← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

ذلك، فأتى النبي ﷺ ، وذَكَر له ذلك، فنزلت هذه الآية (١).

стр. 2977

وقال ابنُ مسعود (١): قال المؤمنون للنبي ﷺ : كانت بنو إسرائيلَ أكرَمَ على اللهِ مِنَّا؛ كان أحدُهم إذا أذنب ذَنْبًا، أصبحت كفَّارةُ ذَنْبِهِ مكتوبةً (٢) في عَتَبَةِ بابِهِ (٣): (اجْدَعْ أنفَكَ)، (افعل كذا)! فأنزل اللهُ هذه الآيةَ، وبَيَّنَ أنَّهم أكرم على اللهِ منهم؛ حيث جعل كفّارةَ ذنوبهم الاستغفار. وقوله تعالى: ﴿فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾ يعني: الزِّنَا -ههنا- (٤). وهي-في اللغة-: كلُّ قَبِيحةٍ خارِجَةٍ عَمَّا أذِنَ اللهُ فيه (٥). وذكرنا معنى (الفُحْش) و (الفحشاء) فيما تقدم. والفاحشة -ههنا- نعتُ محذوفٍ؛ التقدير: فعلوا فِعْلَةً فاحشةً (٦). وقوله تعالى: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قال ابنُ عباس (٧)، ومقاتل (٨)،

стр. 2978

والكلبي (١): هو ما دون الزِّنَا، مِن قُبْلَةٍ أو لَمْسَةٍ، أو نَظَرٍ فيما [لا يَحِلُّ؛ مثل الذي (٢) فَعَلَ نَبْهانُ التَّمَّار. وقوله تعالى: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن المعنى: ذكروا وعيد الله. فيكون من باب حَذْفِ المضاف. والذِّكْرُ -ههنا- يكون: هو الذي ضد النسيان. وهذا معنى قول: الضحاك، ومقاتل، والواقدي. فإن الضَّخَاكَ قال (٣): ذكروا العَرْضَ الأكبر على الله. ومقاتل والواقدي قالا (٤): تَفكَّرُوا أنَّ اللهَ سائِلُهُم عنه. الوجه الثاني: ذكروا الله بأن قالوا: اللهُمَّ اغفر ذنوبنا، فإنَّا تُبْنا إليك, ونَدِمْنا. وهذا معنى قولِ مُقاتل بن حَيَّان (٥). والذكْر -ههنا- ليس الأول وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ قال الفَرَّاءُ (٦) هذا محمولٌ على المعنى؛ تأويله: ما يَغْفِرُ الذنوبَ أحَدٌ إلّا اللهُ؛ فلذلك رفعت

стр. 2979

ما بعد (إلّا) (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ يقال: (أصَرَّ (٢) على الشيء): [إذا قام عليه] (٣)، ودام. ومِن هذا يقال للعَزِيمَةِ (٤) التي لا تُنْقَضُ: (صِرِّي) (٥). قال المفسرون (٦): معناه: لم يُقِيموا، ولَمْ يَدُومُوا، [بل تابوا، وأَقَرُّوا] (٧)، واستغفروا. والذي يُؤَكِّد هذا القول (٨):

стр. 2980

أنه تعقب (١) قوله: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ فوَصَفَ الذَّاكرَ بأنه غير مُصِرٍّ (٢). ورُوِيَ عن [النبي] (٣) ﷺ أنه قال: "ما أصَرَّ مَن استَغْفَرَ، وإنْ عادَ في اليوم سبعينَ مَرَّةً" (٤).

стр. 2981

وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال عطاء (١): يعلمون أنَّ اللهَ يُعذِّب على الإصْرارِ. وقال ابن عباس (٢)، والحسن (٣)، ومقاتل (٤)، والكلبي (٥): وهم

стр. 2982

يعلمون أن الذي أَتَوْهُ معصية. وقال الحسين بن الفَضْل (١): وهم يعلمون أنَّ لهم رَبًّا يغفر الذنوب، وكان هذا من قوله- ﵇: "من أذنب ذَنْبًا، وعَلِمَ أنَّ له رَبًّا يغفر الذنوبَ، غُفِرَ له وإنْ لم يَستَغْفِر" (٢). ١٣٦ - قوله تعالى: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ مختصر المعنى (٣): ونِعْمَ أجْرُ العاملين؛ المغْفِرَةُ. فحُذِفَ؛ لدلالة ما قبله عليه. ١٣٧ - قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أصل (٤) (الخُلُوِّ) -في

стр. 2983

اللغة-: الانفراد. والمكان الخالي (١): المنفرد عن الساكن. والخَلِيَّةُ من النُوْقِ: التي ذُبح ولَدُها، فَخَلَت عن الوَلَدِ (٢). ويستعمل في الزمان، والقُرُون، بمعنى: المُضِيِّ، لأن ما مضى انفرد عمَّا يأتي بعده. فالأيَّام الماضية: التي انفردت بالمُضِيِّ عن غيرها، كذلك الأمَم الخالية (٣). والسُّنَنُ: جمع: سُنَّة (٤). والسُّنَّة (٥): الطريقة المستقيمة (٦). ويقال للخط الأسود على مَتْنِ الحِمَار: سُنَّة. و (سَنَّ اللهُ سُنَّةً)؛ أي: بَيَّنَ طريقًا قويمًا. ويقال: (هذه سُنَّةْ اللهِ)؛ أي: أمْرُهُ ونَهْيُهُ وحُكْمُهُ. و (سُنَّةُ النبي ﷺ ): طريقته.

стр. 2984

والسُّنَّةُ (١): المِثالُ المُتَّبَعُ، والإمام المُؤتَمُّ به. يقال: (سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، و [سَنَّ] (٢) سُنَّةً سيِّئَةً): إذا عمل عملًا اقتُدِيَ به (٣)، مِن خيْرٍ أو شَرٍّ. قال لَبِيد: مِنْ مَعْشَرٍ سَنَّت لهمْ آباؤُهُمْ (٤) ... ولِكلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمَامُها (٥) واختلفوا في اشتقاق (السُّنَّةِ): فقال بعضهم: هي (فُعْلَة)، من: (سَنَّ الماءَ، يَسُنُّهُ): إذا والَى صَبَّهُ. والسَّنُّ: صَبُّ الماءِ، والعَرَقِ، وغيره (٦). قال زُهَيْر:

стр. 2985

تعودها الطرادَ (١) فَكلَّ (٢) يومٍ ... يُسَنُّ على سَنَابِكِها قُرُونُ (٣) أي: يُصَبُّ عليها دُفَعٌ (٤) من العَرَقِ. يريد: أنهم يُضَمِّرُونها. شُبِّهَ فِعْلُ النبي ﷺ ، الذي كان يأتيه مَرَّةً بعد أخرى، بالماءِ المَسْنُون؛ وهو (٥): المصبوب صَبًّا مُتَوَالِيًا. فهي (فُعْلَة) بمعنى: (مفعول)،

стр. 2986

كـ (الغُرْفَة) (١) من الماء وأشباهها. فَمَا رَسَمَهُ النبي ﷺ : (سُنَّة)، و (مسنون). ويجوز أن يكون من قولهم: (سَنَنْتُ النَّصْلَ والسِّنَانَ، أسُنُّهُ سَنًّا)، فهو (مَسْنُون): إذا أحْدَدْتُهُ على المِسَنِّ (٢). فالفعل (٣) الذي كان تهذيبُه منسوبًا إليه، سُمِّيَ (سُنَّة)؛ على معنى: أنه (مَسْنُون). ويجوز أن يكون من قولهم: (سَنَّ الإِبِلَ): إذا أحْسَنَ رِعْيَتَها (٤). فالفعل الذي كان النبي ﷺ يتولَّى رِعايَتَه وإدامَتَه مِن العبادات سُمِّيَ: (سُنَّةً ومسنونًا)؛ ذهابًا إلى أنَّه كان يَتَوَفَّرُ عليها بإقامةِ شروطِها، تَوَفُّرَ الرَّاعِي على الإِبِلِ بإِحْسانِ رَعْيَها. هذا كلامُ أهلِ اللغة في (السُّنَةِ). فأما معنى الآية وتفسيرها؛ فقال أكثر المفسِّرين (٥): معنى الآية: قد مضت منِّي-فيمن (٦) [قد] (٧) كان قبلكم، من الأمم

стр. 2987

الماضية المكذِّبَةِ الكافرة-، سُنَنٌ؛ بإمهالي واستدراجي إيَّاهم، حَتَّى يبلغَ الكتابُ فيهم أجَلِي الذي أجلته، في إهلاكهم واستئصالهم، وبَقِيَت لهم آثارٌ في الدنيا، فيها (١) أعظمُ الاتِّعاظِ والاعتبار، فَسِيرُوا في الأرض فانظروا كيف كان [آخِرُ أمْرِ] (٢) المكذِّبِين منهم. والمعنى: أنكم إذا سِرْتُم في أسفاركم، عرفتم أخبارَ قومٍ أُهْلِكُوا؛ بتكذيبهم، ورأيتم مصارِعَهم، وما بقي بعدَهم مِن آثارِ مساكنهم، التي [خربت] (٣)، فاعتبرتم، وكنتم على حَذَرٍ بما تَرَون (٤) في غيرِكم مِن المَثُلاتِ (٥) التي نزلت بهم على قبيحِ فِعْلِهم. وهذا في يوم أُحُد، يقول الله: فأنا أمهلهم (٦) [حتى يبلغ أجلي الذي] (٧) أجَّلْتُ في نُصْرَةِ النبي وأوليائِه، وهلاكِ أعدائِهِ. فـ (السُّنَنُ) -على هذا- جمع: (سُنَّة)، وهي سُنَّة الله في [إهلاكِ الأُمَمِ الضالَّةِ] (٨). وهذا تفسير الآية من غير إضمار.

стр. 2988

وقال (١) ابن عباس -في رواية عطاء- (٢): قد خلت سُنَنٌ مِن قبلِكُم؛ يريد: شرائعُ. قال ابن الأنباري (٣): يعني: شرائع مذمومة؛ لأن باقي الآية يدل على ذَمِّها، وإنَّ المُعَاقَبِينَ بالتكذيب كانوا مُسْتَعْمِلِينَ لها، وجارِينَ (٤) على منهاجها، فأقامَ المذكورَ في آخرِ الآيةِ، مقامَ النَّعْتِ لها. وتلخيص الآية: قد خَلَت مِن قبلكم طرائقُ سَلَكها (٥) قومٌ، فأهْلِكُوا بِمَعاصيهم وخِلافِهم على أنبيائهم. وقالَ أبو إسحاق (٦): معنى الآية: قد خَلَت [مِن قَبْلِكم] (٧) أهلُ سُنَنٍ، وأصحاب سُنَن في الشَّرِّ، [فحذف المضاف] (٨)، ولم يذكر (في الشَّرِّ) (٩)؛ لأن في الآية دليلًا عليه، فهو (١٠) إهلاك من اتَّبَعَها. و (العاقبة): آخر الأمر (١١). يقال: (عَقَبَهُ، يَعْقُبُهُ، عَقْبًا، وعُقُوبًا)،

стр. 2989

وعاقَبَهُ: إذا (١) جاءَ بعده (٢). فالعاقب (٣): الذي يَخْلُف مَن كان قَبْلَهُ (٤). ومنه قيل للنبي ﷺ : (العاقب) (٥). ١٣٨ - قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ أي: هذا القرآن. عن أكثر المفسِّرِين (٦).

стр. 2990

وقال ابن (١) إسحاق (٢): ﴿هَذَا﴾؛ أي: ما ذَكَرْت؛ يعني قولَه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧]، أي: هذا (٣) الذي (٤) عَرَّفْتُكم، بيانٌ للناس. قال ابن عباس (٥): يريد: لجميع الخَلْقِ. ﴿وَهُدًى﴾. ذَكَرَهُ بعد ذِكْرِ البَيَان؛ لأن البَيَان: ظُهور المعنى للنَفْسِ (٦)، كائنًا ما كان (٧). والهُدَى: بَيَانٌ لِطَريق الرُّشْد؛ لِيُسْلَكَ دُونَ (٨) طَرِيق الغَيِّ (٩). وقوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ عَمَّ في أَوَّلِ (١٠) الآية، عند ذِكْرِ البَيَان؛ لِيَدُلَّ [على] (١١) أنَّ الخِطَابَ في التكليف، شَامِلٌ لِلمُشْرِكِ والمُسْلِم. وخَصَّ بـ (الهدى)؛ لأنه يهدي بالقرآن مَن يشاء مِن عِبَادِهِ بفضله.

стр. 2991

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية عماد البحث العلمي سلسلة الرسائل الجامعية التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) سورة آل عمران من آية (١٣٩) إلى آخر السورة تحقيق د. أحمد بن صالح الحمادي سورة النساء من أول السورة إلى آية (٨٣) تحقيق د. محمد بن حمد بن عبد الله المحيميد أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي الجزء السادس

стр. 2992

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية عماد البحث العلمي سلسلة الرسائل الجامعية التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) سورة آل عمران من آية (١٣٩) إلى آخر السورة تحقيق د. أحمد بن صالح الحمادي سورة النساء من أول السورة إلى آية (٨٣) تحقيق د. محمد بن حمد بن عبد الله المحيميد أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي الجزء السادس

стр. 2993

جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الواحدي, علي بن أحمد التفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت٤٦٨هـ)./ علي بن أحمد الواحدي, محمد بن صالح بن عبد الله الفوزان, الرياض١٤٣٠ هـ. ٢٥مج. (سلسلة الرسائل الجامعية) ردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ٥ - ٨٦٣ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج٦) ١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي, علي بن أحمد أ- العنوان ... ب- السلسة ديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠ رقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ ردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ٥ - ٨٦٣ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج٦)

стр. 2994

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) [٦]

стр. 2995

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2996

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) سورة آل عمران من آية (١٣٩) إلى آخر السورة تحقيق د. أحمد بن صالح الحمادي

стр. 2997

١٣٩ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ الآية. قالَ الزُهْرِيُّ (١)، وقتادة (٢)، وابن أبي نَجِيح (٣): هذه الآية تَسْلِيَةٌ مِن الله -تعالى- للمسلمين، لِمَا نالَهُمْ يومَ أُحُد مِنَ القتل والجَرْح. ومعنى ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾: لا تضْعُفُوا. والوَهْنُ (٤): الضَعْفُ في العَمَلِ، وفي العَظْمِ. يقال: (وَهِنَ (٥)، يَهِن، وَهْنًا)، فهو (واهِنٌ): إذا ضَعُفَ في العمل. و (مَوْهُونٌ) في العَظمِ والبَدَنِ، و (وهِنَ وَهَنًا)، لُغَةٌ (٦). و (أَوْهَنَهُ اللهُ) (٧)، فهو (مَوْهُونٌ)؛ مثل: (أَحَمَّهُ)، فهو (مَحْمُوم)، و (أزْكَمَه) فهو (مَزْكُوم) (٨). ومنه قول طَرَفَة:

стр. 2998

إنَّنِي لَسْتُ بِمَوْهُونٍ فَقِرْ (١) قال المفسِّرُون: ﴿وَلَا تَهِنُواْ﴾ عن جهاد عدوِّكم، بما نالَكُم مِنَ الهزيمة (٢)، ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما فاتكم من الغَنِيمَةِ (٣)؛ فإنَّكم ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾؛ أي: لكم تكون العاقِبَةُ بالنَصْرِ والظَّفَرِ.

стр. 2999

قال ابن عباس (١): يريد: في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني: أَنَّ الإيمانَ يُوجِب ما ذكر مِن تَرْكِ الوَهْنِ والحُزْن. فقيلَ: إنْ كُنتم مؤمنين؛ فَلا تَهِنوا ولا تحزنوا؛ أي (٢): من كان مؤمنًا فيجب ألّا (٣) يَهِنَ، ولا يَحْزَن؛ لثقته باللهِ -جل وعَزَّ-. وإلى هذا أَشَار ابنُ عبَّاس، فقال (٤) في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يريد: مُصَدِّقِينَ؛ تحريضًا مِنَ اللهِ تعالى لهم. وفيه وجْه آخر، وهو: أن (٥) المعنى: إنْ كنتم مؤمنين بِصِدْق (٦) وَعْدِي إيَّاكُمْ بالنَصر؛ حتى تَسْتَعْلُوا على عَدُوِّكُم، وتَظْفَرُوا بِبُغْيَتِكُم. وفي قوله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ وجهان: أحدهما: أنه في موضعُ الحَال؛ كأنَّهُ قيل: لا تَحْزَنوا عَالِينَ؛ أي: منصورين على عَدُوِّكُم (٧) بالحُجَّةِ (٨). الثاني: أنه اعتراضٌ بِوَعْدٍ مؤكد؛ كأنه قيل: ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا إنْ كُنْتُم مؤمنين، وأنتم الأَعْلَوْن (٩).

стр. 3000

وفي هذه الآية إشارَهٌ إلى أنَّ (١) مَنْ كان مؤمنًا، لا يَنْبَغِي له أن يَضْعُفَ لِمَا يَنَاله مِن مُصِيبَةٍ في الدُّنْيَا، بل يجب أن يسكن نفسُهُ، وينتفي حزْنُهُ بما هو عليه مِن الاستعلاء، والفوز بالأُمْنِيَةِ في العاقِبة. ١٤٠ - قوله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ الآية. مَعْنَى ﴿يَمْسَسْكُمْ﴾: يُصِبْكم (٢). يقال: (مَسَّهُ أَمْرُ كذا)، [أو] (٣) (مَسَّتْهُ الحَاجَة)؛ أي: أصابته. وتأويله: لَصِقَ بِهِ، وأصابَهُ في ذاته (٤). و (القَرْحُ): قُرِئ بِضَمِّ القَافِ، وفَتْحِه (٥). قال أهل اللغة (٦): هُمَا لُغَتَانِ في عَضِّ السِّلاح ونَحْوِهِ، مِمَّا يَجْرَحُ [الجَسَدَ] (٧)، مثل: (الوَجْد، والوُجْد) (٨)، و (الضَّعْف، والضُّعْف)، وبابه (٩).

стр. 3001

قال الفراء (١): وكأن (القُرْح): أَلَمُ الجِرَاحات، وكأن (القَرْح): الجراحات (٢) بأعيانها. وقال الزجاج (٣): هما عند أهل اللغة بمعنى واحد؛ ومعناهما: الجراح وألَمُهَا. يقال: (قَرَحَهُ): إذا جَرَّحهُ (٤). قال الشاعر: لا يُسلِمُونَ قَرِيحًا حَلَّ وَسْطَهُمُ ... يَوْمَ اللِّقَاءِ ولا يُشْوُونَ مَنْ قَرَحُوا (٥)

стр. 3002

و (قَرِحَ الرَّجُلُ، يَقْرَحُ): إذا صَارَ قَرِيحا (١). قال المفسِّرُون (٢): يقول: إنْ أصابكم جُرْحٌ يوم أُحُد، فقد أصابَ المشركين (٣) مثْلُهُ يومَ بَدْر. وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ﴾. قال ابنُ عبَّاس (٤): يعني: أيَّام الدُّنْيَا، نُداوِلُها [بَيْنَ النَّاس] (٥). [قال الحَسَنُ] (٦)، وقَتادة (٧)، والرَّبِيع (٨)، والسُّدِّي (٩): نصرفها مَرَّةً

стр. 3003

لِفِرْقَةٍ ومَرَّةً عليها. والدَوْلَةُ: الكَرَّةُ (١). و (أَدَالَ اللهُ فُلانًا مِن [فُلان): إذا جَعَلَ الكَرَّةَ لَهُ عليه؛ يريد] (٢): أَنَّهُ أدالَ المسلمينَ مِنَ المُشْرِكين يَوْمَ بَدْر، وأدال المشركين مِنَ المسلمين يوم أُحُد. وقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. اختلفوا في العامل في اللام، فذكروا فيه وجهين: أحدهما: أن اللام صِلَةٌ لِفِعْلٍ مُضْمَر (٣)، يدل عليه أولُ الكلام،

стр. 3004

بتقدير: ولِيَعلم اللهُ الذين آمنوا؛ نُدَاولها (١). الوجه الثاني: أن العامل فيه: ﴿نُدَاوِلُهَا﴾ (٢) المذكور؛ بتقدير: نداولها بين الناس؛ ليظهر أمرهم، وليَتَبَيَّنَ (٣) أعمالَهم، وليعلم الله الذين آمنوا. فَلَمَّا انكشف معنى اللّامِ المُضمَرة في (لِيظهر)، و (لِيَتبيَّن)، جرت مجرى الظاهرة؛ فأمكن (٤) العطْفُ عليها. [و] (٥) الوجهان، ذكرهما ابنُ الأنباري (٦)، وغيرُهُ مِن أهلِ النَّحْو. و (العِلْمُ) إذا لم يتعلق بالذَّاتِ، اقتَضَى مَعْلُومَيْنِ؛ كما تقول: (عَلِمْتُ زَيْدًا عاقلًا، وَجَوادا). فلا (٧) تقول: (عَلِمْتُ زَيْدًا) فقط؛ إلّا أن تريد به: عَرَفْتَهُ، وعَلِمْتَ مَنْ هُوَ (٨).

стр. 3005

والمفعول الثاني -ههنا- محذوف. والتقدير: وَلِيَعلمَ اللهُ الذين آمنوا [مُمَيَّزينَ] (١) بالإيمان مِنْ غيرهم؛ أي: إنما يجعل الدَّولةَ للكفارِ على المسلمين، لِيُميِّزَ (٢) [المؤمن] (٣) المخلص (٤)، مِمَّن يرتد عن الدين إذا أصابته نكبةٌ. ويحتمل أن يكون (العِلْمُ) -ههنا- بمعنى: معرفة الذات؛ والتأويل: وَلِيَعلمَ اللهُ الذين آمنوا بما يظهر من صبرهم على جهاد عدوِّهم؛ أي: لِيَعرِفَهم بأعيانهم. إلَّا أنَّ سَبَبَ العِلْم، -وهو: ظهور الصبر -حذف ههنا-. وقال الفراء (٥): هذا في مذهب [(أيّ)] (٦) و (مَنْ)؛ التأويل: ليعلم الله مَن المؤمن، وأيّهُم المؤمن؛ كما قال: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾. وجاز ذلك؛ لأنَّ في (الذي)، وفي الأَلِفِ واللَّامِ تأويل (مَن) و (أيّ)؛ كما قال: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣].

стр. 3006

وتأويل قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، واللهُ تعالى يعلم الشيءَ قبلَ وُجُودهِ، ولا يحتاج إلى سَبَبٍ حَتى يعلم؛ وإنما المعنى: وَلِيَعْلَمَ ذلك واقِعًا منهم. أي: لِيَقَعَ ما عَلِمَهُ غَيْبًا، مُشَاهَدَةً للناس. والمُجَازاة إنَّمَا تَقَع بِما يعلمه موجودًا كائِنًا، لا (١) بِمَا عَلِمَهُ غَيْبًا (٢). وهذا كقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١]. وقد استقصينا ما في هذا عند قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ أي: وَلِيُكْرِمَ قَوْمًا بالشَّهَادةِ؛ وذلك أنَّ المسلمين تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوَّ، وأنْ يَكُونَ لهم يومٌ كيوم بَدْر، يقاتِلُوا فيه العَدُوَّ، ويَلْتَمِسُوا الشهادة (٣). والشُّهَدَاء: جمع شَهِيد؛ كـ (الكُرَمَاء)، و (الظُّرَفَاء). والمقتول مِنَ المسلمين بِسَيْفِ الكُفَّار، يُسَمَّى: شهيدًا. واختلفوا فيه: لِمَ سُمِّيَ شهيدًا؟: فقال النَضْرُ بن شُمَيْل (٤): الشَّهِيد: الحَيُّ. قال الأزهري (٥): أراه تَأَؤَّلَ قولَ اللهِ جلَّ وَعَزَّ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ

стр. 3007

عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (١)، كأنَ أرواحَهُم أُحْضرَت (٢) دارَ السَّلام [أحياءً، و] (٣) أرواحَ غيرهم لا يَشهَدها (٤). وهذا قولٌ حَسَنٌ. وقال ابنُ الأنباري (٥): سُمَّي شهيدا، لأن الله وملائكته شُهُودٌ له. فهو (فَعِيل)، بمعنى: (مَفْعُول له). وقال قومٌ (٦): سُمُّوا شُهَداء؛ لأنهم يُسْتَشْهَدُونَ يومَ البَعثِ (٧)، مع الأنبياء والصِّدِّيقِينَ على الأمم؛ كما ذَكَرَهُ اللهُ تعالى في قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. قالَ أبو منصور (٨): والشهادة -يومئذ- تكون للأفضل (٩) فالأفضل مِنَ الأُمَّةِ. فأفضلهم مَن قُتِلَ في سبيل الله؛ أَبَانَهم اللهُ من غيرهم -بالفضل الذي يميَّزوا به- مِن جَمَاعَةِ المؤمنين. (١٠) وبَيَّن أنَّهم ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، الآية. ثم يتلوهم في الفضل مَنْ عَدَّه النبيُّ ﷺ مِنَ

стр. 3008

المسلمين شهيدا؛ فإنه قال: "المَبْطْونُ شَهِيد (١)، والغرِيق شَهيد (٢) " (٣). وذَكَرَ -أيضًا- غيرَ هذين. ويدل على هذا ما رُوي أنَّ النَبِيَّ ﷺ قال:

стр. 3009

"مالَكُمْ إذا رَأَيتم الرَّجلَ يُخَرِّقُ (١) أغرَاَض الناس، ألآ تُعَرِّبُوا عليه (٢) "؟

стр. 3010

فقالوا: نَخَاف لِسَانَهُ يا رَسُولَ الله. فقال: "ذلك [أدْنَى] (١) أنْ لا تَكُونوا شُهَداء" (٢) معناه: أنكم إذا لَمْ تُعَرِّبُوا على مَن يتناول أعراضَ المسلمين؛ مَخَافَة لِسَانِهِ، لم تَدْخُلُوا في جُمْلَةِ المُسْتَشْهَدِين يومَ القيامة على الأمم التي كَذَّبَتْ أنبياءَها.

стр. 3011

وقيل في الشَّهِيد: إنَّه سُمِّيَ (شَهِيدا) (١): لأنه شَهِد الجَنَّة؛ أي: حَضَرَها حين استشهد. فهو على هذا التأويل، بمعنى (٢): (شاهد)، وهو: الحاضر؛ كما يقال: (سميع وسامع)، و (عليمٌ وعالِم) (٣). وهذا قريب مِمَّا قاله ابنُ شميل (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس (٥): أي: المشركين. وفي هذا [إشارة] (٦) إلى أنه إنَّما [يُدِيل] (٧) الكافرين على المؤمنين؛ لِمَا ذَكَرَ (٨)، لا (٩) لأنَّهُ يُحِبُّهم. وإذْ (١٠) أَدَالَ المؤمنين، أدَالَهُمْ نُصْرَةً لهم، ومَحَبَّةً منه إيَّاهم. وجملة معنى الآية: أنها [تَسْلِيَة] (١١) للمؤمنين [عَمَّا نالَهُم مِنَ

стр. 3012

الجِرَاح] (١) بِأَنَّ عَدُوَّهم قد نَالَ مِثْلَهُ، وأَنَّ سُنَّةً لَهُ في عِبَادِهِ أنْ يَبْلُوهم مَرَّةً بالخير، ومَرَّةً بالشَّرِّ [كما قال] (٢): ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (٣)] (٤). ١٤١ - قوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: لِيُظْهِرَهم (٥) مِن ذنوبهم، وُيسْقِطَها عنهم. وتأويل (المَحْص) [-في اللغة-: التَّنْقِيَةُ والتَّخْلِيص (٦)] (٧). قرأت على سَعِيد بن محمد الحِيري، فقلت: أَخْبَرَكم أبو علي الفارسي، عن الزجَّاج، قال: سمعت المبَرِّد يقول: (مَحَصَ (٨) الحبْلُ،

стр. 3013

يَمْحَصُ، مَحْصًا) (١): إذا ذهب زِئْبِرُهُ (٢) حتَّى [يَمَّلِصَ] (٣) و (حبْلٌ مَحِصٌ، ومَلِصٌ)، بمعنًى واحدٍ (٤).

стр. 3014

قال (١): ويُسْتَحَبُّ مِن الفَرسِ أنْ تَمْحَصَ (٢) قوائِمُهُ؛ أي (٣): تَخْلُصَ من الرَّهَلِ (٤). وأنشد (٥) ابنُ الأنباريِّ (٦) -على هذا- لأبي دُوَاد (٧)، يَصِف قوائمَ الفرس: صُمِّ النُّسُورِ صِحاحٌ غيرُ عاثِرَةٍ ... رُكِّبْنَ في مَحِصَاتٍ مُلْتَقَى العَصَبِ (٨)

стр. 3015

قوله: (في مَحِصَات)؛ معناه: في قوائمَ مُتَجَرِّداتٍ عن اللحم، ليس فيها إلا العَظْمُ، والعَصَبُ، والجِلْدُ (١). قال المُبرِّد (٢): وتأويل قول الناس: (مَحِّصْ عنَّا ذُنُوبَنا)؛ أي: أذهب (٣) ما تَعَلَّقَ بنا مِنَ الذُّنُوب. وهذا الذي ذكره المبرِّدُ، تأويل (المَحَصِ) -بفتح الحاء-، وهو واقعٌ (٤)، و (المَحْص) -بسكون الحاء- مطاوع (٥). قال الخليل (٦): يقال: (مَحَصْتُ الشيءَ، أَمْحَصُه، مَحْصًا): إذا
следующие страницы →