وعلى هذا الحكم اليوم، فالقيم ممنوع من الإسراف، وإنما له أجر مثل عمله؛ لأنه أجير بالشرع. والغني يستعف كما أمره الله، وإن أخذ الأجرة حلت له في الحكم في مقابلة عمله (١).
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾. هذا وصية من الله تعالى للأولياء بالإشهاد على دفع المال إذا دفعوه إلى الأيتام، لكن إن وقع اختلاف أمكن للولي أن يقيم البينة على أنه رد المال إليه (٢). وفي هذا دليل على أن القول قول اليتيم عند التنازع، وذلك أن القيّم خير (٣) مؤتمن من جهة اليتيم، وإنما هو مؤتمن من جهة الشرع، ولذلك أمر بالإشهاد (٤)، وليس بفريضة (٥).
قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ قال ابن الأنباري والأزهري: يكون بمعنى محاسبًا، ويكون بمعنى كافيًا (٦).
فمن الأول قولهم للرجل عند التهدد: حسيبه الله. ومعناه: محاسبه الله
стр. 3327
على ما يفعل من الظلم (١).
وأنشد ابن الأنباري (٢) قول قيس المجنون (٣):
دعا المحرمون اللهَ يستغفرونه ... بمكةَ يومًا أن تُمَحَّا ذُنوبُها
وناديتُ يا ربّاه أولُ سؤلتي ... لنفسي لَيلَى ثم أنت حسيبُها (٤)
قال (٥) فمعناه: ثم أنت محاسبها على ظلمها.
قالوا: فالحسيب هو المحاسب بمنزلة قول العرب: الشريب. للمشارب (٦).
وأنشد (٧) أيضًا قول المخبل السعدي (٨):
فلا تُدخِلنَّ الدهر قبرك حَوبَةً ... يقوُم بها يومًا عليك حسيبُ (٩)
معناه محاسبك عليه الله تعالى (١٠).
ومن الكفاية قولهم: حسيبك الله. ومعناه: كافي إياك الله (١١).
стр. 3328
وقد ذكرنا في اللغة في هذا (١) قوله: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
وقال ابن عباس في قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾: يريد مجازيًا للحسن والمسيء (٢)، وهذا يعود إلى المحاسب؛ لأن الحساب إنما هو للجزاء.
والباء في قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾، ﴿وَكَفَى بِرَبِكَ﴾ [الإسراء:١٧ ,٦٥] , [الفرقان:٣١] في جميع القرآن (٣) زائدة (٤).
قال الزجاج: المعنى: كفى الله، كفى ربُك (٥). واستقصاء هذا مذكور في هذه السورة عند قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] (٦).
стр. 3329
وحسيبًا منصوب على وجهين: أحدهما الحال. المعنى: وكفى بالله في حال الكفاية والحساب، الثاني: يكون منصوبًا على التمييز، على معنى: كفى الله من الكِفاء والمحاسبين (١).
٧ - قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ الآية. قال المفسرون: كانت العرب في الجاهلية لا تورث النساء ولا الصغار شيئًا وإن كانوا ذكورًا، وإنما كانت تورث الكبار ومن طاعن بالرماح وحاز الغنيمة، فأبطل الله ذلك، وأعلم أن حق الميراث على ما ذُكر من القرض (٢).
وقوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾. قد ذكرنا معنى الفرض فيما تقدم (٣). واختلفوا في انتصاب قوله: ﴿نَصِيبًا﴾، فقال الفراء (٤): لأنه اسم في موضع المصدر، كقولك: قسمًا واجبًا وحقًّا لازمًا (٥).
ولو كان اسمًا (ليس في معنى المصدر) (٦) لم ينصب (نحو: لك عندي حق درهمًا) (٧)، ومثله مما ينصب قولك: لك عندي درهمان هبة
стр. 3330
مقبوضة. فالمفروض في هذا الموضع بمنزلة قولك: فريضة وفرضاً (١).
وقال الزجاج: هذا منصوب على الحال، المعنى: لهؤلاء أنصبة على ما ذكرناها في حال الفرض (٢).
وقال الأخفش: هو نصب على معنى: جعل لهم نصيبًا (٣). والآية تدل على [هذا؛ لأن قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾ يدل على (٤)] معنى جعل لهم نصيبًا (٥)
٨ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ عنى قسمة المال بين الورثة، يقال: قسمت المال قسمًا و [قسَّمته] تقسيمًا، والقسم اسم للمقسوم، والقسيم الذي يقاسمك (...) (٦) المقسوم أيضًا، يقال: أخذ قسمه وقسيمه ومقسمه (٧). وهذا قد ذكره ثعلب عن ابن الأعرابي، وهو صحيح.
قال الخليل: (القِسْم (٨)) الحظّ والنصيب من الخير (٩)، ومنه سمي
стр. 3331
الرجل: مقسما. وأنشد النضر:
فما لك إلا مِقسمٌ ليس فائتًا ... به أحدٌ فاستَأْخِرَن أو تَقَدَّمَ (١)
ويقال: قاسمت فلانًا المال مقاسمةً، وأقسمنا، وتقاسمنا المال فيما بيننا (٢).
قال النابغة (٣):
إنّا اقتَسَمْنا خُطَّتَينا بيَننا ... فحَمَلتُ بَرَّةَ واحتملتَ فَجَارِ (٤)
و (القسمة) (٥) الاسم من الاقتسام، لا من القسم (٦)، كالخبرة من
стр. 3332
الاختبار.
ولا يكاد الفصحاء يقولون: قَسمت بينهم قِسمة. وقد ذكر ذلك في كتاب الليث (١)، وليس ذلك بصحيح. وقسْمَتك ما أخذته من الأقسام، والجمع قِسَم.
وقوله تعالى: ﴿أُولُو الْقُرْبَى﴾ (٢) يعني: الذين يحزنون ولا يرثون (٣).
﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ الآية. اختلفوا في حكمها، فقال ابن عباس في رواية عطاء وعطية (٤): هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وإباحة الثلث للميت يجعله حيث يشاء من القرابات واليتامى والمساكين (٥).
стр. 3333
وهذا مذهب سعيد بن المسيب (١)، وأبي مالك، والضحاك (٢).
وقال في رواية عكرمة ومِقْسَم (٣): الآية محكمة غير منسوخة (٤).
وهذا مذهب أبي موسى، وإبراهيم، والشعبي، والزهري، ومجاهد، والحسن، وسعيد بن جبير، وعبيدة، وقتادة (٥).
ثم اختلف هؤلاء، فذهب بعضهم إلى أنه يجب على الوارث أن يرضخ لمن حضر القسمة شيئًا من المال بقدر ما تطيب به نفسه.
стр. 3334
هذا إذا كان الوارث كبيرًا، فإن كان صغيرًا تولى إعطاء هؤلاء وليه (١).
قال الحسن والنخعي: أدركنا الناس وهم يقسمون على القرابات (٢)، والمساكين، واليتامى من العين، فإذا قُسِم الذهب والورق وصارت القسمة إلى الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك قالوا لهم قولًا معروفًا، كانوا يقولون: بُورك فيهم (٣).
وقال ابن عباس والسدي وغيرهما: إذا حضر القسمة هؤلاء؛ فإنْ كان الميت أوصى لهم بشيء أُنفِذ، وإن لم يوص (٤) وكان الورثة كِبارًا رَضَخُوا لهم، وإن كانوا صغارًا اعتذر إليهم الولي، ويقول: إني لا أملك هذا المال، وإنما هو لهؤلاء الضعفاء الذين لا يعقلون ما عليهم من الحق، وإن يكبروا فسيعرفون حقكم. فهذا هو القول المعروف (٥).
وقال بعضهم: هذا على الندب والاستحباب، لا على الفرض والإيجاب؛ يستحب للوارث أن يقسم لهؤلاء شيئًا من التركة، فإن ترك ذلك لم يُحَرَّج (٦).
стр. 3335
وهذا هو الذي عليه الناس اليوم (١).
وقوله تعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ أي: من الميراث، رَدّ الكناية إلى معنى القسمة لا إلى اللفظ، كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٦]، والصُّواع مذكر لا يُكنى عنه بالتأنيث، لكن أريد به المَشْربة والسِّقاية، فعادت الكناية إلى المعنى لا إلى اللفظ (٢).
وقال أبو علي: القسمة ههنا يراد بها المقسوم؛ لأنه إنما يُرزق من التركة المقسومة (٣).
٩ - قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية. اختلفوا في هذه الآية على قولين:
أحدهما: أن معنى الآية: وليخش من لو كان له ولد صغار خاف عليهم بعده الضيعة، أن يأمر الموصي بالإسراف فيما يعطيه اليتامى المساكين وأقاربه الذين لا يورثون، فيكون قد أمره بما لم يكن يفعله لو كان هو الميت.
قال ابن عباس في رواية عطاء: كان الرجل إذا حضرته الوفاة قعد
стр. 3336
عنده أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: انظر لنفسك فإنّ ولدك لا يُغنون عنك من الله شيئًا، فيُقدِّم جل ماله وَيحجب ولده، وهذا قبل أن تكون الوصية في الثلث، فكره الله ذلك منهم وقال: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ يريد: من بعدهم. ﴿ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ يريد: صغارًا. ﴿خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ الفقر، ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ يريد: فليخافوا الله إذا تَعدَّوا عند أحد من إخوانهم وهو في الموت. ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ يريد بالسديد من القول العدل، وهو أن يأمره أن يُخَلِّف ماله لولده ويتصدق ما دون الثلث (١).
وهذا قول أكثر المفسرين، سعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي والضحاك ومجاهد (٢).
والقول الثاني: أن هذا وعظ لولاة اليتامى، وعظوا في تَوِليَتِهم أمرهم بأن يفعلوا كما يحبون أن يُفعل بأولادهم من بعدهم. يقول: وليخش من لو ترك ولدًا صغارًا خاف عليهم الضَّيعة، فليُحسن إلى من كفله من اليتامى، وليفعل بهم ما يحب أن يفعل بولده من بعده.
وهذا قول تحتمله الآية، ولم أر أحدًا من المفسرين ذكره (٣)، وبعض
стр. 3337
المتأخرين حكاه، وعزاه إلى الكلبي (١). وليس هو في تفسيره المعروف بطريق يوسف بن بلال (٢).
وقرأ (٣) حمزة: ﴿ضِعَافًا خَافُوا﴾ بالإمالة فيهما (٤). ووجه إمالة (ضعاف) أنّ ما كان على وزن فِعال، وكان أوله حرفًا مستعليًا مكسورًا، نحو: صِفات (٥)، وقِفاف (٦)، وخِباث وغِلاب، يحسن فيه الإمالة، وذلك أنه تصعّد بالحرف المستعلي ثم انحدر بالكسر، فيستحب أن لا يتصعّد بالتفخيم بعد التصوّب (٧) بالكسر، فيجعل الصوت (٨) على طريقة واحدة فلا يتصعّد بالتفخيم بعد التصوّب بالكسرة (٩) التي في خفت فينحوا نحوها بالإمالة.
قال سيبويه: بلغنا عن ابن أبي إسحاق (١٠) أنه سمع كثير عزة يقول: صار مكان كذا (١١)، بالإمالة (١٢).
стр. 3338
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ السديد: العدل والصواب من القول (١). قال ابن المظّفر (٢): قال قل قولا سَدَدًا وسدَادًا وسدِيدًا (٣) والسدَد مقصور من السداد (٤)، وأنشد (٥) لكعب (٦):
ماذا عليها وماذا كان ينقصها ... يوم الترّحل لو قالت لنا سدَدَا (٧)
قال الأزهري: وقرأت بخط شَمِر: يقال سدّ عليك الرجل يسدّ سدًّا إذا أتى السداد. وما كان هذا الشيء سديدًا. ولقد سد يسد سدادًا وسدودا. وقال أوس:
فما جَبُنوا أنّا نَسُدّ عليهِمُ ... ولكِن لَقُوا نارًا تحُسُّ وتَسْفَعُ (٨)
стр. 3339
يقول لم يجبنوا من الإنصاف في القتال، ولكنا جُرنا عليهم فلقونا ونحن كالنار التي لا تُبقي شيئًا (١).
ويقال: إنه لَيَسد في القول، إذا كان يأتي القول السديد، وقد أسددت ما شئت، أي: طلبت السداد، أصبته أو لم تصبه. ويقال: سدده الله، أي: وفقه للسداد (٢).
١٠ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾.
سماه بما يؤول إليه في العاقبة، والعرب تُسمي الشيء باسم ما يؤول إليه عاقبته، كقوله: ﴿أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، يعني: العنب، فسماه خمرًا بما يؤول إليه (٣). ويقولون للأمر الشديد: هو الموت، ومنه قول ابن الدُّمَينة الخثعمي (٤):
قليل قذى العينين نعلُم أنّه ... هو الموتُ إن لَم يلق عَنّا بوائقه (٥)
стр. 3340
أي: السبب المؤديِ إلى الموت، وعلى هذا قوله ﷺ في الشارب من آنية الذهب والفضة: "إنما يُجرجِر في بطنه نار جهنم" (١).
قال السدي: يبعث آكل مال اليتيم ظُلمًا يوم القيامة ولَهَبُ النار ودُخانه يخرج من فيه وأذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه من رآه بأكل مال اليتيم (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ وقرئ بضم الياء (٣).
قال أبو زيد: يقال: صلي الرجل النارَ يصلاها صليً وصَلاءً، وهو صالي النار من قوم صالين وصِليّ (٤). قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣]. قال الشاعر:
والله لولا النار أن يصلاها (٥)
стр. 3341
وقال تعالى: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ [إبراهيم: ٢٩, ٥٦]، [المجادلة: ٨].
قال الفراء: الصَّلاء اسم للوقود، وهو الصَّلا، إذا كسرت مددت، وإذا فتحت قصرت (١). قال ابن حلزة:
فتنورت نارها (٢) من بعيدٍ ... بخَزازَى هيهات منك الصَّلاء (٣)
ومن ضم (٤) الياء فهو من قولهم: أصلاه الله حر النار إصلاءً، قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ [النساء: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦].
وأما السّعير فهو النار المُستعرة. يقال (سعرت (٥)) النار أسعَرُها سَعرًا، وهي مسعورة وسعيرة، فالسعير معدول عن: مسعورة كما عُدِل: كف خضيب. عن: مخضوبة، وكذلك سعرت العرب سعرًا. واستعرت النار إذا استوقدت.
والسعير: النار نفسها. (وسُعار النار) (٦) حرّها (٧).
стр. 3342
١١ - قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية. فقد ذكرنا معنى الإيصاء والتوصية في اللغة. ومعنى ﴿يُوصِيكُمُ﴾ ههنا: قال الزجاج: أي: يفرض (١) عليكم؛ لأن الوصية من الله فرض، والدليل على ذلك: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وهذا من الفرض المحكم علينا (٢).
وقوله تعالى: ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، اسم الولد يقع على ولد الصلب وعلى ولد الولد وإن سَفَل (٣)، ثم ثبتت على هذا ميراث ولد الولد بهذه الآية (٤).
فإن قيل: بماذا يتعلق قوله: ﴿يُوصِيكُمُ﴾، ولا يقال في الكلام: أوصيك لزيد كذا؟ والجواب ما قال الفراء، وهو أن الوصية قول، فمعنى قوله ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ (٥): يقول الله لكم، وعلى هذا أيضًا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [المائدة: ٩]، أي: قال الله لهم مغفرة؛ لأن الوعد قول (٦).
стр. 3343
﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وقال الكسائي: قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ بيان لما أوصى به وحكاية له، لأن الذي أوصاهم به هو هذا، ومثله قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: ٩] ثم ذكر ما وعدهم فقال: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ولهم مغفرة هو الذي وعدهم به، وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥].
ويقول: بدا لي أن لعبد الله مالًا، فإذا (ألقيت) (١) أن قلت: بدا لي لعبد الله مالٌ (٢)، وأنشد الكسائي على ذلك:
إني سأُبدِي لك فيما أُبدي ... لي شجَنَانِ شَجَنٌ بِنَجْدِ (٣)
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾، يعني: فإن كن (٤) المتروكات؛ وذلك أن اسم الولد يطلق على الإناث والذكور (٥)، فلما فرض فريضة الذكور
стр. 3344
وأراد تبيين حال الإناث كنى عنهن بكناية جمع أسمائهن في الأولاد, وتقديره: الأولاد إن كن نساء فوت اثنتين فلهن ثلثا ما ترك (١).
واجتمعت الأمة على أن للبنتين الثلثين (٢)، إلا ما روي عن ابن عباس أنه ذهب إلى ظاهر الآية، وقال: الثلثان فرض الثلاث من البنات؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ (٣):
стр. 3345
فجعل الثلثين للنساء إذا زده (١) على الثلثين (٢)، وعنده أن فرض البنتين النصف كفرض الواحدة
وهذا غير مأخوذ به (٣).
ووجه الآية أن (فوق) ههنا صلة لا معنى له، أراد: فإن كن نساء اثنتين، كقوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢]، يريد: فاضربوا الأعناق (٤) وسمى البنتين نساء، لأن الابنين جماعة عند العرب. ونبين ذلك في آخر الآية (٥).
وقال أكثر المفسرين: إنما أعطينا البنتين الثلثين بتأويل القرآن لا بنص فرض، وذلك أن الله تعالى [جعل للبنت الواحدة النصف في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾، وجعل للأخت الواحدة النصف أيضًا في قوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، ثم جعل للأختين الثلثين، علمنا أن للبنتين] (٦) الثلثين قياسًا على الأختين، كما
стр. 3346
أن للأخوات الثلثين بما نص في البنات في قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ الآية (١)
وحرر الحسن بن يحيى (٢) هذا الفصل فقال: (إن الله تعالى) (٣) أمسك في هذه الآية عن ذكر البنتين، وذكر الواحدة والثلاث وما فوقها، وذكر فيِ (قوله (٣)): ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ في آخر النساء الأخت الواحدة والبنتين (٤) , وأمسك عن ذكر الثلاث وما فوقها، فتضمن كل واحدة من هاتين الآيتين ما كف عن ذكره في غيرها, ويحتمل كل واحد منهما فيما أمسك عنه فيها على ما ذكره في غيرها ليأتلف المعنى على (ما يجب (٥)) إن شاء الله (٦).
قال أبو إسحاق: جعل الله كتابه يدل بعضه على بعض تفقيهًا للمسلمين وتعليمًا؛ ليعملوا فيما يحزبهم (٧) في الأمور على هذه الأدلة، وقال بعضهم (٨): في الآية دليل على أن للبنتين الثلثين؛ لأنه قال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وكان أول العدد ذكرًا وأنثى، فللذكر الثلثان وللأنثى الثلث. فلما دل هذا على أن للذكر الثلثين وللبنت الواحدة الثلث، عُلم أن
стр. 3347
للبنتين الثلثين من حيث علم أن للذكر الثلثين.
وأما مذهب ابن عباس فهو محال في القياس، حيث يجعل البنتين كالواحدة. والبنتان كالجماعة؛ لأن منزلة الاثنين منزلة الجمع (١)، في كثير من الأحكام، فصلاة الاثنين جماعة، والأخوان كالإخوة في حجب الأم من الثلث إلى السدس، ويجيء ذلك في آخر الآية، فالجمع بالجمع أولى أن يقاس من الجمع بالواحد (٢). وأيضًا فإن الآية في قول مقاتل، والكلبي نازلة في أم كجّة (٣)، وكانت لها ثلاث بنات، فنزلت في جواب ما استفتت وأجيبت في بناتها خصوصًا، وكن ثلاثًا (٤)، ولذلك ما خصت الثلاث بالذكر في الآية دون الثنتين.
стр. 3348
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً﴾ وقرأ نافع (واحدةٌ) بالرفع (١) على معنى: إن وقعت واحدة، أي: إن حدث حكم واحدة، أو إرث واحدة؛ لأن (٢) المراد حكمها والقضاء في إرثها، لا ذاتها.
والاختيار قراءة العامة؛ لأن التي قبلها لها خبر منصوب، وهو قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾، وكما أن الضمير هناك: إن كن المتروكات أو الوارثات نساء، كذلك ههنا: وإن كانت المتروكة واحدة (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ يعني: ولأبوي الميت، كناية عن غير مذكور (٤)، وهما والداه. والأصل أن يقال: أبة (٥)، ولكن استغنى عنها بأم، فأبوان تثنية أب وأبة، وكذلك لو ثنيت ابنًا وابنًة ولم تخف اللبس لقلت: ابنان (٦).
وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾. أو ولد ابن، واسم الولد يقع على ولد الابن (٧).
стр. 3349
والأب يرث من جهة التسمية السدس، ويرث بغير تسمية على جهة التعصيب.
مثال ذلك: لو مات عن ابنة وأبوين، كان للابنة النصف وللأم السدس، وكذلك للأب بالتسمية لأن الله تعالى قال: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾، وههنا ولد وهو البنت، والسدس الباقي للأب أيضًا بحق التعصيب (١).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾.
أكثر القراء على ضم الهمزة من (أم) في جميع المواضع. وقرأ حمزة والكسائي بكسر الألف إذا وليتها كسرة أو ياء (٢)، (نحو هذا) (٣) ونحو قوله: ﴿يَطُوفُونَ﴾ (٤)، ﴿أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، ﴿فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ [القصص: ٥٩].
فأما إذا كان ما قبل الهمزة غير كسر فالضم لا غير، مثل ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾ [المؤمنون: ٥٠] (٥).
وإنما جاز كسر همزة (أم) لأن الهمزة حرف مستثقل، بدلالة تخفيفهم لها، فأتبعوها ما قبلها من الياء والكسرة، ليكون العمل فيها من
стр. 3350
وجه واحد (١).
قال أبو إسحاق: إنهم استثقلوا الضمة بعد الكسرة في قوله: ﴿فَلِأُمِّهِ﴾، وليس في كلام العرب مثل: فِعُل بكسر الفاء وضم العين، فلما اختلطت اللام [بالاسم] (٢) شبه بالكلمة الواحدة، فأبدل من الضمة كسرة (٣).
وأيضًا فإن الهمزة لما يتعاورها من القلب والتخفيف تشبه الياء والواو، فتتغير كما تتغير الياء والواو، وتقارب الهاء في المخرج، والهاء قد اتبع الكسرة في نحو: بهم، وبهي (٤). كذلك الهمزة.
فإن قيل: وهلا فعلوا ذلك بغير هذا الحرف، مما فيه الهمزة، نحو: أتّ وأسّ وأدّ من أسماء الرجال؟
قيل: إن هذا الحرف قد كثر في كلامهم، والتغيير إلى ما كثر أسرع، وقد يختص الشيء في الموضع بما لا يكون في أمثاله، كقولهم: أسطاع وأهراق، ولم يفعل ذلك بما أشبهه، كذلك هذا التغيير في الهمزة مع الكسرة والياء اختص به هذا الحرف، ولم يكن فيما أشبهه (٥).
стр. 3351
و (أما) (١) من ضم الهمزة فإنه أتى بها على الأصل، ألا ترى أن الهمزة في: أد وأف وبابه مضمومة على جميع أحوالها، ولا يؤدي إلى استعمال فِعُل، لأن اللام ليست من أصل الكلمة، واللام (٢) من (فلأمه) قديرها تقدير الانفصال (٣).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾. أجمعت الأمة على أن الأخوين يحجبان الأم من الثلث إلى السدس كرجل مات عن أبوين وأخوين، كان للأم السدس، والباقي للأب. فالأخوان فما فوقهما يحجبان الأم عن الثلث إلى السدس. والأخ الواحد لا يحجب.
وابن عباس يخالف في هذه المسألة: فلا تحجب الأم عن الثلث إلى السدس بأقل من ثلاثة إخوة. وقال لعثمان (٤) ﵁: بم (٥) صار الأخوان يردان الأم إلى السدس، وإنما قال الله : ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ والأخوان في لسان قومك ليسا بإخوة؟ فقال عثمان: يا بني إن قومك حجبوها
стр. 3352
بأخوين، ولا أستطيع نقض أمر قد كان قبلي (١). مقابلة بالإجماع.
قال علماء اللغة: قول ابن عباس: الأخوان في لسان قومك ليسا بإخوة غلط منه؛ لأن الأخوين جماعة كالإخوة، وذلك أنك إذا جمعت واحدًا إلى واحد فهما جماعة ويقال لهما إخوة (٢).
وحكى سيبويه أن العرب تقول: قد وضعا رحالهما. يريدون: رحلي راحلتيها (٣).
قال ابن الأنباري: التثنية عند العرب أول الجمع، ومشهور في كلامهم إيقاع الجمع على التثنية، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، وهو يريد داود وسليمان، ومنه قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] يريد قلبيكما (٤). والعرب تقول: لطمت أوجه الرجلين، وضربت أرؤسهما، وشققت بطونهما، فيجمعون في موضع التثنية (٥).
стр. 3353
قال قتادة: وإنما حجب الإخوة الأم من غير أن يرثوا مع الأب (لمعونة الأب) (١)؛ لأنه يقوم بشأنهم وينفق عليهم دون الأم (٢).
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، أي: هذه الأنصبة إنما تقسم بعد قضاء الدين وإنفاذ وصية الميت في ثلثه، وذكر الوصية مقدمةً على الدين، وذلك تقديم في اللفظ لا في الحكم؛ لأن (أو) لا توجب ترتيبًا، وإنما هي لأحد الشيئين؛ كأنه قيل: من بعد أحد هذين (٣) مفردًا أو مضمومًا إلى الآخر (٤).
قوله تعالى: ﴿يُوصِي بِهَا﴾ قرئ بكسر الصاد وفتحها (٥).
فمن كسر (٦) فلأنه تقدم ذكر الميت المفروض فيما ترك، يبين ذلك قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ أي: لأم الميت ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ يوصيها الميت. ومن فتح الصاد فإنه يؤول في المعنى إلى يوصي، ألا ترى أن الموصي هو الميت، والذي (٧) حسن فتح الصاد أنه ليس
стр. 3354
لميت (١) إنما هو شائع في الجميع، فلذلك حسن يوصى (٢)(٣).
وقوله تعالى: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ إن قيل: ما معنى (أو) هاهنا، وهلا كان من بعد وصية يوصي بها (ودين) (٤)؟. والجواب: ما قاله الزجاج، وهو أن معناه الإباحة، كما لو قال قائل: جالس الحسنَ أو الشعبي، المعنى: أن كل واحد منهما (٥) أهل أن يجالس، فإن جالست الحسن فأنت مصيب، (أو الشعبي فأنت مصيب، وإن جمعتهما فأنت مصيب) (٦)، ولو قال: جالس الرجلين، فجالست واحدًا منهما وتركت الآخر كنت غير متبع ما أمرت به. كذلك في الآية لو كان: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا (و) دَيْنٍ﴾ احتمل اللفظ أن يكون هذا (الحكم المذكور في الآية) (٦) إذا اجتمعت الوصية والدين، فإذا انفرد كان حكم آخر، فإذا كانت "أو" دلت على أن أحدهما إن كان فالميراث بعده، وكذلك إن كانا كلاهما (٧).
وقوله تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾. في هذا قولان:
стр. 3355
أحدهما: أن هذا فصل معترض بين ذكر الورّاث وأنصبائهم، وبين قوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾، ولا تعلق لمعناه بمعنى الآية، ومعنى هذا الفصل في قول ابن عباس والكلبي: أن الله تعالى يُشَفِّع المؤمنين بعضهم في بعض، فأطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة (١). فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع الله إليه ولده بمسألته (٢)، ليقرّ بذلك عينه، وإن كان الولد أرفع درجة من والديه، رفع الله إليه والديه، فقال الله : ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾، لأن أحدهما لا يعرف منفعة صاحبه له في الجنة، وسبقه إلى منزلة عالية تكون سببًا لرفعه إليها (٣).
القول الثاني: أن هذا فصل معترض بينهما، ومعناه متعلق بمعنى الآية.
يقول: لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا في الدنيا فتعطونه من الميراث ما يستحق، ولكن الله تعالى قد فرض الفرائض على ما هو عنده حكمة، ولو وكل إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم، فأفسدتم وضيعتم وأعطيتم من لا يستحق ومنعتم من يجب له الميراث، وهذا قول الزجاج (٤)، وابن الأنباري، وجماعة من أهل المعاني (٥)، وإليه أشار ابن عباس في
стр. 3356
رواية عطاء (١).
وقوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ منصوب على التوكيد من قوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾، أي لهؤلاء الورثة ما ذكرنا مفروضًا، (ففريضة) (٢) مؤكدة لقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ (٣).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. قال الحسن: كان عليمًا بالأشياء قبل خلقها، حكيمًا فيما يقدر (٤).
وقال عطاء: كان عليمًا بخلقه قبل أن يخلقهم، حكيمًا حيث فرض للصغار مع الكبار، ولم يخصّ الكبار بالميراث كما كانت العرب تفعل (٥).
وحكى الزجاج عن سيبويه، قال: كأن القوم شاهدوا علمًا وحكمة ومغفرة وتفضلًا، فقيل لهم: إن الله كان كذلك، أي: لم يزل على ما شاهدتم (٦).
стр. 3357
وقال الخليل: الخبر عن الله بمثل هذه الأشياء، كالخبر بالاستقبال والحال؛ لأن صفات الله تعالى لا يجوز عليها الزوال والتقلب (١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾. قد أكثروا في الكلالة، والذي عليه الأكثرون وهو الصواب أن الكلالة ما عدا الوالد والولد (٢).
وهو قول أبي بكر، وعمر، وابن عباس، وابن زيد، وقتادة، والزهري، وابن إسحاق (٣).
وأخبرني موسى بن الفضل (٤)، حدثنا الأصم (٥)، عن محمد بن الجهم (٦)، عن الفراء، قال: الكلالة ما خلا الولد والوالد (٧).
وأقرأني العروضي، عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري (٨)، عن
стр. 3358
الحسين ابن فهم (١)، عن سلمة، عن أبي عبيدة، أنه قال: الكلالة كل من لم يرثه (ولد أو أب) (٢). ونحو ذلك قال الأخفش (٣).
قال المنذري: وسمعت أبا العباس (٤) يقول: الكلالة من القرابة ما خلا الوالد والولد. سموا كلالة لاستدارتهم بنسب الميت من تكلله النسب أي أحاط به واشتمل عليه (٥). فهم بمنزلة العصبة، كالإخوة والأخوات والأعمام وأبنائهم.
قال: وسمعته (٦) مرة يقول: الكلالة من سقط عنه طرفاه، وهما أبواه (وولداه (٧))، فصار كلا وكلالة، أي: عيالًا على الأصل. يقول: سقط
стр. 3359
(من (١)) الطرفين فصار عيالًا عليهم (٢). وقيل: لأن من لا يكون والدًا ولا ولدًا كلّت قرابته عن أن تكون قرابة ماسة. يقال: هو أكَلُّ من هذا، أي: أبعد نسبًا (٣).
وحديث جابر يفسر الكلالة، وأنه الوارث (غير الوالد والولد)؛ لأنه يقول: مرضت مرضًا أشفيت منه على الموت، فأتيت النبي ﷺ ، فقلت: إني رجل ليس يرثني إلا كلالة (٤).
أراد أنه لا والد له ولا ولد، فكل من مات ولا ولد له ولا والد فهو كلالة ورثته، وكل وارث ليس بوالد للميت ولا ولد له فهو كلالة موروثه (٥).
فالكلالة اسم يقع على الوارث والموروث إذا كانا بالصفة التي ذكرنا (٦).
ويقال: رجل كلالة وامرأة كلالة وقوم كلالة، لا يثنى ولا يجمع؛ لأنه مصدر كالدلالة والوكالة، يقال: كل الرجل يكل كلالة، أي صار
стр. 3360
كلًّا، وهو الذي لا ولد له ولا والد. ذكره الليث (١)، وهو صحيح.
والدليل على أن الوارث يُسمى كلالة حديث جابر أنه قال: ليس يرثني إلا كلالة، والدليل على أن الموروث الميت يُسمى كلالة قول الفرزدق:
وَرِثتُم قَناةَ المُلك لا عن كَلالةٍ ... (عن ابنَي منافٍ: عبدِ شمسٍ وهاشم) (٢)(٣)
وقول الشاعر:
يهز سلاحًا لم يرِثه كلالةً ... يَشُكُّ بِه منهَا جلودَ المَغَابنِ (٤)
يصف ثورًا وقرنه وأنه ورثه من أبيه، وجعل القرن له كالرمح من الأسلحة، وأنه يشق به مغابن الكلاب. فالكلالة في هذا البيت يحتمل أنه الوارث، ويحتمل أنه الموروث.
стр. 3361
قال الأزهري: ودل قول الشاعر (١) أن الأب ليس بكلالة، وأن سائر الأولياء من العصبة بعد الولد كلالة، وهو قوله:
فإنَّ أبا المرءِ أحمَى له ... وَمولى الكَلالةِ لا يَغْضَبُ (٢)
أراد أن أبا المرء أغضب له إذا ظُلم، وموالي الكلالة وهم الإخوة والأعمام وبنو الأعمام وسائر القرابات لا يغضبون للمرء غضب الأب (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ الكلالة في هذه الآية الميت، وهو الموروث، والمراد به الأخ للأم إذا مات. ويورث ههنا من: وُرِثَ يُورث، لا من: أُورِثَ يُورَث (٤).
وانتصب كلالة من وجهين: أحدهما: أنه خبر كان (٥).
والثاني: على الحال. المعنى يورث في حالٍ مكللةٍ نسب ورثته، أي لا ولد له ولا والد. وهذا الوجه هو الاختيار، وهو قول الزجاج، والكلالة مصدر وقع موقع الحال، تقديره: يورث متكلل النسب (٦).
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ إن قيل: قد سبق ذكر الرجل والمرأة
стр. 3362
في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ ثم قال: ﴿وَلَهُ أَخٌ﴾ فأضاف إلى الرجل وكنى عنه دون المرأة؟
قال الفراء: وذلك جائز، إذا جاء حرفان في معنى واحد بـ (أو) أسندت التفسير إلى أيهما شئت، وإن شئت أسندت إليهما (١)، تقول في الكلام: من كان له أخ أو أخت فليصله تذهب إلى الأخ، وفليصلها تذهب إلى الأخت، وإن قلت: فليصلهما، فذلك جائز، (وإن شئت قلت: فليصلهم) (٢)، كقراءة من قرأ ﴿إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهم﴾ [النساء: ١٣٥] (٣) ذهب إلى الجميع لأنهما اثنان غير مؤقتين (٤).
وأجمع المفسرون على أن المراد (بالأخ والأخت ههنا من الأم) (٥)(٦)، وكذلك في قراءة سعد بن أبي وقاص (٧): (وله أخ أو أخت من أم) (٨).
стр. 3363
قال ابن عباس في رواية عطاء: وله أخ أو أخت من أمه (١).
﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ (وفرض) (٢) الواحد من ولد الأم السدس، فإن كانوا أكثر من واحد اشتركوا في الثلث، الذكر والأنثى فيه سواء. هذا لا خلاف فيه بين الأمة (٣).
قال أبو إسحاق: وإنما استُدِل على أن المراد بالأخ والأخت ههنا أولاد الأم بأن ذكر في آخر هذه السورة في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] (٤) أن للأختين الثلثين، وأن للإخوة كل المال، فعُلم ههنا لما جعل للواحد السدس وللاثنين الثلث، ولم يزادوا على الثلث شيئًا ما كانوا، أنه يعني بهم الإخوة لأم (٥).
وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ أي: مدخل الضرر على الورثة (٦). قال المفسرون: هو أن يوصي الرجل بدين ليس عليه (٧)، يريد بذلك ضرر
стр. 3364
الورثة، فمنع الله منه.
وانتصب ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ على الحال، المعنى. يُوصَى بها غير مضار (١).
وقوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد فريضة من الله (٢). وهذا مثل ما ذكرنا في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١].
وانتصابه على المصدر من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ (٣).
وقال الفراء: يريد: فلكل واحد منهما السدس وصية من الله، كما تقول: لك درهمان نفقة إلى أهلك (٤). وذكرنا هذا الوجه في قوله: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: بمن يجوز في وصيته (٥). وقال الزجاج: ﴿عَلِيمٌ﴾ (٦) بما دبّر من هذه الفرائض، حليم عمّن عصاه بأن أخَّره وقبل توبته (٧).
١٣ - وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ الآية.
ذكرنا معنى الحدود فيما تقدم. قال ابن عباس: يريد ما حد الله من
стр. 3365
فرائضه (١). وقال ابن كيسان (٢)، والزجاج: أي: هذه التي تليت في أمر الفرائض وأمر اليتامى في أول السورة (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ﴾ (٤).
وقرأ نافع وابن عامر بالنون، والمعنى فيه كالمعنى في الياء، ومثله قوله: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٠]، ثم قال: ﴿سَنُلْقِى﴾ بالنون [آل عمران: ١٥١] (٥).
وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ قال أبو إسحاق: أي: ندخلهم مقدرين الخلود فيها، وهذا كما تقول في الكلام: مررت برجل معه صقرٌ صائدًا به غدًا، أي: مقدرًا الصيد غدًا، لأن الحال لا يكون إلا ما أنت فيه (٦).
١٤ - وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
قال الضحاك: المعصية ههنا الشرك (٧).