوا به، كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور، وهذا كان قبل خَلْق آدم) (٨).

стр. 2810

وقال ابن عباس (١): هو أول بيتٍ بناه آدمُ في الأرض. وقال علي بن أبي طالب ﵁ (٢): هو أول بيت مبارك وهدى وُضِع (٣) للناس. وهو قول الضحاك (٤). وروي عن ابن عباس أيضًا قال (٥): هو أول بيت وُضِع للناس يُحَجُّ إليه. واختاره الزجاج (٦). وأخبرنا أبو الحسين بن أبي عبد الله الفَسَوي (٧)، أبنا أحمد (٨) بن

стр. 2811

محمد البُسْتي، ثنا (١) إسماعيل بن محمد الصفّار (٢)،ثنا (٣) سعدان (٤)، ثنا (٥) أبو معاوية (٦)، ثنا الأعمش عن إبراهيم التَيْمي (٧) عن

стр. 2812

أبيه (١)، عن أبي ذر (٢)، قال: قلت: يا رسول الله ﷺ (٣)؛ايُّ مسجد وُضِعَ في الأرض أوَّلا؟ قال: "المسجد الحرام". قال: قلت (٤): ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى". قال: قلت كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة". قال: "فأينما (٥) أدركتك الصلاةُ فَصَلِّ (٦)، فهو مسجدٌ" (٧). وقوله تعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾.

стр. 2813

بَكّة: هي (١) مكة، في قول الضحاك (٢)، ومجاهد (٣)، والمُؤَرّج (٤). فأبدِلَت الميمُ باءً، كقوله (٥): (سَبَّدَ (٦) رأسَهُ)، و (سَمَّدَ رأسَه) (٧)، و (أَغْبَطَت

стр. 2814

الحُمَّى)، و (أَغْمَطَت) (١)، و (ضَرْبة لازِمٍ)، و (لازِبٍ) (٢). ومَكَّة سُمِّيَت بذلك؛ لقلة مائها، وعدم الزرع والضَرْع بها، من قولهم (٣): (مَكَّ الفَصِيلُ ضرْعَ (٤) أُمِّهِ)، و (امْتَكَّهُ) (٥): إذا امتص كلَّ ما فيه. وقال [ابن الأنباري (٦): سُمِّيَت مكة، لاجتذابها الناس إليها من كل أُفُقٍ وفجٍّ، من قولهم] (٧): (وقال تَمَكَّكْتُ المُخَّ من العَظْم): إذا استقصيت عليه في جِذْيه (٨)، وكذلك (تَمَكُّك (٩) الفَصِيلِ ما في

стр. 2815

الضرع) (١). وقال الآخرون (٢): (مكَّة): اسم البلد كله (٣)، و (بَكَّة): موضع البيت والمطاف. سميت بكّة؛ لازدحام الناس بها، يَبُكُّ بعضهم بعضًا، أي: يدفع ويصلي بعضهم بين يدي بعض، وَيمُرُّ بعضهم بين يدي بعض، لا يصلح ذلك إلا هناك. وقال الليث (٤): سميت مكَّةُ: بَكَّةَ (٥)؛ لأنها تَبُكُّ أعناقَ الجبابرة، إذا ألحدوا فيها؛ أي: تَدُقُّ. و (البَكُّ): دَقُّ العُنُقِ (٦).

стр. 2816

وقوله تعالى: ﴿مُبَارَكًا﴾ معناه (١): كثير الخير؛ أنْ جعل فيه وعنده البَرَكَة، ومعنى البَرَكَةِ: الكثرة في كل خير. وقال بعض أهل المعاني: أصل البَرَكَة: الثُّبُوت، من قولك: (بَرَكَ بَرْكًا، وبُرُوكًا): إذا ثبت على حاله (٢). فالبَرَكَة: ثُبُوت الخير؛ بِنُمُوِّهِ وتَزَيُّدِه. ومنه: (البَراكاء) في القتال (٣)، ومنه: (البِرْكة)، شِبْهُ الحوض؛ لثبوت الماء فيها. و (تبارك الله)، لثبوته، لم يزل ولا يزال (٤). وقال اللِّحْياني (٥): (باركت على التجارة، وغيرها)، أي: داومت وواظبت عليها (٦).

стр. 2817

وانتصب ﴿مُبَارَكًا﴾ على الحال. قال الزجاج (١): المعنى: لَلَّذي (٢) استقر بمكة في حال بَرَكَتِه، وقال (٣): هو حال مِنْ ﴿وُضِعَ﴾، أي: وُضِعَ مباركًا. وقوله تعالى: ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ قال أبو إسحاق (٤): المعنى: وذا هُدَى (٥). قال: ويجوز أن يكون ﴿وَهُدًى﴾ في موضع رفع، على معنى: وهو هُدَى. ومعنى كونه ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾: أنه قِبْلةُ صلاتهم، ودلالة على الله تعالى من حيث هو المدبر له (٦) بما لا يقدر عليه غيره، مِن أَمْنِ الوحوش فيه، حتى يجتمع الكلبُ والظَبْي (٧) فلا يعدوا عليه، وحتى يأنَسَ الطيرُ فلا يمتنع كما يمتنع في غيره، إلى غير ذلك من الآثار البينة فيه، مع البَرَكة التي يجدها من حج البيت. ٩٧ - قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ قال ابن عباس (٨): يريد:

стр. 2818

المناسك والمشاعر كلها. وقال آخرون (١): الآيات التي فيها: أَمْنُ الخائف، وإمحاقُ الجِمَارِ (٢) على كثْرةِ الرَّامي، وامتناع الطَيْرِ مِنَ العُلُوِّ عليه (٣)، واستشفاءُ المريض به، وتعجيلُ العقوبة لمن انتهك فيه حُرْمة (٤)، وإهلاكُ أصحاب الفِيل لَمَّا قصدوا [لإحْراقِه] (٥). فعلى (٦) هذا؛ تفسير الآيات (٧) وبيانها (٨)، غير مذكور (٩) في الآية. ومذهب جماعة من المفسرين (١٠): أنَّ تفسير الآيات مذكورة، وهي قوله: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: هي: مقامُ إبراهيم؛ يعني: الآيات. وقال بعضهم (١١): المعنى: منها مقام إبراهيم.

стр. 2819

فإن قيل: (الآيات) جماعة، ولا يصح تفسيرُها بشيء واحد. قلنا: يجوز ذلك؛ كما يقول القائل: (في بلدة كذا، لي أصدقاء وقرابات)، ثم يقتصر على ذكر واحدٍ منهم، على معنى تخصيص له. وعند الزجاج: أن قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، مِن تفسير الآيات؛ لأنه قال (١): ومن الآيات (٢) أيضًا: أَمْنُ مَنْ دَخَلَه. قال: ومعنى (أَمْن مَن دخله): أن إبراهيم ﵇ سأل الله أَنْ يُؤَمِّنَ سكانَ مكةَ، قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦]، فجعل [ ] (٣) أَمْنَ مكةَ آيةً لإبراهيم، فلم يطمع في أهلها جبَّار، فكان فيما (٤) عطف الله تعالى من قلوب العرب في الجاهلية على مَنْ لاذَ بالحَرَمِ حتى يُؤْمَّنوا (٥)، آيةً بَيِّنَةً، يدل على هذه الجملة قولُ قتادة في قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، قال (٦): كان ذلك في الجاهلية، فأما اليوم، فإنْ سرقَ فيه [أحدٌ] (٧) قُطِعَ، وإن قَتَلَ فيه قُتِلَ. وقد ذكرنا الحُكمَ في هذا عند قوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥].

стр. 2820

وقال الضحاك في قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ قال (١): مَن حَجَّهُ فدخله كان آمنا من الذنوب التي اكتسبها قَبْلَ ذلك. وعن يحيى بن جعدة (٢) في قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ قال: مِنَ النَّارِ. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [ويقرأ ﴿حِج البيت﴾] (٣) بالكسر (٤). فالمَفتوح: مصدرٌ، وهو لغة أهل الحجاز. والمكسور: اسم العَمَلِ (٥).

стр. 2821

قال سيبويه (١): ويجوز أن يكون مصدرًا كـ (الذِكْرِ) و (العِلْم). وقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قال الزجّاج (٢): موضع ﴿مَنِ﴾: خفض على البدل من ﴿النَّاسِ﴾؛ المعنى هو (٣): [و] (٤) لله على من استطاع [إليه سبيلا] (٥) مِنَ الناس، حِجُّ البيت (٦). قال الفرّاء (٧): وإنْ نويت الاستئناف بـ ﴿مَن﴾، كان جزاء، وكان الفعل به بعدها جزمًا، واكتفيتَ بما جاء قبله من جوابه، [والتأويل] (٨) فيه: [من استطاع] (٩) إلى الحج سبيلًا، فلِلّهِ (١٠) عليه حِجُّ البيت (١١). فقدم الجوابَ وهو مؤخر في المعنى، على مذهب العرب في التقديم والتأخير.

стр. 2822

وقال ابن الأنباري (١): ويجوز أن يكون في موضع رَفْعٍ؛ على الترجمة للناس؛ على معنى: (هُمْ (٢): مَن استطاع إليه سبيلا). وأما معنى الاستطاعة في اللغة: فالاستطاعة مأخوذة مِن: (طاع له (٣) الشيءُ يَطُوعُ)، و (طاع يُطيع): إذا انقاد له (٤). يقال: (فَرَس طَوْعُ العِنَانِ) (٥): إذا انقاد لك. و (تطاوع لي الأمرُ)؛ أي: سهل حتى تمكنت منه. فمعنى قولهم: (استطعت): استمكنت منه ووجدت السبيلَ إلى فعله؛ لمطاوعته لي وسهولته عَلَيّ (٦). وكلّ من

стр. 2823

تَوصَّلَ إلى مُرامِهِ، وتمكَّنَ من مطلبه، قالوا: (قد استطاعة، واسْطاعَه) (١)؛ لانقياد ذلك المطلوب له. والعرب تستعمل لفظ الاستطاعة (٢) فيمن يصل إلى مرادهِ مِن غير مباشرة لذلك الفعل؛ كما يقولون: استطاع الأمير فتحَ بلدِ كذا، وإنْ لم يَتَوَلَّ بنفسه، وإنما توصل إليه برجاله وأمواله، فليس كل الاستطاعة بالمباشرة بالأعضاء. وأما التفسير: فقال ابن عباس في رواية عطاء (٣): يريد بـ (الاستطاعة) القوة. واختلف الناس في الاستطاعة الموجبة للحج: [فالذي عليه الجمهور أن معنى (الاستطاعة) ههنا، هو: القوة. والمستطيع للحج] (٤): هو القوي الذي لا يلحقه مشقة غير محتملة في الكَوْنِ على الراحلة، فهذا إذا ملك الزاد والراحلة، لزمه فرضُ الحج بنفسه. وإن (٥) عدم الزاد والراحلة أو أحدَهما سقط فرضُ الحج عنه، فوجودُهُ (٦) الزادَ والراحلةَ شرطٌ في

стр. 2824

وجوب الحج (١). وهذا قول عمر بن الخطاب (٢)، وابنه (٣)، وابن عباس (٤)،

стр. 2825

وسعيد بن جبير (١)، ومجاهد (٢)، ومذهب الشافعي (٣)، وابي حنيفة (٤)، وأحمد بن حَنْبل (٥)، وإسحاق (٦). [وروى جماعة من الصحابة] (٧) عن النبي ﷺ أنه فسَّر استطاعة السبيل إلى الحَجِّ، بوجود الزاد والراحلة (٨).

стр. 2826

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2827

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2828

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ قال ابن عباس (١)، والحسن (٢)، وعطاء (٣): جَحَد فرضَ الحَجِّ. وقال الضحّاك (٤): لمّا نزلت آية الحج، جمع رسول الله ﷺ ، أهلَ الأديان كلَّهم، فخطبهم، وقال: "إن الله كتب عليكم الحجَّ فحُجُّوا". فآمَنَ بِهِ المسلمون، وكفر [بِهِ] (٥) الباقون، فأنزل الله قولَه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. ٩٨ - قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾. وقال في هذه السورة: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ] (٦) وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ (٧) [آل عمران: ٧٠]. هناك خاطبهم تَلَطُّفًا في استدعائهم (٨) إلى الحق؛ بأن وجه الخطاب

стр. 2829

إليهم، وههنا وجَّهَ الخطابَ إلى غيرهم إهانة لهم لصدهم عن الحق. فإن قيل: لم جاز أن يقال لليهود والنصارى (أهل الكتاب)، وهم لا يعملون (١) به، ولم يجز (٢) مثلُ ذلك في أهل القرآن؟ قيل: إن القرآن [اسمٌ] (٣) خاصٌ لِما أَنزل الله على محمد ﷺ ، فأما الكِتاب فيجوز أن يذهب به إلى معنى: يا أهل الكتاب المحرف عن جهته!. وأيضًا فإنهم نُسبوا إلى الكتاب، احتجاجًا عليهم بالكتاب لإقرارهم به كأنه قيل يا من يُقِرُّ بأنه من أهل الكتاب لم تكفرونَ بآيات الله؟. وقوله تعالى: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ توبيخٌ (٤) لهم، على لفظ الاستفهام، لأنه كسؤال التعجيز عن إقامة البرهان. وقد ذكرنا مثل هذا (٥). والمراد بـ (الآيات) ههنا: الآياتُ التي أنزلها على نبيه محمد ﷺ ، والمعجزات التي كانت له، والعلامات التي وافقت في صفته ما تقدمت البشارة به (٦)

стр. 2830

وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ قال ابن عباس (١): يريد: حاضرٌ لأعمالكم. ومعنى الآية يؤول إلى أن (٢) الله وبخهم على الكفر (٣)، وأخبر أنَّه لا ينفع [الاستسرارُ به] (٤)؛ لأن الله شهيدٌ عليه، مع أن شهادته توجب ردعهم عن الكفر. ٩٩ - قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال الفرّاء (٥): [يقال] (٦): (صَدَدْتُهُ، أصده صَدًّا)، و (أَصْدَدْتُه، إصْدادًا) (٧)، وأنشد: أُناسٌ أَصَدُّوا الناسَ بالسيف عنهمُ ... صُدُودَ السَّواقِي عن أُنُوفَ الحَوائِمِ (٨)

стр. 2831

وقرأ الحَسَنُ: (تُصِدُّون) بضم التاء، مِن: أَصَدَّ (١). قال المفسرون (٢): وكان صدهم عن سبيل اللهِ بالتكذيب بالنبي ﷺ ، وأنَّ صفَتَهُ ليست في كتابهم، ولا البِشَارَة به متقدِّمَةٌ عندهم. وقوله تعالى: ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ قال اللِّحْيانِي (٣): (بَغَى الرجلُ في كل

стр. 2832

ما يطلبه من خير وشر، يَبْغِي، بُغاءً وبِغْيَة) (١). وقال الفرّاء (٢): العرب تقول: (ابغني كذا)؛ يريدون: ابتغه لي. فإذا أرادوا: ابْتَغ معي، وأَعِنِّي على طلبه، قالوا: (أَبْغِنِي)، ففتحوا الألف، وكذلك يقولون: (أُحْلُبْنِي وأَحْلِبني) (٣)، و (احْمِلْنِي وأَحْمِلْنِي)، و (اعْكُمْنِي وأَعْكِمْنِي) (٤)، على هذا القياس. و (العِوَجُ) (٥) بكسر العين، في الأَمْرِ، وفي الدين والقول: المَيْلُ عن الاستواء في الطريق، وفي كلِّ ما لا يُرى. وكلُّ قائمٍ مُنْتصِبٍ يُرَى عَوَجُهُ، يقال: (فيه عَوَج)، بالفتح؛ كالحائط، والقَنَاة (٦)، والشجرة. يقال: (عَوِجَ الشيءُ، يَعوَجُ، عَوَجًا)، فهو (أَعْوَجُ) لكل ما يُرى،

стр. 2833

[و (عِوَجًا)] (١) لما لا يرى. وأما المعنى، فقال ابن الأنباري (٢): قوله تعالى: ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾، (البَغْيُ): يُقتَصَرُ (٣) له على مفعول واحد، إذا لم يكن معه اللَّام، كقولك: (بَغَيْتُ المالَ والأجرَ والثوابَ). [وأريد ههنا] (٤): تَبغون لها عِوَجًا. فلما سقطت اللّامُ، عمل الفعلُ فيما بعدها، كما قالوا: (وَهَبْتُك (٥) درهمًا)، وأصله: وهبت (٦) لك درهما، ومثله: (صدْتُكَ ظَبْيًا)، يعنون: صدْتُ لك. وكذلك: (جئْتُكَ)، كما قد (٧) (وَرَّثْتُكَ من المال جملة)، وأنشد: فَتَولَّى غلامُهم ثُمّ نادَى (٨) ... [أَظَلِيمًا أَصِيدُكُم] (٩) أم حِمَارا (١٠)

стр. 2834

أراد: أصيد لكم. والهاء في قوله: ﴿تَبْغُونَهَا﴾ عائدةٌ على السبيل؛ لأن السبيلَ يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ (١). و (العِوَجُ)، يعنى به: الزَيْغ والتحريف (٢)؛ أي: تَلتمسون لسبيله الزيغ والتحريف بالشبه التي تُلَبِّسون بها، وتُوهِمون أنها تقدح فيها، وأنها مُعوَجَّة بتناقضها (٣). ويجوز أن يكون ﴿عِوَجًا﴾ في موضع الحال؛ والمعنى: تبغونها ضالِّين؛ وذلك (٤) أنهم كانوا يَدَّعون أنهم على دين اللهِ وسبيلِه، فقال الله: إنكم تبغون سبيلَ اللهِ ضالِّين عنها. وهذا قول أبي إسحاق (٥)، ذكر ذلك في سورة إبراهيم، عند قوله: ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ (٦). وعلى هذا القول، لا يحتاج إلى إضمار اللّام في ﴿تَبْغُونَهَا﴾.

стр. 2835

وقال بعض أهل المعاني (١): تأويل (٢) الآية: يطلبون أن يُعْوِجُوا (٣) سبيل الله، وأن يكون فيها عِوَج؛ لأن معنى (سبيل الله): الطريق التي هي الوُصْلَة (٤) إلى رضا الله، فهم يطلبون أن يُعْوِجوا هذا الطريق؛ حتى لا يصل إلى رضا الله من سلكها بدلالة اليهود. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ قال ابن عباس (٥): يريد بها: في التوراة. [قال المفسرون] (٦): يعني: أنتم شُهداء أنَّ في التوراة مكتوبًا أنَّ دينَ اللهِ الذي لا يقبل غيره، هو الإسلام. وهذا معنى قول ابن عباس. وقال الزجاج (٧): أي: أنتم تشهدون بما قد ثبت في نفوسكم أن أمر النبي ﷺ حقٌ. وقيل (٨): معناه: وأنتم شهداء أن لا يجوز الصَدُّ عن سبيل الله. ١٠٠ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا﴾ الآية. قال المفسرون: نزلت في الأوس والخزرج، حين أَغْرَى قومٌ من

стр. 2836

اليهود بينهم؛ ليفتنوهم (١) عن دينهم (٢).

стр. 2837

١٠١ - وقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ هذا خطاب للمسلمين (١)، من الأوس والخزرج، في قول ابن عباس، وأكثر المفسرين (٢). ﴿وَكَيْفَ﴾ ههنا [استفهام في معنى] (٣) التعجب، وإنِّما [تَضَمَّنَت صيغةُ الاستفهام معنى] (٤) التعجب؛ لأنها طلبٌ للجواب عَمَّا حَمَلَ على الفساد مما لا يصح فيه اعتذار. قال الزجاج (٥): أي: على أي حال يقع منكم الكفر، وآياتُ الله التي تدل على توحيده ونُبُوَّة نَبِيِّه (٦) محمد ﷺ تتلى عليكم. وقوله تعالى: ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُه﴾ قال الزجاج (٧): جائزٌ أن يقال: [فيكم رسوله، والنبي ﷺ شاهد، وهذا مختصٌّ بأيَّامه. وجائزٌ أن يقال لنا] (٨) الآن: فيكم رسول الله؛ لأن آثاره، ومعجزته القرآن الذي أتى به، فِينا. فعلى هذا، كونُه فينا، لا يختص بزمان دون زمان.

стр. 2838

وقال الحسن (١): نزلت الآية في مشركي العرب. وقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ خطاب لهم، وهو توبيخٌ لهم على الكفر بعد نصب الحُجَّةِ، وبعثة الرسول. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾ الاعتصام في اللغة: الاستمساك بالشيء، وأَصله مِن: (العِصمة). و (العِصْمَةُ): المَنْع في كلام العَرب. و (العاصِمُ): المانع. و (اعتصم فلانٌ بالشيء): إذا امتنع به (٢). قال ابن عباس (٣) في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾، يريد (٤): يمتنع بسبيل الله. وقال الزجاج (٥): يستمسك بحبل الله. وقال ابن جريج (٦): ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾؛ أي: يؤمن بالله. ١٠٢ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قد ذكرنا ما في (التُقاة) عند قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]. ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، هو: أنْ يُطاعَ فلا يُعصى، ويذكَرَ فلا يُنْسى، ويُشْكَرَ فلا يُكْفَر. وهذا يروى عن عبد الله مرفوعًا، ورُوي موقوفًا عليه (٧).

стр. 2839

واختلفوا في هذه الآية: فقال ابن عباس في رواية الوالِبي (١): لَمْ تُنسَخ هذه الآيةُ، ولكن ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: أن يجاهدوا في الله حق جهاده، ولا

стр. 2840

تأخذهم (١) في الله لومةُ لائم، ويقوموا (٢) بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم (٣). واختار الزجاج هذا الوجه، وهو أن الآية مُحكَمَةٌ غير منسوخة؛ لأنه قال (٤) في قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: أي: اتَّقُوهُ فيما يحقُّ عليكم أن تتَّقُوهُ فيه. وقال (٥) في رواية عطاء (٦): هذا منسوخٌ؛ لانهم قالوا: يا رسولَ الله! وما حَقُّ تُقاتِهِ؟ قال: "يُذكر فلا ينسى، ويُطاع فلا يُعصى" قالوا: ومَن يَقوَى على هذا؟ وشَقَّ (٧) عليهم؛ فأنزل الله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وإلى هذا القول، ذهب: قتادة (٨) والرَّبِيع (٩) والسُّدِّي (١٠) وابن
следующие страницы →