← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

قال الأزهري: ودل قول الشاعر (١) أن الأب ليس بكلالة، وأن سائر الأولياء من العصبة بعد الولد كلالة، وهو قوله: فإنَّ أبا المرءِ أحمَى له ... وَمولى الكَلالةِ لا يَغْضَبُ (٢) أراد أن أبا المرء أغضب له إذا ظُلم، وموالي الكلالة وهم الإخوة والأعمام وبنو الأعمام وسائر القرابات لا يغضبون للمرء غضب الأب (٣). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ الكلالة في هذه الآية الميت، وهو الموروث، والمراد به الأخ للأم إذا مات. ويورث ههنا من: وُرِثَ يُورث، لا من: أُورِثَ يُورَث (٤). وانتصب كلالة من وجهين: أحدهما: أنه خبر كان (٥). والثاني: على الحال. المعنى يورث في حالٍ مكللةٍ نسب ورثته، أي لا ولد له ولا والد. وهذا الوجه هو الاختيار، وهو قول الزجاج، والكلالة مصدر وقع موقع الحال، تقديره: يورث متكلل النسب (٦). وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ إن قيل: قد سبق ذكر الرجل والمرأة

стр. 3362

في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ ثم قال: ﴿وَلَهُ أَخٌ﴾ فأضاف إلى الرجل وكنى عنه دون المرأة؟ قال الفراء: وذلك جائز، إذا جاء حرفان في معنى واحد بـ (أو) أسندت التفسير إلى أيهما شئت، وإن شئت أسندت إليهما (١)، تقول في الكلام: من كان له أخ أو أخت فليصله تذهب إلى الأخ، وفليصلها تذهب إلى الأخت، وإن قلت: فليصلهما، فذلك جائز، (وإن شئت قلت: فليصلهم) (٢)، كقراءة من قرأ ﴿إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهم﴾ [النساء: ١٣٥] (٣) ذهب إلى الجميع لأنهما اثنان غير مؤقتين (٤). وأجمع المفسرون على أن المراد (بالأخ والأخت ههنا من الأم) (٥) (٦)، وكذلك في قراءة سعد بن أبي وقاص (٧): (وله أخ أو أخت من أم) (٨).

стр. 3363

قال ابن عباس في رواية عطاء: وله أخ أو أخت من أمه (١). ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ (وفرض) (٢) الواحد من ولد الأم السدس، فإن كانوا أكثر من واحد اشتركوا في الثلث، الذكر والأنثى فيه سواء. هذا لا خلاف فيه بين الأمة (٣). قال أبو إسحاق: وإنما استُدِل على أن المراد بالأخ والأخت ههنا أولاد الأم بأن ذكر في آخر هذه السورة في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] (٤) أن للأختين الثلثين، وأن للإخوة كل المال، فعُلم ههنا لما جعل للواحد السدس وللاثنين الثلث، ولم يزادوا على الثلث شيئًا ما كانوا، أنه يعني بهم الإخوة لأم (٥). وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ أي: مدخل الضرر على الورثة (٦). قال المفسرون: هو أن يوصي الرجل بدين ليس عليه (٧)، يريد بذلك ضرر

стр. 3364

الورثة، فمنع الله منه. وانتصب ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ على الحال، المعنى. يُوصَى بها غير مضار (١). وقوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد فريضة من الله (٢). وهذا مثل ما ذكرنا في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١]. وانتصابه على المصدر من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ (٣). وقال الفراء: يريد: فلكل واحد منهما السدس وصية من الله، كما تقول: لك درهمان نفقة إلى أهلك (٤). وذكرنا هذا الوجه في قوله: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: بمن يجوز في وصيته (٥). وقال الزجاج: ﴿عَلِيمٌ﴾ (٦) بما دبّر من هذه الفرائض، حليم عمّن عصاه بأن أخَّره وقبل توبته (٧). ١٣ - وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ الآية. ذكرنا معنى الحدود فيما تقدم. قال ابن عباس: يريد ما حد الله من

стр. 3365

فرائضه (١). وقال ابن كيسان (٢)، والزجاج: أي: هذه التي تليت في أمر الفرائض وأمر اليتامى في أول السورة (٣). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ﴾ (٤). وقرأ نافع وابن عامر بالنون، والمعنى فيه كالمعنى في الياء، ومثله قوله: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٠]، ثم قال: ﴿سَنُلْقِى﴾ بالنون [آل عمران: ١٥١] (٥). وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ قال أبو إسحاق: أي: ندخلهم مقدرين الخلود فيها، وهذا كما تقول في الكلام: مررت برجل معه صقرٌ صائدًا به غدًا، أي: مقدرًا الصيد غدًا، لأن الحال لا يكون إلا ما أنت فيه (٦). ١٤ - وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال الضحاك: المعصية ههنا الشرك (٧).

стр. 3366

وقال عكرمة عن ابن عباس: من لم يرض بقسم الله، ويتعدى ما قال الله يدخله نارًا (١)، وقال الكلبي: يعني: يكفر بقسمة المواريث ويتعد حدوده استحلالًا (٢). وقوله تعالى: ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤] (٣). في نصب خالد وجهان: أحدهما: أنه حال من الهاء في ﴿يُدْخِلْهُ﴾، على تقدير: يدخله خالدًا في النار، إلا أنه لما تقدم ذكر النار كنى عنها (٤). الثاني: أنه من نعت النار. في قول الزجاج (٥)، وهذا كما يقول زيد: مررت بدار ساكن فيها، ومثله: ﴿مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥]. ١٥ - قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ الآية. اللاتي جمع التي، وللعرب في جمع التي لغات، يقال: اللاتي، واللات، واللواتي، واللوات، واللوا، واللائي، واللاء، واللآت، واللاآت (٦). قال الشاعر:

стр. 3367

من اللَّواتي والّتي واللاّتي ... زَعَمنَ أنَّي كَبِرَت لِداتي (١) فجمع بين ثلاثة أحرف للمبالغة في التوكيد، وكل واحد منها يكفي من الآخر. والعرب قد تقول في جمع النساء: التي، فتقول: ما فعل الهندات التي أمرها كذا، وقال الآخر: اللَّات كالبِيض لَّما تَعْدُ أن دَرَسَتْ ... صُفرُ الأَنَامل من قَرع القَوَاقِيزِ (٢) وقال آخر: من اللاء لم يَحجُجْن (٣) يَبغِين حِسبةً ... ولكنْ لِيَقْتُلن البَريء المُغَفَّلا (٤) وقال آخر: أولئك أخْدانِي وأخلال شِيمَتي ... وأخدانُك اللَّاآت زُّينَّ بالكَتمِ (٥)

стр. 3368

قال ابن الأنباري: العرب تقول في الجمع من غير الحيوان: التي، ومن الحيوان: اللاتي، كقوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]، وقال في هذه الآية: ﴿وَاللَّاتِي﴾. والعِلّة في ذلك أن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد. وتأويله قوله: ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾ التي (عدتكم (١)) التي جعل الله لكم قيامًا. وجمع الحيوان لا يُجرى مجرى الواحد، ألا ترى أنك تقول: الأموال أخذتها، والأثواب اشتريتها. وتقول في جميع الحيوان: ما فعلت الهندات اللاتي رأيتهن. فتنعتهن بالجمع (٢)؛ لأن كل واحدة منهن يقع على عين معروفة، ولا يجري مجرى شيء كما يجري الجمع من الموات مجرى شيء و (عدّه) (٣). ومن العرب من يُسَوِّي بين الموات وغيره في هذا المعنى، فيقول: ما فعلت الهندات التي من أمرها كذا، وما فعلت الأثواب اللاتي من قصتهن كذا وكذا. والأول هو المختار (٤). وأنشد في جمع النساء: من اللَّواتي والّتي واللَّاتي (٥) وقوله تعالى: ﴿يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ أي: يفعلنها، يقال: أتيت أمرًا قبيحًا، أي فعلته. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧]، وقال: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ [مريم: ٨٩] (٦). والفاحشة: الفِعلة القبيحة، وهي مصدر عند أهل اللغة؛ كالعافية

стр. 3369

والعاقبة، يقال: فَحَش الرجل يفحش فحشًا وفاحشةً، وأفحش إذا جاء بالقبيح من القول أو الفعل (١). ذكره الزجاج في باب الوفاق (٢). وأجمعوا على أن الفاحشة ههنا الزنا (٣). وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾. أي: من المسلمين (٤) ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ بالزنا (٥) ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾: أي: فاحبسوهن في السجون (٦). قال المفسرون: هذا أمر كانوا يستعملونه في أول الإسلام إذا كان الزانيان ثيبين حبسا ومنعا من مخالطة الناس، وإذا كانا بِكْريَن أُوذِيا بالتعنيف والتوبيخ، فيقال لهما: انتهكتما حُرماتِ الله وعصيتماه، واستهدفتما لعقابه، هذا وما أشبهه من الكلام، ثم نَسخ الله الحبس والأذى بِرَجْم الثيِّبين وجلد البِكرين (٧).

стр. 3370

أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد السراج (١) ﵀، أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسن الكارزي (٢)، أخبرنا علي بن عبد العزيز (٣)، أخبرنا أبو عُبَيد، حدثنا حجاج بن محمد (٤)، عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء (٥)، عن عطاء الخراساني (٦)، عن ابن عباس في هذه الآية قال: نسخها قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ الآية [النور: ٢] (٧). قال أبو عبيد: وحدثنا عبد الله بن صالح (٨)، عن معاوية بن صالح (٩)،

стр. 3371

عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية، وفي قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ قال: كانت المرأة إذا زنت حُبست في البيت حتى تموت، وكان الرجل إذا زنا أوذي بالتعيير (١)، والضرب بالنّعال، فنزلت: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، قال: وإن كانا محصنين رجما بسنة رسول الله ﷺ قال: فهو سبيلهما الذي جعله الله لهما يعني: قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٢). قال أبو عبيد: حدثنا أبو النضر (٣)، عن شعبة (٤)، عن قتادة، عن الحسن (٥)، عن حِطَّان بن عبد الله الرقاشي (٦)، عن عُبادة بن

стр. 3372

الصامت (١)، قال: قال رسول الله ﷺ : "خُذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البِكر يُجلد ويُنفى، والثيّب يُجلد ويُرجم" (٢). وخص النساء بالذكر في هذه الآية، والحد في الزنا على النساء والرجال واحد؛ لأن المرأة أحرص على الزنا من الرجل، فخصها بالذكر، كما قدم اسمها في آية الزنا، وهو قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ (٣) [النور: ٢]. وقدم اسم الرجل في آية السرقة في قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] من حيث كان الرجل أحرص على السرقة من المرأة (٤). قال المفسرون: بعض الآية منسوخ، وهو الإمساك في البيوت، وبعضها ثابت، وهو استشهاد الأربعة (٥). واقترن بناسخ الوحي (٦) وحيٌ غير

стр. 3373

متلوّ على لسان الرسول وهو التغريب والرجم (١). وجلد الثيب منسوخ أيضًا، فعله رسول الله ﷺ ، ثم تركه (٢). ١٦ - قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾. قرأ ابن كثير (٣): (اللَّذَانّ)، (هَذَانّ)، (هاتَينّ)، (فَذَانِّك) مشددة النون، ووافقه أبو عمرو في: (فَذَانِّك). وإنما شدد نون التثنية لأنه جعل التشديد عِوضًا من الحذف الذي لحق الكلمة، ألا ترى أن قولهم: إذًا قد حذف لامها، وقد حذفت الياء من: (اللَّذَانِّ) في التثنية. فإن قلت: إنّ الحذف في: (اللَّذَانّ)، إنما هو لالتقاء الساكنين، وما حذف لالتقاء الساكنين فهو في تقدير الثبات بدلالة قوله: ولا ذاكر الله إلا قليلًا (٤) ألا ترى أنه نصب مع الحذف كما ينصب مع الإثبات؟ قيل: إن المحذوف (٥) في (اللَّذانّ) لمّا لم يظهر في التثنية التي كان يلزم أن يثبت فيها ويتحرك، أشبه ما حُذف حذفًا، لغير التقاء الساكنين، فاقتضى العوض،

стр. 3374

وكذلك القول في: (هذان) التشديد فيه عوض من المحذوف عنه في التثنية وكان حقهما في التثنية: اللّذيان وهذيان. واتفقت هذه الأسماء من (اللذان وهذان) في هذا التعويض، كما اتفقتا في التحقير في فتح الأوائل منهما، مع ضمها في غيرهما، وفي إلحاق الألف أواخرها (١)، وذلك نحو: اللذيّا، واللتيّا، وهاتيّا، وهاذيّا (٢). فأما تخصيص أبي عمرو التعويض في المُبهمة ألزم (٣)، فبحسب لزومها الحذف ألزمها العوض، ألا ترى أن اللذين (٤) إذا قلت: اللذيّا، فحقّرت أظهرت اللام المحذوفة في التثنية في التحقير، وإذا حقّرت المُبهمة (٥) قلت: ذيّا (٦)، فالحذف قائم؛ لأنه كان ينبغي: ذَييّا (٧)، الياء الأولى عين الفعل، والثانية للتحقير، والثالثة لام الفعل، فُحذفت التي هي عين الفعل، ولم يجُز أنْ تحذف التي هي لام، لأنك لو حذفتها لتحركت ياء التحقير لمجاورتها الألف، وهذه الياء لا تُحّرك أبدًا، فلما لم يُتَم المُبهم في التحقير لمجاورتها الألف، وأُتِم الموصول، خص المبهم بالعوض دون الموصول. فإن قيل: هلا وجب العوض من المنقوص في التثنية نحو: دم، ويد، وغد؟

стр. 3375

قيل: هذا لا يلزم، ألا تري أنهم عوضوا في: أسطاع، وأهراق، ولم يعوضوا في: أجاد، وأقام، ونحو ذلك. وأيضًا فإن الحذف لَمَّا لم يلزم هذه الأساء المتمكنة كان الحذف كلا حذف، ألا ترى أنّ منه ما يتم في الواحد نحو: إن مع اليوم أخاه غدوًا (١) ومنه ما يتم في التثنية نحو: يديان بيضاوان (٢). ونحو: جرى الدميان بالخبر اليقين (٣) وفي الجمع نحو: أيد، ودماء، وفي التحقير نحو: دُميّ، ويُديّة، وليست المبهمة كذلك. ويمكن أن يكون أبو عمرو قَدّر (ذَانِّك) تثنية ذلك، فعوض الحرف في التثنية من الحرف الزائد الذي كان في الإفراد، والأول أشبه (٤).

стр. 3376

وقوله تعالى: ﴿يَأْتِيَانِهَا﴾ أي الفاحشة (١). قال المفسرون: هذا في البِكرين يزنيان (٢). وقوله تعالى: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ قال عطاء وقتادة والسدي: يعني التَّعيير باللسان والتوبيخ، كما ذكرنا (٣). وقال ابن عباس: يؤذيان بالتعبير ويضربان بالنعال (٤). ﴿فَإِنْ تَابَا﴾ من الفاحشة، ﴿وَأَصْلَحَا﴾ العمل فيما بعد، فاتركوا أذاهما (٥). وقد ذكرنا حكم هذه الآية في الآية التي قبلها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٦]. معنى التَّواب أنه يعود على عبده بفضله ومغفرته إذا تاب إليه من ذنبه (٦). وذكرنا قول سيبويه والخليل في مثل قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وما أشبه هذا.

стр. 3377

وكان أبو عبيدة يتأول في كان معنيين: المُضِيّ والاستقبال، وينشد قول جرير: فأدركت من قَد كان قبلي ولم أَدَع ... لمَن كان بَعدي في القصائدِ مَصْنَعَا (١) وقال ابن الأنباري: معنى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ وأشباه هذا: وكان الله أبدًا ولم يزل كذلك، وصَلحَ وضعُ الماضي في موضع الدائم؛ لأن المعنى كان مفهومًا غير مُلبِس، كقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّة﴾ [الأعراف: ٤٤]، وهو يريد: ويُنادي؛ لأن المعنى مفهوم، وإنما (عبرنا للماضي) (٢)؛ لأن الذي هو في علم الله كونه لا بد من وقوعه، فكأنه قد وقع، ولا يجوز: قام عبد الله، بمعنى: يقوم لأنه يُشكل. وذهب المبرد وابن قتيبة إلى أن (كان) في مثل هذا صلة في جميع القرآن (٣)، وأنشد المبرد: فكيف إذا مررتُ بدارِ قوم (٤) ... وجيرانٍ لَنا كانوا كِرام (٥) فألغى كان. قال ابن الأنباري: ولا وجه لهذا عندي؛ لأنه لا يُلغى (٦) الكونُ وهو عامل، والكون في البيت الذي أنشده المبرد غير عامل.

стр. 3378

١٧ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾. قال الحسن: يعني: التوبة التي يقبلها الله (١)، فتكون (على) بمعنى عند. وقال أهل المعاني: إن الله تعالى وعَد قبول التوبة من المؤمنين في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ الآية [الأنعام: ٥٤]، وإذا وعد الله تعالى شيئًا صدّق ميعاده ولم يجز الخلف فيه، فمعنى (على الله) أنه أوجب ذلك على نفسه بفضله (٢). وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾. اتفقوا على أنه لم يُرِد بالجهالة ههنا أنهم يجهلون أنها ذنوب ومعاصي (٣)؛ لأن من عمل ذنبًا وهو لا يعلم أنه ذنب لم يستحق عقابًا؛ لأن الخطأ مرفوع عن هذه الأمة. قال الكلبي: لم يَجهل أنه ذنب، ولكنه جهل عقوبته (٤)، ومثل هذا قال الفراء (٥). وهذا لا يصح؛ لأنه يوجب أن من علم عقوبته وكان عالمًا بالتهديد فيه وكنه العقوبة لم تكن له توبة. والصحيح في هذا ما قال المفسرون أن المعاصي كلها جهالة، ومن

стр. 3379

عصى ربه فهو جاهل (١)، يدل عليه قوله إخبارًا عن يوسف: ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]، أي من العاصين (٢). قال ابن عباس في هذه الآية: يريد أن ذنب المؤمن بجهل (٣) منه (٤). وقال الزجاج: معنى الجهالة ههنا، أنهم في اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية جُهّال (٥). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. قال ابن عباس: يريد ولو قبل موته بفواق (٦)، وهو قول أبي موسى الأشعري (٧) (٨).

стр. 3380

وقال عكرمة وابن زيد: ما قبل الموت فهو قريب (١)، وكذلك قال الزجاج، أي: يتوبون قبل الموت؛ لأن ما بين الإنسان والموت قريب، فالتوبة مقبولة قبل اليقين بالموت (٢). وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. قال ابن عباس: يريد علم ما في قلوب المؤمنين من التصديق واليقين فحكم لهم بالتوبة قبل الموت بقدر فَوَاق ناقة (٣). ١٨ - قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية. تعلقت الوعيدية (٤) بهذه الآية، وقالت: أخبر الله تعالى أن عصاةَ أهل الصلاة إذا أهملوا أمرهم إلى انقضاء آجالهم حصلوا على عذاب الآخرة مع الكفار؛ لأنه جمعهم في قوله: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٥). والجواب: ليس الأمر على ما زعمتم، فقد قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ يريد الشرك (٦).

стр. 3381

وقال عكرمة عنه في هذه الآية: هم أهل الشرك (١). أخبرناه أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا محمد بن الحسن الكارزي، أخبرنا على بن عبد العزيز، أخبرنا أبو عبيد (٢)، حدثنا مُحمد بن ربيعة (٣)، عن النّضر بن عمران (٤)، عن عكرمة، عن ابن عباس. وقال الربيع بن أنس: ﴿إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ هو المنافق، ألا ترى يتلوه الكافرون (٥). وقال سعيد بن جبير: نزلت الأولى في المؤمنين، يعني قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية، والوسطى في المنافقين، يعني قوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ﴾، والأخرى في الكافرين، يعني قوله: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ﴾ (٦).

стр. 3382

وإذا كانت الآية نازلة إما في الكفار أو المنافقين، على قول الصحابة والتابعين الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، فلا وجه لحملها على أهل الصلاة. وبهذا الإسناد الذي ذكرنا عن أبي عبيد قال: حدثنا ابن صالح , -يعني: عبد الله-، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ قال: ثم أنزل الله بعد ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فحرم الله المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجى أهل التوحيد إلى مشيئته، ولم يُؤيسهم من المغفرة (١). فإن قيل: هذا على ما رَوَيتم نسخٌ للأول، ونسخ الخبر لا يجوز. قلنا: لا نَدعي (٢) النسخ، ولفظ النسخ لم يُنقل عن ابن عباس، ولكن الآية الأولى اقتضت العموم بظاهرها، فلما نزلت الآية الثانية علمنا أن المراد بالأولى غير أهل التوحيد، من المنافقين والكافرين (٣). وقوله تعالى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾. الذين في موضع الخفض بالعطف على الأول (٤). ومعناه: لا توبة للكفار إذا ماتوا على كفرهم في الآخرة (٥)، وإنما لم تقبل التوبة في الآخرة لرفع التكليف ومعاينة

стр. 3383

ما وعدوا في الدنيا من الثواب والعقاب، ولهذا لم تقبل توبة المُحتَضر لمعاينة أحكام الآخرة. قال الزجاج: ولأنه تاب في وقت (لا يُمكنه التصرف (١)) فيما يُحقق التوبة (٢). وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا﴾ أي: هيأنا وأعددنا. يقال: أعتدت الشيء فهو معتد وعتيد، وقد عتد الشيء عتادة وهو عتيد حاضر. قاله الليث، قال: ومن هنالك سميت العتيدة، التي فيها طيب الرجل وأدهانه، والعتاد ما أعده الرجل من السلاح والدواب والآلة للجهاد، ويُجمع: أعْتُدَةً، وأعتُدًا. ويقال: فرس عَتِدٌ وعَتَدٌ، وهو المُعَدّ للركوب (٣). واختلفوا في هذا الحرف، فقال قوم: عَتَد، بناء على حدة وأصل بنفسه (٤) ثم تُدغم التاء في الدال فيقال: أعدّ، والعدّة إنما هي العتدة ولكن أُدغمت التاء في الدال، الذي يدل على هذا قولهم: العدان، في جمع: عتود، وأصله عتدان، فعلى هذا الأصل أعتد، وأعدّ مدغم منه. وقال آخرون بناء أَعدّ من عين ودالين؛ لأنهم يقولون: أعددنا، فيظهرون الدالين، وأنشدوا قول امرئ القيس (٥):

стр. 3384

أعددتُ للحرب صارمًا ذَكرًا ... مُجرَّب الوَقع غير ذي عَتَبِ (١) ولم يقل أَعَتدْت (٢). قال الأزهري: جائز أن يكون الأصل أعددت، ثم قلبت إحدى الدالين تاء، فعلى هذا الأصل أعدّ، وأعتد مقلوب (٣) منه (٤). قال الأزهري: وجائز أن يكون عتد بناء على حدة، وأعدّ بناء مضاعفًا، وهذا هو الأصوب عندي (٥). ١٩ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الآية. قال المفسرون: كان الرجل في الجاهلية (٦) إذا مات جاء ابنه من غيرها أو قريبه من عصبته فألقى ثوبه على المرأة، فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء تزوجها بغير صَداق، إلا الصَّداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوَّجها غيره وأخذ صَداقها، ولم يُعطِها منه شيئًا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأعلم أن ذلك حرام، وأن الرجل لا يرث المرأة من الميت (٧).

стр. 3385

وقال بعضهم: الوراثة تعود إلى المال، وذلك أن وارث الميت كان له أن يمنعها من الأزواج إلى أن تموت فيرثها ما ورثت من الميت، فقال الله تعالى: لا يحل لكم أن ترثوهن أموالهن وهن كارهات (١). وقوله تعالى: ﴿كَرْهًا﴾ قرئ بفتح الكاف وضمها (٢)، وهما لغتان، كالفَقْر والفُقر، والضَّعف والضعف، والشَّهد والشُّهد (٣). قال أحمد بن يحيى (٤): ولا أعلم بين الأحرف التي ضمها (بعض القراء (٥)) وفتحها بعضهم من: الكَره والكُره فرقًا في العربية، ولا في سُنَّة تُتّبع، ولا أرى الناس اتفقوا على الحرف الذي في سورة البقرة خاصة، وهو قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، إلا أنه اسم وبقية القرآن مصادر (٦).

стр. 3386

قال الأزهري: وقد أجمع كثير من أهل اللغة أن الكَره والكُره لغتان، فبأي لغة قرئ فجائز، إلا الفراء (١). وقد ذكرنا قوله في سورة البقرة (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ ذكرنا معنى العضل في سورة البقرة (٣). قال ابن عباس وقتادة والسدي والضحاك: المَنهيّ عن العضل ههنا الأزواج، فهو أن يُمسكوهن إذا لم يكن لهم فيهن حاجة إضرارًا بهن حتى يَفتدين ببعض مُهورهن (٤). وهذا القول اختيار الزجاج، قال: هؤلاء المُخاطَبون غير أولئك. وكان الرجل منهم إذا تزوج امرأة ولم تكن من حاجته حبسها لتفتدي منه، فأَعلمَ الله أنّ ذلك لا يَحلّ (٥). وقوله تعالى: ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾ يَصلح أن يكون نصبًا وجزمًا (٦). أما النصب على أن المعنى: لا يحلّ لكم أن ترثوا النساء ولا أن تعضلوهن (٧)،

стр. 3387

قال الفراء: وكذا هو في قراءة عبد الله (١). وأما الجَزْم فعلى النهي (٢). قال الأزهري (٣): العَضل في هذه الآية من الزوج لامرأته، وهو أن يُضارّها ولا يُحسن معاشرتها، ليضطرها بذلك إلى الافتداء منه بمهرها الذي أمهرها، سماه الله عَضلاً؛ لأنه يمنعها حقها من النفقة وحسن العشرة، كما أن الولي إذا منع أَيِّمه (٤) من التزويج فقد منعها (الحق الذي يجب لها عليه) (٥) (٦). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال ابن عباس في رواية عطاء، والحسن وأبو قلابة (٧) والسدي: الفاحشة ههنا الزنا (٨).

стр. 3388

وهو اختيار الزجاج (١). وقال ابن مسعود وقتادة والضحاك: هي النشوز (٢). ثم اختلفوا في حُكم الآية؛ فقال الأكثرون: إذا زنت امرأة تحتَ رجُلٍ، أو نَشزَت عليه، حلّ له أن يَسْأَلها الخُلع، وأن يُضارَّها ويُسيء معاشرتها لتفتدي منه بالمهر. قال أبو قلابة: إذا رأى الرجل من امرأته فاحشةً فلا بأس أنْ يضارّها حتى تَخَتلِع منه (٣). قال الأزهري: فجعل الله اللواتي يأتين الفاحشة مُستَثنيات من جُملة النساء اللواتي نهى الله أزواجهن عن عضلهن ليذهبوا ببعض ما آتوهن من الصداق (٤). وذهب بعضهم إلى أن هذا كان يجوز ثم نُسخ. قال عطاء الخراساني: كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشةً أَخذ منها ما ساق إليها وأخرجها (٥)، فنَسخ ذلك الحدود (٦). وهذا الاختلاف على قول من يجعل الفاحشة الزنا، ومن جعلها النشوز فلا نَسخ عنده، وللزوج إذا نَشزت المرأة أن يُسيء (٧) عِشرتها لترغب في الفدية.

стр. 3389

واختلف (١) القراء في المبيّنة والمبيّنات، فقرئت بفتح الياء وكسرها (٢). قال سيبويه: يقال: أبان الأمر وأبنته واستبان، واستبنته، وبيّن وبيّنته (٣)، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم. فمن فتح الياء فالمعنى عنده: يُبيَّن فحشها فهي مبينة، ومن كسر فحجته ما جاء في التفسير: فاحشة ظاهرة، فظاهرة حجة لمبيِّنة (٤). ثم قال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال ابن عباس: يريد احْجبها بما يَجِب لها عليك من الحق (٥). وقال الزجاج: هو النُّصفة في المبيت والنفقة، والإجمال في القول (٦). وهذا قبل أن يأتين بالفاحشة. وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]. قال ابن عباس (٧): يريد فيما كرهتم مما هو لله رضا. ﴿خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٨) يريد ثوابًا عظيمًا (٩).

стр. 3390

قال المفسرون: الخير الكثير في المرأة المكروهة أن يرزقه الله منها ولدًا صالحًا ويعطفه عليه (١). وقوله تعالى: ﴿فِيهِ﴾ الكناية تعود إلى قوله: ﴿شَيْئًا﴾، ويجوز أن تعود إلى الكراههَ والكُره؛ لأن الفعل يدل على المصدر (٢). ٢٠ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ الآية. قال المفسرون: لما ذكر الله تعالى في الآية الأولى مُضارّة الزوجات إذا أتين بفاحشة، بَيّن في هذه الآية تحريم المضُارة في غير حال الفاحشة، ونهى عن بَخس (٣) حقَّها من المهر إذا أراد الرجل طلاقها وأن يتزوج غيرها، فليس المهر للمرأة موقوفًا على التمسك بها، حتى إذا أراد الاستبدال جاز له أخذه، بل هو تَمليكٌ صحيح لا يجوز الرجوع فيه (٤). وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾. فيه دليل على جواز المُغالاة في المهر (٥)، فقد رُوي أنّ عمر ﵁ قال على المنبر: ألا لا تُغالوا في مُهور نسائكم. فقامت امرأة وقالت: يا ابنَ الخطاب: الله يُعطينا وأنت تمنع، وتلت هذه الآية، فقال عمر: كُلّ الناس أفقه من عمر، ورجع عن

стр. 3391

كراهة المُغالاة (١). وقوله تعالى: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا﴾. البهتان في اللغة الكذب الذي يواجه به صاحبه على جهة المُكابرة له، وأصله من قولهم: بُهِت الرجل، إذا تحيّر، فالبهتان كذب يُحيِّر الإنسان لعِظَمه، ثم جُعل كل باطل يتحيّر من بطلانه بهتانًا، وهو اسم من البَهت، يقال: بَهَته، أي (٢): استقبله بأمر يقذفه به وهو منه بريء (٣)، ومنه الحديث: إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بهته (٤). قال الزجاج: البهتان ههنا مصدر وضع موضع الحال، المعنى: أتأخذونه مباهتين وآثمين (٥). وقال ابن عباس في هذه الآية: يريد أن أخذك إياه بعدما دخلت بها بهتان وإثم عظيم (٦). وفُسر البهتان في هذه الآية بالظلم (٧).

стр. 3392

٢١ - وقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾. استفهام معناه التوبيخ والتعظيم لأخذ المهر بغير حِلّه (١). ومضت نظائره والكلام (٢). وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾. الإفضاء في اللغة معناه الوصول، يقال: أفضى إليه، أي: وَصل إليه بالملابسة معه قال الشاعر: بِلًى (٣) وَثأًى أَفضَى إلى كُل كُثْبَةٍ (٤) ... بَدا سَيرُها مِن ظَاهِرٍ بعد ظَاهِرِ (٥) أي: البلى والفساد وصل إلى الخرز (٦). وأصله من الفضاء، الذي هو السعة، يقال: فَضا يفضو، فُضُوّا وفَضاءً، إذا اتسع. والفاضي المكان الواسع. فالإفضاء الوصول باتساع المذهب (٧).

стр. 3393

وقال ابن المظفر: أفضى فلان إلى فلان، أي: وصل إليه. وأصله أنه صار في فُرجته وفَضائه (١). وللمفسرين في الإفضاء في هذه الآية قولان: أحدهما: أن الإفضاء ههنا كناية عن الجماع. قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ يريد الجماع (٢). وهو قول مجاهد والسدي (٣)، واختيار الزجاج (٤)، وابن قتيبة (٥)، ومذهب الشافعي؛ لأن عنده للزوج أن يرجع في نصف المهر إذا طلق قبل المسيس وإن خلا بها (٦). القول الثاني: أن الإفضاء أن يخلو بها وإن لم يُجامعها.

стр. 3394

وهذا القول اختيار الفراء في الإفضاء (١)، ومذهب أبي حنيفة (٢)؛ لأن الخلوة عنده تمنع من الرجوع في شيء من المهر بالطلاق (٣). واللغة تحتمل المذهبين، روى ثعلب، عن ابن الأعرابي: أفضى الرجل: دخل على أهله، وأفضى: إذا جامعها (٤). قال (٥): والإفضاء في الحقيقة الانتهاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى﴾ أي: انتهى وأوى (٦). وابن عباس والأكثرون على القول الأول (٧). وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١]. قال الحسن وابن سيرين (٨) والضحاك وقتادة والسدي وعكرمة والفراء: هو قولهم عند العقد: زَوجتُكها على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك

стр. 3395

بمعروف أو تسريح بإحسان (١). قال الزجاج: التسريح بإحسان لا يكون بأن يأخذ مهرها، هذا تسريح بإساءة لا تسريح بإحسان (٢). وقال مجاهد وابن زيد: الميثاق الغليظ كلمة النكاح التي يُستحل بها فروج النساء (٣)، وهو قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: الميثاق الغليظ: يريد الشهادة والخُطبة التي فيها ذكر الله والصلاة على النبي ﷺ والنكاح (٤). وقد قال النبي ﷺ : "اتقوا الله في النساء، فإنكم (أخذتموهن بأمان) (٥) الله، واستحللتم فُروجهن بكلمة الله" (٦). والصحيح أن هذه الآية

стр. 3396

غير ناسخة لجواز الخُلع (١)، وأن للزوج أن يأخذ من المُختلعة (٢)؛ (لأن النشوز منها، فهو في حكم المُكره، لا المريد للاستبدال (٣). وذهب بكر بن عبد الله (٤) إلى أنه ليس للزوج أن يأخذ من المُختلعة (٥)) شيئًا بظاهر هذه الآية (٦). ٢٢ - وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ الآية. قال ابن عباس وجميع المفسرين: كانت العرب يتزوج الرجل منهم امرأة أبيه من بعده التي ليست بأمه، وكان نكاحًا جائزًا في العرب، فنهى الله عنه وحرمه (٧).

стр. 3397

فقوله: ﴿مَا نَكَحَ﴾ يحتمل أن تكون (ما) بمعنى: مَن، فيكون المعنى: ولا تنكحوا مَن نكح. ويحتمل أن تكون (ما) بمعنى المصدر، فيكون المعنى: ولا تنكحوا نكاح آبائكم، أي: كنكاح آبائكم، يعني: أن آبائهم كانوا ينكحون أزواج آبائهم، فنهاهم الله أن يكون نكاحهم كنكاح آبائهم، فيكون في التقدير الأول النهي عن التزوج بمنكوحات الآباء، وفي التقدير الثاني النهي عن أن يكون نكاحهم كنكاح آبائهم في البطلان والفساد (١). وقوله تعالى: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ عام في الحرائر والإماء، أما الحرة فتحرم بنفس العقد (٢)، دخل بها الأب أو لم يدخل (٣)؛ لإطلاق النهي عن نكاحها من غير تقييد، والأمَة يحرم نكاحها بوطء الأب (٤). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. سلف في اللغة معناه: تقدم ومضى، يقال: سَلَف يَسلُف سُلُوفا (٥) فهو سَالِف. وكل مال قدمته في ثمن سلعة اشتريتها بصفة معلومة فهو سَلَفٌ وسَلَم (٦).

стр. 3398

ويقال: سَلَفَ له عمل صالح، أي: تقدم، والسلف أيضًا من تقدم من آبائك وذوي قرابتك. ومنه قول طفيل (١): مضوا سلفًا قصدُ السَّبيلِ عليهمُ ... وصرفُ المنايا بالرجالِ تَقَلَّبُ (٢) أراد أنهم تقدمونا، وقصد سبيلنا عليهم (٣). واختلفوا في هذا الاستثناء بعد إجماعهم على أن هذا ليس بمُخرِجٍ من التحريم؛ لأنه لو كان استثناءً مُخرِجًا من التحريم لوجب أن يُقرّ ما قد مضى منه في النكاح قبل نزول الآية إذ كانوا أحياء (٤)، وأكثرهم على أنه استثناء منقطع؛ على معنى: لكن ما قد سلف فإن الله قد تجاوز عنه (٥). وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٦)، والكلبي (٧)، وأبي عبيدة (٨)،

стр. 3399

وقُطْرُب (١) (٢)، وابن الأنباري (٣)، إلا أن بعض هؤلاء قالوا: لكن ما قد سلف فدعوه واجتنبوه (٤). وقد ذكرنا معنى الاستثناء المنقطع عند قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]. وقال المفضل: إلا ههنا بمعنى بَعْد، يعني: بعدما قد سلف فإن ذلك معفو عنه (٥). وهذا اختيار الحسن بن يحيى الجرجاني، واحتج بقول الله : ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]، أي: بعد الموتة الأولى؛ لأن أحدًا لا يدخل الجنة إلا بعد أن يذوق الموت (٦). وقال الأخفش: في الآية محذوف استثني هذا عنه (٧)، كأنه قيل: لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء؛ فإنكم تؤاخذون به إلا ما قد سلف، أي: فليس عليكم جناح فيما مضى قبل التحريم، وحُذفت المؤاخذة؛ لأن النهي يدل عليه (٨).

стр. 3400

وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾. الكناية تعود إلى النكاح، أي: ذلك النكاح، والفعل دلّ على المصدر (١). والمقت أشد البُغض (٢)، مَقَته يمقُته مقتًا، فهو ممقوت ومقيت (٣). وفي هذا قولان: أحدهما: أن هذا إخبار عما كان في الجاهلية، أُعلِمُوا أن هذا الذي حُرّم عليهم لم يزل مُنكرًا في قلوبهم، ممقوتًا عندهم، وكانت العرب تقول لولد الرجل من امرأة أبيه مقيت ومقتي (٤)، والمقت عندهم بُغضٌ عن أمر قبيح ركبهُ صاحبه. وهذا الوجه اختيار الزجاج (٥)، وابن الأنباري، قال أبو بكر: يريد أنهم لم يزالوا يستسمجونه (٦)، وإن أتوه، ويسمونه المَقت؛ لبغضهم إياه فخبّر الله بكان عما مضى من شنآنهم له قبل الإسلام الذي حَظَره. القول الثاني: أن المعنى: أنه فاحشة في الإسلام، أي: زنًا ومقت من الله لمن فعله (٧).
следующие страницы →