← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

قال الشافعي ((١): وهذا كقوله ﷺ : "والبِكْرُ تُسْتَأمَر" (٢)، ولو أكرهها (٣) الأبُ على النِّكاح، جَازَ، لكنَّها تُسْتَأمر؛ تطييبا لِنَفْسِها. وقال الحَسَنُ (٤)، وسُفْيانُ بن عُيَيْنَة (٥): إنما ذلك؛ لِيَقْتَدِيَ به غيرُهُ في المُشَاوَرَةِ، ويَصِير سُنَّة. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾؛ أي: على ما تريد إمضاءَهُ (٦). ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، لا على المشاورة. ومعنى التَّوَكُّلِ: تفويضُ الأَمْرِ إلى الله؛ لِلثِّقَةِ بِحُسْنِ تدبيره.

стр. 3117

١٦٠ - قوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ الآية. معنى (الخِذْلان): القعود عن النُّصرَةِ وقت الحاجة إليها، والإسلامُ للهَلَكَةِ. يقال: (خَذَلَ، يَخْذُلُ، خِذْلانًا، وخَذْلًا). ويقال للبقرة والظَّبْيَة، إذا تخلفت مع ولدها في المرعى، وتركت صواحباتها: (خَذُول) (١). قال (٢) طَرَفَة: خَذُولٌ تُرَاعِي رَبْرَبًا بِخَمِيلَةٍ ... تَنَاوَلُ أطرافَ البَرِيرِ وترتدي (٣)

стр. 3118

وقال ذو الرُّمَّةِ (١): دَعَتْ مَيَّةَ الأعدادُ واستَبدَلت بها ... خَنَاطِيلَ آجَالٍ (٢) مِنَ العِينِ (٣) خُذَّلِ (٤) أي: متخلفات من الأولاد. والخَنَاطِيل (٥): جماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ، لا واحد لها مِنْ لَفْظِها. وقيل: واحدها (خُنْطُول) (٦).

стр. 3119

قال محمد بن إسحاق بن يَسَار -في هذه الآية- (١): أي: إنْ يَنْصُرْكَ (٢) اللهُ؛ فَلاَ غالبَ لك مِنَ النَّاس، ولن يَضُرَّكَ خِذْلانُ مَنْ خَذَلَكَ، وإنْ يَخْذلْكَ؛ فَلَنْ يَنْصُرَكَ الناسُ؛ أي: لا تترك أمري للناس، وارفض الناسَ (٣) لأمري. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾. (مَنْ) -ههنا-: تقريرٌ لِلنَّفْي؛ أي: لا يَنْصُرُكُمْ أحدٌ (٤) مِنْ بَعْدِهِ. وإنما تضمن حرفُ الاستفهام معنى النفي؛ لأن جوابَهُ يجب أن يكون بالنفي، فصار ذِكْرُهُ يغني عن ذِكْرِ جوابه، وكان أبلغ لتقرير المخاطَبِ فيه، بما لا يتهيأ له إنكاره. ١٦١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ الآية. اختلفوا في سبب نزول هذه الآية: فرَوَى عكرمةُ، ومِقْسَم (٥)، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنَّ الآية

стр. 3120

نزلت في قَطِيفَةٍ (١) حمراءَ، فُقِدَت يوم بَدْر، قال بعض الناس: لَعَلَّ النبي ﷺ أخذها (٢). وقال -في رواية الضحّاك- (٣): إن رسول الله ﷺ ، لَمَّا وَقَعَ في يده غنائمُ هَوَازِنَ يوم حُنَيْنٍ، غَلَّهُ رجلٌ بِمِخْيَط، فأنزل الله هذه الآية. وقال قتادة -في نزول هذه الآية- (٤): نزلت وقد غَلَّ طوائفُ مِن أصحابه. ورُوي عن ابن عباس -من طريقٍ آخرَ-: أنَّ أشراف الناس

стр. 3121

استدعوا رسول الله ﷺ ، [وطلبوا] (١) تخصيصهم (٢) بشيءٍ مِنَ المغانم؛ فنزلت هذه الآيةُ (٣) وقال الكلبي (٤)، ومقاتل (٥): نزلت حين ترك الرُّمَاةُ المَرْكَزَ يومَ أحُد؛ طلبا للغنيمة، وقالوا: نخشى أنْ يقول النبي ﷺ : مَن (٦) أخَذَ شيئًا فهو له، وأنْ لا يقسِم الغنائمَ، كما لم يَقْسِمْ (٧) يومَ بَدْر. فقال النبي ﷺ : ظننتم أنَّا نَغُلُّ، ولا نَقْسِم لكم. فأنزل الله هذه الآية. وفي قوله ﴿يَغُلَّ﴾ قراءتان: أحدهما: فتح الياء، وضم الغَيْن (٨)؛ ومعناه: ما كان لِنَبِيٍّ أن يَخُونَ. مِنَ (الغُلُول)، وهو: الخِيَانَةِ. يُقال: (غَلَّ، يَغُلُّ، غُلُولًا): إذا خَانَ، وأصلُهُ: أخْذُ الشيء في خُفْيَةٍ (٩).

стр. 3122

قال الزّجاج (١): وما (٢) كان مِنْ هذا الباب، فهو راجعٌ إلى هذا، مِنْ ذلك: (الغَالُّ): وهو الوادي الذي (٣) يُنْبِتُ الشجرَ، في مُطْمَئِن مِنَ الأرض (٤)، وجمعه: (غُلّان)، ومن ذلك: (الغِلّ): الحقد في الصدر؛ لأنه كامن (٥)، و (الغِلاَلَة): الثوب الذي يلبس تحت الثياب (٦). و (الغَلَلُ) (٧): الماء الذي يجري في أصول الشجر؛ لأنه مستَتِرٌ بالأشجار. فمعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾، أي: أن يَخُونَ فيكم (٨)

стр. 3123

الغنيمةَ مِن أصحابه. أو أنْ يَخُونَ بأن يعطيَ البعضَ دون البعضِ، على ما روي في سبب النزول. فإن قيل: ما معنى تخصيص النبي ﷺ ههنا-، وغيرُهُ يساويه في أنه ليس له ذلك؟. قلنا: (أَنْ) مع المستقبل، تكون بمعنى المصدر؛ كأنه قيل: (ما كان لِنَبي الغُلُول)؛ أراد: ما غَلَّ نَبِيٌّ. ينفي عن الأنبياء الغُلُولَ، لا أنه (١) ينهاهم بهذا اللفْظَ. وقال (٢) بعض أهلِ المعاني: اللّام فيه منقولة؛ معناه: ما كان نَبِيٌّ (٣) ليَغُل، كقوله : ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، أي: ما كان الله لِيَتّخِذَ [ولدا] (٤)، على نفي الاتخاذ، -كذلك- الآيةُ على نفي الغُلُول عن الأنبياء. وحجة هذه القراءة: ما روي عن ابن عباسٍ -في أكثر الروايات- في سبب نزول الآية، وعن الكلبي ومقاتل، وذلك يدل على نَسَبِ الغُلُول إلى

стр. 3124

النبي ﷺ ، فَنَفى ذلك عنه. و-أيضًا- فإنَّ ما هو مِن هذا (١) القبيل في التنزيل، أُسنِدَ الفعلُ فيه إلى الفاعل، نحو: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ﴾ [يوسف: ٣٨]، و ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ﴾ [يوسف: ٧٦]، و ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ﴾ [آل عمران: ١٤٥]، و ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ [التوبة: ١١٥] , و ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. ولا يكاد يجيء منه: (ما كان زيدٌ ليُضْرَبَ)، فيُسنَد الفعلُ فيه إلى المفعول به، فكذلك: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ يُسندُ (٢) فيه الفعلُ إلى الفاعل. يُؤكِّدُ (٣) هذا الفصل، ما حكى أبو عبيد (٤) عن يونس (٥) أنه اختار (يَغُلّ) -بفتح الياء-، وقال: لا يكون في الكلام: (ما كان لك أن تُضْرَب) بضم التاء.

стр. 3125

وهذه القراءة اختيار ابن عباس، كان (١) يقرأ (يَغُلّ) بفتح الياء، فقيل له: إنَّ ابن مسعود يقرأ: ﴿يُغَلّ﴾، فقال ابن عباس: قد كان النبي يُقتَل، فكيف (٢) لا يُخَوَّنُ؟ (٣). والقراءة الثانية: ﴿يُغَلّ﴾ بضم الياء، وفتح الغين. وهذه القراءة تحتملُ وجهين (٤): أحدهما: أن يكون من (الغُلُول). والثاني: أن يكون من (الإغلال). فإن جعلتها من (الغُلُول) احتملت معنيين: أحدهما: أن معنى قوله: ﴿وَمَا كاَنَ لِنبيٍّ أَن يُغَلّ﴾ (٥)؛ أي: ليس لأحدٍ أن يَغُلَّهُ، فيأخذ مِنَ الغنيمة التي حازها (٦) على طريق الخيانة، وإن كان لا يجوز أن يُغَلّ غيرُ النبيِّ، مِن إمام المسلمين وأميرٍ لهم (٧). وفائدة تخصيص النبي ﷺ بالذِّكْر: أن الغُلُول يَعْظُمُ بحضرته، ويكبر كِبَرًا لا يكبر عند غيره؛ لأن المعاصي بحضرته أعظم. المعنى (٨) الثاني: أن تكون (أَنْ) مع الفعل، بمنزلة المصدر؛ كما

стр. 3126

ذَكَرْنا في القراءة الأولى. ويكون المعنى: ما كان لِنَبيٍّ غُلولٌ من المُتَحقِّقِينَ بِنُبُوَّتِهِ؛ أي: لم يَخُنْهُ أصحابُهُ وأنصارُهُ، ويكون في هذا ذَمٌّ لِمَن خانَه. يُؤكِّد هذا المعنى ما روى عطاءٌ عن ابن عباس (١)، في قوله: ﴿وَمَا كاَنَ لِنبيٍّ أَن يَغُلَّ﴾؛ يريد: أن يكون ممن يَصْحَبُهُ، أحدٌ يَغُلُّ ويَسْتَحلُّ الغُلُولَ. وإن أخذت بهذه القراءةِ مِنَ (الإغْلال)، احتَمَلَتْ -أيضا- معنيين: أحدهما: أن يكون (الإغلال) بمعنى (الغُلول). يقال: (غَلّ الرجلُ مِنَ الغنيمة، يَغل غَلًّا، وغلولًا)، و (أَغَلّ إغلالًا): إذا سَرَق منها (٢). ذكره الزّجاج في باب الوفاق (٣) ومِن هذا يقال: (أغَلّ الجازِر، والسَّالِخُ): إذا أبْقَى في الجِلْدِ شيئًا مِنَ اللَّحْمِ؛ على طريقِ السَّرِقَةِ والخيانة (٤). قال النَّمْر بن تَوْلَب (٥):

стр. 3127

جَزَى اللهُ عنَا جَمْرَةَ ابْنَةَ نَوْفَلٍ ... جَزاءَ مُغِلٍّ (١) بالأمانَةِ كاذبِ (٢) وقال آخر: حَدَّثْتَ (٣) نفْسَكَ بالوَفَاءِ ولم تَكُنْ ... للْغَدْر خائنَةً مُغلَّ الإصْبَع (٤) قوله: (لِلْغَدْرِ) (٥)؛ أي: لِكَراهَةِ الغَدرِ. و (الخائِنَة): يحتمل أن تكَون مصدرا؛ كـ (العافِيَةِ)، و (العَاقِبَةِ).

стр. 3128

و-حينئذٍ - يُقَدَّرُ حذفُ المضاف؛ أي: لم يكنَ صاحبَ خائِنَةٍ؛ أي: خيانَة. وإنْ شئتَ جعلته مثل: (راوِيَة). ونَسَبَ (١) الإغْلالَ إلى الإصْبَع، كَمَا نَسَبَ (٢) الآخرُ الخيانةَ إلى اليَدِ، في قوله: أَحَذَّ (٣) يَدِ القَمِيصِ (٤)

стр. 3129

قال: جعلت (الإغلالَ) بمعنى (الغُلول). فقد ذكرنا للغُلُول معنيين في هذه القراءة. المعنى الثاني: أنْ يكون (الإغلالُ) بمعنى النسبة إلى الغُلُول. وقد يَردُ (١) (الإفْعَال) بمعنى النسمة، شاذًّا، وإن كان الأكثر فيه التَفْعيل؛ كقولهم: (أسْقاهُ)، أي: قال له: سَقَاكَ اللهُ (٢). ومنه قول ذي الرُّمَّة: وأُسْقِيهِ حتى كاد (٣) ... البيت.

стр. 3130

ويقال (أَكْفَرَهُ): إذا نَسَبَهُ إلى الكفر. قال الكُمَيْت (١): فَطَائِفَةٌ قَدْ أكفَرُوني بِحُبِّكُمْ (٢) فيكون المعنى: وما كان لِنَبِيٍّ أن يُنْسَبَ إلى الغُلُول؛ أي: لا يُقَال له غَلَلْتَ. قال الفرّاءُ، في (٣) هذه الآية (٤): وقرأ (٥) أصحاب عبد الله (٦): ﴿يُغَلّ﴾؛ يريدون: أنْ يُسَرَّقَ ويُخَوَّنَ (٧)، وذلك جائزٌ، وإنْ لم يَقُل: (يُغلَّل)، فيكون مثل قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾، و ﴿ويُكَذِّبُونَكَ﴾ (٨) [الأنعام: ٣٣].

стр. 3131

ومِن حُجَّةِ هذه القراءة: ما رُوي عن ابن عبّاس، من طريق الضّحاك، وما روي عن قتادة، في سبب نزول هذه الآية (١). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. أي: يأتي به حاملًا له على ظهره، كما روي أن النبي ﷺ ، خَطَبَ يومًا، فذَكَرَ الغُلُولَ، وعَظَّمَه، وعَظَّمَ أَمْرَهُ، فقال: "لا أُلْفِيَنَّ (٢) أحدَكمْ يجيء على رقبته يوم القيامة بَعِيرٌ له رُغَاء (٣)، يقول: يا رسولَ الله! أعِنِّي (٤).

стр. 3132

فأقول: لا أملك لك مِنَ الله شيئًا، قد أَبْلَغْتُكَ". وذَكَر في الحديث: الشاةَ والفرَسَ والصَّامِتَ (١). وهذا قول: ابن عباس (٢)، وأبي هريرة (٣)، وأبي حُمَيْد الساعدي (٤)،

стр. 3133

وابن عمر (١)، وقتادة (٢). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾. قال ابن عباس (٣): يريد: تجازى ثوابَ عَمَلِها. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. قال (٤): وهم لا يُنقَصُونَ مِنْ ثوابِ أعمالهم شيئًا. ١٦٢ - قوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾. يعني: بترك الغُلُولِ -في قول: الكلبي (٥)، والضحاك (٦) -. ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾، في فِعْلِ الغُلول. وقيل: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ بالعمل بطاعته والإيمان، ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ في العملِ بمعصيته، والكفر به. وهذا القولُ يُحكَى عن محمد بن إسحاق (٧). وعلى هذا المعنى دلّ كلامُ ابن عباس -في رواية عطاء-؛ لأنه قال (٨): ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾؛ يريد: المهاجرين والأنصار، ﴿كَمَنْ بَاءَ

стр. 3134

بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾؛ يريد: المنافقين. وقال الزجاج (١): يروى أن النبي ﷺ ، حين أمر المسلمين يوم أحد بالحرب، اتَّبَعَهُ المؤمنون، وتَخَلَّفَ عنه جماعةٌ مِنَ المنافقين (٢). فأعلم الله : أنّ مَنْ اتَّبَعَ نَبِيَّهُ، اتَّبَعَ رِضوانَهُ، وأنَّ مَن تَخَلّف عنه فقد باء بِسَخَطٍ مِنَ الله. ومعنى (باءَ به)؛ أي: احتمله، ورَجَع به. وقد ذكرنا هذا في سورة البقرة (٣). ١٦٣ - قوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: ذَوُو (٤) درجات. فحذف المضاف. وحَسُن ذلك ههنا؛ لأن اختلاف أعمالهم، قد صيَّرَهم بمنزلة المختلفي الذوات، كاختلاف مراتب الدرجات؛ لتبعيدهم من استواء الأحوال، فجاء على هذا المَجَاز. والمجاز في موضعه، أحسنُ مِنَ الحقيقة، لِمَا فيه [مِنَ] (٥) الإيجاز مِن غيرِ إخلال، ومِنَ المُبالغة التي لا ينوبُ مَنَابها الحقيقة، إذْ (٦) قولك: (هو الشمسُ ضياءً)، أبْلَغُ في النفس مِن: (هو كالشمس ضياءً). فكذلك: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ (٧)، أبلغ مِنْ: (هم أهلُ درجاتٍ) (٨).

стр. 3135

وأصل الدَّرَجَةِ: الرُّتْبَةُ (١)، ومِنْهُ: (الدَّرْجُ)، لأنه يُطوَى رُتْبةً بعد رُتْبةٍ؛ قال: (أدْرَجَني إدْرَاجًا) (٢) و (الدَّرَجَانُ) (٣): تَقارُبُ الخَطْوِ؛ كَمِشْيَة الشَّيْخ، والصَّبِيِّ؛ لتقارُبِ الرُّتَبِ (٤). فأما التفسير: فالآيةُ تحتملُ ثلاثةَ أوجه: أحدها: أن يكون المراد بقولهم: دَرَجاتُ المؤمنين والكافرين جميعًا. والمعنى: أن المؤمنين ذَوُو (٥) دَرَجةٍ رفيعةٍ، والكافرين ذَوُو

стр. 3136

درجةٍ (١) خَسِيسَةٍ. وهذا الوجه مروي عن ابن عباسٍ، قال (٢): يعني أنَّ مَن اتَّبَعَ رِضْوانَ الله، ومَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ الله، مختلِفُو (٣) المَنَازِلِ عند الله فَلِمَن اتبع رِضْوانه الكرامةُ والثواب، ولِمَن باء بسخطٍ منه المَهَانةُ والعذاب. وهذا قول الكلبي -أيضًا-، فإنه قال (٤): هم درجاتُ، بعضهم أشدُّ عذابًا مِنْ بعضٍ، وكلٌّ في عذابٍ وهَوَانٍ، وأهل الجَنَّةِ بعضهم أفضلَ من بعض، وكلٌّ (٥) في فَضْلٍ وكَرَامَةٍ (٦). الوجه الثاني: أن تكون الآيةُ خاصَّةً في المؤمنين؛ يريد: أنَّ بعضهم أرفع درجة عند الله مِنْ بعض. وهذا قول ابن عباس -في رواية عطاء-، قال (٧): يريد: أصحاب النبي ﷺ ، بعضهم أفضل من بعض، وهذا أيضًا اختيارُ الفرّاء، قال (٨): يقول: هم في الفضل مختلفون، بعضهم أرفع من بعض. الوجه الثالث: أن تكون الآية خاصة في الكافرين (٩). وهذا قول

стр. 3137

الحسن، يقول (١): بعض أهل النار أشدُّ عذابًا مِنْ بعضٍ؛ ألا تَرَاهُ (٢) يقول: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢]. قال: وبلغني أن النبي ﷺ قال: (إنَّ منها (٣) ضحْضاحًا (٤)، وإنَّ منها غَمْرًا (٥)، وإني لأرجو أنْ يكون أبو طالب في ضحْضَاحِها) (٦).

стр. 3138

وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (١). فيه تحريضٌ على العمل بطاعته؛ لأن ثوابه لا يضيع؛ إذا عَمِلَه (٢) مَنْ يعمل له، وتحذيرٌ مِنَ العملِ بمعصيته؛ لأن جزاءه لا يفوتُ إذا كان عالِمًا به. فهو تهديد ووعيدٌ للكافرين، وتبشيرٌ ووَعْدٌ للمؤمنين. ١٦٤ - قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. لـ (المَنِّ) (٣) -في كلام العرب- مَعَانٍ: أحدها: الذي يسقط من السماء، وقد مرّ ذكره في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧]. والمَنُّ: الاعتداد بالصنَّيعَةِ (٤)، وهو: أنْ تَمُنَّ بما أعطيت، وذلك في قوله: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ﴾ [البقرة: ٢٦٤]. والمَنُّ: القَطْعُ. ومنه قوله: ﴿أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨]؛ أي: غيرُ مَقْطُوع (٥).

стр. 3139

والمَنُّ: الإعطاء والإنعام، والإحسان إلى مَنْ لا تَسْتَثِيبه. منه قوله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ [ص: ٣٩]، وقوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] (١). و (المَنَّانُ) -في صفة الله- تعالى-؛ معناه: المُعْطِي ابتداءً (٢). فمعنى قوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: أنعَمَ عليهم، وأحسَنَ

стр. 3140

إليهم، إذ بَعَثَ فيهم رَسُولًا. واختلفوا في المراد بـ (المؤمنين) في قوله: ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. فقال بعضهم (١): هذا خاصٌّ في العرب، لأن النبي ﷺ ، كانَ مِنَ العَرَبِ، ولم يكُنْ حَيٌّ مِن أحياء العرب، إلّا [و] (٢) قد وَلَدَهُ، وله فيهم نَسَبٌ، غير بني تَغْلِب؛ لأنهم كانوا نَصَارَى (٣)، فطَهَّرَهُ (٤) اللهُ منهم؛ لأنهم ثَبَتوا على النصرانية (٥). وعلى هذا دلّ كلام ابن عباس -في رواية عطاء- (٦)، فإنه قال: يعنى المهاجرين والأنصار. وعلى هذا التفسير، معنى قوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: مِنْ نَسَبِهم. قال ابن عباس (٧): يريد: نَسَبه نَسَبهم، هو مِن وَلَدِ إسماعيل. وبه قال الكلبيُّ (٨).

стр. 3141

ومعنى (المِنَّة) -على هذا التفسير-: أنه بُعِثَ واحدًا منهم؛ ليكونَ ذلك شَرَفًا لهم (١). ففيه إنعامٌ مِنْ وجهين: أحدهما: أنه أنقذهم به من النار، وهداهم. والثاني: أنْ جعله منهم. ودليل هذا التأويل، قولُه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢]. وقال آخرون (٢): أراد المؤمنين كلَّهم، وعلى هذا معنى قوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: إنه واحدٌ منهم، يعرفونه، ويعرفون نَسَبَهُ، ليس بِمَلَكٍ، ولا أحد مِن غيرِ بني آدم. ومعنى (المِنّة) -على هذا القول-: أنّه (٣) مَنَّ على المؤمنين، بإرساله واحدًا منهم، عُرِفَ أمرُهُ، وخُبِرَ صِدْقُهُ وأمانَتُهُ، فكانَ تَنَاوُلُ (٤) الحُجّةِ والبرهانِ (٥) سَهْلًا مِنْ قِبَلِهِ (٦).

стр. 3142

وهذا القول اختيار الزجّاج؛ لأنه قال (١): لو كانت المنّةُ فيه [أنه] (٢) مِنَ العرب، لكانَ (٣) العَجَمُ لا مِنَّة عليهم فيهِ، ولكن المِنَّة (٤) فيه: أنَّهُ قد خُبِرَ أمْرُه، وشأنُه، وعُلِمَ صدقُهُ، بعد أنْ عَلِمُوا أنه كان واحدًا منهم، وإذا كان واحدًا منهم، كانَ أيْسَرَ عليهم معرِفةُ أحوالِهِ مِنَ الصِّدقِ والأمانة. وعلى هذا التفسير: خُصّ المؤمنون بالذكر، وإنْ كانَ جميعُ المُكَلَّفِينَ في هذا سواء؛ لأن المِنّة على المُؤْمِنِ في هذا أعظمُ منها على الكافر؛ لانتفاع المؤمن ببعثته، فصار كقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥]، وهو كان منذرًا لجميع البَشَرِ، ولكنْ لَمَّا كان المؤمنُ يخشَى الساعةَ دون الكافرين، وكان للمؤمن الانتفاعُ بإنذاره، أُضِيفَ إليه. وباقي الآية مفسَّرَةٌ في سورة البقرة (٥). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ قيل: معناه: وقد كانوا (٦). وقيل: معناه: وما كانوا مِنْ قَبْلِهِ؛ أي (٧): مِنْ قبل محمد، إلَّا في

стр. 3143

ضلال مبين. ومثله قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ (١) [البقرة: ١٩٨]. ١٦٥ - قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ الآية. الواوُ في ﴿أَوَلَمَّا﴾، لِعَطْفِ جملةٍ على جملة. ودخل أَلِفُ الاستفهام على واو النَّسَقِ (٢)؛ لأنَّ له صدر الكلام. قال الزجّاج (٣): ومثله من الكلام قولُ القائل: (تكَلّمَ فلانٌ بكذا وكذا) فيقول مجيبًا له: (أوَ هُوَ مِمَّن يقول ذلك؟). والمعنى: أَوَ حين أصابتكم مُصيبةٌ. ويعنى بالمصيبة: ما أصابتهم يوم أحد. وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾. هو مِنْ صفة النَّكِرَةِ (٤). ومعناه: قد أصبتم مثليها يوم بدر؛ وذلك [أنَّ] (٥) المشركين قتلوا من المسلمين يوم أُحُد سبعين، [وقَتَلَ المسلمونَ منهم يوم بدر، سبعين] (٦) وأسروا سبعين. هذا قول أكثرِ المفسرين: ابن

стр. 3144

عباس (١)، وقتادة (٢)، وعكرمة (٣)، والربيع (٤)، والسُدِّي (٥). وقال بعضهم (٦): أي: أَصبتم في يوم أحد مثلها (٧)، وفي يوم بدر مثلها (٨). فقد أصَبتم مِثْلَيْ ما أصابكم، وقتلوا منكم في يوم أُحُد، وقتلتم منهم في يومين. وهذا اختيار الزجّاج (٩). والأول أصح؛ لأن الكفار يوم بدر، نالوا مِنَ المسلمين -أيضًا- (١٠)؛ بقتل بعضهم (١١).

стр. 3145

وقوله تعالى: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾. جواب الاستفهام. ومعناه: قلتم: مِنْ أينَ أصابَنَا هذا القتلُ والهزيمة، وقد تقدم الوَعْدُ بالنُّصْرَةِ، ونحن مسلمون، ورسول الله فينا، والوحي ينزل عليه [فينا] (١)؟. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. فيه ثلاثة أوْجُه: أحدهما -وهو قول أكثر أهل التأويل-: أن (٢) معناه: أنّكم تركتم ما أمِرْتُم به، وطلبتم الغنيمةَ وتركتم مراكزكم، فَمِنْ قِبَلِكُمْ جاء الشَّرُّ. وهذا قول: الكلبي (٣)، وعطاء (٤)، واختيار: الفرّاء (٥)، والزجّاج (٦). وعلى هذا القول: أضاف إليهم المعصيةَ والهزيمةَ، وإنْ كانت مخلوقة لله -تعالى- مُرَادةً، لأن المعصيةَ تضاف إلى العاصي من حيث المباشرة والكَسْب (٧).

стр. 3146

والثاني: أن معنى قوله: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: بخرُوجِكُم مِنَ المدينة، وخلافكم على رسولكم؛ وذلك أنه دعاهم إلى التَحَصُّنِ بالمدينة، وكان (١) قد رأى في المنام أنَّ عليه درْعًا حَصِينَةً، فأوَّلَها: المدينة. فقالوا: كنا نَمْتَنِع في الجاهلية، ونحن اليوم أحقُّ بالامتناع، فأكرهوا رسولَ الله على الخروج. وهذا قول: قتادة (٢)، والربيع (٣)، وابن عباس -في رواية عطاء- (٤)؛ لأنه قال: يريد: حيث اختلفوا على النبي ﷺ (٥). الوجه الثالث (٦): ما روي عن علي ﵁، أنه قال: جاء جبريلُ إلى النبي ﷺ ، يوم بَدْر، فقال (٧): يا محمدُ: إنَّ الله -تعالى- قد كَرِهَ ما صَنَعَ

стр. 3147

قومُكَ في أخذهم الفداءَ من الأُسارى، وقد أمرك أن تُخَيِّرَهم بين أن يُقَدِّمُوا الأُسارى فَيَضْرِبُوا أعناقَهم، وبين أن يأخذوا الفداء، على أن يُقْتَلَ منهم عِدَّتُهُم. فَذَكَرَ ذلك رسولُ الله ﷺ لقَومِهِ، فقالوا: يا رسول الله: عشائرُنا وإخواننا، لا؛ بل نأخذ فِدَاهم (١)، فنقوى (٢) به على قتال العدوِّ، ويُستشهد منّا بعددهم (٣). فقُتِلَ منهم يوم أحد سبعون رجلًا، عدد (٤) أُسارى أهلِ بَدْر. فهو معنى قوله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: بأخْذِكُم الفداء، واختياركم القَتْلَ (٥).

стр. 3148

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يعنى: مِنَ النَّصْرِ؛ مع طاعتكم النبي ﷺ ، وترك النصر؛ مع مخالفتكم ما أُمرتم به. وقال ابن عباس (١): يريد: على نَصرِكُم، وعلى اتِّخاذِ الشهداءِ منكم، وتعجيلِ أوليائهِ إلى الجَنَّةِ، قديرٌ. ١٦٦ - قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ دَخَلَتْ الفاءُ في ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٢)؛ لأن خبر (ما) التي بمعنى (الذي)، يشبه جواب الجزاء؛ مِنْ جهة أنه مُعَلَّقٌ (٣) بالفعل الذي في الصِّلَةِ، كتعلُّقِهِ بالفعل الذي في الشَّرْط. وقد شرحنا هذه المسألة عند قوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]. ومعنى قوله: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾: قيل: بِعِلْمِ الله (٤). وقال ابن عباس (٥): يريد: فبقضاء الله. وهذا أوْلَى؛ لأن الآية تَسْلِيَةٌ للمؤمنينَ مما أصابهم (٦)، ولا تَقَعُ التسليةُ إذا كان واقعًا بِعِلْمِهِ، وإنما تقع؛ إذا كان واقعًا بقضاء الله وقدره، فحينئذٍ يرضون بما قضى عليهم. وفي هذا دليلٌ على أن الكائنات كلَّها تقع على ما قضاه الله في الأزَلِ. وقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ١٦٧ - ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ أي: لِيظْهرَ إيمان [المؤمنين] (٧)،

стр. 3149

بِثُبُوتِهِمْ (١) على ما نالَهم، ويظْهرَ نفاق المنافقين، بِفَشَلِهم، وقِلَّةِ صبرِهِمْ على ما ينزلُ بهم. وقد مضت نظائرُ لهذه الآية، وذكرنا معنى عِلْمِهِ فيما لا يزال، مع سبقِ عِلْمِهِ بالكائنات فيما لم يزل (٢). وقوله تعالى: ﴿نَافَقُواْ﴾. يقال: (نافق الرجلُ)، فـ (هو منافقٌ): إذا أظهر كلمةَ الإيمانِ، وأضْمَرَ (٣) خِلاَفَهَا. و (النِّفَاق): اسمٌ إسْلامِيٌّ (٤). واختلفوا في اشتقاقه:

стр. 3150

قال أبو عبيد (١): يقال (نافق اليَرْبُوعُ) (٢)، و (نَفَقَ) (٣). وَ (نَافِقاءُ اليربوع): أحَدُ جُحْرَيْهِ. وله جُحْرٌ آخر يقال له: (القاصِعَاء)، فإذا طُلِبَ مِنَ النافقاء، خرج (٤) من القاصعاء، وإذا طُلِبَ مِنَ القاصعاء، خَرَجَ (٥) مِنَ النافقاء، فقيل للمنافق: (مُنافِقٌ)، لأن يخرجُ مِنَ الإسلامِ مِنْ غير الوجه الذي دَخَلَ فيه؛ وذلك أنه دَخَلَ عَلاَنِيَةً وخرج سِرًّا. وَحَكَى ابنُ الأنباري (٦) عن بعضهم: أن المنافقَ مِنَ (النَّفَق)، وهو: السَّرَبُ. ومعناه: أنَّه يَتَستَّرُ بالإسلام، كما يتستر (٧) الرجلُ في السَّرَبِ. وقال قوم (٨): هو مأخوذ من (النافقاء)، على غير الوجه الذي ذكره أبو عبيد، وهو: أن [النافقاء] (٩) جُحْرٌ يَحْفِرُه اليَّرْبُوعُ مِن داخلِ الأرض، فإذا بَلَغَ إلى جِلْدَةِ (١٠) الأرض، رَقَّقَ التُّرَابَ، ولم يُتِم الحَفْرَ، حتى إذا رَابَهُ

стр. 3151

رَيْبٌ، دفَعَ الترابَ بِرَأسِهِ، فَخَرَجَ. فقيل للمنافق: منافقٌ؛ لأنه يُضمر غير ما يُظهر؛ بمنزلة النافقاء، ظاهِرُهُ (١) غير بَيِّن، وباطِنُه محفور في الأرض. قال ابن عباس (٢): ويريد (٣) بـ ﴿الَّذِينَ نَافَقُوا﴾: عبد الله بن أُبَي وأصحابه. وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال السدّيُّ (٤)، ومحمدُ بن إسحاق (٥): هذا حين انصرف عبد الله بن أُبَي، قبل أن يبلغ أُحُد، بثلاثمائة مِنْ جُمْلَةِ الأَلْفِ الذين خرج بهم رسولُ الله ﷺ ، فقال لهم عبد الله بن عَمْرِو بن حرام -أبو جابر بن عبد الله- (٦): أذَكِّرُكُم اللهَ أنْ تَخْذلوا نبيَّكم وقومَكم، عندما حضر (٧) عَدُوُّهُم (٨)! ودعاهم إلى القتال في سبيل الله، فذلك قوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾، يعنى: قولَ عبد الله بن عمرو: تَعَالوا قاتلوا في سبيل الله.

стр. 3152

وقوله تعالى: ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾. قال السدّي (١)، وابنُ جُرَيْج (٢): ادفعوا عنّا العدُوَّ (٣)، بِتَكثير (٤) سَوَادِنَا، إنْ لمْ تُقَاتِلُوا معنا. وهذا اختيار الفرّاء، لأنه قال (٥): لأنهم إذا كثروا دفعوا القومَ عنهم بكثرتهم. وقال جماعةٌ من المفسرين (٦): معناه: أو ادفعوا عن أهلكم وبلدكم وحرِيمكم. يعنى: إنْ لم تقاتلوا في سبيل الله، لأجلِ ديِنِهِ (٧)، فقاتِلُوا للدَّفْع عن الأهل والمال. يقول: فافعلوا هذا، أو ذلك. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾. هذا جواب المنافقيِن لعبد الله بن عَمرو بن حَرَام. قال محمد بن إسحاق (٨): لَمَّا قال لهم عبد الله ما قال، قالوا: لو

стр. 3153

ونعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكِنَّا لا نَرَى أنْ يكون قتال؛ يعنون: لا يكون اليوم قتالٌ؛ ولو نعلم أنه يكون لاتَّبعناكم؛ وأرادوا: أن انصرافنا؛ لِعِلْمِنَا بِأَنَّ (١) الفريقين لا يقْتَتِلان. ونافقوا بهذا القول؛ لأنه كان في قلوبهم خلاف ما تكلموا به. قالَ الله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ يريد: أنَّهم [بما] (٢) أظهروا من خذلان المؤمنين عند الحرب، صاروا أقرب إلى الكفر منهم إلى الإيمان؛ وذلك (٣) أنهم قبل هذا، كانوا -بظاهر حالهم- أقرب إلى الإيمان، حتى هتكوا أنفسَهم عند مَنْ تخفى عليه حالُهم مِنَ المؤمنين، الذين كانوا يحسنون الظنَّ بهم. وفي هذا دليلٌ على أنَّ مَنْ أتَى بكلمة التوحيد لم يكفر، ولم يُطْلَق القولُ بتكفيره؛ لأن الله تعالى لم يُطْلق القول بتكفيرهم، مع أنهم كانوا كافرين؛ لإظهارهم القولَ بـ (لا إله إلا الله، محمد رسول الله). وقوله تعالى (٤): ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ قال المفسِّرون (٥): يعنى: بإظهار الإيمانِ وإضمار الكفر. وقال بعضهم (٦): يعنى (٧) قولَهم: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾، ولو

стр. 3154

عَلِمُوا ما اتَّبعوهم. وذِكْرُ الأفواه -ههنا- زيادة للتوْكيد (١)، لأن القولَ قد يضاف إلى الإنسان، إذا كَتَبَ أو أشار به. فأعْلَمَ اللهُ أنهم يقولون بألسنتهم؛ لِيُفَرِّقَ بين قول (٢) اللسان وقول الكتابة (٣). ١٦٨ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾. في محل ﴿الَّذِينَ﴾ ثلاثةُ أوْجُهٍ: أحدها: النصب على البدل من ﴿الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ (٤). و (٥) الثاني: الرفع على البدلِ من الضمير في ﴿يَكْتُمُونَ﴾ (٦). الثالث: الرفع على خبر الابتداء، بتقدير: (هم الذين) (٧).

стр. 3155

والمراد بـ ﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾: عبد الله بن أُبَيّ، وأصحابه (١). وقوله: ﴿لِإِخْوَانِهِمْ﴾، أكثر المفَسِّرينَ (٢) على أنَّ المرادَ بِهِ شهداءُ أُحُد، قالوا فيهم: لو أطاعونا في القعود بالمدينة، والانصراف عن رسول الله ﷺ ، بعد الخروج، ما قُتِلوا. وعلى هذا؛ المراد بـ (الأخُوَّةِ) -ههُنا-: أخُوَّةُ النَّسَبِ، لا أخوَّةُ الدِّين (٣). أو نقول: يجوز هذا في إطلاق اللفظ، من حيث إنهم كانوا يظهرون المَوَدّةَ والمؤاخَاةَ للمؤمنين. فالمراد (٤) بقوله: ﴿قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ (٥): قالوا في إخوانهم الذين قُتِلوا،
следующие страницы →