← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

بما أعطوا من الرزق (١) وقوله تعالى: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد العلم بما في التوراة مما عظم الله به أمر محمد ﷺ وأمته (٢). وقال مقاتل: يعني ما في التوراة من أمر محمد ونعته (٣). وهذا قول عامة المفسرين، فالفضل ههنا هو ما أوتوا من العلم، برسالة النبي ﷺ . ٣٨ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ الآية. إن شئت عطفت الذين في هذه الآية على الذين في الآية التي قبلها، وإن شئت جعلته في موضع الخفض عطفا على قوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٤). قال السدي: نزلت في المنافقين (٥). واختاره الزجاج (٦)، وهو الوجه؛ لذكر الرياء ههنا، وهو ضرب من النفاق، وقال بعضهم: نزلت في مشركي مكة المتفقين على عداوة رسول الله ﷺ (٧).

стр. 3502

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا﴾ معنى القرين في اللغة هو الذي يقارنك ويُصاحبك (١)، من قولهم: قرنت الشيء بغيره إذا شددته إليه (٢). وقيل: إنما اتصل الكلام ههنا بذكر الشيطان تقريعًا لهم على طاعة الشيطان. وعلى هذا دل كلام أبي إسحاق؛ لأنه قال: أي من يكن عمله بما يُسول له الشيطان فبئس العمل عمله (٣). وقال الكلبي: هذا في الآخرة، يجعل الله الشياطين قرنائهم في النار، يقرن مع كل كافر شيطان في سلاسل النار (٤). يقول الله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا﴾ صاحبا ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾ يقول: بئس الصاحب الشيطان. وقوله تعالى: ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾ قد ذكرنا معنى ساء في هذه السورة. وانتصب (قرينًا) ههنا على التمييز والتفسير (٥)؛ لأن (ساء) معناه (بئس)، و (بئس) تنصب النكرة، كقولك: بئس رجلًا زيد، لأنك إذا قلت: بئس، جاز أن تذكر رجلًا أو حمارًا، فإذا ذكرت نوعًا ميزته من سائر الأنواع (٦)،

стр. 3503

وفيه ضمير فاعل لأنه فعل، والفعل لا يخلو من الفاعل، فصار المميِّز (١) كالمفعول فلهذا نصب. وقد استوفينا (القول) (٢) في (نعم، وبئس). ٣٩ - قوله تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ الآية. هذا احتجاج على هؤلاء الذين ذكرهم الله بأنهم لا يؤمنون بالله، والمعنى أن الإنسان يُحاسب نفسه فيما عليه وله، فإذا ظهر له ما عليه في فعل شيء من استحقاق العقاب، وما له في تركه من استحقاق الثواب عمل على ذلك في تركه والانصراف عنه. ومعنى الآية كأن الله تعالى يقول: ليتفكروا ولينظروا ماذا عليهم في الإيمان لو آمنوا؟ وهو استفهام في معنى الإنكار. ويصلح أن يكون (ما) و (ذا) اسمًا واحدًا، فيكون المعنى: وأي شيء عليهم (٣)، ويجوز أن يكون (ذا) في معنى الذي، وتكون (ما) وحدها اسمًا، ويكون المعنى: وما الذي عليهم لو آمنوا (٤). وقد بسطنا الكلام في تفسير (ماذا) في موضعين في سورة البقرة (٥). وقوله تعالى: ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. قال ابن عباس: يريد بنية صادقة، يصدِّق القلبُ اللسان، ويصدق اللسانُ القلب (٦).

стр. 3504

﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ يريد: يصدقوا مما تفضل الله به عليهم (١). وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾. تأويله: لا ينفعهم ما ينفقونه على جهة الرياء؛ لأن الله بهم عليم مجاز لهم بما يسرون من قليل أو كثير (٢). ٤٠ - قوله تعالى: ﴿﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ الآية. قد ذكرنا أن الظلم يستعمل في معان كثيرة. وهو ههنا بمعنى النقص. قال ابن عباس: يريد لا ينقص مثقال ذرة (٣). والمثقال مقدار الشيء في الثِّقل. وهو مفعال من الثقل، يقال: هذا على مثقال هذا، أي وزن هذا. ومعنى ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾: أي ما يكون وزنه وزن الذرة (٤). وأما الذرة فهي النملة الحميراء الصغيرة في قول أهل اللغة (٥)، وهو قول ابن عباس (٦) وابن زيد (٧).

стр. 3505

وروى يزيد بن الأصم (١) عن ابن عباس في هذه الآية قال: أدخل ابن عباس يده في التراب، ثم رفعها، ثم نفخ فيه فقال: كل واحدة من هؤلاء ذرَّة (٢). والمراد من هذا: لا يظلم قليلًا ولا كثيرًا، ولكن الكلام خرج على أصغر ما يتعارفه الناس، يدل على هذا قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤]. قال ابن عباس: نزل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ في المنافقين، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ في المؤمنين. يقول: لا ينقص ﴿مِثْقَالَ﴾ (٣) ذرة من عمل منافق إلا جازاه بها رواه عطاء عنه (٤). وقال آخرون: هذا على العموم (٥). ثم اختلفوا؛ فذهب بعضهم في تأويله إلى ما رواه أنس أن النبي ﷺ قال: "وإن الله لا يظلم حسنة، أما المؤمن فيثاب عليها الرزق في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيُطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم تكن له حسنة" (٦).

стр. 3506

وذهب بعضهم إلى تأويل هذه الآية: إن الله لا يظلم مثقال ذرة للخصم على الخصم، بل يأخذ له ومنه، ولا يظلم مثقال ذرة تبقى للخصم، بل يثيبه عليها ويُضعفها له. واحتجوا بما روي عن ابن مسعود أنه قال: يُؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي منادٍ على رؤوس الأولين والآخرين: هذا فلان بن فلان، من كان له عليه حق فليأت إلى حقه. ثم يقال له: آت هؤلاء حقوقهم. فيقول: يا رب من أين وقد ذهبت الدنيا. فيقول الله لملائكته في أعماله الصالحة: فأعطوهم منها، فإن بقي مثقال ذرة من حسنة ضعّفها الله تعالى لعبده وأدخله الجنة بفضل رحمته. ومصداق ذلك في كتاب الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾. الأصل: وإن تكن (بالنون) كقوله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]، وذلك أن النون إذا سكنت (٢) للجزم وسقطت الواو لسكونها وسكون النون فصار (تكن)، ويجوز حذف النون من تكن؛ لأنها ساكنة وهي تشبه حروف اللين، وحروف اللين إذا وقعت طرفًا سقطت، كقولك: لم أدر، وإن تدع. كذلك حُذفت هذه النون استخفافًا لكثرة الاستعمال كما قالوا: لا أدرِ ولم أبل، والأصل: لم أبال ولا أدري.

стр. 3507

ووجه شبه النون بحروف اللين أنَّ الغنة التي في النون كاللين الذي في حروف اللين، وأيضًا فإنها تحذف لالتقاء الساكنين، كما حذفوهن كلذلك في نحو: غزا القوم، وتغطي ابنك وتصبو (١) المرأة. ألا ترى أنك لم تظهر الألف ولا الباء (٢) ولا الواو في اللفظ، بل حذفتهن لاجتماع الساكنين. وكذلك يفعلون في النون فيقولون: مِلآن، أي: من الآن (٣)، وأنشد سيبويه: فلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولكِ اسقني إن كان ماؤك ذا فضل (٤) وأنشد قُطرب: لم يك الحق سوى أن هاجه ... رسم دار قد تعفى بالسِّرر (٥) يريد بالأول: ولكن، والثاني: لم يكن، فلم يحرِّكا وحذفا. جعلوا النون أيضًا علمًا للرفع في نحو: يقومان ويقومون وتقومين، كما جعلوا الواو والألف علمًا له، نحو: أخوك وأبوك، والزيدان،

стр. 3508

والزيدون، إلى غير ذلك مما يطول ذكره (١). وقرئ قوله: (حسنةٌ) بالرفع والنصب (٢)، فمن رفع فهي اسم كان ولا خبر لها ههنا، وهي في مذهب التمام. على معنى: وإن تحدث حسنة، أو إن تقع حسنة. ومن نصب كان المعنى: وإن لَكن فعلتُه حسنةً. والنصب حسن، لتقدم ذكر (مثقال ذرة)، فتجعل الذرة اسمًا وحسنة الخبر، على تقدير: وإن تكن الذرة حسنةً يضاعفها الله (٣). قال ابن عباس: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ يريد: من مؤمن ﴿يُضَاعِفْهَا﴾ يريد: عشرة أضعافها (٤). وقال السدي: هذا عند الحساب والقصاص (فمن بقي له من الحسنات شيء يضاعفه بسبع مائة، وإلى الأجر العظيم (٥). ولهذا كان يقول بعض الصالحين: فُصَلت (٦) حسناتي سيئاتي بمثقال ذرة أحب إلي من الدنيا وما فيها (٧)) (٨). وقوله تعالى: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قال عطاء: يريد من عنده

стр. 3509

أجرًا عظيمًا يتفضل عليه بأكثر من العشرة الأضعاف (١). وقال الكلبي: الأجر العظيم الجنة (٢). وقال الحسن: هذا أحب إلى العلماء؛ أن لو قال: الحسنة بمائة ألف وهو كقوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣]، ولم يقل مثل ألف شهر (٣). وقال أبو عثمان النهدي (٤): بلغني عن أبي هريرة (٥) أنه قال: إن الله يُعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة. فقضي أن انطلقت حاجًا أو معتمرًا، فلقيته فقلت: بلغني عنك أنك تقول: إن الله يُعطي عبده المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة. قال أبو هريرة: لم أقل ذلك، ولكني قلت: إن الحسنة تضاعف ألفي ألف (٦) حسنة ثم تلا هذه الآية وقال: إذا قال الله عز جل: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فمن يقدر قدره (٧). وسنذكر اللغات في لدن والكلام فيه في سورة الكهف إن شاء الله.

стр. 3510

٤١ - قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾. قال الزجاج والأكثرون: أي فكيف تكون حال هؤلاء القوم الذين ذكرهم الله من المنافقين والمشركين يوم القيامة، وحذف (تكون) لأنَّ في الكلام دليلًا على ما حذف. وكيف (لفظها) (١) لفظ الاستفهام، ومعناها ههنا التوبيخ (٢). والاستفهام كثيرًا ما يرد بمعنى التوبيخ، وقد (ذكرنا) (٣) لم أجاز أن يتضمن الاستفهام التوبيخ والإنكار في مواضع مما مضى (٤). وقال صاحب النظم: هذا فصل منسوق فيه (على ما) (٥) قبل من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ وتوكيدٌ لما تقدم من الخبر، وتحقيق لما بعده، على تأويل: إن الله لا يظلم مثقال ذرة، فكيف يظلمه إذا كان يوم القيامة؟ ففي قوله: (فكيف) طرف من الإنكار، أي أن ذلك لا يكون في وقت من الأوقات (٦). فعلى القول الأول (٧) في (كيف) توبيخ للقوم الذين مضى ذكرهم، وعلى القول الثاني (٨) فيه إنكار لظلم الله أحدًا.

стр. 3511

ومعنى قوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال ابن عباس: يريد: أتيناهم (١). قال المفسرون: يُؤتى بنبي كل أمة يشهد عليها ولها (٢). وقوله تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. أي على هؤلاء المنافقين والمشركين الذين ذكرهم يشهد عليهم بما فعلوا (٣). ٤٢ - قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية. يوم في قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف و"يود"، وهو مضاف إلى إذ، وذلك نحو قولهم: ليلتئذ، وساعتئذ، وحينئذ. ودخل التنوين في إذ بدلًا من الإضافة، وذلك أنَّ أصل هذا أن تكون إذ مضافة إلى جملة، إما من مبتدأ وخبر، نحو: جئتك إذ زيد أمير، وقصدتك إذ الخليفة عبد الملك، قال الله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١]، وقال القطامي (٤): إذا الفوارسُ من قيس بشكَّتها ... حولي شهودٌ وما قومي بشهاد (٥) وإما من فعل وفاعل نحو: قمت إذ قام (٦) زيد، وجلست إذ سار محمد. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠]، ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢]، ثم اقتطع المُضاف إليه إذ في مثل هذا، ومثله قوله: ﴿مِنْ عَذَابِ

стр. 3512

يَوْمِئِذ﴾ [المعارج:١١]، و ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣]. والتقدير في هذه الآية وفي غيرها: يوم إذ ذاك كذلك، فلما حذف المضاف إليه إذ عوّض منه التنوين، فدخل وهو ساكن على الذال وهي ساكنة، فكسرت الذال لالتقاء الساكنين فقيل: يومئذ. وليست هذه الكسرة في الذال كسرة إعراب، وإن كانت إذ في موضع جر بالإضافة ما قبلها إليها، وإنما الكسرة فيها لسكونها وسكون التنوين بعدها، كما كسرت الهاء في صهٍ ومهٍ لسكونها وسكون التنوين بعدها، وإن اختلفت جهتا التنوين فيهما، فكان في إذ عوضًا من المضاف إليه، وفي صه علمًا للتنكير، ويدل على أن الكسرة في ذال (إذ) إنما هي حركة التقاء ساكنين: (هي) (١) والتنوين قول الشاعر: نهيتُك عن طلابك أمَّ عمرو ... بعاقبة وأنت إذ صحيح (٢) ألا ترى أن إذ في هذا البيت ليس قبلها شيء (٣). ومضى القول في (يود) عند قوله: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾ (٤)

стр. 3513

[البقرة: ٩٦] (١). وأما النقير (٢) فقال ابن السكيت: النقير النكتة في ظهر النواة (٣). وقال أبو الهيثم: النقير نقرة في ظهر النواة، منها تنبت النخلة (٤). وذكرنا طرفًا منه عند ذكر الفتيل (٥). وأصله أنه فعيل من النقر وهو النكت، ومن هذا يقال للخشب الذي ينبذ (٦) فيه نقير لأنه ينقر (٧). والنقر ضرب الرحى (٨) والحجر وغيره بالمنقار. والمنقار حديدة كالفأس يُقطع بها الحجارة (٩). ومنه منقار الطائر؛ لأنه ينقر به (١٠). وقول أهل التفسير موافق لقول أهل اللغة في تفسير النقير، وقول أبي الهيثم مثل قول ابن عباس حرفًا بحرف (١١).

стр. 3514

قال الزجاج: وذكر النقير ههنا تمثيل، المعنى: لضنُّوا بالقليل (١). ٥٤ - وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية. (أم) ههنا كالتي في الآية التي قبلها. والمراد بالناس هنا النبي ﷺ في قول ابن عباس والأكثرين (٢) وإنما جاز أن يقع عليه لفظ الناس وهو واحد لأنه اجتمع عنده من خلال (الخير) (٣) ما يكون مثله في جماعة، ومن هذا يقال: فلان أمَّة وحده، أي: هو يقوم مقام أمة، قال الله تعالى-: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] (٤). قال المفسرون: إن اليهود حسدت النبي ﷺ نكاح تسع نسوة، وقالوا: لو كان نبيًا لشغله أمر النبوة عن النساء، فأكذبهم الله تعالى وقال: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٥) قال عطاء: يريد الفقه والعلم (٦). وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾. قال ابن عباس في رواية العوفي: يعني ملك سليمان (٧). والمعنى على هذا: يحسدون (محمدًا كثرة) (٨) نسائه ويعيبونه بهن بقولهم: لو كان نبيًا لشغله أمر النبوة. أو فليحسدوه إن كانوا حسدوا محمدًا.

стр. 3515

وقال السدي: يعني بالملك العظيم ما أحل لداود من النساء، وهن تسع وتسعون. ولسليمان ألف، بين حرة ومملوكة (١). وقال الحسن وابن جريج وقتادة: الفضل في هذه الآية النبوة وكانت اليهود حسدت محمدًا ما آتاه الله من النبوة، وقد علموا أنَّ النبوة في آل إبراهيم فقيل لهم: أتحسدون النبي ﷺ وقد كانت النبوة في آله، وهم آل إبراهيم (٢). وهذا الوجه اختيار أبي إسحاق (٣). والحكمة في هذا القول النبوة. وقال مجاهد في قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾: النبوة (٤). لأن الملك لمن له الأمر والطاعة، والأنبياء لهم الطاعة والأمر. وليس يحتاج في تصحيح معنى الآية إلى إضمار، ومثله من الكلام أن نقول: أتحسدون زيدًا ما أعطاه الله من المال، فعند عمرو أكثر من ذلك، أو فقد آتى عمرًا أكثر من ذلك. وتأويل هذا: فلا تحسدوا زيدًا، ولتحسدوا عمرًا. وهذا مفهوم من فحوى الكلام وإن لم يذكر. ٥٥ - وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾. قال ابن عباس والأكثرون: من أهل الكتاب من آمن بمحمد ﵇،

стр. 3516

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ﴾ أعرض عنه ولم يؤمن (١). وتأويل الآية: أن اليهود مهما ذُكر منهم من البُخل والجهل والحسد، فقد آمن به بعضهم. ومن قال: إن الوعيد المذكور في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا﴾ [النساء: ٤٧] (٢) إنما أوعدوا به في الدنيا، قال: ذلك الوعيد صرف عنهم بإيمان هذا الفريق الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ ولذا قال: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أي: إن كان صرف بعض العقاب فكفى بجهنم عذابًا لمن لا يؤمن (٣). وقال السدي وجماعة: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي من أمة إبراهيم من آمن بإبراهيم، ومنهم من صدّ عنه كما أنكم في أمر محمد ﵇ كذلك (٤). وفائدة هذا الكلام ههنا أنَّ تأويله ليس في ترك بعضكم الإيمان بمحمد ﵇ توهين لأمره، كما لم يكن في ذلك توهين لأمر إبراهيم. وقال الفراء: لما تليت على اليهود قوله: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ٥٤] الآية كذب بذلك بعضهم وصدق بعضهم، وهو قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي بالنبأ عن سليمان وداود ومما أبيح لهما من النساء ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ بالتكذيب والإعراض (٥).

стр. 3517

وحكى الزجاج هذا الوجه أيضًا (١). (...) (٢) ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ مضى الكلام في هذه الباء وفي انتصاب ما بعد كفى عند قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] (٣). (.....) (٤) السعير في أول السورة (٥). والسعير لا يدخله هاء التأنيث؛ لأنه مصروف من مسعورة، كما قالوا: كف خضيب ولحية (...) (٦)، وذلك أنَّ نقله عن لفظ المفعول المبني على الفعل إلى فعيل يأخذه عن حيّز الأفعال فيُقرّبه من الأسماء، وذلك يوجب حذف علامة التأنيث لتقدير الفعل، وقد ارتفع. ٥٦ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾. قال سيبويه: سوف أداة تنفيس وتهديد ووعيد، يقال: سوف أفعل وسو أفعل (بغير فاء) (٧). وقال غيره: هي أداة التسويف، كأنها مأخوذة منه، ألا ترى أنك تقول: سوف أعطيك، معناه أعطيك وقتًا آخر لا في هذا الوقت (٨)، وينوب

стр. 3518

عنها حرف السين، كقوله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾ [المدثر: ٢٦]، وفي هذه الآية قال: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾، ويحقق ما ذكرنا قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٥]، أي في الآخرة (١). وقال بعضهم: سوف كلمة تعليل، وهي أيضًا كلمة العقبى كهي في هذه الآية، وكلمة تحقيق أيضًا كقوله تعالى: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] قيل أخَّرهم إلى وقت السحر تحقيقًا للدعاء (٢). وذكرنا ما في الإصلاء عند قوله: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾. قال ابن عباس: يبدَّلون جلودًا بيضًا كأمثال القراطيس (٣). وقال معاذ بن جبل (٤): يبدل في ساعة مائة مرة. وروى ذلك مرفوعًا عمر عن النبي ﷺ (٥).

стр. 3519

وأما كيفية تبديل الجلود فقال جماعة من أهل المعاني: إن جلودهم إذا نضجت واحترقت جددت، بأن ترد إلى الحال التي كانت عليها غير محترقة. وذلك أن (غير) على ضربين: غير تضادٍ وتنافٍ، كقولك: الليل غير النهار والذكر غير الأنثى. وغير تبدل، كقولك للصائغ: صغ لي من هذا الخاتم خاتمًا غيره، فيكسره ويصوغ لك منه خاتمًا، فالخاتم المصوغ هو الأول، إلا أن الصياغة غير والفضة واحدة، وتقول للإنسان: جئتني بغير ذلك الوجه، إذا تغيرت حالتُه، وجاء بغير ذلك اللباس إذا غيّر قميصه بأن جعله (...) (١). وهذا الوجه ذكره الزجاج (٢) وابن كيسان وابن الأنباري. ويزيدك بهذا تأنيسًا ما قال أبو العباس (٣) أحمد بن يحيى: قال الفراء: بدلت الخاتم بالحلقة إذا نحيت هذا وجعلت هذا مكانه، وبدلت الخاتم بالحلقة إذا أذبته وسويته حلقة، وبدلت الحلقة بالخاتم إذا أذبتها وجعلتها خاتمًا. قال أبو العباس: وحقيقته أن التبديل تغيير صورة إلى صورة أخرى، والجوهرة (٤) بعينها، والإبدال تنحية الجوهرة واستئناف جوهرة أخرى، ومنه قول أبي النجم:

стр. 3520

عزلُ الأمير للأمير المبدل (١) ألا ترى أنه نحى جسمًا وجعل مكانه جسمًا غيره. قال أبو عمر (٢): فعرضت هذا على المبرِّد فاستحسنه، وزاد فيه فقال. قد جعلت العرب بدلت بمعنى أبدلت، وهو قوله تعالى-: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] ألا ترى أنه قد أزال السيئات وجعل مكانها الحسنات. قال: وأما ما شرط أحمد بن يحيى فهو معنى قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾، قال: وهذه هي الجوهرة بعينها باقية، وتبديلها تغيير صورتها إلى غيرها؛ لأنها كانت ناعمة فاسودت بالعذاب، فردت صورة جلودهم الأولى لمَّا نضجت تلك الصورة، فالجوهرة واحدة والصورة مختلفة. انتهى الحكاية (٣). ويؤكد هذا البيان الذي ذكره المبرد (٤) وما حكينا من قول ابن عباس. وقال أبو علي الفارسي: ليس ينفصل (بَدَّل) من (أبدل) بشيء، فقد يقال: تبدل في الشيء، ويكون قائمًا وغير قائم، كقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١]، فقد تكون الآية المبدلة قائمة التلاوة، وربما رفعت من التلاوة. وقال: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: ١٦]، والجنتان قائمتان. ومنهم من أجرى الآية على ظاهرها، وقال: إن الله يجدد لهم

стр. 3521

جلودًا غير الجلود التي احترقت، ويعدم المحترقة، ولا يلزم (....) (١) كيف جاز أن يعذِّب جلدًا لم يعصه؟ لأن الجلد لا يألم وإنما الألم هو الإنسان، فالجلد وإن بدِّل (...) (٢) والألم واحد. والدليل على أن القصد تعذيب أصحاب الجلود لا الجلود قوله: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦] ولم يقل: لتذوق (٣). و (غير) على هذا التأويل غير تنافٍ وتضادٍ. واعتمد أبو بكر (٤) هذا القول فقال: إن الله تعالى يُلبسهم جلودًا تؤلمهم ولا تألم هي في ذاتها، فتكون جلودًا توصل الآلام والأوجاع إلى أرواحهم وقلوبهم من غير أن يلحقها هي شيء من ذلك، كما قال: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] أراد بالسرابيل القمص، وهي قولهم: ولا تجد ألمًا (٥). ومنهم من أبعد في التأويل فقال: أراد بالجلود السرابيل في قوله: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] سميت السرابيل جلودًا للزومها جلودهم على المجاورة، كما يسمى الشيء الخاص بالإنسان جلدة ما بين عينيه ووجهه (٦)، ومنه قوله:

стр. 3522

وجلدة بين العين والأنف سالم (١) فالتبديل للسرابيل، كلما احترقت السرابيل أعيدت، وينشد على هذا قول الشاعر: كسا اللؤم تيمًا خضرة في جلودها ... فويلٌ لتيمٍ من سرابيلها الخضر (٢) أراد بالسرابيل جلودهم. وللسدي في هذا مذهب آخر، هو أنه قال: تبدل الجلود جلودًا غيرها من لحم الكافر، يُعيد الجلد لحمًا وُيخرج من اللحم جلدًا آخر. لا يبدل بجلدٍ لم يعمل بخطيئة (٣). ومعنى قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ﴾ أي لانت، والنُّضج هو اللين بالحرارة، وهو دون الاحتراق (٤). ولفظ النضج ههنا أبلغ في التعذيب من لفظ الإحراق؛ لأنها إذا احترقت لم تحس بألم، ووقع بين فنائه وإنشاء غيره مهلة؛ إذ الجمع بين المحترق وغير المحترق محال، وفي تلك المهلة ترفيه للكافر، والله تعالى يقول: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: ١٦٢] (٥).

стр. 3523

وقوله تعالى: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾. استعمل لفظ الذوق ههنا مع عظم ما نالوا من شدة العذاب إخبارًا بأن إحساسهم به في كل حال كإحساس الذائق في تجديد الوجدان من غير نقصان في الإحساس، كما يكون في الذي يستمر به الأكل فلا يجد الطعم (١). ويقال: ذاق يذوق ذوقًا ومذاقًا وذواقًا، والذواق والمذاق يكونان مصدرين ويكونان طعمًا، كما تقول: ذواقه ومذاقه طيب (٢). وروى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: الذوق يكون بالفم وبغير الفم (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أي هو قوي لا يغلبه شيء، وهو مع ذلك حكيم فيما دبر (٤). وقوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾. أصل الظل الستر من الشمس، والليل يسمى ظلًا لأنه كالستر من الشمس (٥)، ومنه: في ظل أخضر يدعو هامه البومُ (٦)

стр. 3524

ومضى القول في هذا عند قوله: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧]. واختلفوا في معنى الظليل، فقال ابن عباس: ﴿ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ دائمًا (١). ونحو ذلك قال الضحاك (٢). ومعنى قوله: دائمًا أنَّ الشمس لا تنسخه كما تنسخ ظلال الدنيا (٣). فهذا قول. وقال الحسن: ظل ظليل لا يدخله الحر والسمائم (٤). وهذا اختيار ابن كيسان والزجاج. قال ابن كيسان: ﴿ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ من الرياح والحر (٥)، وكم من ظلٍّ لا يكون ظليلًا، ولذلك وصف ظل الجنة بأنه ظليل. وقال الزجاج: معنى ظليل: يظل من الريح والحر، وليس كل ظل كذلك. أعلم الله أن ظل الجنة ظليل لا حر (معه) (٦) ولا برد (٧). وقال بعضهم: معنى الظليل أنه لا خلل فيه ولا فرجة، والمراد بهذا الظل هو الجنة وهو ظل لا حر فيه ولا برد (٨).

стр. 3525

وقال مقاتل: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ يعني أكنان القصور لا فرجة فيها (١). وهذا غير الأول لأنه خص الظل بأكنان القصور. والظليل ليس بمبني على الفعل حتى يقال. إنه بمعنى فاعل أو مفعول، بل هو مبالغة في نعت الظل، ولم يسمع من الظل تصرف، وهذا كما يقال: رجل رجيل. ٥٨ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ الآية. أجمعوا على أنها نازلة في شأن مفتاح الكعبة (٢) (.. (٣) ..) وذلك أن رسول الله ﷺ لما فتح مكة طلب المفتاح، فقيل له: إنه مع عثمان بن طلحة الحجبي (٤)، وكان من بني عبد الدار، وكان يلي سدانة الكعبة. فوجه إليه عليًا، فأبى دفعه إليه، وقال: لو علمت أنه رسول الله ﷺ لم أمنعه المفتاح. فلوى عليّ يده، وأخذ منه قسرًا، حتى دخل رسول الله ﷺ البيت وصلى فيه، فلما خرج قال له العباس: بأبي أنت اجمع لي السّدانة مع السقاية. وسأله أن يعطيه المفتاح. فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأمر رسول الله عليًا أن يرده إليه، فرده إليه علي، وألطف له في القول، فقال: أخذته مني قهرًا. ورددته علي باللطف. فقال: لأن الله أمرنا برده عليك، وقرأ عليه الآية، فأتى النبي ﷺ وأسلم (٥).

стр. 3526

وهذا قول محمد بن إسحاق (١) (٢) وسعيد بن المسيب (٣). وقال أبو روق: قال النبي ﷺ لعثمان: أعطني المفتاح فقال: هاك بأمانة الله، فلما أراد أن يتناوله ضمّ يده، فقال رسول الله ﷺ : إن كنت تؤمن بالله واليوم الاخر فأعطني المفتاح، فقال: هاك بأمانة الله. فلما أراد أنَّ يتناوله ضمَّ يده، فقال في الثالثة: هاك بأمانة الله. ودفعه إلى النبى ﷺ وقام النبي يطوف ومعه المفتاح، وأراد أن يدفعه إلى العباس. قال عطاء: فقال رسول الله ﷺ : يا عثمان، هذا المفتاح على أن للعباس معك نصيبًا فأنزل الله هذه الآية، فقال النبي ﷺ لعثمان: هاك خالدةً تالدةً، لا ينزعها عنك إلا ظالم (٤). قال ابن يسار: ثم إن عثمان هاجر ودفع إلى أخيه (٥) شيبة (٦)، فهو في ولده إلى اليوم (٧).

стр. 3527

قال ابن عباس: هذه الآية عامة في كل أمانة، البر والفاجر يؤدِّي الأمانة إلى البر والفاجر، والرحم توصل برةً كانت أو فاجرةً (١). وقال الكلبي: نزلت هذه الآية يوم فتح مكة، ثم صارت عامة للناس (٢). وقال ابن عمر (٣): أول ما خلق اللهُ من الإنسان فرجه، ثم قال: هذه أمانة خبأتها عندك، فلا تسأل منها شيئًا إلا بحقها، فالفرج أمانة (والبصر) (٤) أمانة، واللسان أمانة، والقلب أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له (٥). وقال ابن مسعود: إنَّ الأمانة في كل شيء؛ في الوضوء، والصلاة، والزكاة، والجنابة، والصوم، وفي الكيل والوزن، وأعظم من ذلك الودائع (٦). فالخطاب بأداء الأمانات إلى أهلها متوجهٌ على كل مؤتمن على شيء في قول ابن عباس، والكلبي، وأبي بن كعب، والحسن وقتادة (٧). وقال عبد الرحمن بن زيد: الخطاب بأداء الأمانات لولاة الأمر (٨).

стр. 3528

وقال ابن جريح: هذه الآية في رد مفاتيح الكعبة إلى عثمان (١). والصحيح ما عليه الجمهور، أنها عامة في جميع الأمانات (٢)، فمن كانت عنده أمانة فعليه تأديتها إذا طالبه صاحبها. وليس عليه مؤونة نقلها إلى صاحبها؛ لأن الله تعالى لم يوجب عليه سوى التأدية. والأمانة مصدر سمي به المفعول، ولذلك جُمع لأنه أخلص اسمًا (٣)، قال الشاعر: فأخلفن ميعادي وخن أمانتي ... وليس لمن خان الأمانة دينُ (٤) يريد ما أمنهن عليهن. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ (٥). الكناية في (به) تعود إلى ما في (نعما) وهو اسم بمنزلة: نعم شيئًا يعظكم به، أو وعظًا يعظكم به. وذكرنا وجوه القراءات في (نعما) في سورة البقرة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]. أي هو سميع لما تقولون في الأمانة والحكم، بصير بما تعملون فيها (٦)، فيكون بصير ههنا بمعنى: عليم، ويجوز أن يكون بمعنى راءٍ ذلك. وذكر فرق لطيف بين السامع والسميع، فقيل: لفظ السامع يدل على وجود المسموع؛ لأنه فاعل من قولك: سمعتُ كلام فلان فأنا سامعٌ له. ومعنى سميع أنه إذا وجد المسموع سمعه. وكذلك الفرق بين مُبصر وبصير.

стр. 3529

٥٩ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم﴾. [النساء: ٥٩]. اختلف الرواية عن ابن عباس في تفسير أولي الأمر، فقال في رواية عطاء: يريد الولاة من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان (١). وقال في رواية الوالبي: هم الفقهاء والعلماء، أهل الدين الذين يعلِّمون الناس معالم دينهم أوجب الله طاعتهم (٢). وهذا قول مجاهد (٣) والحسن (٤) والضحاك (٥). وقال في رواية سعيد بن جبير: نزلت في عبد الله بن حذافة (٦) [بن قيس بن عدي] (٧)، بعثه النبي ﷺ في السرية (٨).

стр. 3530

وفي رواية باذان عن ابن عباس: أنها نزلت في خالد بن الوليد (١). بعثه رسول الله ﷺ أميرًا على سرية، وفيها عمار بن ياسر (٢)، فجرى بينهما اختلاف في شيء، فنزلت هذه الآية، وأمر بطاعة أولي الأمر (٣). وقال الكلبي ومقاتل والسدي: أولو الأمر أمراء السرايا (٤). وقال ابن زيد: هم الأمراء والسلاطين، أمروا بأداء الأمانة بقوله: بحسن الطاعة لهم (٥).

стр. 3531

ولهذا قال يرعى. حقٌّ على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا (١). وقال الزجاج: وجملة أولي الأمر من يقوم بشأن المسلمين في أمر دينهم وجميع ما أدى إلى صلاحهم (٢). قال العلماء: طاعة السلطان عن الكتاب والسنة فلا طاعة له، وإنما تجب طاعتهم فيما وافق الحق (٣). وروي أن مسلمة بن عبد الملك (٤) قال لأبي حازم (٥): ألستم أمرتم بطاعتنا حيث قيل: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾؟ فقال أبو

стр. 3532

حازم: أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾؟ (١). قالوا: والإمام الأعظم الذي تجب طاعته على الرعية يجب أن يكون مستجمعًا لأوصاف أربعة: أحدها: العلم. والثاني: الأمانة. والثالث: الكفاية. والرابع: النسب، وهو أن يكون قرشي النسب (٢). والإمام في الدين الذي يقتدى به ويجب قبول قوله، على ما قاله مجاهد والحسن والضحاك كان أولي (٣) الأمر هم الفقهاء يجب أن يكون جامعًا لخلال؛ وهي العلم بكلام العرب، والعلم بكتاب الله، والعلم بسنة رسول الله ﷺ والعلم بأقاويل السلف، والعلم بالقياس، والورع في الدين. وأولو الأمر معناه: ذوو الأمر، وواحده (ذو) على غير قياس كالنساء والإبل والخيل، اسم للجمع لا واحد له من لفظه (٤). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾. قال الزجاج: أي اختلفتم وتجادلتم، وقال كل فريق: القول قولي. قال: واشتقاق المنازعة من انتزاع الحجة، وهو أن كل واحد منهما ينتزع الحجة (٥).

стр. 3533

وقال غيره: أصل المنازعة والتنازع في الخصومات من النزع الذي هو الجذب. والمنازعة في الخصومة مجاذبة الحجج فيما يتنازع فيه الخصمان (١). وقوله تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. قال ابن عباس في رواية باذان، حيث قال: إن هذه الآية نزلت في خالد بن الوليد وعمار بن ياسر، وقد حكينا ذلك، فقال في هذه الرواية في قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (وأمراؤكم) (٢) فردوا الأمر إلى الرسول، وهو بين أظهركم، فما أمركم به الرسول فافعلوا (٣). وقال المفسرون: معنى الآية قول (٤) مجاهد والكلبي وقتادة والسدي وميمون بن مهران (٥) (٦). قال سعيد بن جبير: ما بيَّن الله في الكتاب فذلك أمر الله وقضاؤه، والسنة ما سن النبي في الدين مما لم ينزل به كتاب، يقال: كتاب الله وسنة نبيه (٧).

стр. 3534

وقال قتادة: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ إلى كتاب الله ﴿وَالرَّسُولِ﴾ إلى سنة الرسول (١). وقال ميمون بن مهران: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ إلى كتابه وإلى ﴿الرَّسُولِ﴾ ما دام حيًا، فإذا قُبض فإلى سنته (٢). وقال ابن مسلم (٣): ردُّه إلى الله أن يرده إلى كتابه، ورده إلى الرسول أن يرده إلى سنته (٤). قال علماء الأمة: هذه الآية دليل على أن من لا يعتقد وجوب متابعة السنة والحكم بالأخبار الواردة عن النبي ﷺ لا يعتقد الإيمان بالله ورسوله؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] (٥). والمفسرون أجمعوا على أن رد المختلف فيه إلى الله والرسول رده إلى الكتاب والسنة (٦). ولهذا كان علماء السلف يجعلون ما بين النبي ﷺ في سنته وما فعله خلفاؤه بعده مما لم ينكروا عليهم كالمنطوق به في القرآن؛ لأن الله أوجب طاعة الرسول كما أوجب طاعته، فمن أخذ بقول الرسول كان كالآخذ بما

стр. 3535

نص عليه الله تعالى في القرآن، ألا ترى أن ابن مسعود قال: إن الله تعالى لعن في كتابه المرأة التي تصلُ شعرها بشعر غيرها. فقال بعض من سمع ذلك منه بعد زمان: لقد تدبرت الكتاب فلم أجد لعنها في موضع من الكتاب. فقال: أما قرأت قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] الآية، وقد قال رسول الله ﷺ : "لعن الله الواصلة والمستوصلة" (١). ومثل هذا ما روي عن عكرمة أنه قال: أمهات الأولاد أحرار بالقرآن. قيل: أي القرآن؟ قال: أعتقهن عمر بن الخطاب. ألم تسمع قول الله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وإن عمر من أولي الأمر، وإن عمر قال: أعتقها ولدها وإن كان سقطًا (٢). فجعل ما حكم به عمركما حكم به الكتاب. وردُّ المختلف فيه إلى الكتاب والسنة إنما يجب إذا كان الاختلاف قائمًا. فأما إذا وقع عليه إجماع الصحابة، أو إجماعُ يؤثر في رفع الخلاف فذلك حق، ولا نحتاج بعد ذلك إلى نظر في الكتاب والسنة؛ لأن ذلك الإجماع مستند إلى الكتاب والسنة (٣). قال أبو إسحاق: ويحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي قولوا فيما لم تعلموه: الله ورسوله أعلم (٤).

стр. 3536

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾. أي ردكم ما اختلفتم فيه إلى الكتاب والسنة وترككم التجادل خير (١). وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. التأويل تفعيل من آل يؤول إذا رجع وعاد. وقال أبو عبيد: التأويل: المرجع والمصير، مأخوذ من آل يؤول إلى كذا، أي: صار إليه، وأولته صيرته إليه (٢). وقال ابن المظفر: التأول والتأويل: تفسير الكلام الذي يختلف معانيه، ولا يصح إلا ببيان غير لفظه. وأنشد: نحنُ ضربناكم على تنزيله ... فاليوم نضربكم على تأويله (٣) وسئل أحمد بن يحيى عن التأويل، فقال: التأويل والتفسير المعنى واحد (٤). قال الأزهري: اشتقاق التأويل من ألت الشيء أؤوله: إذا جمعته وأصلحته. فكأن التأويل جمع معاني ألفاظ أشكلت بلفظ واضح لا إشكال فيه. تقول العرب: أوَّل الله عليك أمرك. أي: جمعه. وإذا دعوا عليه قالوا: لا أول الله عليك شملك (٥).

стр. 3537

هذا كلام أهل اللغة في معنى التأويل. وقول المفسرين غير خارج عن معاني قول أهل اللغة. قال ابن عباس في قوله: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾: يريد أصدق تفسيرا (١). وقال قتادة والسدي وابن زيد: وأحمد عاقبة (٢). وهذا على قول من يجعل التأويل مشتقًّا من الأَوْل بمعنى الرجوع. والعاقبة تسمى تأويلًا؛ لأنها مآل، بمنزلة ما تفرقت عنه الأشياء ثم رجعت إليه، يقال: إلى هذا مآل هذا الأمر: أي عاقبته (٣). وهذا القول اختيار الزجاج (٤) وابن قتيبة (٥). قال الزجاج: وجائز أن يكون المعنى: وأحسن من تأولكم أنتم، دون ردكم إياه إلى الكتاب والسنة (٦). وذكرنا طرفًا من الكلام في معنى التأويل في أول سورة آل عمران. ٦٠ - وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية. الزَّعم والزُّعم لغتان. وأكثر ما يستعمل الزعم بمعنى القول فيما لا يتحقق (٧).

стр. 3538

قال ابن المظفر: أهل العربية يقولون: زعم فلان. إذا (شك فيه) (١) فلم يدر لعله كذب أو باطل، وكذلك تفسير قوله: ﴿هَذَا الله بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام:١٣٦] أي بقولهم الكذب (٢). قال شمر: روي عن الأصمعي أنه قال: الزعم الكذب وأنشد للكميت: إذا الإكام اكتست مآليها ... وكان زعم اللوامع الكذب (٣) يريد السراب. قال شمر: والعرب تقول: أكذب من يلمع (٤). وقال شريح: زعموا كنية الكذب (٥). قال (٦) شمر: الزَّعم والتزاعم أكثر ما يقال فيما يشك فيه ولا يحقق (٧). أبو عبيد عن الأصمعي: الزعوم من الغنم التي لا يُدرى أبها شحم أم لا (٨). ثعلب عن ابن الأعرابي قال: الزعم القول يكون حقًا ويكون باطلًا (٩). وأنشد في الزعم الذي هو حق يذكر نوحًا: نودي قم واركبن بأهلك ... إن الله موف للنَّاس ما زعما (١٠)

стр. 3539

وهذا بمعنى التحقيق (١). والذي في هذه الآية المراد به الكذب؛ لأن الآية نزلت في المنافقين. قال الكلبي وغيره من المفسرين (٢): نازع رجل من المنافقين رجلًا من اليهود، فقال اليهودي: بيني وبينك أبو القاسم، وقال المنافق: بيني وبينك كعب بن الأشرف. وهو الذي يسمى الطاغوت. فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله ﷺ ، وصار إليه، فحكم لليهودي على المنافق، فقال المنافق: لا أرضى، انطلق بنا إلى أبي بكر، فحكم أبو بكر لليهودي، فلم يرض المنافق، وقال: بيني وبينك عمر، فصارا إلى عمر، فأخبره اليهودي أنَّ المنافق قد حكم عليه النبي ﷺ وأبو بكر، فلم يرض بحكمهما، فقال للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. فقال عمر: اصبرا، إن لي حاجة أدخل فأقضيها وأخرج إليكما فدخل فأخذ سيفه ثم خرج إليهما، فضرب به المنافق حتى برد، وهرب اليهودي. فجاء أهل المنافق، فشكا عمر إلى النبي ﷺ ، فسأل عمر عن قصته، فقال عمر: إنه رد حكمك يا رسول الله. فقال ﷺ : أنت الفاروق (٣).

стр. 3540

وروي أن عمر لما قتل المنافق أتى جبريل رسول الله ﷺ فقال: إنَّ الفاروق فرق بين الحق والباطل فدعا رسول الله ﷺ عمر وقال: أنت الفاروق (١). وقال ابن عباس في رواية عطاء: الطاغوت ههنا حيي بن أخطب (٢) وقال السدي: الطاغوت ههنا كاهن يقال له أبو بردة هلال بن عويمر (٣)، وذلك أنه وقعت خصومة في دم بين أناس من قريظة والنضير، كانوا قد آمنوا ونافق بعضهم، واختصموا إلى النبي ﷺ ، ولم يرضوا بحكمه، وقالوا: حتى يحكم بيننا أو بردة الكاهن، ونزلت الآية في شأنهم (٤). وسنذكر هذه القصة عند قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، وعند قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] إن شاء الله.
следующие страницы →