← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

وهو قوله: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦]، فوصف المكان بالكريم، فكذلك يكون قوله: ﴿مُدْخَلًا﴾ يراد به المكان مثل المقام. ويجوز أن يكون المراد به الدخول أو الإدخال؛ فإن (١) كان قد وصف بالكريم، ويكون المعنى: دخولًا تكرمون فيه، خلاف من قيل فيهم: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: ٣٤] الآية (٢). ومعنى الكريم: الشريف الفاضل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ١٣] أي أفضلكم، وقال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] أي شرفناهم وفضلناهم، ومنه قوله: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] أي فضلت. وزدنا بيانًا لمعنى الكريم في سورة الأنفال، عند قوله: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤]. ٣٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. التمني في اللغة: تقدير ما يحب على جهة الاستمتاع به. وقد مضى القول فيه عند قوله: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]. قال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله: يغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث، فليتنا كنا رجالًا، فجاهدنا وغزونا، وكان لنا مثل أجر الرجال. فنزلت هذه الآية (٣).

стр. 3467

وهذا قول أكثر المفسرين. قالوا: وفي هذه الآية: أن يتمنى أحد مال غيره ومنزل غيره، فإن ذلك هو الحسد. وقد جاء: لا يتمنين أحدكم مال أخيه، ولكن ليقل: اللهم ارزقني، اللهم أعطني مثله (١). وهذا النهي نهي تحريم عند أكثر العلماء. وليس لأحد أن يقول: ليت مال فلان لي، وانما يجوز أن يقول: ليت مثله لي (٢). وقال الفراء: هذا نهي أدب وتنزيه، دون تحريم (٣). والصحيح هو الأول؛ لأنه لا يُعدل بصيغة النهي عن معناه إلا بقرينة. وقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾. قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ يريد الجهاد، وما لا يصلح للنساء. ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ يريد حفظ فروجهن، وطاعة (زوجهن) (٤)، وحفظه إذا غاب، وترقع وتصنع في بيتها، نظرًا منها لزوجها مثل العجين والطبيخ وما يصلح في معايشه، ولها في ذلك ثواب عظيم (٥). فالنصيب على هذا معناه الثواب، أي لكل واحد من الفريقين حظ من الثواب.

стр. 3468

وقال قتادة ومقاتل والسدي: قالت الرجال: إنا لنرجو أن نُفَضَّل على النساء بحسناتنا في الآخرة، كما فُضِّلنا عليهن في الميراث، فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء. وقالت النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة، كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا. فأنزل الله : ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ من الثواب والعقاب ﴿وَلِلنِّسَاءِ﴾ كذلك (١). فسوى بين الفريقين في الثواب والعقاب، واستحقاقهم إياهما بالاكتساب. ولأصحاب المعاني في هذا وجه آخر: يقول: لكل فريق من الرجال والنساء نصيب مما اكتسب من نعيم الدنيا، فينبغي أن يقنع به رضًى بما قسم الله له، ولا يتمنى مال غيره. وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾. أي إن احتجتم إلى ما لغيركم (وأجبكم) (٢) أن يكون لكم مثل ما له فاسألوا الله أن يعطيكم مثل ذلك من فضله (٣). وقال رسول الله ﷺ : "سلوا الله من فضله، فإنه يحب أن يُسأل" (٤).

стр. 3469

قال أبو علي: (من) في قوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ في موضع المفعول الثاني في قول أبي الحسن، ويكون المفعول الثاني محذوفًا في قياس قول سيبويه، والصفة قائمة مقامه (١)؛ كأنه قيل: واسألوا الله نعمه وفضله. ٣٣ - وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الآية. أراد: ولكل واحد من الرجال والنساء، جعلنا موالي. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: أي عصبة (٢). وقال السدي: أي ورثة (٣). ومضى الكلام في المولى، واشتقاقه في اللغة. وقوله تعالى: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن (من) في قوله (مما) متعلق بمحذوف، ذلك المحذوف من صفة المولى، كأنه قيل: لكل جعلنا ورثة يرثون، أو يُعطَون مما ترك والداه وأقربوه من ميراثهم له. والوالدان والأقربون على هذا هم الذين ماتوا وورثهم المعني بقوله. ﴿وَلِكُلٍّ﴾، والألف واللام في الوالدان والأقربون بدل عن الكناية، كأنه قيل: مما ترك والداه وأقربوه، كقوله: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١] أي مأواه.

стр. 3470

الثاني: أن قوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ في صفة (موالي) (١)، أي: موالي ممن تركهم وخلّفهم الميت، ثم فسر الموالي فقال: ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ أي هم هؤلاء. و (ما) على هذا القول بمنزلة (مَن)، والوالدان والأقربون هم الوارثون. وعلى هذا القول يحتمل أن يكون المعنى: ولكل شخص جعلنا ورثةً ممن تركهم والداه وأقربوه، أي: تشعبت العصبة والورثة عن الوالدين والأقربين (٢). والوالدان والأقربون (٣) مرتفعة بالفعل الذي هو الترك. وعلى القولين اللذين ذكرنا يجوز أن يُعنى بقوله: (ولكل) المال والميراث فيكون المعنى على القول الأول: ولكل مال وميراث مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي، أي عصبة وورثة يرثونه، وعلى هذا يكون قد فصل بين الصفة والموصوف بقوله: ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾. وعلى القول الثاني يكون المعنى: ولكل مال مما ترك الميت جعلنا ورثة، ثم ابتدأ (فقال) (٤): ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ أي هم هؤلاء، وقوله تعالى: ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ فاصل أيضًا، وجملة هذا أنك إذا فسرت الكل بالشخص كان (من) في قوله (مما) متعلقًا بمحذوف، أو صفة لموالي، وإن (فسرته) بالمال كان في صفة (لكل)، مفصولًا بينه وبين الموصوف بقوله: ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾، فتدبّره تفهم إن شاء الله.

стр. 3471

وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. هم الحلفاء (١) في قول الجميع (٢). ويجوز أن يُعطف على: ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (٣) فيكون حكم الحُلفاء كحكم الوالدين والأقربين، في كونهم وارثين أو موروثين، على ما بينّا. وقوله تعالى: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. الكناية تعود إما إلى الموالي، أو إلى الوالدان والأقربون والحلفاء إذا جعلناهم وارثين، إلا أن المفسرين يحملون قوله: ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ على الابتداء، ولا يعطفونه (٤) على ما قبله. قالوا: وكان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل، ويقول له: دمي دمك، ويرثني وارثك، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسِلمي سِلمك فلما قام الإسلام جعل للحليف السدس (٥). واختلف القراء في قوله: ﴿عَاقَدَت﴾، فقرأ أهل الكوفة (عَقَدَتْ) (٦) بالتخفيف من غير ألف.

стр. 3472

والباقون (عَاقَدَت) بالألف (١). وهذا أشبه بهذا المعنى؛ لأن لكل نفر من المعاقدين يمينًا على المُخالفة (٢)، وجعل الأيمان في اللفظ هي المعاقدة، والمعنى على الحالفين الذين هم أصحاب الأيمان، فالمعنى: والذين عاقدت حلفهم أيمانُكم. حذف الذكر للعائد (٣) من الصلة إلى الموصول. وهؤلاء الذين قرأوا في المفاعلة حملوا الكلام على المعنى، حيث كان من كل واحد من الفريقين يمين. ومن قرأ (عَقَدَتْ) كان المعنى: عقدت حلفَهم أيمانكم، كالأول، إلا أنهم حملوا على لفظ الأيمان، لأن الفعل لم يُسند إلى أصحاب الأيمان في اللفظ، إنما أُسنِد إلى الأيمان (٤). والأيمان ههنا يحتمل أن يكون جمع يمين من اليد، ويحتمل أن يكون من القَسَم، وذلك أنهم كانوا يضربون صفقة البيعة بأيمانهم ويأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد، ويتحالفون عليه أيضًا (٥). وقوله تعالى: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. أي حظهم من الميراث. عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وعامر والضحاك (٦). ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥].

стр. 3473

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد السراج، أخبرنا أبو الحسن الكارزي، أخبرنا علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء الخرساني، عن ابن عباس: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُم﴾ قال: كان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل، يقول: يرثني وارثك، نسختها ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] (١). وقال مجاهد في هذه الآية: كان حلف في الجاهلية، فأُمِروا أن يُعطوهم نصيبهم من المشورة والنصر والرفد، ولا ميراث (٢). وعلى هذا لا يكون في الآية نَسخٌ لقوله : ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ولما رُوي أنه ﷺ قال يوم فتح مكة: "ما كان من حِلف في الجاهلية فتمسّكوا به؛ فإنه لم يزده الإسلام إلا شِدّة. ولا تُحدثوا حلفًا في الإسلام" (٣)، وقال ﷺ : "شهدت حلف المطيبين (٤) وأنا غلام مع عمومتي،

стр. 3474

فما أحب أن لي حُمر النَّعم وأني أنكثُه" (١). وقال سعيد بن المسيب في هذه الآية: إنما أنزل الله ذلك في الذين كانوا يتبنّون أبناء غيرهم وُيوَرِّثونهم، فأنزل الله فيهم أن يُجعل لهم نصيب من الوصية، ورد الميراث إلى الموالي من ذوي الرحم والعصبة، وأبى الله أن يجعل للمدّعَين (٢) ميراثًا ممن (٣) ادعاهم، ولكن جعل لهم نصيبًا من الوصية مكان ما تعاقدوا عليه في الميراث الذي رد عليهم فيه أمرهم (٤). وبمثل هذا قال الحسن (٥)، واختار (٦) ابن كيسان، فقال في قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: هم (٧) الأدعياء، وكان لهم ميراث الأولاد، فلما نزلت المواريث لم يذكروا فيها، فأوصى الله بهم (٨). فقد حصل في قوله: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ ثلاثة أقوال، الأول: من الميراث، ثم نُسخ. والثاني: من النصر، والثالث: من الوصية، ولم ينسخ على هذين.

стр. 3475

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾. قال عطاء: يريد: لم يغب عنه علم ما خلق وبرأ (١). ٣٤ - قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾. قال المفسرون: لطم رجل امرأته فجاءت إلى النبي ﷺ تطلب القصاص فنزلت هذه الآية (٢). ومعنى ﴿قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾: متسلطون (٣) على تأديبهن والأخذ فوق أيديهن (٤). قال ابن عباس: يعني أمِّروا عليهن، فعلى المرأة أن تطيع زوجها في طاعة الله (٥). والقوّام المبالغ في القيام، يقال: هذا قَيِّم المرأة وقوّامها، الذي يقوم بأمرها ويحفظها (٦). أنشد الزجاج: الله بيني وبين قيِّمها ... يفرّ مني بِهَا وأتَّبِعُ (٧)

стр. 3476

قالوا: وليس بين الزوج والمرأة قصاص إلا في النفس والجرح. وقال الزهري: لا قصاص بينهما إلا في النفس، فأما في الجِراحة فالدية ولا قِصاص (١). وكان النبي ﷺ أوجب القصاص على الزوج باللّطْم، فلما نزلت هذه قال: "أردنا أمرًا وأراد الله أمرًا، والذي أراد الله خير" ورفع القصاص (٢). وقوله تعالى: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. قال ابن عباس: يريد الله بما فضل الله الرجال على النساء (٣). قالوا: بالعقل والعلم والعزم والقوة في التصرف والجهاد والشهادة والميراث (٤).

стр. 3477

وقوله تعالى: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾. يريد المهور والإنفاق عليهن، فالرجل له الفضل على امرأته بما ساق إليها من المهر وبما أنفق عليها من ماله (١). وقوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾. قال المفسرون: مطيعات لأزواجهن (٢). وأصل القنوت دوام الطاعة (٣). وقال الزجاج: قيمات بحقوق أزواجهن (٤). وظاهر هذا إخبار، وتأويله الأمر لها بأن تكون طائعة (٥). ولا تكون المرأة صالحة إلا إذا كانت مُطيعةً لزوجها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ أي: الصالحات من اللواتي يُطِعن أزواجهن. والقنوت لفظ الطاعة. وهو عام في طاعة الله، وطاعة الزوج (٦). وقوله تعالى: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾. قال ابن عباس: يعني لا تدخل منزله من يكره، ولا تُوطئ فراشه أحدًا غيره، وتحفظه في نفسها وفيما يحق له بما استودعها الله (٧). وقال قتادة وعطاء وسفيان (٨): أي حافظاتٌ لما غاب عنه أزواجهن

стр. 3478

من المال، وما يجب من ضيافة (١) نفسها له (٢). وقال أبو روق (٣): يعني يحفظن فروجهن في غيبة أزواجهن (٤). والغيب ههنا مصدر بمعنى المفعول، وهو المَغِيب عنه. وقوله تعالى: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾. قال المفسرون: أي بما حفظهن الله في إيجاب المهر والنفقة لهن، وإيصاء الزوج بهن. ومعنى هذا أن الله راعاهن في حقوقهن وأوصى بهن إلى الأزواج، فعليهن في مقابله الحفظ للغيب وطاعة الله والزوج (٥). وما في قوله: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ يحتمل أن يكون بمعنى الذي، والعائد (إليه) (٦) من الصلة محذوف، على تقدير: بما حفظ الله لهن، ويكون (ما) عبارة عما راعى الله لهن من حقوقهن. ويحتمل أن يكون (ما) غير موصول، بمعنى المصدر، أي بحفظ الله (٧)، وعلى هذا التقدير يحتمل معنيين آخرين: أحدهما: أنهن حافظات

стр. 3479

للغيب بحفظ الله إياهن، أي لا يتيسر لهن حفظ الغيب إلا بتوفيق الله، وأن يحفظهن الله حتى لا يضيعن، فيكون هذا من باب إضافة المصدر إلى المفعول (١). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾. قال ابن عباس: يريد تعلمون نشوزهن (٢). قال الفراء: وهو كالظن؛ لأن الظانّ كالشاكّ والخائف قد يرجو، فلذلك ضارع الخوف الظن والعلم، ألا ترى أنك تقول للخبر يبلغك: أما والله لقد خِفت ذاك، وأنشد: أتاني كلامٌ عن نُصيبٍ يَقولُه ... وما خِفْت يا سلَّام أنك عائِبِي (٣) كأنه قال: وما ظننت أنك عائبي (٤). ومضى الكلام في الخوف بمعنى العلم. ويحتمل أن يكون الخوف ههنا الذي هو ضد الأمن، كأنه قيل: تخافون نشوزهن لعلمكم بالأحوال المؤذية (٥) به (٦).

стр. 3480

قال محمد بن كعب (١) (٢): والنشوز ههنا معصية الزوج في قول الجميع (٣). قال عطاء: هو أن لا تتعطّر له وتمنعه من نفسها، وتتغيّر عن أشياء كانت تفعلها به وعما كان يستلذ منها (٤). وأصل النشوز الترفع على الزوج بالخلاف، من قولهم: نشز الشيء، أي ارتفع، ومنه يقال للمرتفع من الأرض نشز (٥). وقوله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾. قال الكلبي: فعظوهن بكتاب، وذكروهن اللهَ وما أمرهن به (٦). وقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. قال أبو زيد: هَجر الرجل هجرًا إذا تباعد ونأى (٧). وقال ابن المظفر: الهَجْر من الهجران وهو ترك ما يلزمك تعاهدُه (٨).

стр. 3481

قال ابن عباس وعكرمة والضحاك والسدي: المراد بالهجر ههنا أن يهجر كلامها، فلا يكلمها في المضجع (١). قال ابن عباس: الهَجر أن لا يجامعها، ويوليها ظهره على الفراش، (ولا يكلمها) (٢) (٣). وقال الشعبي ومجاهد وإبراهيم: المراد به هجر المضاجعة (٤)، يقول: فرِّقوا بينكم وبينهن في المضاجع. وهذا اختيار أبي إسحاق؛ لأنه قال في قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: أي في النوم معهن والقرب منهن، فإنهن إن كن يحببن أزواجهن شق عليهن الهجران في المضاجع، وإن كن مبغضات وافقهن ذلك، فكان ذلك دليلًا على أن النشوز منهن (٥). وروى أبو الضحى (٦) ومسروق عن ابن عباس، قال: هذا كله في

стр. 3482

المضجع، إذا هي عصت أن تضطجع معه (١). والمعنى على هذا: واللاتي تخافون نشوزهن في المضاجع فعظوهن واهجروهن واضربوهن. والمضاجع جمع المضجَع، وهو الموضع الذي يُضطجع عليه. وذكرنا ذلك فيما تقدم. وذهب الكلبي وسعيد بن جبير إلى أنّ قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ﴾ من الهجر الذي هو بمعنى القبيح من الكلام، يريد عنّفوهن وغلّظوا في القول لهن (٢). وقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. يعني ضربا غير مبرح بإجماع (٣). قال ابن عباس: أدبًا بمثل اللكزة (٤). قال القُرخي، عن علي ﵁: يعظُها بلسانه، فإنْ انتهت فلا سبيل له عليها، وإن أَبَت هَجَر مضجعًا، فإن أَبَت ضربها، فإن أبت أن تتّعظ بالضرب بُعِثَ الحكمان (٥). فللزوج أن يتلافى نشوز امرأته بما أذِنَ الله له

стр. 3483

فيه. وكان رسول الله ﷺ قال: "لا تضربوا إماءَ الله" (١). ونهى عن ضرب النساء حتى ذَئِر النساء على أزواجهن (٢)، فشكوا إلى رسول الله ﷺ ، ونزلت الآية في ضربهن (٣). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾. أي فيما يُلتَمس منهن. وقال السدي: أتينَ فُرشَكم (٤). وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾. قال ابن عباس: لا تتجنّوا عليهن العِلَل (٥). وقال عطاء: يريد ليس لك عليها سبيل في هجرها في المضجع، ولا في ضربها (٦). وقال الكلبي وسفيان بن عيينة: لا تُكلِّفوهن الحبّ لكم (٧). وقال الزجاج: لا يطلب عليهن طريق عنت (٨). وهذا جامع للأقوال

стр. 3484

كلها ٣٥ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾. قال ابن عباس: يريد علمتم (١). وذكرنا الخوف بمعنى العلم آنفًا. قال الزجاج: (خفتم) ههنا بمعنى: (أيقنتم) خطأ (٢)؛ لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم يُحتج (٣) إلى الحكمين، وإنما يُخاف الشقاق (٤). وليس الأمر على ما قال أبو إسحاق؛ فإن الخوف ههنا بمعنى العلم صحيح، وكذلك يجب أن يكون؛ لأن بعثة الحكمين إنما تكون إذا علمنا شقاقًا بينهما، ولكن لا نعلم أيهما المتعدي الظالم، فيُبعث الحكمان ليتعرفا ذلك، وقبل وقوع الشقاق ليس حاله بعثة الحكمين. فقول أبي إسحاق: (لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم يُحتج إلى الحكمين) وهم؛ لأنا نحتاج إلى الحكمين في هذه الحالة، وحيث نعلم المُشَاقّ بين الزوجين من هو لم يُحتج إلى الحكمين. ولم يفصل الزجاج بين الحالتين، والذي في الآية إذا علمنا شقاقًا بينهما، ولم نعلم من أيهما ذلك الشقاق، وكلام ابن عباس شديد (٥)

стр. 3485

والمنِكر وَاهِم. والشقاق: العداوة والخلاف، كالمشاقّة. واشتقاقه من أن المشاقين (١) كل واحد منهما في شق غير شق صاحبه (٢). والمعنى: شقاقًا بينهما، فأضيف المصدر إلى الظرف، وإضافة المصادر إلى الظروف جائزة، لحصولها فيها، كقولك: يعجبني صوم يوم عرفة، وسير الليلة المقمرة (٣). وقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ﴾. قال سعيد بن جبير والضحاك: المأمور ببعث الحكمين السلطان الذي يترافع الزوجان فيما شجر بينهما إليه (٤). والحكم بمعنى الحاكم، وهو المانع من الظلم (٥)، ومنه المثل السائر: في بيته يُؤتى الحكم (٦). قال ابن عباس: يريد من أهل الفضل (٧). يعني أن الحكم يجب أن يكون فاضلًا، يعرف ما لأحد الزوجين على

стр. 3486

الآخر، ويعرف أحكام العِشرة (١). وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِهِ﴾، و ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾. أي من أقارب هذا وأقارب تلك. قال ابن عباس: فإذا التقى الحكمان قال أحدهما للآخر: ادخل على قريبتك، فقل لها تخبرك الذي نقمت على زوجها، وقل لها: ألك فيه حاجة؟، وإلا فنحن ندخل فيما بينكما حتى يفارقك، وإن كان لك به حاجة فنحن نرده إلى ما تحبين. ويقول الآخر لصاحبه: القَ قريبَك، فقل له: ألك في أهلك حاجة؟. فيخلو حَكَمُ الرجل بصاحبه، فيقول (٢): أخبرني ما في نفسكَ، أتهواها أم لا؟ فإني لا أدري ما أقول في أمركَ، حتى أستطلع رأيكَ. فإن كان الرجل كارهًا قال: لا حاجة لي فيها، خُذ لها مني ما استطعت وفرِّق بيني وبينها. فيعرف عند ذلك أن النشوز جاء من قبله. وإن قال: إني أهواها، فأرضِها من مالي بما أرادت، ولا تفرِّق بيني وبينها، علم أنه ليس بناشز. ويخلو حكم المرأة بالمرأة، فيقول: أعلميني ما في نفسك، أتهوَين زوجكِ أم لا؟ فإني لا أدري ما أقول في أمركِ حتى أستَطلع رأيكِ فيه، فإن كانت هي الناشزة، قالت: أنشدك الله أنْ تُفرِّق بيني وبينه، أعطه ما أراد من مالى، فلا حاجة لي فيه. فإذا قالت ذلك علم أنها ناشزة. وإن لم تكن ناشزة، قالت: إني أهواه، ولكني أستزيده في نفقتي، فعِظه وحُثّه عليّ بخير، فإنه إليّ مسيء. فإذا كان النشوز من قبل المرأة أقبلا عليها، فقالا لها: يا عدو الله،

стр. 3487

أنتِ العاصية الظالمة لزوجك، المسيئة لنفسكِ، فوالله لا ينفق عليكِ أبدًا ولا يجامعك، حتى ترجعي عن فعلك وتفيئي إلى الله، فلا يأتيها زوجها ولا ينفق عليها حتى ترجع إلى الحق. وإن كان النشوز من قبل الرجل أقبلا عليه، فقالا: أنت العاصي لله المبغض لامرأتك، الظالم لنفسك، نفقتها عليك أبدًا ما دامت، ولا تدخل لها بيتًا، ولا ترى لها وجهًا، حتى تفيء إلى أمر الله وترجع عما أنت عليه. ثم يأخذانه بنفقتها ما دام على حاله حتى يرجع، فإذا رجع جَمَعَا بينه وبينها (١). وقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ﴾ بين الزوج والمرأة. فالكناية في ﴿بَيْنِهِمَا﴾ تعود على الزوجين. وأجاز بعضهم فيما حكاه ابن حبيب (٢) أن تعود الكناية على الحكمين (٣). فيكون المعنى: يوفق الله صلاحًا للزوجين بين الحكمين (٤). ومذهب عمر ﵁ أيضًا هذا، وهو أن المعني بإرادة الإصلاح الحكمان. وقد رُوي أنه بعث حكمين بين زوجين فرجعا وأخبراه أن الزوجين لم يصطلحا، فعلاهما بالدرّة وقال: لو أردتما إصلاحًا وفق الله بينهما.

стр. 3488

فرجعا وأخلصا، فإذا الزوجان قد أغلقا الباب دونهما واصطلحها (١) وهذه القصة تُقوي عود الكناية إلى الزوجين. هذا إذا أراد الحكمان إصلاحًا ورأيا ذلك. فإن أدى اجتهادهما إلى التفريق، فقد اختلف العلماء في ذلك: فمذهب عثمان وعلي ﵄ وسعيد بن جبير والشعبي والسدي وإبراهيم وشريح: أن لهما التفريق بينهما بالطلاق إن رأياه؛ لأن التحكيم توكيل (٢). قال عبيدة السلماني: شهدت عليًا ﵁ وجاءته امرأة وزوجها، مع كل واحد منهما فِئَامٌ من الناس، فقال: ما شأنهما؟ فأُخْبِرَ بالشقاق بينهما، فقال: ابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، ثم قال للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما. فقالت المرأة: رضيتُ بما في كتاب الله عليّ ولي (٣). وقال الزوج: أما الفُرقة فلا. فقال علي: كذبتَ حتى تُقِرّ بمثل الذي أقرت (٤) به (٥).

стр. 3489

والظاهر من هذا الكلام أن عليًا ﵁ رأى الفُرقة من غير رضا الزوج، ولذلك قال: كذبت، ولم يقل: فلا أبعث الحكمين حتى ترضى. وإذا تعذر تنفيذ العقد بأحكامه فالوجه رفعه، وهذا هو الظاهر الصحيح من مذهب الشافعي ﵀ الذي نص عليه في كتاب الطلاق من أحكام القرآن (١)، وهو اختيار المزني (٢) (٣). وقال الحسن: الحكمان يحكمان في الاجتماع ولا يحكمان في الفرقة إلا بأمرهما (٤). وهذا أحد قولي الشافعي، وقد نص عليه في "المُختصر"، وقال: لا بد من توكيل الزوج في الطلاق؛ لأنّ الطلاق إلى الأزواج (٥). قال الزجاج: وحقيقة أمر الحكمين أنهما (٦) يقصدان الإصلاح،

стр. 3490

وليس لهما طلاق، وإنما عليهما أن يُعَرِّفا الإمام حقيقة ما وقفا عليه؛ فإن رأى الإمام أن يُفرِّق فرّق، وإن رأى أنْ يجمع جمع، وإن وكّل الحكمين بتفريق أو جمع فهما بمنزلته. والذي فعله عليّ ﵀ من قوله: وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، تولية منه إياهما ذلك (١). وقوله تعالى: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (٢) معنى التوفيق في اللغة هو تيسير وَفق الشيء، وهو ما يوافقه، أي يساوي حَالَته، ويقال: حَلوبَة فلان وَفق عياله، أي يخرج من لبنها ما يكفي عياله، على معنى أن ذلك مساوٍ لقدر حاجته (٣). قال الراعي: أما الفقير الذي كانت حَلُوبته ... وَفقَ العِيَال فلم يُترك له سَبَدُ (٤) فالموافقة المواساة (٥) في أمر من الأمور. والتوفيق بين النفسين إصلاحٌ بينهما لمساواة فيه. وقوله تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦]، أي: على وَفق أعمالهم.

стр. 3491

الليث يقول: لا يتوفق عبدٌ حتى يوفقه الله، وإن فلانًا موفّق رشيد (١). ووَفق كل شيء ما يكون متفقًا معه، كقوله: يَهوِين شَتَّى ويقَعنَ وفْقًا (٢) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾. قال ابن عباس: يريد: عليمًا بما في قلوبهم من المودة، وخبيرًا بما يكون إذا هو طلّقها من وُجْدِه عليها، أو وُجدِها عليه (٣). ٣٦ - وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. قال الزجاج المعنى: أوصاكم الله بعبادته، وأوصاكم بالوالدين إحسانًا (٤). وقال الفراء: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا. أمرهم بالإحسان (٥). قال ابن عباس: يريد البِرّ بهما مع اللطف ولين الجانب، ولا يُغلظ لهما الجواب، ولا يُحدّ إليهما النظر، ولا يرفع صوته عليهما، كما قال الله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤] يكون بين أيديهما ذليلًا مثل العبد بين يدي السيد الفظّ الغليظ، تذلّلًا لهما مع المحبة (٦).

стр. 3492

﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾، القربى مصدر كالقرابة (١)، ومثله البُشرى والرُّجعى. قال ابن عباس: يصله ويعطف عليه (٢). وقال الزجاج: أمر الله: بالإحسان إلى ذوي القرابة بعد الوالدين (٣). ﴿وَالْيَتَامَى﴾، قال ابن عباس: يرفق بهم ويدنيهم ويمسح رأسهم. ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾، قال: يريد: بَذْلُ يسر، أو ردّ جميل (٤). ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾، قال عامة المفسرين: يعني القريب في النسب، الذي يبنك وبينه قرابة، وله حقوق؛ حق القرابة وحق الجوار وحق الإسلام (٥). ودل كلام الزجاج على أنه أراد بالقُربى ههنا قرب الدار والمعرفة والاختلاط، لأنه قال: هو الذي يقاربك ويعرفك (٦). ويُقوي هذا أنه قابله بالجار الغريب في قوله: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾، فكما أن الغريب لا يعرفك لبعد داره فالجار ذي القربى هو الذي يعرفك لقرب داره وأرضه من دارك وأرضك (٧).

стр. 3493

والذي عليه المفسرون هو الأول. وقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾. الجنب نعت على فعل، مثل: (أُحُد) في: ناقةٌ أُحُد، وبابٌ غُلُق (١)، وقارورةٌ فُتُح. وأصله من الجنابة ضدّ القرابة، وهو البُعد (٢). قال علقمة بن عبدة (٣): فَلا تَحْرمنِّى نَائِلًا عن جَنَابةٍ ... فإني امرؤٌ وَسْط القِبَاب غَريبُ (٤) وقال الأعشى (٥): أتيتُ حُريثًا زائرًا عن جنابةٍ ... وكان حُرَيثٌ عن عَطَائِيَ جَامِدًا (٦)

стр. 3494

وقال آخر: كِرامٌ إذا ما جئتَهم عن جنابةٍ ... أعفّاءُ عن جار الخليطِ المجاور (١) ورجل جُنُب، إذا كان غريبًا متباعدًا عن أهله. وقوم أجناب، ورجل أجنَب وأجنبي، وهو البعيد منك في القرابة (٢). وأصل الجنب التنحية والإبعاد، ومنه قوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]. والجانبان الناحيتان لتنحّي كل واحدة (٣) عن الأخرى (٤). وروى المفضَّل عن عَاصم (٥): ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ بفتح الجيم وسكون النون (٦)، وهو يحتمل معنيين: أحدهما: أن يريد بالجنب الناحية، ويكون المعنى على هذا: ذي الجَنْب، فحذف المضاف؛ لأن المعنى مفهوم، ألا ترى أن الناحية لا يكون الجار إياها، والمعنى: ذي ناحية ليس هو الآن بها، أي: هو غريب (٧).

стр. 3495

والآخر: أن يكون وصفًا، مثل: ضرب وندب وفسل (١)، فهذا وصف جري على الموصوف، كما أن الجنب كذلك (٢). قال ابن عباس وعامتهم: الجار الجنب هو الذي ليس بينك وبينه قرابة (٣). وله حق الجوار، فإن كان من أهل دينك فله حق الإيمان (٤). ومعنى وصفه بالبُعد ههنا أنه ليس من قومك، ونَسبُه بعيد عنك، ألا ترى أن مجاهدًا وقتادة قالا: هو جارك من قوم آخرين (٥). ويحتمل أن يُراد بهذا البُعد بُعد الدار، وهو الغريب من بلد غير بلدك يجاورك، فهو متباعد عن أهله وبلده. وإلى هذا ذهب الزجاج، فإنه قال: هو الجار الغريب (٦) المتباعد (٧). وحكى ابن جرير عن نَوفٍ البِكَالي (٨) أنه ذهب إلى أن المراد بهذا

стр. 3496

البُعد بُعد الدين، فقال في الجمار الجنب: إنه الكافر (١). وقد قال النبي ﷺ في المشرك الجار: "له حق الجِوَار وإن كان مشركًا" (٢). وقوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾. قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والحسن والسدي والضحاك: هو الرفيق في السفر (٣). قال عطاء عن ابن عباس: يريد صاحبك في السفر، وهو جارك إلى جانبك، فله حق الجوار وحق الصحبة (٤). وهذا اختيار الفراء (٥) والزجاج (٦) وابن قتيبة (٧). وقال علي وابن مسعود وابن أبي ليلى (٨) وإبراهيم: هو زوجتك تكون معك إلى جنبك (٩).

стр. 3497

وقال ابن جريج وابن زيد: هو الذي يلزمك ويصحبك رجاء خيرك ونفعك (١). وقوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيل﴾. هو الضيف، يجب قِراه إلى أن يبلغ حيث يريد. قال ابن عباس ومجاهد والربيع: يريد عابر السبيل، تُروِيه وتُطعِمه حتى يرحل عنك (٢). ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني المماليك. قال ابن عباس: يريد المملوك، تُحسن رزقَه وتحتمل مساوئه وتعفو عنه فيما يُخطئ، فإن لاءمك فاحسبه وأنت مُحسن، وإن خالفك في الملاءمة فبعه لعله يوافق غيرك وتبرأ من إثمه (٣). وروى عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قال: "من ابتاع شيئًا من الخدم فلم يوافق شيمته شيمته فليبع ويشتر حتى يوافق شيمته شيمته، فإن الناس شِيمَ، ولا تعذبوا عباد الله" (٤). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] المختال: ذو الخيلاء والكبر (٥).

стр. 3498

قال ابن عباس: يريد بالمختال العظيم في نفسه، الذي لا يقوم بحقوق الله (١). قال الزجاج: وإنما ذكر الاختيال ههنا، لأنَّ المختال يأنف من ذوي قراباته إذا كانوا فقراء، ومن جيرانه إذا كانوا كذلك، فلا يُحسن عشرتهم (٢). وذكرنا اشتقاقه في اللغة عند قوله: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: ١٤]. ومعنى الفخر في اللغة هو البذخ والتطاول، والفخور الذي يعدِّد مناقبه كبرًا وتطاولًا (٣). قال ابن عباس: هو الذي يفخر على عباد الله بما خوّله الله من كرامته وما أعطاه من نعمته (٤). ٣٧ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾. جائز أن يكون موضع (الذين) نصبًا على البدل (٥). المعنى: أنَّ الله لا يحب من كان مختالًا فخورًا، ولا يحب الذين يبخلون. وجائز أن يكون رفعه على الابتداء ويكون الخبر: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، أي لا يظلمهم مثقال ذرة. قاله الزجاج (٦).

стр. 3499

والأولى أن يكون مستأنفًا، لأنَّ الآية نازلة في اليهود (١). ومعنى البُخل في كلام العرب منع الإحسان، وفي الشريعة منع الواجب (٢). وفيه أربع لغات: البَخْل مثل الفَقْر، والبَخَل مثل الكَرَم، والبُخْل مثل الفُقر، والبُخُل بضمتين. ذكره المبِّرد، وقال: ونظيره أرض جرز، وفيه اللغات الأربع (٣). وأجمعوا على أن الآية نازلة في اليهود (٤). واختلفوا في معنى هذا البخل، فذكر فيه قولان: أحدهما: أن المراد به البخل بالعلم. وهو قول سعيد بن جبير والكلبي ومقاتل. قال سعيد: هذا في العلم ليس في الدنيا منه شيء (٥). وقال الكلبي: هم اليهود، بخلوا أن يصدقوا من أتاهم صفة محمد ﷺ ونعته، وأمروا قومهم بالبخل، وهو كتمان أمره (٦).

стр. 3500

وقال مقاتل: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ رؤوس اليهود، ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ كانوا يأمرون سفلتهم بكتمان نعت محمد ﷺ (١). واختار الزجاج هذا القول، فقال: هم اليهود بخلوا بعلم ما كان عندهم من مبعث النبي ﷺ (٢). القول الثاني: أن هذا البخل معناه البخل بالمال. وهو قول ابن عباس وابن زيد (٣). قال ابن عباس في رواية عطاء: ثم ذكر اليهود فقال: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ يريد يبخلون بأموالهم عمن هو دونهم من المؤمنين في المال، وهو أكرم على الله منهم (٤). وقال في رواية غيره (٥): نزلت في رؤساء اليهود؛ كانوا يأتون رجالًا من الأنصار ينتصحونهم (٦)، ويقولون لهم: لا تُنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر، ولا تدرون ما يكون (٧). وروي مثل هذا القول عن مجاهد والسدي، قالا: هم اليهود بخلوا

стр. 3501

بما أعطوا من الرزق (١) وقوله تعالى: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد العلم بما في التوراة مما عظم الله به أمر محمد ﷺ وأمته (٢). وقال مقاتل: يعني ما في التوراة من أمر محمد ونعته (٣). وهذا قول عامة المفسرين، فالفضل ههنا هو ما أوتوا من العلم، برسالة النبي ﷺ . ٣٨ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ الآية. إن شئت عطفت الذين في هذه الآية على الذين في الآية التي قبلها، وإن شئت جعلته في موضع الخفض عطفا على قوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٤). قال السدي: نزلت في المنافقين (٥). واختاره الزجاج (٦)، وهو الوجه؛ لذكر الرياء ههنا، وهو ضرب من النفاق، وقال بعضهم: نزلت في مشركي مكة المتفقين على عداوة رسول الله ﷺ (٧).

стр. 3502

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا﴾ معنى القرين في اللغة هو الذي يقارنك ويُصاحبك (١)، من قولهم: قرنت الشيء بغيره إذا شددته إليه (٢). وقيل: إنما اتصل الكلام ههنا بذكر الشيطان تقريعًا لهم على طاعة الشيطان. وعلى هذا دل كلام أبي إسحاق؛ لأنه قال: أي من يكن عمله بما يُسول له الشيطان فبئس العمل عمله (٣). وقال الكلبي: هذا في الآخرة، يجعل الله الشياطين قرنائهم في النار، يقرن مع كل كافر شيطان في سلاسل النار (٤). يقول الله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا﴾ صاحبا ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾ يقول: بئس الصاحب الشيطان. وقوله تعالى: ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾ قد ذكرنا معنى ساء في هذه السورة. وانتصب (قرينًا) ههنا على التمييز والتفسير (٥)؛ لأن (ساء) معناه (بئس)، و (بئس) تنصب النكرة، كقولك: بئس رجلًا زيد، لأنك إذا قلت: بئس، جاز أن تذكر رجلًا أو حمارًا، فإذا ذكرت نوعًا ميزته من سائر الأنواع (٦)،

стр. 3503

وفيه ضمير فاعل لأنه فعل، والفعل لا يخلو من الفاعل، فصار المميِّز (١) كالمفعول فلهذا نصب. وقد استوفينا (القول) (٢) في (نعم، وبئس). ٣٩ - قوله تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ الآية. هذا احتجاج على هؤلاء الذين ذكرهم الله بأنهم لا يؤمنون بالله، والمعنى أن الإنسان يُحاسب نفسه فيما عليه وله، فإذا ظهر له ما عليه في فعل شيء من استحقاق العقاب، وما له في تركه من استحقاق الثواب عمل على ذلك في تركه والانصراف عنه. ومعنى الآية كأن الله تعالى يقول: ليتفكروا ولينظروا ماذا عليهم في الإيمان لو آمنوا؟ وهو استفهام في معنى الإنكار. ويصلح أن يكون (ما) و (ذا) اسمًا واحدًا، فيكون المعنى: وأي شيء عليهم (٣)، ويجوز أن يكون (ذا) في معنى الذي، وتكون (ما) وحدها اسمًا، ويكون المعنى: وما الذي عليهم لو آمنوا (٤). وقد بسطنا الكلام في تفسير (ماذا) في موضعين في سورة البقرة (٥). وقوله تعالى: ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. قال ابن عباس: يريد بنية صادقة، يصدِّق القلبُ اللسان، ويصدق اللسانُ القلب (٦).

стр. 3504

﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ يريد: يصدقوا مما تفضل الله به عليهم (١). وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾. تأويله: لا ينفعهم ما ينفقونه على جهة الرياء؛ لأن الله بهم عليم مجاز لهم بما يسرون من قليل أو كثير (٢). ٤٠ - قوله تعالى: ﴿﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ الآية. قد ذكرنا أن الظلم يستعمل في معان كثيرة. وهو ههنا بمعنى النقص. قال ابن عباس: يريد لا ينقص مثقال ذرة (٣). والمثقال مقدار الشيء في الثِّقل. وهو مفعال من الثقل، يقال: هذا على مثقال هذا، أي وزن هذا. ومعنى ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾: أي ما يكون وزنه وزن الذرة (٤). وأما الذرة فهي النملة الحميراء الصغيرة في قول أهل اللغة (٥)، وهو قول ابن عباس (٦) وابن زيد (٧).

стр. 3505

وروى يزيد بن الأصم (١) عن ابن عباس في هذه الآية قال: أدخل ابن عباس يده في التراب، ثم رفعها، ثم نفخ فيه فقال: كل واحدة من هؤلاء ذرَّة (٢). والمراد من هذا: لا يظلم قليلًا ولا كثيرًا، ولكن الكلام خرج على أصغر ما يتعارفه الناس، يدل على هذا قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤]. قال ابن عباس: نزل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ في المنافقين، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ في المؤمنين. يقول: لا ينقص ﴿مِثْقَالَ﴾ (٣) ذرة من عمل منافق إلا جازاه بها رواه عطاء عنه (٤). وقال آخرون: هذا على العموم (٥). ثم اختلفوا؛ فذهب بعضهم في تأويله إلى ما رواه أنس أن النبي ﷺ قال: "وإن الله لا يظلم حسنة، أما المؤمن فيثاب عليها الرزق في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيُطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم تكن له حسنة" (٦).
следующие страницы →