← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

وقيل في الشَّهِيد: إنَّه سُمِّيَ (شَهِيدا) (١): لأنه شَهِد الجَنَّة؛ أي: حَضَرَها حين استشهد. فهو على هذا التأويل، بمعنى (٢): (شاهد)، وهو: الحاضر؛ كما يقال: (سميع وسامع)، و (عليمٌ وعالِم) (٣). وهذا قريب مِمَّا قاله ابنُ شميل (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس (٥): أي: المشركين. وفي هذا [إشارة] (٦) إلى أنه إنَّما [يُدِيل] (٧) الكافرين على المؤمنين؛ لِمَا ذَكَرَ (٨)، لا (٩) لأنَّهُ يُحِبُّهم. وإذْ (١٠) أَدَالَ المؤمنين، أدَالَهُمْ نُصْرَةً لهم، ومَحَبَّةً منه إيَّاهم. وجملة معنى الآية: أنها [تَسْلِيَة] (١١) للمؤمنين [عَمَّا نالَهُم مِنَ

стр. 3012

الجِرَاح] (١) بِأَنَّ عَدُوَّهم قد نَالَ مِثْلَهُ، وأَنَّ سُنَّةً لَهُ في عِبَادِهِ أنْ يَبْلُوهم مَرَّةً بالخير، ومَرَّةً بالشَّرِّ [كما قال] (٢): ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (٣)] (٤). ١٤١ - قوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: لِيُظْهِرَهم (٥) مِن ذنوبهم، وُيسْقِطَها عنهم. وتأويل (المَحْص) [-في اللغة-: التَّنْقِيَةُ والتَّخْلِيص (٦)] (٧). قرأت على سَعِيد بن محمد الحِيري، فقلت: أَخْبَرَكم أبو علي الفارسي، عن الزجَّاج، قال: سمعت المبَرِّد يقول: (مَحَصَ (٨) الحبْلُ،

стр. 3013

يَمْحَصُ، مَحْصًا) (١): إذا ذهب زِئْبِرُهُ (٢) حتَّى [يَمَّلِصَ] (٣) و (حبْلٌ مَحِصٌ، ومَلِصٌ)، بمعنًى واحدٍ (٤).

стр. 3014

قال (١): ويُسْتَحَبُّ مِن الفَرسِ أنْ تَمْحَصَ (٢) قوائِمُهُ؛ أي (٣): تَخْلُصَ من الرَّهَلِ (٤). وأنشد (٥) ابنُ الأنباريِّ (٦) -على هذا- لأبي دُوَاد (٧)، يَصِف قوائمَ الفرس: صُمِّ النُّسُورِ صِحاحٌ غيرُ عاثِرَةٍ ... رُكِّبْنَ في مَحِصَاتٍ مُلْتَقَى العَصَبِ (٨)

стр. 3015

قوله: (في مَحِصَات)؛ معناه: في قوائمَ مُتَجَرِّداتٍ عن اللحم، ليس فيها إلا العَظْمُ، والعَصَبُ، والجِلْدُ (١). قال المُبرِّد (٢): وتأويل قول الناس: (مَحِّصْ عنَّا ذُنُوبَنا)؛ أي: أذهب (٣) ما تَعَلَّقَ بنا مِنَ الذُّنُوب. وهذا الذي ذكره المبرِّدُ، تأويل (المَحَصِ) -بفتح الحاء-، وهو واقعٌ (٤)، و (المَحْص) -بسكون الحاء- مطاوع (٥). قال الخليل (٦): يقال: (مَحَصْتُ الشيءَ، أَمْحَصُه، مَحْصًا): إذا

стр. 3016

خَلَّصته من كلِّ عَيبٍ. قال رُؤبَةُ -يصف فَرَسا (١) -: [شَدِيدُ] (٢) جَلْزِ الصُّلْبِ مَمْحُوصُ الشَّوَى (٣)

стр. 3017

ومِن هذا؛ يُقال للسِّنَانِ المَجْلُوِّ: (مَمْحُوص) (١). قال أُسَامَةُ الهُذَلِيُّ (٢): وَشَقّوا (٣) بمَمْحُوصِ القِطَاعِ (٤) فُؤَادهُ (٥) يعني: بِمَجْلُوِّ النِّصَالِ (٦).

стр. 3018

فمعنى قوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: لِيُخَلِّصهم مِن ذُنوبهم. وإلى هذا ذَهَب أكثرُ أهلِ المعاني والتفسير. وقال (١) ابن عباس (٢): يريد (٣): يُمَحِّصَ ذنوبَهم حتى يَلْقَوْهُ؛ وليس لهم قَبْلَهُ سَيِّئَةٌ يعذبهم عليها. ووجه هذا القول: ما قاله أبو عَمْرُو الشيباني (٤): معنى التمحيص في اللغة: الكشف. و (مَحِّصْ عنَّا ذنوبَنا)؛ معناه: واكشف (٥) عنَّا ذنوبَنا. و (تَمَحَّصَ الشيءُ): إذا تَكَشَّفَ. وأنشد: حتى بَدَتْ قَمْرَاؤُهُ وتَمَحَّصَتْ ظَلْمَـ ... ـاؤُهُ (٦) ورَأَىَ الطريقَ المُبْصِرُ (٧) وهذا اختيار الفرَّاء؛ لأنه قال (٨): يريد: لِيُمَحِّصَ (٩) اللهُ الذنوبَ عن الذين آمنوا.

стр. 3019

وعلى هذا القول؛ تقدير الآية: وَلِيُمَحِّصَ الله ذنوبَ الذين آمنوا. فحذف المضاف (١). وروى أبو عُبَيْد (٢)، عن أبي عَمْرو، قال (٣): التَّمْحِيص: الابتلاء والاختبار (٤). وإلى هذا القول ذهب جماعة من المفسرين: السُّدِّي (٥)، ومجاهد (٦)، وروي ذلك عن ابن عباس -في بعض الروايات- (٧)، قالوا: ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ أي: لِيَبْتَلِي. وهذا اختيار القُتَيْبِيِّ (٨). وقوله تعالى: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾. (المَحْقُ) في اللغة معناه: النُّقْصَان. يقال: (مَحَقَهُ اللهُ، فامْتَحَقَ، وامَّحَقَ) (٩).

стр. 3020

وقال أبو زيد (١): (مَحَقَهُ اللهُ)، و (أَمْحَقَهُ). والأصمعي يأبى إلّا (محَقَه) (٢). وأما (أَمْحَق) (٣)، فقال أبو عمرو (٤): هو أن يَنْقُصَ ويَدِقَّ (٥)، كَمُحَاقِ (٦) الهِلالِ. وأنشد ابن السِّكِّيت (٧): ... حتى أنسَّ وأَمْحَقَا (٨)

стр. 3021

وقال ابن الأعْرَابي -عن المفَضَّل- (١): (المَحْقُ) -عند العرب (٢) -: أن يذهب الشيءُ كلُّهُ، حتى لا يُرَى مِنْهُ شيءٌ. ومنه ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ (٣)، أي: يستأصله. قال أبو إسحاق (٤): ومعنى الآية: جَعَلَ اللهُ الأيَّامَ مُدَاوَلَةً بين الناس؛ لِيُمَحِّصَ اللهُ المُؤْمنينَ، إذا أدَالَ عليهم، بما يقع عليهم (٥) مِنْ قَتْلٍ وَجُرْحٍ وذَهابِ مَالٍ. و ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾: يستأصلهم، إذا أدال عليهم، ويهلكهم بذنوبهم. فَقَابَلَ (٦) تَمْحِيصَ المؤمنين بِمَحْقِ الكافرين، لأن تمحيص هؤلاء، بإهلاك ذنوبهم، نَظِير مَحْقِ أولئك، بإهلاك أنْفُسِهِمْ. وهذا مُتقابِلٌ في المعنى، حَسَنٌ. ١٤٢ - قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ الآية (٧).

стр. 3022

معنى ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾: (بَلْ حَسِبْتُم)، على جهة الإنكار (١)، أي: لا تحسبوا ذلك. ومضى الكلام في هذا، في مواضع (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾. قال أبو إسحاق (٣): (لَمَّا) جوابٌ لقولِ القائل: (قَدْ فَعَلَ فُلان). فجوابه: (لَمَّا (٤) يَفْعَل)؛ لأن (لَمَّا) مُؤَكَّدٌ بِحَرْفٍ؛ كما أُكِّدَ الابتداءُ بـ (قد). وإذا قال: (فَعَلَ فلان)، فجوابه: (لَمْ يَفْعَل). وإذا قال: (لَقَد فَعَل)، فجوابه: (ما فَعَل) (٥) كأنه قال: (واللهِ لَقَد فَعَل) (٦)، وقال المُجِيبُ: (واللهِ ما فَعَل) وإذا قال هو يفعل فجوابه و (لا يَفْعَل) (٧) وإذا قال سيفعل

стр. 3023

فجوابه (لن يفعل) و (لا يفعل). والنَفْيُ في الآية، واقِعٌ على العِلْمِ. والمعنى: على نَفْي الجِهَادِ دونَ العِلْم؛ وذلك لِمَا فِيهِ مِنَ الإيجاز في انتفاءِ جهادٍ؛ لَوْ كانَ؛ لَعَلِمَهُ. والتقدير: (ولَمَّا لم (١) يكن المعلوم من الجهاد الذي أَوْجَبَ عليكم). فجرى النفيُ على العِلْمِ؛ للإيجاز؛ على سبيل التوسع في الكلام؛ إذ المعنى مفهومٌ مِن غير إخلال. وقال الزجاج (٢): المعنى: وَلَمَّا يقع العِلْمُ بالجهاد، والعِلْمُ بِصَبْرِ الصابرين؛ أي (٣): وَلمَا يَعْلَمِ اللهُ ذلك واقِعًا منكم (٤)؛ لأنه يَعْلَمُه غَيْبًا (٥)، وإنما يجازيهم على عَمَلِهِم. وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ انتصب على الصَّرْفِ (٦) عن

стр. 3024

العطف (١). إذ ليس المعنى على نفي الثاني والأول، وإنما هو على نفي اجتماع الثاني والأول؛ على نحو: (لا يَسَعُنِي (٢) شيءٌ، وَيعْجَزَ (٣) عنك). ومثله: لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأتِيَ مِثْلَهُ (٤)

стр. 3025

قال الفراء (١): ومعنى (الصرف): أن يجتمع فِعْلان ببعض حروف النَّسَقِ (٢)، وفي أوَّلِهِ ما لا يَحْسُنُ إعادَتُه في حروف النَّسَقِ (٣)، فتنصب الذي بعد حرف العطف، لأنه مَصرُوفٌ عن معنى الأول. وذلك يكون مع جْحدٍ أو استفهامٍ أو نَهْيٍ في أول الكلام. كقولهم: (لا يَسَعُنِي مكانٌ، ويَضِيقَ عنك) بفتح (ويضيقَ)، لأن (لا) التي مع (يَسَعُنِي)، لا يَحْسُن أن يذكرها مع (يضيقَ عنك) (٤). وقال ابن الأنباري (٥): قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ معناه:

стр. 3026

الحال لِمَا قبله. وهذه الواو، يُسَمُّون (١) النحويون: (واو الصرف)، والذي بعدها يُنْصَبُ (٢) على خلافِ ما قبلها. كما تقول العربُ: (لا تأكل السَّمَكَ، وتَشْرَبَ اللَّبَنَ (٣))؛ أي: لا تجمع بينهما، ولا تأكلِ السَّمَكَ، في حال شُرْبِكَ اللَّبَنَ. قال: وقَرَأ الحَسَنُ: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ -بالكسر- (٤)، وهو جزمٌ بالعطف على الأول، وليس بحالٍ لما قبله. وهذه الآية خطابٌ للذين انهزموا يوم أحد، فقيل لهم: أَحَسِبتم أنْ تدخلوا الجَنَّةَ، كما دَخَلَ الذين قُتِلوا، وبَذَلُوا مُهَجَهُم (٥) لِرَبِّهم، وثَبَتُوا على أَلَمِ الجِرَاح والضَّرْبِ، مِن غير أنْ تَسْلُكُوا (٦) طَرِيقهم، وتصبروا صَبْرَهُمْ. ١٤٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾ الآية. قال الحسن (٧)، ومجاهد (٨)، ..................

стр. 3027

وقتادة (١)، والرَّبِيع (٢)، والسُدِّي (٣)، ومحمد بن إسحاق (٤): كانوا يَتَأسَّفُون (٥) على ما فاتهم مِن [بَدْر] (٦)، ويَتَمَنَّون يوما مع رسول الله ﷺ ، ويقولون: لَنَفْعَلَنَّ ولَنَفْعَلَنَّ، ثم انهزموا يوم أُحُد، واستحقوا العِتَاب (٧). وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾. يعني: مِن قَبْلِ يوم أُحُد. وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ أي: رأيتم أسبابَهُ، وما يتولَّدُ منه الموتُ (٨)؛ كالسَّيْفِ، والأَسِنَّةِ، ونحوِها (٩). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾. قال الأخفش (١٠): هو تَوْكيدٌ (١١) لقوله: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾. وقال أبو إسحاق (١٢): المعنى: فقد رأيتموه، وأنتم بُصَرَاء؛ كما

стр. 3028

تقول: (رأيت كذا وكذا)، وليس في عينيك (١) عِلَّة (٢)؛ أي: قد رأيته رؤيةً حقيقية، وهو راجع إلى معنى التوكيد. وقال غيره (٣): لِئَلَّا يُتَوَهَّم رؤية القَلْبِ؛ كما يقال: (رأيته عِيَانًا)، و (سمعته بأذني)؛ لئلا يتوهم سَمْع العِلْمِ. وقيل (٤): ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾؛ أي: تَتَأَمَّلُون الحالَ في ذلك، كيف هي؟ (٥)

стр. 3029

وفي الآية محذوفٌ، لأن المعنى: (فقد رأيتموه، وأنتم تنظرون، فَلِمَ انهزمتم)؟ وهذا موضعُ العِتَاب. وهو قول ابن عباس (١). ١٤٤ - وقوله (٢) تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ الآية. قال أهل التفسير (٣): لَمَّا نُعِيَ رَسُولُ الله ﷺ يومَ أُحُد، وأُشِيعَ أنه قد قُتِل، قال بعضُ المسلمين: لَيْتَ لَنَا رَسُولًا إلى عبد الله بن أُبَيّ، فيأخذ لنا أَمَانًا مِنْ أَبِي سُفْيان! وقال أناسٌ مِنْ أهل النِّفَاق: إنْ كان محمدٌ قد قُتِلَ، فالْحَقُوا بدينكم (٤) الأَوَّل؛ فأنزلَ الله هذه الآية (٥). و (مُحَمَد) (٦) هو المُسْتَغْرِقُ لجميع المَحَامِدِ؛ لأن الحَمْدَ لا يَسْتَوْجِبُهُ إلَّا الكامِلُ. و (التَحْمِيد) فوق (٧) (الحَمْدِ) (٨)، فلا يستحقه إلا المستولي على

стр. 3030

الأَمَدِ (١) في الكمال. و (الرَّسُول) -قال ابن الأنباري، فيما حكى عنه الأزهري- (٢): معناه في اللغة: الذي يُتَابع أخبار مَنْ (٣) بَعَثَهُ (٤)؛ أُخِذَ مِنْ قولهم: (جاءت (٥) الإِبِلُ رَسَلًا) (٦)؛ أي: متتابعة (٧). فمعنى (٨): ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ أي: إلَّا مُتَابع للأخبار عن الله. وقال الأخفش (٩): (الرسول): هو (١٠) الرِّسَالة، وهو اسمٌ مِنْ (أَرْسَلْتُ) (١١).

стр. 3031

وقال أبو علي (١): (الرسول)، جاء على ضربين: أحدهما: يراد به المُرْسَلُ، والآخر: الرِّسَالة. وقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾، يريد: المُرْسَل. يُقَوِّي ذلك قوله: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٣]. ومثل (٢) هذا في (فعُول)، يراد به (المفعول): (الرَّكُوب)، و (الحَلُوُب): لِمَا يُحْلَبُ، ويُرْكَبُ (٣). والرسول بمعنى الرسالة كقوله: لَقَدَ كَذَبَ الواشُوُنَ مَا (٤) بُحْتُ عِنْدَهُمْ ... بِسِرٍّ وَلاَ أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ (٥) أي: برسالة. ومِنْ هذا قولُهُ تعالى: ﴿أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: ١٩] (٦).

стр. 3032

وسنذكره (١) في موضعه إن شاء الله. وقوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ معناه: أنه يموت كما ماتت الرُّسُلُ قَبْلَهُ. وقوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ ألِفُ (٢) الاستفهام دخلت على حرف الشرط؛ ومعناها: الدخول على الجزاء. المعنى: (أتنقلبون على أعقابكم؛ إن مات محمَّدٌ (٣) أو قُتِلَ)، إلّا أنَّ الشرط والجزاء مُعَلَّقٌ أحدُهُما بالآخَرِ، فانعقدا جملةً واحدةً، وخَبَرًا واحدًا؛ فدخلت أَلِفُ الاستفهام على الشرط، وأَنْبَأَت عن معنى الدخول على الجزاء؛ كما أنك إذا قلت: (هل زيدٌ قائمٌ؟)؛ فإنما تستفهم عن قيامِهِ، إلّا أنك أَدْخَلْتَ (هَلْ) على الاسم؛ لِيُعْلَمَ الذي استفهمتَ عن قيامه، مَنْ هُوَ؟ وكذلك قولك (٤): (ما زيدٌ قائما)، إنما نَفَيْتَ القيامَ، ولم تَنْفِ زيدًا، ولكنك أدخلت (ما) على (زيد)؛ ليُعْلَمَ مَن الذي نُفِيَ عنه القيامُ. يوضح هذا: أن هذا الاستفهام للإنكار، ولم ينكر عليهم الموت، وإنما أنكر عليهم الانقلاب. وقوله تعالى: ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ أي: ارْتدَدْتُم كُفَّارًا بعد إيمانكم؛ وذلك؛ لأن الرجوع عن الحق إلى الباطل، بمنزلة رجوع القَهْقَرَى (٥)، في القُبْح والتنكيل بالنفس.

стр. 3033

ويقال لكلِّ مَن عادَ إلى ما كان عليه، ورَجَعَ ورَاءَهُ (١): انقَلَبَ على عَقِبِهِ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ فيه معنى الوعيد؛ أي: فإنما يَضُرُّ نَفْسَهُ؛ باستحقاق العِقَاب. ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ بِمَا يستحقونه مِنَ الثَّوَاب. قال ابن عباس (٣): يريد: الطائعين لله من المهاجرين والأنصار. ١٤٥ - وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية. قال الأخفش (٤)، والزجَاجُ (٥): اللَّام في (لِنَفْسٍ) (٦)؛ معناها: النقل؛ بتقدير: وما كانت نفسٌ لِتَموتَ إلّا بِإذْنِ اللهِ (٧). قال ابن عباس (٨): يريد: بقضائه وَقَدَرِهِ. وفي هذا رَدٌّ على القَدَريَّةِ؛ حيث قالوا: إنَّ المقتول لا يكون مَيتًا بِأَجَلِهِ (٩).

стр. 3034

واختلفوا في المراد بهذا: فقال بعض (١) أهل المعاني (٢): المراد به التَّسْلِيَةُ عَمَّا يلحق النفسَ بموت النبي ﷺ إذا (٣) وَقعَ. من جهة أنه إذا وَقَعَ كان بإذن الله. وقال بعضهم (٤): المراد به: الحَضُّ على الجهاد، من حيث لا يموت أحدٌ فيه إلّا بإذن الله. وقال ابن الأنباري (٥): عاتب اللهُ تعالى (٦) بهذا المُنْهَزِمينَ يوم أُحُد؛ رَغْبَةً في الدنيا، وَضَنًّا بالحياة، وأخبرهم أن الحياة [لا تزيد] (٧) ولا تنقص، وأنَّ الموتَ بِأَجَلٍ عنده، لا يتقدم ولا يتأخر. وقوله تعالى: ﴿كتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ إنتصب ﴿كِتَابًا﴾ بالفعل الذي دلّ عليه ما قبله، وذلك أن قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، يدل على: (كَتَبَ). وكذلك قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، لأن في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، دِلاَلَةً على: (كَتَبَ هذا التحريمَ

стр. 3035

عليكم). ومثله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨]، و ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٢٢]. و (المُؤَجَّلُ): ذو الأَجَلِ. و (الأَجَلُ): الوقت المعلوم (١). [و] (٢) قال عطاء (٣)، ومقاتل (٤): يريد مُؤَجَّلًا إلى أجله الذي هو في اللوح المحفوظ. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ قال المفسرون (٥): أي: من يُرِدْ بطاعته وعمله زينةَ الدنيا، وزُخْرُفَهَا؛ نُؤْتِهِ منها. قال أهل المعاني (٦): هو مُجْمَلٌ (٧)، ومعناه: نؤته منها ما نشاء، مِمَّا قَدَّرناه له (٨) كقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨]. يعني بهذا: الذين تركوا المَرْكَزَ يوم أُحُد طلبًا للغنيمة، ورَغْبَةً في الدنيا (٩).

стр. 3036

﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ﴾ أي: مَنْ كانَ قَصْدُهُ بِعِمْلِهِ ثَوَابَ الآخرة. قال عطاء (١): يعنى: زينَتَها ومُلْكَها وسُرُورَهَا. ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾. يعني بهذا: أولئك الذين ثَبَتُوا يومَ أُحُد حتى قُتِلُوا (٢). أعْلَمَ الله -تعالى- أنَّهُ يُجازي كُلًّا على قَصْدِهِ وإرادته، فَمَنْ نَصِبَ للدنيا، و (٣) عمل لها، أُعْطِيَ منها حظًّا على قَدْرِما قُسِمَ له، ومَن عَمِلَ للآخرة فاز بها (٤)، كما رُوِيَ عن (٥) النبي ﷺ في قوله: "الأعمال بالنيَّاتِ" (٦)، الحديث المعروف.

стр. 3037

وأَنَّثَ الكِنَاية (١) في ﴿مِنْهَا﴾، -وهي (٢) في المعنى راجعةٌ إلى الثواب-؛ لأن ثوابَ الدنيا، هو: الدنيا، وثوابَ الآخرة، هو: الآخرة. فرجوع الكِنَايَةِ إليها، كرجوعها (٣) إلى الثواب. ويقول القائل: (اللهم ارزقني الآخرة)؛ وهو يريد: ثوابَها. وقوله تعالى: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ قيل (٤): إنَّه تكريرٌ للتأكيد الذي يُوجِبُ تمكين المعنى في النَّفْسِ؛ لأنه قد قال في الآية الأولى: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾. وقال محمد بن إسحاق (٥): فيه إشارةٌ إلى أنَّ مَنْ أرادَ بِعَملِهِ الآخرةَ،

стр. 3038

أُعْطِيَ ثوابَها، ولَمْ يُحْرَمْ مِن الدنيا ما يُعطَاه مِنْ عَمَلِ الدنيا (١)، مِمَّا قُسِمَ له. ١٤٦ - قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾. اجتمعوا (٢) على أنَّ معنى (كَأَيِّنْ): كم (٣)؛ وتأويلها: التكثير لعدد الأنبياء الذين هذه صفتهم. والكاف (٤) في (كَأَيِّنْ) كافُ التَّشْبِيه، دخلت على (أيٍّ)، التي هي الاستفهام-، كما دخلت على (ذا) مِن (كَذَا (٥)، و (أَنَّ) مِن (كَأَنَّ)، ولا معنى للتشبيه فيه، كما أنه لا معنى للتشبيه في (كَذَا)؛ لأنك تقول: (لي عليه كَذَا وكَذَا)؛ معناه: لي عليه عددٌ مَّا. فلا معنى للتشبيه. إلا أنها زيادةٌ لازمةٌ، لا يجوز حذفُها. ولم يقع للتنوين صورةٌ في الخط، إلا في هذا الحرف خاصَّةً. وكَثُرَ استعمالُ هذه الكلمة، فصارت كَكَلِمَةٍ واحدةٍ، موضوعة

стр. 3039

للتكثير؛ كقول الشاعر: كأيِّنْ في المَعَاشِرِ مِنْ أُنَاسٍ ... أخُوهُم فوقَهْمْ وهُمُ كِرَامُ (١) أي: كَم مِن أُنَاسٍ. وقرأ ابنُ كَثِير (٢): ﴿وَكَائِنْ﴾ (٣)، في وزن: (كاعِنْ). ووجه هذه القِرَاءةِ: أن (٤) (كأيِّنْ) لَمَّا جُعِلَت كلمةً واحدةً، قُلِبت قَلْبَ الكلمة الواحدة؛ كما فُعلَ ذلك، فيما حكاه أحمد بن يحيى (٥) مِن قولهم: (لَعَمْري)، و (رَعَمْلِي)، فصارت بالقَلْبِ (كَيَّإن). فَحُذِفت (٦) الياءُ الثانيةُ تخفيفًا؛ كما حُذِفَت مِن (مَيْت) و (هَيْن) و (لَيْن) (٧)، فصارت: (كَيْإنْ) (٨) بعد

стр. 3040

الحذف، ثم أبْدِلت من الياء الألف؛ كما أبدلت في (طَائِيٍّ) (١)، وكما أبدلت في (آيَةٍ) عند سيبويه (٢)، وكانت (أَيَّةً) (٣)، وقد حُذِفَت الياءُ مِن (أَيٍّ) في قول الفرزدق: تَنَظَّرْتُ نَضرًا والسِّماكَيْنِ أيْهُمَا (٤) ... عَلَيَّ مِنَ الغَيثِ اسْتَهَلَّتْ مَواطِرُهْ (٥)

стр. 3041

فَلَمَّا أُبْدِلَت الألفُ مِن الياء، صارت: (كَائِنْ)، على وزن: (كاعِنْ). وأكثر ما جاء في الشعر، على هذه اللغة. قال جرير: وكايِنْ في الأَبَاطِحِ مِن صَدِيقٍ ... يَرَانِي لَوْ أُصِيبَ (١) هو المُصَابَا (٢)

стр. 3042

وأنْشَدَ المُفَضّل (١): وكائِنْ (٢) تَرَى (٣) في الحَيِّ مِنْ ذِي قَرَابَةٍ ... وغَيْرَان يَدْعُو ويلَهُ مِنْ حِذَارِيَا (٤) فإنْ وقفت على هذه الكلمة؛ فَلَكَ في الوَقْفِ على قِرَاءةِ ابن كثير، ثلاثة أوجه: أحدها: أنْ تحذف التنوين الدَّاخِلَ الكلمة مع الجرِّ، فيقول (٥): (كاءْ). فَتُسَكِّنْ (٦) الهمزةَ المجرورةَ للوقف. الثاني: أن يقول: (كائِي) (٧)؛ على لغة من يقول: (مَرَرْتُ بِزَيْدِيْ)، في الوقف، فَيُبْدِل (٨) مِنَ التَّنْوِين الياءَ.

стр. 3043

الوجه الثالث: أنْ تَقِفَ على التنوين، وتترك الحركة (١)؛ فتقول: (كَائِنْ) (٢)؛ وذلك أنَّ التنوين -بالقَلْبِ الذي حدث في هذه الكلمة-، صارت بمنزلة النون التي من نَفْسِ الكلمة [فَتُقِرُّهُ نُونًا في الوَقْفِ] (٣)، بمنزلة [ما هو من نفس الكلمة؛ كما أنهم جعلوا ما هو من نفس الكلمة] (٤)، [التنوينَ] (٥) الزائدَ (٦)، في قول من قال: (لَدُنْ غُدْوَةً) (٧). فأما الوقف في القراءة (٨) الأولى، فتقف على الياء، وتترك التنوين، ولا

стр. 3044

تقف على النون؛ لأنه لم يُقْلَبْ، كما ذكرنا من القَلْبِ في قراءة ابن كثير (١). وقوله تعالى: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾. ﴿قُتِلَ﴾، و ﴿قَاتَلَ﴾ (٢). فمن قرأ: ﴿قُتِلَ﴾ (٣)، احتمل وجهين: أحدهما: أن يكون القَتْلُ مُسْنَدًا إلى ﴿نَبِيٍّ﴾. [وقوله: ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾]، (٤) صِفَة لـ ﴿نَبِيٍّ﴾. و (الرِّبِّيُّون) -على هذا- مرتَفِعٌ بالظَّرْفِ (٥). والثاني: أنْ يُسْنَدَ القَتْلُ إلى قوله: ﴿رِبِّيُّونَ﴾. ويكون معنى قوله: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ أي: مَا وَهَنَ باقِيهم بَعْدُ، بِمَنْ (٦) قُتِلَ منهم في سبيل الله. فَحُذِفَ المُضَافُ، وأقُيِمَ المضافُ إليه مقامه؛ والمعنى: ما وَهَنَ مَنْ بَقِيَ

стр. 3045

منهم لِقَتْلِ (١) مَن قُتِلَ مِنَ الرِّبَيِّينَ، لأن مَنْ قُتِلُوا لا يُوصَفُونَ بِأَنَّهُمْ (ما وَهَنُوا). وحُجّة هذه القراءة: أنَّ هذا الكلامَ، اقتصاصُ ما جرى عليه سَيْرُ (٢) أُمَمِ الأنبياء ﵈ قبلهم؛ لِيَتَأَسَّوا بهم. وقد قال: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. ومَنْ قَرَأَ: ﴿قَاتَلَ﴾، جاز فيه الوجهان اللذان ذكرنا في ﴿قُتِلَ﴾، مِن إسناد القِتَالِ إلى ﴿نَّبيٍّ﴾، أو إلى ﴿الرِّبِّيِّينَ﴾. وحُجَّةُ هذه القراءة: أنَّ المُراد بهذه الآية مدح الطائفة الذين مع النَّبِيِّ، بالقتال والثَّبَاتِ على ما كان عليه نَبِيُّهُمْ. والقتال أَلْيَقُ بهذا المعنى مِنَ القَتْلِ، فَحَصلَ مِن هذا أنَّ قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾، موضع الكاف الجَارَّةِ مع المجرور، رَفْعٌ بالابتداء، كما أنَّ موضع (لَهُ كَذَا وَكَذَا)، رَفْعٌ. وخَبَرُهُ: ﴿قُتِلَ﴾؛ إذا أسندت القَتْلَ إلى ﴿نَبِيٍّ﴾. وإذا لم يُسنَدْ القَتلُ إليه، كان قولُه: ﴿قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾: صِفَةً لـ ﴿نَبِيٍّ﴾، وتُضمِرُ للمبتدإ خَبَرًا؛ بتقدير: (كَأيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ معه رِبِّيُّونَ كثيرٌ قبلكم أو مضى). وما أشبهه من التقدير. وهذا الذي ذكرنا في هذه الآية: قولُ الفَرَّاء (٣)، والزجَّاج (٤)، وأبي علي (٥)، وجميع مَن يُوثَقُ بِعِلْمِهِ في النحو (٦).

стр. 3046

وقوله تعالى: ﴿رِبِّيُّونَ﴾. قال الفَرّاء (١): الرِّبِّيُّون: الأُلُوف. وهو قول ابن مسعود (٢)، والضحاك (٣)، والكلبي (٤). وقال الزّجاج (٥): هم الجماعة الكثيرة. أخبرنا العَرُوضي (٦)، عن الأزهري، عن المنذري، عن أبي طالب، قال (٧): الرِّبِّيُّونَ: الجماعات الكثيرة. الواحد: (رِبِّيٌّ).

стр. 3047

وهو قول ابن عباس (١)، ومجاهد (٢)، وقتادة (٣)، والرَّبِيع (٤)، والسُّدِّي (٥). [و] (٦) قال ابن قتيبة (٧) وأصله مِن (الرِّبَّةِ)، وهي: الجَمَاعة، يقال (٨): (رِبِّيّ)؛ كأنه نُسِبَ (٩) إلى (الرِّبَّةِ) (١٠)، ثم يُجمَع (رِبِّيّ) بالواو (١١). وقال الأخفش (١٢): الرِّبَيُّونَ: الذين (١٣) يعبدون الرَّبَّ، واحِدُهم: (رِبِّيُّ).

стр. 3048

قال أحمد بن يحيى (١): ينبغي أن يُفتَحَ [الرَّاءُ] (٢) على قول الأخفش، فيقال: (رَبِّي) (٣)؛ لِيَكونَ منسوبًا إلى الرَّبِّ. فقال مَنْ نَصَرَ الأخفشَ (٤): العرب تنسب الشيءَ إلى الشيء، فتغيِّر حَرَكَتَهُ؛ كما قالوا: (بِصْرِي)، في النسبة إلى البَصْرَةِ. وقوله تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا﴾ جَمَعَ بين الوَهْنِ والضَّعْفِ؛ لأن (الوَهْنَ): انكسارُ الحَدِّ بالخوف (٥). و (الضَّعْفُ): نُقْصانِ القوة. أي: لم يَهِنْوا بالخوف، ولا ضَعُفُوا بنُقْصان القُوَّة. هذا معنى قول أبي إسحاق (٦): ما جَبُنُوا عن قِتَال عَدُوِّهم،

стр. 3049

وَمَا فَتَرُوا (١) وقوله تعالى: ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ الاسْتِكَانَةُ: الخُضُوعُ. وهو أنْ يَسْكنُ لصاحِبِهِ، لِيَفْعَلَ (٢) بِهِ ما يريد؛ أي: وما خضعوا لِعَدُوِّهم (٣). قال المفسرون: هذه الآية احتجاجٌ على المنهزِمِينَ يومَ أُحُد، وذلك أنَّ صائِحًا صاحَ: قد قُتِلَ مُحمَد! فاضْطَرَبَ أمرُ المسلمينَ؛ كما ذكرنا القصة في قوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، الآية. واختلفوا فيما بينهم، فأنزل الله هذه الآية، يعاتبهم على ما كان مِن فِعْلِهم، وَيحَضُّهم على الجهاد في سبيل الله؛ لِسُلُوك طريقة العلماء مِن صَحَابَةِ الأنبياء، لِيَقْتَدِيَ الخَلَفُ بالسَّلَفِ في الصَّبْرِ، حتى يأتي اللهُ

стр. 3050

بالفتح (١). وقال ابنُ الأنباري (٢) في هذه الآية: أي: وقد كان واجبًا عليكم، أن تُقاتلوا على أَمْرِ نَبِيِّكُمْ لو قُتِلَ؛ كما قَاتَلَ أُمَمُ الأنبياء بعد قَتْلِهِم، وَلَمْ يَرْجِعُوا عَنْ دِينِهم. ١٤٧ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ قال ابن عباس (٣): يريد: عند لِقَاء العدو. وهذا بعد أنْ قُتِلَ نَبِيُّهُم. وقوله (٤) تعالى: ﴿وَإِسْرَافَنَا﴾ الإسْرَافُ -في اللغة-: مُجَاوَزَةُ الحَدِّ. ومثله: السَّرَفُ (٥). قال ابن الأعرابي (٦): هو تَجَاوُزُ ما حُدَّ لك. قال ابن عباس (٧) -في قوله: ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ -: يريد: في المَعَاصِي. وقوله تعالى: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ قال ابن عباس (٨): يريد: بالقُوَّةِ مِن عِندك، والنُّصرَةِ. وعلى هذا أكثر المفسرين؛ أَنَّ المراد بهذا: سؤال
следующие страницы →