← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

أُلْقيَ عليه النُّعَاس -يومئذٍ -، فكان السَّيْفُ سقُطُ مِن يدِي فَآخُذُهُ، ثم يَسْقُطُ السَّوْطُ من يدي فَآخُذُه. وقال أبو إسحاق (١) -في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾: أي: أعْقَبَكم- بما نالكم (٢) مِنَ الرُّعْب-؛ أنْ آمَنَكم (٣) أمْنًا تنامون معه؛ لأنَّ الشَّدِيدَ الخوفِ لا يكاد يَنَام. والأَمَنَةُ: مصدرٌ، كـ (الأمْنِ). ومثله من المصادر: (العَظَمَةُ)، و (الغَلَبَةُ). وقال اللِّحْيانيُّ (٤): يُقال: (أَمِنَ فلانٌ، يَأمَنُ، أَمْنًا، وأَمَنَةً، وأَمْنَةً (٥)،

стр. 3082

وأمَانًا). والنعاس: بَدَلٌ مِنَ (الأمَنَة) (١). وقوله تعالى: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ قُرِئ بالياء والتَّاءِ (٢). فَمَن قرأ بالياء؛ فلأن النُّعَاسَ هو الغاشي، والعرب تقول: (غَشِيَنِي النُّعاسُ)، وقلّما تقول: (غَشِيَني الأمْنُ). و-أيضًا- فإنَّ النعاسَ مذكورٌ بالغِشْيَانِ في قوله: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال: ١١] ولأن النعاسَ يَلِي الفِعْلَ، وهو أقرب في اللفظ إلى ذِكْرِ الغِشْيانِ مِنَ الأمَنَة. فالتذكير أولى. ومن قرأ بالتَّاءِ: جعل الأمَنَةَ هي الغاشِيَةَ. والأَمَنَةُ والنُّعاسُ، أحدهما بَدَلٌ عن الثاني، فيجوز وَيحْسُن رَدُّ الكِنَايَةِ (٣) إلى أيِّهما شئت؛ كقوله: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٥]، وَ ﴿وتَغْلِي﴾ (٤).

стр. 3083

ومِمَّا يُقَوِّي القراءة بالتَّاء: أنَّ الأصل: الأَمَنَةُ، و (النُّعَاس): بَدَلٌ. وَرَدُّ الكناَيَةِ إلى الأصْلِ أحْسَنُ. والأَمَنةُ هي المقصودة، فإذا حَصَلَتْ (١) الأمَنَةُ، حَصلَ (٢) النُّعَاسُ، لأنها سَبَبُهُ، فإنَّ الخائفَ لا يكادُ يَنْعُسُ. وقوله تعالى: ﴿طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ قال ابن عباس (٣): هم المهاجرون، وعامَّةُ الأنْصَارِ (٤). وقوله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ هؤلاء هم المنافقون: عبد الله بن أُبَي، ومُعَتِّبُ بن قُشَيْر (٥)، وأصحابُهُما، كان هَمُّهُم خَلاَصَ أنفسِهِم (٦). يقال: (أهَمَّنِي الشيءُ): إذا كان مِنْ هِمَّتِي وقَصْدِي. والواو في قوله ﴿وَطَاَئِفَةٌ﴾، واو الحال.

стр. 3084

قال سيبويه (١): المعنئ: إذْ طائِفةٌ قد أهَمَّتْهُم أنفُسُهم، وهو (٢) رَفْعٌ بالابتداء، وخبرُهُ: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾. وجائزٌ أن يكون الخَبَرُ: ﴿يَظُنُّونَ﴾، ويكون ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾: مِنْ صِفَةِ النَّكِرَةِ، ويكون المعنى: وطائفةٌ مُهِمَّتُهُمْ أنفُسُهم، يَظنُّونَ. قال أبو الفَتْحِ المَوصِلِيُّ (٣): هذه الواو للحال، وهي وما بعدها في مَوْضِعٍ نَصْب، على تقدير: يَغْشَى طائفَةً منكم، مُهِمَّةً (٤) طائفةً أخرى منكم أنفُسُهم، في وقت غِشْيَانِهِ تلكَ الطائفة (٥) الأولى. ولا بُدَّ مِن هذا التقدير؛ كما أنَّ قولك: (جاءت هند، وعمرٌو ضاحكٌ)، في تقدير: (جاءت هند ضاحكًا (٦) عمرو في وقت مجيئها)، حتى يعود من الجملة التي هي حالٌ، ضميرٌ على صاحب الحال، ولهذا شبَّهَهَا سيبويه بـ (إذ) (٧).

стр. 3085

قال أبو علي (١): إنما فَعَلَ ذلك من حيث كانت (إذْ) منتصبةَ المَوْضعِ في الحال (٢)، وأنَّ ما بعد (إذْ) لا يكون إلّا جملةً، كما أنّ ما بعد واو الحال لا يكون إلّا جملةً مرَكَّبَةً مِن مبتدأ وخَبَر، كقولك: (مَرَرْتُ بزَيْد، وعمرٌو قائمٌ) (٣). وقوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أي: يظنون أنَّ أمرَ النبي ﷺ مضمَحِلٌّ، وأنّه لا يُنْصر (٤). وقوله تعالى: ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾. الجاهلية: زَمَان الفَتْرَةِ، قبل الإسلام (٥). والمعنى: إنهم على جاهليتهم في ظنهم هذا. وتقدير الكلام: يَظنُّونَ ظَنَّ أهلِ الجاهلية (٦). وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ما لنا. استفهام يتضمن الجَحْدَ. قال الحَسَنُ (٧): يقولون: أُخْرِجْنَا كَرْهًا، ولو كان الأمرُ إلينا ما

стр. 3086

خَرَجْنَا (١) وقال الأكثرون (٢): أي: ليس لَنا مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ شيءٌ كما وعدنا، بل هو للمشركين. يقولون ذلك (٣) على جهة التكذيب. فقال الله: ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، أي: النَّصْرُ بيد الله . وقال عطاء، عن ابن عباس (٤): يريد: القضاء والقدر، والنُّصْرَةُ والشَّهادة. واختلف القرّاء (٥) في قوله: ﴿كُلَّهُ﴾: فَنَصَبَهُ [أكثرُهُم] (٦)؛ لأن (٧) الكُلَّ بمنزلة (أجمعين)، وجُمَعَ؛ في أنه للإحَاطَةِ والعُمُوم.

стр. 3087

ولو قيل: (إن الأمرَ أجْمَعَ)، لم يكن إلّا النَّصبُ، -كذلك- إذا (١) قال ﴿كُلَّهُ﴾ (٢). وقرأ أبو عمروٍ بالرَّفْعِ (٣)، وذلك أنه لم يُجْرِهِ على ما قَبْلَهُ، ورَفَعَهُ على الابتداء، و ﴿لِلَّهِ﴾: الخَبَر. قال الفَرّاءُ (٤): ومثله مِمَّا قُطِعَ مِمَّا (٥) قبلَهُ: قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ (٦) [الزمر: ٦٠]، ومِنْ هذا -أيضًا-: ما أجازه سيبويه مِن قولِهِم: (أينَ تَظُنُّ زيدٌ ذاهِبٌ). وقوله تعالى: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ أي: مِنَ الشَّكِّ والنِّفَاقِ، وتكذيب الوَعْدِ بالاستعلاء على أهل الشرك. وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ رُوي (٧) عن الزُّبَيْر بن العَوَام ﵁، أنَّه قال (٨): أَرْسَلَ اللهُ علينا النَّوْمَ،

стр. 3088

وإنِّي لأَسْمَعُ قولَ مُعَتِّب بن قُشَيْر -والنُّعَاس يغشاني-، ما أسمعه إلّا كالحُلم (١)، يقول: لو كان لنا من الأمر شىِءٌ، ما قُتلنا ههنا (٢). يَعْنُونَ أنهم أُخْرِجُوا كُرْهًا، ولو كان الأمر بيدهم لم يخرجوا. وقال المفسرون (٣): إنَّ المُنافِقِينَ قال بعضُهم لِبَعضٍ: لَوْ كانَ لنا عُقُولٌ، لم نخرجْ مع محمد لِقِتال أهل مكة، وَلَمَا قُتِلَ رُؤَساؤُنا. وهذا منهم تكذيبٌ بالقَدَرِ؛ حين ظَنُّوا أنهم لو لم يخرجوا لم يُقْتَلوا. فَرَدَّ اللهُ -تعالى- عليهم هذا الكلام بقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ أيها المُنافِقُونَ، وَلم تَخْرُجوا إلى أُحُد. ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ يعني: لو تَخلَّفتم عن القتال؛ لَخَرَج منكم الذين كُتِب عليهم القَتْل، ولم يكن لِيُنْجِيهم قُعُودهم. ومعنى (بَرَزَ): صار إلى (بَرَاز)؛ وهو المكان المنكشف (٤). والمضاجع: جمعُ (المَضْجَع)؛ وهو الموضع الذي يَضْجَعُ عليه الإنسانُ. ومنه قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦].

стр. 3089

قال الهُذَلِيُّ (١): أَم ما لجنْبِكَ لا يُلائِمُ مَضْجَعًا ... إلّا أَقَضَّ عليكَ ذاكَ المَضْجَعُ (٢) وقال: (أضْجَعْتُ فُلانا): إذا وَضَعْت جَنْبَهُ بالأرض. و (ضَجَعَ)، فهو يَضْجَعُ بنَفْسِهِ. ويريد بـ ﴿المَضَاجِعِ﴾ ههنا: مَصارِعَهم للقتل؛ أي: حيث يَسْقُطُون (٣) -هناك- قتلى. وقوله تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ قال الكسائيُّ وغيرُهُ (٤): وليَبْتَلِيَ اللهُ ما في صدوركم، فَعَلَ ما فَعَلَ يومَ أُحُد. فَحُذِفَ واختُصِرَ؛ لِبَيَان المعنى. ومعنى ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾: ليعاملكم معامَلَة المُبْتَلِي، المُخْتَبِرِ لكم.

стр. 3090

وقال أبو إسحاق (١): أي: لِيَخْتَبِرَ ما في صدوركم، لِيَعلَمَهُ مُشَاهدَةً، كما يعلمه غَيْبًا؛ لأن المُجَازَاةَ تَقَعُ على ما عَلِمَهُ مُشَاهَدَةً. وقيل (٢): لِيَبتلي أولياءُ اللهِ ما في صدوركم. إلّا أنه أُضِيفَ الابتلاءُ إلى اللهِ -تعالى-، تفخيما لشأنهم؛ كقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ (٣).

стр. 3091

وقوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ قد ذكرنا للتَّمْحِيصِ ثلاث مَعَانٍ، عند قوله -تعالى-: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤١]: التَّطْهِير، والكَشْف، والابْتِلاء. وهذ كلها مُحْتَمَلَةٌ في هذه الآية. قال قتادة (١) - في قوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾، أي: يُظْهِرها (٢) مِنَ الشَّكِّ والارْتِيَاب؛ بما يُرِيكم من عجائب صُنعه في إلقاء الأَمَنَةِ، وصَرْفِ العدُوِّ، وإعلانِ سَرَائِرِ المنافقين. وهذا (٣) التمحيص خاصٌّ للمؤمنين؛ فابن عباس قال (٤): يريد: يُمَحِّص قلوب أوليائه من الخطأ. وقال الكَلْبِيُّ (٥): ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾: يُبَيِّن ما في قلوبكم. يعني: أن المؤمن يُظْهِر الرِّضَا بِقَدَرِ الله، والمنافق يُظْهر مثلَ ما أظهرَ مُعَتِّب بن قُشَيْر وأصحابُه. فَعَلَ اللهُ ما فَعَلَ يومَ أُحُد؛ لِيُبَيِّنَ ما في قلوب الفريقين. ويَحْتَمِلُ التَّمْحِيصُ -ههنا- معنى الابتلاء، غير أن القولين الأَوَّلَيْن أجودُ؛ لِزِيَادَةِ الفائدة؛ فإنَّ الابتلاءَ قد ذُكِرَ في قوله: ﴿وَلِيَبْتَلىَ اللَّهُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (ذاتُ الصدور)، تحتمل معنيين: أحدهما: أن (ذات الصدور) هي: الصدور؛ لأن ذاتَ الشيء

стр. 3092

نَفْسُهُ، وعَيْنهُ. يقال: (فَهَمتُ ذاتَ كلامك)، كما يقال: (نَفْسَ كلامك). قال الشاعر: نَطُوفُ بِذَاتِ البيتِ والخَيْرُ ظاهِرُ (١) أي: البيت نفسه. وفيه معنى التأكيد. فيكون المعنى: واللهُ عليمٌ بالصدور. والثاني: أنَّ (ذاتَ الصدور): الأشياء التي في الصدور، وهي الأسرار والضمائر، وهي (ذات الصدور)؛ لأنها فيها، تَحُلُّها (٢) وتصاحبها وصاحب الشيء: (ذُوهُ)، وصاحبته: (ذاته) (٣). ١٥٥ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ هذا الخطاب للمؤمنين خاصَّةً، يعني: الذين انهزموا يوم أحد (٤). ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: حَمَلَهُمْ على الزَّلَّةِ، وَكَسَبَهُمْ الزَّلَّةَ (٥).

стр. 3093

و (أَزَلَّ)، و (اسْتَزَلَّ)، بمعنى واحد. ذكرنا ذلك في قوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [البقرة: ٣٦] (١). وقال ابن قُتَيْبَة (٢): ﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾: طَلَبَ زَلَّتَهم؛ كما يقال: (استعجلته)؛ أي: طَلَبْتُ عَجَلَتَهُ، و (استعملته): طَلَبْتُ عَمَلَهُ. وقول تعالى: ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ قال مقاتل (٣): يعني: معصيتهم النبيَّ ﷺ ، وتركهم المَرْكَزَ. وقيل: استزَلَّهم الشيطانُ بِتَذْكِيرِ خَطَايَا سَلَفَتْ لهم، فكرهوا أن يُقْتَلُوا قبلَ إخلاصِ التَّوْبَةِ. وهذا اختيار الزَّجَّاج؛ لأنه قال (٤): لَمْ يَتَوَلَّوا على جهة المُعَانَدَةِ، ولا على الفِرَارِ مِنَ الزَّحْفِ؛ رَغْبَةً في الدنيا، وإنَّمَا ذَكَّرَهُم الشيطانُ خَطَايَا كانت لهم، فكرهوا لقاءَ اللهِ، إلا على حَالَةٍ يَرْضَوْنَهَا (٥). وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾.

стр. 3094

قال الكلبيُّ (١)، ومقاتلُ (٢): عَفَا عنهم إذْ لَمْ يُقْتَلوا جميعًا، ولم يَسْتَأصِلْهم (٣). وقيل (٤): عَفا عنهم؛ أي: غفر لهم تلك الخطيئة. ١٥٦ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية قال ابن عباس -في رواية عطاء (٥) -: يريد قومًا من المنافقين قالوا فيمن بعثه رسولُ الله ﷺ ، مِنَ السَّرَايَا إلى بِئْرِ مَعُونَة (٦)، وإلى

стр. 3095

الرَّجيع (١)، فأُصِيبوا: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾. وقال مجاهد (٢)، ومحمد بن إسحاق (٣): يعني بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: جميعَ المنافقين. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لِإِخوَانِهِم﴾. أي: في النِّفَاق. وقيل: في النَّسَبِ (٤).

стр. 3096

﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ساروا وسافروا فيها. وكان (١) ينبغي في العَرَبِيَّةِ أنْ يُقَال: (وقالوا لإخوانهم إذْ (٢) ضَرَبُوا في الأرض)؛ لأنه ماضٍ، كما تقول: (ضربتك إذْ قُمْتَ)، ولا تقول (٣): (ضربتك إذا قُمْتَ). والذي في كتاب الله عَرَبِيٌّ حَسَنٌ، لأن القَوْلَ -وإن كان ماضيًا في اللفظ- فهو في معنى (٤) الاستقبال؛ لأن (الذين) يُذْهَبُ بها إلى معنى الجزاء، وكذلك: (مَنْ)، و (ما). فإذا وقع الماضي صِلَةً لِمُبْهَمٍ مِنْ (مَنْ) و (ما) و (الذين)، جازَ أنْ يكون بمعنى الاستقبال (٥). فقوله (٦): ﴿كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾، في معنى: يَكْفُرُونَ، فدخلت (إذا) لِمَعْنى الاستقبال؛ والتقدير: (لا تكونوا كالذين يكفرون (٧)، ويقولون لإخوانهم

стр. 3097

إذا ضربوا في الأرض (ومثله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٥]؛ معناه: إنَّ الذين يكفرون. وكذلك قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا﴾ [المائدة: ٣٤]؛ معناه: يَتُوبُون. ومثله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم: ٦٠]؛ معناه: إلّا مَن يَتُوب. ومشهورٌ في كلامهم، أنْ يقول الرجلُ للرجلِ: (لا تضربْ إلّا الذي ضَرَبَكَ؛ إذا سَلَّمْتَ عليه). فيجيء بـ (إذا)؛ لأن (الذي) غير مُؤَقَّت، فلو وَقَّته، لَقَالَ: (اضربْ هذا الذي ضَرَبَكَ؛ إذْ (١) سَلَّمْتَ عليه). ولا يجوز: (إذا سَلَّمْتَ) -ههنا-؛ لأنَّ توقيت (الذي) أبْطَلَ أنْ يكونَ الماضي في معنى المستَقبَلِ. وتقول: (ما هَلَكَ امرُؤٌ عَرَفَ قَدْرَهُ)؛ لأن الفعل حديثٌ عن مَنْكُورٍ؛ يُراد به الجنس؛ كأنَّ المتكلمَ يريد: (ما يهلك كُلُّ امرئٍ إذا عرف قدره)، أو الرَّجُل وما أشبهها (٢). هذا مذهب الفراء (٣)، وأنشد: وإنِّي لآتِيكمْ تَشَكُّرُ ما مَضَى ... مِنَ الأمرِ واستيجابَ ماكان في غَدِ (٤)

стр. 3098

أي: ما يكون. وأجاز (١) قُطْرُب (٢) أنْ تُوقَعَ (إذْ) على معنى (إذا)، و (إذا) على معنى (إذ)، واحتج بقول الشاعر: ثمَّ جَزَاهُ اللهُ عَنِّي إذ جَزَى ... جَنَّاتِ عَدْنٍ في العَلالِيِّ العُلى (٣) معناه: إذا يجزي (٤). قال ابن الأنباري (٥): والاختيار: مذهب الفراء؛ لأنه لا يصلح في كلِّ موضعٍ وَضْعُ (٦) (إذ) في موضع (إذا)، ولا وَضْعُ (إذا) في موضع (إذ).

стр. 3099

والذي احْتَجَّ به من قولِ الراجز، فإن معناه: (ثم جزاه الله عني، إذْ حَكَمَ بالجزاء وأوجبه). فـ (إذ) في بابها، غير منقولة إلى معنى غيرها (١). وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ (الغُزَّى) (٢): جمع (غازٍ)؛ مثل: (شاهِدٍ، وشُهَّد)، و (نائِم ونُوَّم)، و (صائِمٍ وصُوَّم)، و (قائلٍ وقُوَّل). ومثله من الناقص: (عَافٍ وعُفًّى (٣). ويجوز (غُزَاة)؛ مثل: (قُضَاة)، و (دُعَاة)، و (رُمَاة). ويجوز (غُزَّاء) مثل: (حُرَّاب) (٤)، و (ضُرَّاب) (٥). ومعنى (الغَزْوِ) -في كلام العرب-: قَصْدُ العَدُوِّ. و (المَغْزَى): المَقْصد. روى عَمْرُو (٦) عن أبيه: (الغَزْوُ): القَصْد. و-كذلك- (الغَوْزُ). و (قد غَزَاه، وغَازَه, غَزْوًا، وغَوْزًا): إذا قَصَدَه.

стр. 3100

قال الأزهري (١): ويقال لِجَمْعٍ (الغَازِي): (غَزِيٌّ)؛ مثل: (نَاجٍ، ونَجِيٍّ)؛ للقوم يَتَناجَوْنَ، وأنشد لِزِياد (٢) الأعجم: قُلْ لِلْقَوافِلِ والغَزِيِّ إذا غَزَوْا ... والباكِرِينَ ولِلْمُجِدِّ الرَائحِ (٣)

стр. 3101

وفي الآية محذوفٌ، يَدُلُّ عليه الكلامُ؛ والتقدير: إذا ضَرَبُوا في الأرض، فَمَاتُوا أو كانوا غُزًّى فَقُتِلُوا، ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ (١). فقوله: ﴿مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾؛ يَدُلُّ على موتِهم وقَتْلِهم. وقوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: لِيَجْعَلَ ظَنَّهُمْ -أَنَهم لو [لم]، (٢) يَحْضُروا (٣) الحربَ؛ لاندفع عنهم القتلُ- حَسْرَةً في قلوبهم. وحَسْرَتُهُم -في مَقَالَتِهم، التي كانوا كاذبين فيها على القضاء والقدر-؛ أشَدُّ (٤) عليهم مما (٥) نالهم في قَتْلِ إخوانهم ومَوْتِهم. وتقدير الآية: لا تكونوا كهؤلاء الكفار في هذا القول منهم؛ لِيَجْعَلَ اللهُ ذلك حسرةً في قلوبهم دونكم. فـ (اللام) في ﴿لِيَجْعَلَ﴾ متعلقة بـ ﴿لاَ تَكُونُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي (٦): ليس يمنع الإنسانَ تَحَرُّزُهُ مِن إتْيَان أجَلِهِ على ما سَبَقَ في عِلْمِ الله . فهو إنكارٌ على مَن خالفَ أمْرَ اللهِ في الجهاد؛ طَلَبًا (٧) للحياة، وهَرَبًا من الموت. هذا قول أكثر

стр. 3102

المفسرين في هذه الآية (١). وقال ابن عباس -في رواية عطاء (٢) - في قوله: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ , يريد: يومَ القِيَامَةِ؛ لِمَا هم فيه من الخِزْيِ والهَوَان، ولما فيه أولياء (٣) الله مِنَ الكَرَامَةِ والنَّعِيم. ﴿حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾؛ يريد: الندامة على ترك الإسلام. ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾؛ يريد: يحيى قلوبَ أوليائه وأهلِ طاعته، وُيرْشِدُهم للعمل بطاعته، وُيميت قلوبَ أعدائِهِ من المنافقين والكُفَّار. واللَّام (٤) -على هذا التفسير- في قوله ﴿لِيَجْعَلَ اَللَّهُ﴾ متعلق (٥) بقوله ﴿كَفَرُوا﴾؛ على [أنها] (٦) لام العاقبة (٧)؛ مثل قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (٨).

стр. 3103

وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ بالياء والتاء (١). فمن قرأ بالتاء؛ فلأن الآية خطاب، وهو قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾. ومن قرأ [الياء] (٢)، فلِلْغَيْبَةِ التي قبلها؛ وهو قوله: ﴿وَقَالُوا لِإخوَانِهِم﴾، فحمل الكلام على الغَيْبَةِ. ١٥٧ - قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. اللام في ﴿لَئِنْ﴾ لام القَسَم؛ بتقدير: والله لَئِنْ قُتِلتُمْ في سبيل الله -أيها المؤمنونَ- ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾؛ يريد: في سبيل الله؛ كقوله: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]؛ يعني: فُرُوجَهم. وقال الكَلْبِيُّ (٣): أوْ مُتُّمْ في إقامتكم، وأنتم مؤمنون. وقرأ بعضهم: ﴿مِتُّمْ﴾ بكسر الميم (٤).

стр. 3104

قال أهل اللغة (١): الأشهر الأقْيَس: (مُتَّ، تَمُوتُ)، مثل: (قُلْتَ، تقول). والكسر شادٌّ (٢). ونظيره في الصحيح (٣): (فَضِلَ يَفْضُلُ) (٤). هذا مذهب الخليل (٥). وحكى المُبرِّد (٦): أنَّ (مَاتَ يَمَاتُ)، لغة، مثل: (هَابَ يَهَابُ)،

стр. 3105

و (خافَ يَخَافُ)، وأنشد: عِيشِي ولا يَوْمِي بِأنْ تَمَاتِي (١) فإن ثَبَتَ هذا، فهو لُغَةٌ. قالَ ابنُ عباس (٢): هذه الآية رَدٌّ على المنافقين؛ حيث اختاروا الدنيا على الآخرة، وتركوا الجهاد؛ مَحَبَّةً للدنيا. فقيل للمؤمنين: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ في الجهاد ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾ ليغفرن لكم، وهو ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ﴾. ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ (٣): جواب القسم. وقد قام مقام جواب الجزاء. وقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أي: من أعراض الدنيا، التي

стр. 3106

يتركون القتال (١) في سبيل الله؛ للاشتغال بجمعها. وروي عن ابن عباس، أنه قال (٢): ﴿تَجمَعون﴾ (٣): خطاب المنافقين؛ لأنه قال: ﴿خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُون﴾ (٤) يا معشرَ المنافقين. ومثله، قال الكَلْبِيُّ (٥). وقرأ حَفْص، عن عاصم: ﴿يَجمَعُونَ﴾ -بالياء-. ويكون المعنى: لَمَغْفِرةٌ مِن اللهِ ورَحْمَةٌ، خيرٌ مِمَّا يجمعُهُ غَيْرُكُم، مِمَّا تَرَكوا القِتَال لِجَمْعِهِ (٦). ١٥٨ - قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ﴾ قال المفسرون: يريد: مقيمين عن الجهاد. ﴿أَوْ قُتِلْتُمْ﴾؛ يريد: مجاهدين (٧). ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾؛ يعني: في الحالين. وهذا تهديد بالحشر، وتحذير من القيامة. واللام في ﴿لَئِنْ﴾ خلف من القسم. والثانية (٨): جواب، على معنى: والله إن متم، أو قتلتم لتحشرون إلى الله.

стр. 3107

قال أبو عبيد: وتقول في الكلام: (لَئِن أحسنتَ إِليَّ؛ لأحْسِنَنَّ إليك) -بالنُّونِ-. فإذا حُلْت بينهما بالصفة (١)، قلت: (لَئِن أحسنتَ إليَّ، لإليكَ أُحْسِن) -بغير نُونِ-. كما في الآية-، لأن اللام قد تحولت إلى الصفة (٢). ١٥٩ - قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. أكثر النحويِّينَ على أنَّ (ما) -ههنا- صِلَةٌ (٣)، لا تمنع الباءَ مِن عَمَلِها فيما عملت فيه، وهي مع كونها صلةً، تُحْدِثُ معنى التأكيد (٤) وحُسْن النَّظْم. وهي كثيرةٌ في القرآن؛ كقوله: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠]، و ﴿جُندٌ مَّا﴾ [ص: ١١]، ﴿فبَمَا نَقضِهِم﴾ [النساء: ١٥٥]، ﴿مِمَّا خَطَايَاهُمْ﴾ (٥) [نوح: ٢٥].

стр. 3108

[وتكثر] (١) -أيضًا- في الشعر؛ قال امرؤ القيس: وقاهم جَدُّهُمْ بِبَني أبِيهم ... وبالأشْقَيْنَ ما كانَ العِقَابُ (٢) أراد: (وبالأشْقَيْنَ (٣) كان العِقَابُ) (٤). وقال النابغة: المرءُ يَهْوَى أنْ يَعِيـ ... ـشَ وطُولُ عَيْشٍ ما يَضُرُّهْ (٥)

стр. 3109

أراد: (وطول عيش يَضُرُّهْ). فأكد الكلام بـ (ما). والعرب قد تزيد في الكلام ما يُسْتغنى عنه؛ للتأكيد؛ كقوله: (أنت فعلت كذا وكذا؛ يا هذا!) فأدخلوا (يا هذا)؛ للتأكيد؛ إذ كانت (أنت) دالاًّ على الخطاب. وكذلك قولهم: (لَمَّا أنْ زارني عبد الله، زُرْتُه). معناه: لَمَّا زارني (١). قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ [يوسف: ٩٦]، أراد: فلَمَّا جاء. فأكّد بـ (أنْ) (٢). وكذلك قولهم: يا تَيْمَ تَيْمَ عَدِيٍّ (٣)

стр. 3110

أكد الكلام بـ (تَيْم) (١) الثاني. هذا قول أكثر أهل التأويل. وقال بعضهم (٢): يجوز أن تكون (ما) استفهامًا للتعجب (٣)، تقديره: (فَبِأَيِّ رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لهم؟!)؛ أي: سَهُلَتْ لهم أخلاقُكَ، وكثر

стр. 3111

احتمالك (١). وقوله تعالى: ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾ (لانَ، يَلِينُ، لِينًا) (٢)، و (لَيَانًا) -بالفتح: إذا رَقَّ، وحَسُنَ [خُلُقُهُ] (٣)، وانْقادَ (٤). قال الشاعر: وإنْ هي أعطتك اللَّيانَ كأنها ... لِغَيرك مِن خُلّانِها سَتَلِينُ (٥)

стр. 3112

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ الفظُّ (١): الغليظ الجانب، السَّيّءُ الخُلُق (٢). يقال: (فَظِظْتَ، تَفَظُّ، فَظَاظَةً، وَفِظَاظًا)، فأنت فَظٌّ (٣)، وأصله. (فَظِظٌ)؛ كقولك: (حَذِرٌ) (٤)؛ من: (حَذِرْتَ) (٥)، و (فَرِقٌ) (٦)؛ مِن: (فَرِقْتَ). إلّا أنَّ ما كان مِن المضاعف على هذا الوزن، يُدْغَم؛ نحو: (رَجُلٌ صَبٌّ) (٧). وأصله: صَبِبٌ) (٨).

стр. 3113

قال الكلبي (١): ولو كنت فظًّا في القول، غليظ القَلْبِ في الفعل (٢). ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ أي: لَتَفَرَّقوا وَنَفَرُوا منك؛ كما تتطاير شظايا الشيء المتكَسِّر. والفَضُّ: الكسر والتفريق (٣). يقال: (فَضضْتَ القومَ، فانْفَضُّوا). ومنه يقال: (لا يَفْضُضِ اللهُ فاكَ) (٤). قال الزّجاج (٥): المعنى: إنَّ لِينَكَ لهم، يُوجِبُ (٦) دخولهم في الإسلام (٧)؛ لأنك تأتيهم بالحُجَجِ والبراهين، مع لِينٍ وخُلُقٍ عظيم.

стр. 3114

وقوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾. أي: ما فعلوا يومَ أُحُد حتى أشفعك فيهم. وقال الكلبي: فاعف عنهم أي الشيء يكون منهم و ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾. مِنْ ذلك الذَنْب. وقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ يقال: (شَاوَرَ مُشَاوَرَةً)، و (شِوارا) (١)، و (مَشُورَةً) (٢)، و (مَشْوَرَةً) (٣). و (القوم شُورى). وهي مصدرٌ، سُمِّي القومُ بها، كقوله: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ (٤) [الإسراء: ٤٧]. وقد ذَكَرْنا أمْرَ هذه الكلمة وما فيها، عند قوله: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. قال أصحاب المعاني (٥): هذه عامَّةٌ في اللفظ، خاصَّةٌ في المعنى؛ لأن المعنى: وشاورهم فيما ليس عندك فيه من الله (٦) أَمْرٌ وَوَحْيٌ (٧) وعَهْد. يدل عليه: قراءةُ ابن عباس: (وشاورهم في بعض الأمر) (٨).

стр. 3115

وقال الكلبي (١): إنما أُمِرَ بالمُشَاوَرَةِ معهم في لِقَاءِ العدُوِّ، والحربِ ومكايِدِها (٢). فالأمر -عنده- بالمشاورة، خاصٌّ في الحرب. وروى عَمرو بن دينار، عن ابن عباس، أنه قال (٣): الذي أُمِرَ النبيُّ ﷺ ، بمشاورته في هذه الآية: أبو بكر وعمر- ﵄. وقال قتادة (٤)، والربيع (٥)، ومقاتل (٦): إنما أُمِرَ بالمشاورة مع استغنائه بوحي الله وجَزَالَةِ رأيه؛ تَطْيِيبًا لِنُفُوسِ القوم، ورَفْعًا (٧) مِن أقدارهم؛ إذْ كانت العربُ إذا لم يُشَاوروا في الأمر، شَقَّ عليهم.

стр. 3116

قال الشافعي ((١): وهذا كقوله ﷺ : "والبِكْرُ تُسْتَأمَر" (٢)، ولو أكرهها (٣) الأبُ على النِّكاح، جَازَ، لكنَّها تُسْتَأمر؛ تطييبا لِنَفْسِها. وقال الحَسَنُ (٤)، وسُفْيانُ بن عُيَيْنَة (٥): إنما ذلك؛ لِيَقْتَدِيَ به غيرُهُ في المُشَاوَرَةِ، ويَصِير سُنَّة. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾؛ أي: على ما تريد إمضاءَهُ (٦). ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، لا على المشاورة. ومعنى التَّوَكُّلِ: تفويضُ الأَمْرِ إلى الله؛ لِلثِّقَةِ بِحُسْنِ تدبيره.

стр. 3117

١٦٠ - قوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ الآية. معنى (الخِذْلان): القعود عن النُّصرَةِ وقت الحاجة إليها، والإسلامُ للهَلَكَةِ. يقال: (خَذَلَ، يَخْذُلُ، خِذْلانًا، وخَذْلًا). ويقال للبقرة والظَّبْيَة، إذا تخلفت مع ولدها في المرعى، وتركت صواحباتها: (خَذُول) (١). قال (٢) طَرَفَة: خَذُولٌ تُرَاعِي رَبْرَبًا بِخَمِيلَةٍ ... تَنَاوَلُ أطرافَ البَرِيرِ وترتدي (٣)

стр. 3118

وقال ذو الرُّمَّةِ (١): دَعَتْ مَيَّةَ الأعدادُ واستَبدَلت بها ... خَنَاطِيلَ آجَالٍ (٢) مِنَ العِينِ (٣) خُذَّلِ (٤) أي: متخلفات من الأولاد. والخَنَاطِيل (٥): جماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ، لا واحد لها مِنْ لَفْظِها. وقيل: واحدها (خُنْطُول) (٦).

стр. 3119

قال محمد بن إسحاق بن يَسَار -في هذه الآية- (١): أي: إنْ يَنْصُرْكَ (٢) اللهُ؛ فَلاَ غالبَ لك مِنَ النَّاس، ولن يَضُرَّكَ خِذْلانُ مَنْ خَذَلَكَ، وإنْ يَخْذلْكَ؛ فَلَنْ يَنْصُرَكَ الناسُ؛ أي: لا تترك أمري للناس، وارفض الناسَ (٣) لأمري. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾. (مَنْ) -ههنا-: تقريرٌ لِلنَّفْي؛ أي: لا يَنْصُرُكُمْ أحدٌ (٤) مِنْ بَعْدِهِ. وإنما تضمن حرفُ الاستفهام معنى النفي؛ لأن جوابَهُ يجب أن يكون بالنفي، فصار ذِكْرُهُ يغني عن ذِكْرِ جوابه، وكان أبلغ لتقرير المخاطَبِ فيه، بما لا يتهيأ له إنكاره. ١٦١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ الآية. اختلفوا في سبب نزول هذه الآية: فرَوَى عكرمةُ، ومِقْسَم (٥)، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنَّ الآية

стр. 3120

نزلت في قَطِيفَةٍ (١) حمراءَ، فُقِدَت يوم بَدْر، قال بعض الناس: لَعَلَّ النبي ﷺ أخذها (٢). وقال -في رواية الضحّاك- (٣): إن رسول الله ﷺ ، لَمَّا وَقَعَ في يده غنائمُ هَوَازِنَ يوم حُنَيْنٍ، غَلَّهُ رجلٌ بِمِخْيَط، فأنزل الله هذه الآية. وقال قتادة -في نزول هذه الآية- (٤): نزلت وقد غَلَّ طوائفُ مِن أصحابه. ورُوي عن ابن عباس -من طريقٍ آخرَ-: أنَّ أشراف الناس
следующие страницы →