← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

وقال الكلبي: ما أصابك من خير فالله هداك له وأعانك عليه، وما أصابك من أمر تكرهه فبذنبك، عقوبة للذنب (١). وقال قتادة: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ عقوبة لذنبك يا ابن آدم (٢). وكذلك قال الحسن (٣) والسدي وابن جريج (٤) والضحاك في تفسير قوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ فبذنبك. ويدل على صحة هذا التفسير قوله تعالى ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] وقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠]، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، وقوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]. وقال أبو بكر بن الأنباري: ما أصابك من خصب فمن تفضل الله، وما أصابكم من جدب وغم فمن أجل ذنوبكم، فخوطب النبي ﷺ والمعني الأمة. وهذا القول هو اختيارنا لموافقته الآثار واللغة، ودلالة الآية الأولى على صحته، ولأن الحسنة معلوم أنها تكون بمعنى الخصب، والسيئة بمعنى الجدب، قال الله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] أراد: واختبرناهم بالخصب والجدب. ونحو هذا قال ابن قتيبة (٥).

стр. 3607

ولا تعلق للقدرية بهذه الآية؛ لأن الحسنة والسيئة المذكورتين هنا لا ترجعان إلى الطاعة والمعصية وأكساب العباد بحالٍ، ولا يجوز ذلك (١) قال ابن الأنباري: لأن الحسنة التي يُراد بها الخير والطاعة لا يقال فيها: أصابتني، إنما يقال: أصبتها , وليس في كلام العرب: أصابت فلانًا حسنةٌ على معنى: عمل خير، وكذلك: أصابته سيئة، على معنى عمل معصية، غير موجود في كلامهم، إنما يقولون: أصاب سيئة، إذا عملها واكتسبها، واللغة تُروى، ولا تُعمل عملًا، فانفساخ قول القدرية واضح بين. وأكد الحسين بن الفضل هذا المعنى فقال: لو كانت الآية على ما يقول أهل القدر لقال: ما أصبت، ولم يقل: ما أصابك؛ لأن العادة جرت بقول الناس: أصابني بلاءً ومكروه، وأصابني فرح ومحبوب، ولا يكاد يسمع: أصابني الصلاة والزكاة، والطاعة والمعصية، فالحسنة والسيئة في هذه الآية ماستان مصيبتان، ولا ممسوستان مصابتان، وإذا كانتا بهذه الصفة لم يكن بيننا وبين أهل القدر خلاف أنهما تكونان من فعل الله تعالى وخلقه، كالخصب والجدب، والنصر والهزيمة. وإذا صح هذا كان معنى قوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ على ما ذكره المفسرون وأرباب المعاني، وبطل تعلقهم بالآية. ومن المفسرين من أضمر في الآية شيئًا، وهو ما يُروى عن أبي صالح أنه قال: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ وأنا قدَّرتُها عليك (٢).

стр. 3608

ونحو هذا روي عن زيد بن علي. وهذا لا يكاد يستقيم، لأنه إضمار ليس عليه دليل (١)، ولأنا قد بينا أنه لا يجوز حمل الحسنة والسيئة في هذه الآية على الطاعة والمعصية، فاستغنينا عن هذا التكلف. وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾. قال ابن عباس: يريد أنك قد بلغت رسالاتي ونصحت عبيدي (٢). ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ على ما بلغت من رسالة ربك. ٨٠ - قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾. قال ابن عباس: يريد أن طاعتكم لمحمد ﷺ طاعة لله (٣). وقال الزجاج: أي من قبل ما أتى به الرسول فإنما قبل ما أمر الله جل وعز (٤) به. وقال الحسن: جعل الله طاعة رسوله ﷺ طاعته، وقامت به الحجة على المسلمين (٥). وذكر الشافعي ﵀ في الرسالة في فرض طاعة الرسول (٦) هذه الآية، وقال: إن كل فريضة فرضها الله تعالى في كتابه، كالحج والصلاة

стр. 3609

والزكاة، لولا بيان رسول الله ﷺ ما كنَّا نعرف كيف نأتيها, ولا يمكننا أداء شيء من العبادات، وإذا كان الرسول من الشريعة بهذه المنزلة، كانت طاعته على الحقيقة طاعةً الله. هذا معنى كلام الشافعي (١). وقال مقاتل في هذه الآية: إن النبي ﷺ كان يقول: "من أحبني أحب الله، وما أطاعني فقد أطاع الله" (٢) فقال المنافقون: لقد قارف هذا الرجل الشِّرك، وهو ينهى أن يُعبد غير الله، وما يريد إلا أن نتخذه (٣) ربًا كما اتخذت النصارى عيسى، فأنزل الله تصديقًا لقول نبيه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾. قال ابن عباس: يريد عن طاعة محمد (٥)، وقال مقاتل: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ أعرض عن طاعته (٦). ومعنى التولِّي في اللغة الإعراض، وقد أعطينا حقه عند قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٤]. من المفسرين من يجعل التولِّي في هذه الآية إعراضًا جهارًا (٧)،

стр. 3610

ويقول: هذا في أول ما بُعث، ويقول في معنى قوله: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي حافظًا لهم من التولي والإعراض كما قال جل وعز: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] ثم أمر فيما بعد بالجهاد والإكراه بالسيف، ونُسخ هذا وأمثاله. وهذا معنى قول ابن زيد (١)، واختيار ابن قتيبة (٢). ومنهم من يجعل التولي ههنا إضمار العداوة للرسول، والإعراض عنه في السر؛ كتولي المنافقين، ويقول في قوله: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي حافظًا لهم من المعاصي حتى لا تقع، حافظًا لأعمالهم التي يقع الجزاء عليها؛ لأن الله هو المُجازي بها. وإلى هذه الطريقة مال أبو إسحاق؛ لأنه يقول في قوله: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾: تأويله والله أعلم أنك لا تعلم غيبهم، وإنما لك ما ظهر منهم (٣). ومعنى جواب الجزاء في قوله: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ كأنه يقول: ومن تولى فليس عليك بأس لتوليه؛ لأنك لم ترسل عليهم حفيظًا من المعاصي حتى لا تقع، أو حفيظًا لأعمالهم التي يقع الجزاء عليها، فتخاف ألا تقوم بها على ما ذكرنا (٤). وعلى هذه الطريقة لا موضع للنسخ في الآية.

стр. 3611

٨١ - قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ يعني المنافقين، في قول الحسن (١) والسدي (٢)، والضحاك (٣)، وأكثر المفسرين (٤). قال ابن عباس: كانوا يقولون للنبي ﷺ : طاعة، يريدون أطعناك (٥). وقال الكلبي: كانوا يقولون للنبي ﷺ : طاعة، يريدون: أطعناك. وقال الكلبي: كانوا يقولون طاعة لأمرك (٦). وقال مقاتل: كانوا يقولون طاعةً لأمرك (٧). وقال مقاتل: كانوا إذا دخلوا على النبي ﷺ قالوا: مرنا بما شئت، فأمرك طاعة (٨). وقال النحويون: معناه: أمرُنا طاعة (٩)، أي أمرنا وشأننا أن نُطيعك.

стр. 3612

وقال بعضهم: منا طاعة (١). وقال أبو إسحاق: والمعنى أنَّ إضمار أمرنا أجمع في القصة وأحسن (٢). وقال الفراء: الرفع على قولك: منا طاعة، وأمرك طاعة (٣). قال: والطاعة اسم من أطاع، يقال: أطعته إطاعة وطاعة، كقولك: أطقته إطاقه وطاقة، وأجبته إجابة وجابة. ذكر ذلك في المصادر (٤). وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾. قال الكلبي: خرجوا من عندك (٥). وقوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾. قال الزجاج: كل أمر فكر فيه (أو خيض) (٦) فيه بليل فقد بيت، يقال: هذا أمر قد بيت بليل، ودبر بليل، بمعنى واحد. قاله في قوله: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، (٧). وقال في هذه الآية: كل أمر قضي بليل قيل: بيت (٨)، وهو قول أبي عبيدة (٩) وأبي العباس (١٠) وجميع أهل اللغة، وأنشدوا:

стр. 3613

أتوني فلم أرض ما بيتوا ... وكانوا أتوني لأمر نكر (١) وحُكي عن الأخفش أنه قال: العرب تقول للشيء إذا قدّر: قد بيت، يشبهونه بتقدير بيوت الشعر (٢). وقال أهل اللغة: إنما قيل للتدبير بالليل تبييت لأنه تدبير في البيوت وقت البيتوتة (٣)، وذلك الوقت أخلى للأفكار. هذا كلام أهل اللغة في هذا الحرف. فأما كلام المفسرين، فقال عطاء عن ابن عباس في قوله: بيت طائفة منهم غير الذي تقول: "يريد أضمروا في قلوبهم غير الذي تقول" (٤). وقوله راجع إلى معنى التقدير؛ لأن إضمارهم الشيء تقدير منهم مع أنفسهم. قال عبد الله بن مسلم (٥): (ويقولون طاعة) بحضرتك، (فإذا خرجوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول) أي قالوا وقدروا ليلًا غير ما أعطوك نهارًا (٦).

стр. 3614

وقال الكلبي: (بيت) غير طائفة منهم (١). وقال قتادة: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ يغيرون ما عاهدوا عليه النبي ﷺ (٢). وكذلك قال الفراء في معنى التبييت، أنه بمعنى التغيير (٣). وهذا التفسير راجع أيضًا إلى معنى التقدير؛ لأن: من قدّر شيئًا غير الأول فقد غير وبدل، وإنما يكون التبييت بمعنى التغيير إذا استعمل مع غير، يقال: بيت فلان غير ما قال إذا غيره ورجع عنه بتدبير وتقدير في نفسه. وبعضهم يقول: إن التبييت في لغة طيّ يكون بمعنى التغيير (٤)، وينشدون: وبيت قولي عبد المليك ... قاتلك الله عبدًا كفورًا (٥) معنى بدلت وغيرت. وهذا لا يستقيم في معنى الآية؛ لأنك لو حملت الآية عليه كان المعنى غير طائفة أو النبي، على ما تذكر في تفسير: ﴿تَقُولُ﴾، وليس كذلك معنى الآية، لأنهم غيروا ما قالوه أو قاله النبي ﷺ لا غير ذلك، فقد بان لك أن التبييت إنما يستعمل بمعنى التغيير إذا كان مع غير.

стр. 3615

وهذا ظاهر بحمد الله. والمفسرون فسروا ﴿بَيَّتَ﴾ بمعنى: غير، ذهابًا إلى المعنى، كما بينا. وأما قوله: ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ فيدل كلام بعض المفسرين على أن ﴿تَقُولُ﴾ من فعل الطائفة، ويدل كلام بعضهم على أنه مخاطبة للنبي ﷺ وأنه القول له. قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد أضمروا في قلوبهم غير الذي تقول (١). وهذا التفسير محتمل لوجهين: أضمروا غير ما قلت لهم يا محمد. وأضمروا غير ما قالوا هم، على معنى أنهم أسروا غير ما أظهروا وأضمروا الخلاف عليك. وقال الكلبي في قوله: ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾: غير ما أتيتهم به (٢). وهذا يدل على أن القول للنبي ﷺ . وقال الحسن في معنى قوله: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُول﴾: على وجه التكذيب (٣). وهذا أيضًا يدل على أن القول للنبي ﷺ ؛ لأن المعنى أنهم كذبوا ما يقول لهم. وقال قتادة في هذه الآية: يغيرون ما عاهدوا عليه النبي ﷺ (٤) وهذا يدل على أن القول للطائفة. وقال الفراء: غير ما قالوا وخالفوا (٥).

стр. 3616

وقال عبد الله بن مسلم (١): قدروا ليلًا غير ما أعطوك نهارًا (٢). وهذه الآية تقوي الطريقة الثانية في الآية الأولى، وهي أن معنى التولي في قوله: ﴿وَمَن تَوَلَّى﴾ إضمار العداوة والخلاف للنبي ﷺ . وقال أبو إسحاق: هذا ونظائره في كتاب الله جل وعز من أبين آيات النبي ﷺ ؛ لأنهم ما كانوا يخفون عنه أمرًا إلا أظهره الله (٣). وأكثر القراء قرأوا ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ بفتح التاء والإظهار (٤)، لانفصال الحرفين واختلاف المخرجين (٥). وقرأ حمزة (بيت طائفة) جزمًا مُدغمًا (٦). قال الفراء: جزمها لكثرة الحركات، فلما سكنت التاء اندغمت في الطاء (٧). وقال غيره (٨): إن الطاء والتاء والدال من حيز واحد، فالتقارب الذي بينها يُجريها مجرى الأمثال (٩) في الإدغام (١٠) الأنقص صوتًا من الحروف

стр. 3617

في الأزيد بحسب قبح (١) إدغام الأزيد في الأنقص، ألا ترى أن الضاد لا تُدغم في مقاربها، ويدغم مقاربها فيها؟ وكذلك الصاد والسين والزاي لا يُدغمن في مقاربها، ويدغم مقاربها فيها، ويدغم بعضها في بعض (٢). وذُكر في تخصيص طائفة من جملة المنافقين بالتبييت وجهان: أحدهما: أنه ذكر من علم أنه يبقى على كفره ونفاقه، فأما من علم أنه يرجع عن ذلك فإنه لم يذكرهم. والثاني: أن هذه الطائفة كانوا قد أسهروا ليلهم في التبييت وغيرهم سمعوا وسكتوا ولم يبيتوا، فلم يذكروا (٣). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾. ذكر أبو إسحاق فيه وجهين: أحدهما أن معناه ويُنزله إليك في كتابه. والثاني يحفظ عليهم ليُجازوا به (٤). وقوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد فاصفح عنهم (٥) وذلك أن الله تعالى نهى عن قتل المنافقين (٦). وقال أبو إسحاق: أي لا تسم هؤلاء بأعيانهم، لما أحب الله من ستر

стр. 3618

أمر المنافقين إلى أن يستقيم أمر الإسلام (١). وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ قال عطاء: يريد: واصبر على خلافهم (٢). وقال ابن كيسان: اعتمد بأمرك عليه (٣). وقال أهل اللغة: معنى (توكل على الله) أي علم أن الله كافل أمره فركن إليه وحده (٤). وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ الوكيل في اللغة معناه الموكول إليه، وهو فعيل بمعنى مفعول (٥). وقال ابن كيسان: وكفى باللهِ معتمدًا وملجأ. وقال عطاء: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ يريد لمن توكل عليه (٦). وقال بعضهم: الوكيل القائم بما يُفوض إليه من التدبير. قال المفسرون: كان الأمر والمعاني [...] (٧).

стр. 3619

٨٢ - قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ معنى التدبير والتدبر في اللغة النظر في العواقب (١)، ومنه قول الأكثم (٢) ألا (٣) تتدبروا أعجز (٤) الأمور قد ولت صدورها (٥). ويقال لمن نظر في أمر قد أدبر: استدبر فلان أمره، ويقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، أي: لو عرفت في صدره ما عرفت في عاقبته (٦). وقال الزجاج: معنى تدبرت الشيء: نظرت في عاقبته، وسمي النحل دبرًا لأنه يعقب ما ينتفع به. والمال الكثير دبر، لأنه يبقى للأعقاب والأدبار (٧). ومعنى الآية: أفلا يتأملون القرآن ويتفكرون فيه.

стр. 3620

قال ابن عباس: وما فيه من المواعظ والذكر والأمر والنهي (١). وقال الزجاج: يعني به المنافقون (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ قال ابن عباس: يريد لو كان من عند مخلوق لكان فيه كذب واختلاف وباطل (٣). وقد بين الزجاج وكشف عن هذا المعنى فقال: لو كان ما يُخبرون به مما بينوا وما يسرون فيوحى إلى النبي ﷺ لولا أنه من عند الله لكان الإخبار به مختلفًا؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله (٤). فالاختلاف على هذا التفسير معناه الكذب. وقال قتادة وابن زيد في قوله: ﴿اخْتِلَافًا﴾: أي تناقضًا من جهة حق وباطل (٥). وهذا القول معناه كالأول؛ لأنَّ تأويله: أنه لو كان من عند غير الله لكان ما فيه من الإخبار عن الغيب بعضه حقًا وبعضها باطلًا. وقال بعض أهل المعانى: قوله: ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا﴾ أي من جهة بليغ ومرذول (٦). يعني أنه لو كان من عند مخلوق لكان على قياس كلام

стр. 3621

العباد، بعضه بليغ حسن وبعضه مرذول فاسد، فلما كان جميع القرآن بليغًا عرف أنه من عند الله. ومعنى الاختلاف في اللغة: أن يذهب أحد الشيئيين خلاف ما ذهب إليه الآخر، والأقوال المختلفة أن يذهب بعضها إلى الخطأ وبعضها إلى الصواب، أو بعضها إلى الحسن البليغ وبعضها إلى المرذول القبيح. وليس بحمد الله في القرآن اختلاف تناقض، ولا اختلاف تفاوت، بأن يكون بعضها حسنًا وبعضه قبيحًا. فأما اختلاف القراءات، واختلاف مقادير الآيات والسور، واختلاف الأحكام في الناسخ والمنسوخ فكلٌّ صواب وكله حق، وليس ذلك اختلافًا يؤدي إلى فساد وتناقض، بل هو اختلاف يوافق بعضه بعضًا في الحسن (١).

стр. 3622

وقال ابن عباس في رواية الكلبي عنه في هذه الآية: أفلا يتفكرون في القرآن فيرون بعضه يُشبه بعضًا، ويصدق بعضه بعضًا، وأن أحدًا من الخلائق لم يكن يقدر عليه، فيسلمون بذلك أنه من عند الله، إذ لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا أي تفاوتًا وتناقضًا كثيراً (١). فجعل الاختلاف في هذا القول اختلاف التناقض. ٨٣ - وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ الآية (٢) المفسرون وأرباب المعاني فوضى مختلفون في هذه الآية، ولا تكاد ترى لأحدهم متفق الصدر والعجز في معناها، وسأبين ما هو الأوفق والأليق إن شاء الله. قال أبو بكر محمد بن القاسم (٣): نزلت هذه الآية في قوم كانوا يُرجفون بسرايا رسول الله ﷺ وُيخبرون بما وقع بها وبما أدركت ولحقت، قبل أن يُخبر به النبي ﷺ فيضعفون قلوب المؤمنين ويؤذون النبي ﷺ سبقهم إياه بالأخبار، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ أي أبدوه وأظهروه قبل إبداء الرسول إياه إلا قليلًا منهم ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ أي أولي أمر السرايا، حتى يكون النبي ﷺ والأمراء هم الذين يُخبرون به ﴿لَعَلِمَهُ﴾ كل طالب علمه، واستغنوا بذلك عن الإخبار بما يغم رسول الله ﷺ ويؤذي المسلمين (٤).

стр. 3623

وهذا الذي قاله أبو بكر معنى صحيح عليه كثير من المفسرين (١)، وأذكر من أقوالهم ما وافق هذا المعنى. قال ابن عباس: هذا في الأخبار، إذا غزت السرية من المسلمين أخبروا الناس عنها، فقالوا: أصاب المسلمين من عدوهم كذا وكذا، فأفشوه بينهم (٢). وقال (السدي) (٣): نزل هذا في أصحاب الأخبار والأراجيف كانوا إذا سمعوا من النبي خبرًا أفشوه حتى يبلغ العدو فيأخذ حذره، وكذلك كانوا يصنعون إذا كانوا غزاةً في السرايا (٤). وقال الكلبي: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾ يعني المناِفقين ﴿أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾ حديث فيه أمن ﴿أَوِ الْخَوْفِ﴾ يعني الهزيمة ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ أفشوه، ولو سكتوا عنه حتى يكون الرسول هو الذي يُفشيه، أو أولو الأمر مثل أبي بكر وعمر وعلي، ويقال أمراء السرايا ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ يتبعونه، ويقال: يطلبون علم ذلك (٥). قال: وكان رسول الله ﷺ إذا بعث سرية فغلبت أو غُلبت تحدثوا بذلك وأفشوه، ولم يقفوا في ذلك حتى يكون رسول الله يخبرهم، فأنزل

стр. 3624

الله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾. ونحو هذا قال مقاتل (١). فهذه الأقوال التي ذكرنا توافق المعنى الذي ذكره أبو بكر وتقاربه. فأما سوق الألفاظ على هذا التفسير، فقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾ يعني المنافقين في قول أكثرهم (٢). قال الزجاج: وكان ضعفة من المسلمين يُشيعون ذلك معهم من غير علم منهم بالضرر في ذلك (٣). وهذا قول الحسن أيضًا (٤). والسدي أبهم الأمر فقال: نزل في أصحاب الأخبار (٥). فاحتمل أن يكونوا من المنافقين وأن يكونوا من المسلمين. ومعنى ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾ إذا وقع إليهم وانتهى إليهم هذا الخبر الذي هو أمر ﴿مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾ من جهة استخبار وتجسس في معنى قول المفسرين إلا في قول السدي، فإنه قال: كانوا إذا سمعوا من النبي ﷺ خبرًا (٦). فعلى قوله يجيئهم الخبر بالسماع عن النبي ﷺ ، وعلى قوله لا يجوز أن يكونوا كاذبين بأن كان ما وقع إليهم من الخبر كذبًا، فقد قال ابن عباس: أفشوه بينهم من غير أن يكون شيء من ذلك (٧).

стр. 3625

وقوله: ﴿أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾. مضى فيه كلام المفسرين. وقال الحسن: من السلم أو الحرب (١). وقوله تعالى: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾. الذيع أن يشيع الأمر (٢). قال الفراء: يقال: ذاع الشيء يذيع ذيعانًا وذيعًا وذيوعًا (٣). وقال أبو زيد: أذعتُ الأمر وأذعت به (٤). ونحو ذلك قال الكسائي وأبو عبيدة (٥) وأنشد. أذاع به في الناس حتى كأنه ... بعلياء نار أوقدت بثقوب (٦) قال قتادة: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ أظهروه (٧). وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾. أي ردوا الأمر من الأمن أو الخوف (٨). وتأويله: فوضوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر (٩).

стр. 3626

وفي أولي الأمر قولان ذكرتهما (١) في حكايته قول الكلبي، أحدهما اختيار الزجاج؛ لأنه قال: إلى ذوي العلم والرأي منهم (٢). والثاني اختيار الفراء؛ لأنه قال: لو ردوه إلى أمراء السرايا (٣). وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ﴾ يعني من هؤلاء المرجفين. وجعل أمراء السرايا وذوي العلم منهم من حيث الظاهر. وقد مضى مثل هذا في آيتين، وذكرنا الكلام هناك، إحدى الآيتين قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء:٧٢] والثانية قوله معنى (٤) ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٦٦]. وقوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. معنى الاستنباط في اللغة الاستخراج، يقال: استنبط الفقيه، إذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده وفهمه. وأصله من النبط وهو الماء الذي يخرج من البئر أول ما يُحفر. يقال من ذلك: أنبط في غضراء (٥) أي استنبط الماء في طين حر. قال: والنبط (٦) إنما سموا نبطًا لاستنباطهم ما يخرج من الأرضين. هذا كلام الزجاج (٧).

стр. 3627

وقال الفراء: ينبطونه مثل يستنبطونه، ونبط الماء ينبط وينبط نبوطًا والأنباط الذين استنبطوا الماء من الأرض (١). وقال ابن الأعرابي: يقال للرجل إذا كان يعدُ ولا يُنجز: فلان قريب الثرى بعيد النبط (٢). وقال غيره: يقال ذلك إذا وصف بالعز والمنعة، حتى لا يجد عدوه سبيلًا إلى أن يهضمه (٣). قال كعب بن سعد الغنوي (٤): قريب ثراه ما ينال عدوُّه ... له نبطًا أبي الهوان قطوبُ (٥) وأنشده الفراء في المصادر. هذا كلام أهل اللغة. فأما قول أهل التأويل، فقال الضحاك: ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ يتبعونه (٦). وقال عكرمة: الذين يحرصون عليه ويسألون عنه (٧).

стр. 3628

وقال مجاهد: هو قولهم: ماذا كان؟، وماذا سمعتم (١)؟. وقال أبو العالية: يتحسسونه (٢). وكل هذه أقوال في معاني الاستنباط. وقال عطاء: يريد يستيقنونه ويعلمونه (٣). وهذا مرتب على الاستنباط، أي يعلمونه بعد الاستنباط الذي هو السبب المؤدي إلى العلم. وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ من صلة الاستنباط، يقال: استنبطت من فلان أمرًا. والكناية تعود على المرجفين، وهي كقوله: ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ (٤). والمعنى: لو سكتوا وفوضوا ذلك إلى (نبي، ذكرهم الله تعالى) (٥) لعلم ذلك الخبر كل طالب من المسلمين من غير إذاعة المنافقين، ولم يكونوا قد آذوا رسول الله بإذاعة ما يكره إذاعته. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾. قال ابن عباس: فضل الله الإسلام ورحمته القرآن (٦). وقال أبو روق: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بالإسلام ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾

стр. 3629

بالقرآن ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١) واختلفوا في وجه هذا الاستنباط: فقال ابن عباس في رواية الوالبي عنه: تَمَّ الكلام عند قوله ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ ثم استثنى القليل. قوله: ﴿أَذَاعُوا﴾ أي أذاعوا به إلا قليلًا، يعني بالقليل المؤمنين (٢). وهذا قول ابن زيد (٣) والكسائي (٤) والفراء (٥). وقال الحسن وقتادة: الاستثناء من قوله ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أجود (٦)؛ لأن ما علم بالاستنباط فليس الأكثر يعرفه، وإنما يستنبط القليل؛ لأن الفضائل والاستخراج في القليل من الناس (٧). قال الزجاج: وهذا في هذا الموضع غلط من النحويين؛ لأن هذا الاستنباط ليس من شيء (٨) يُستخرج بنظر وتفكر، وإنما هو استنباط خبر، فالأكثر يعرف الخبر إذا أخبر به، وإنما القليل ههنا المبالغ في البلادة، الذي لا يعلم ما يُخبر به. فاستثناء القليل من قوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾

стр. 3630

صحيح (١). وقال الفراء: استثناء (قليل) مما في ﴿أَذَاعُوا﴾ أوضح وأبين معنى؛ لأنهم لا يجتمعون في الإذاعة كما يجتمعون في الاستنباط ومعرفة الخبر المظهر لهم. هذا معنى قوله. ولفظه أنه يقول: الاستثناء من ﴿أَذَاعُوا﴾ أجود لوجهين: لأن علم السرايا إذا ظهر علمه المستنبط وغيره، والإذاعة قد تكون في بعض دون بعض، فلذلك استحببت (٢) الاستثناء من الإذاعة (٣)؛ لأنه جعل القليل المستثنى البليد الذي لا يعلم ما يخبر به. وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد لاتبعتم الشيطان إلا قليلًا ممن (عصم) (٤) الله (٥). قال ابن الأنباري: قال أصحاب هذا القول: الذين وقع عليهم الاستثناء هم الذين اهتدوا بعقولهم لترك عبادة الأوثان والإشراك بالله وأقاموا على التوحيد بغير رسول ولا كتاب، نحو زيد بن عمرو بن نفيل ورقة بن نوفل (٦)، وطلاب الدين (٧). قال: والقولان الأولان

стр. 3631

(أثبت) (١) من هذا القول؛ لأن ورقة وزيدًا وغيرهما ممن ثبته (٢) بفضل الله ورحمته أدرك الدين (أدرك) (٣) فنعمة الله لازمة له. ونصر الزجاج هذا القول الثالث، وأجاب عن ترجيح ابن الأنباري القولين الأولين، فقال: قبل أن ينزل القرآن على النبي ﷺ وقبل أن يُبعث قد كان في الناس القليل ممن لم يشاهد القرآن ولا النبي ﷺ مؤمنًا، فإن قال قائل: إن من كان قبل ذلك مؤمنًا فبفضل الله ورحمته آمن، قيل: إن المقصود بالفضل والرحمة في هذا الموضع النبي ﷺ والقرآن، وإيمان هؤلاء القليل كان قبلهما (٤). فيصح الاستثناء إذا خصصت الفضل والرحمة بالنبي ﷺ والقرآن. هذا الذي ذكرنا في هذا الآية قول أكثر المفسرين (٥). وفي الآية قول آخر، وهو ما قال ابن عباس في رواية الضحاك في قوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾ يعني المنافقين، كانوا إذا أمروا بالقتال لم يطيعوا الله فيما أمرهم به، وإن نهاهم عن محارمه لم ينتهوا، وإن أفضى الرسول إليهم سرًا أذاعوا عند العدو، فأنزل الله

стр. 3632

﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ يعني أمورهم في الحلال والحرام، ﴿إِلَى الرَّسُولِ﴾ في التصديق به، ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ يعني حملة الفقه والحكمة، ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ يعني الذين يفحصون عن العلم (١). فعلى هذا القول قوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ معناه كما ذكرنا في القول الأول. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾. الكناية لا تعود إلى الأمر كما عادت إليه في القول الأول، لكنها عائدة إلى غير مذكور، وهو ما يعرض لهم من أمر يحتاجون فيه إلى بيان الرسول وأولي العلم من الصحابة، كأنه قيل: ولو ردوا ذلك الذي عرض لهم إلى الرسول وإلى حملة الفقه لعلموه وأخبروا بما فيه من الصواب (٢). والكناية عن غير مذكور كثيرة إذا كان في الكلام دليل على ما لم يذكر. ونحو هذا قال الحسن وقتادة وابن جريج وابن أبي نجيح في ﴿أُولِي الْأَمْرِ﴾ أنهم أهل العلم والفقه (٣). وهذا اختيار ابن كيسان، فإنه يقول في قوله: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾: أي لو طلبوا علمه من الرسول وعلمائهم الراسخين في العلم، لعلموا صواب ذلك وخطأه (٤).

стр. 3633

وقوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ الاستنباط على هذا القول هو استخراج ما خفي من العلم، كما ذكره ابن عباس (١). وقال قتادة في قوله: ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ "أي يفصحون (٢) عنه ويهمهم ذلك" (٣). وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ على هذا القول للتبعيض، وليس صلة للاستنباط خاصٍ لبعضهم. واستثناء قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ من قوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ صحيح سائغ حسن، ولا يرد عليه ما ورد من الاعتراض في القول الأول، ويكون أحسن من الاستثناء من ﴿أَذَاعُوا﴾ على هذا القول (٤). والذي ذهب إليه الحسن وقتادة من استثناء القليل من قوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ (٥) إنما قالا ذلك لأنهما ذهبا إلى هذا القول الثاني. وهذا التفسير يدل على وجوب القول بالاجتهاد عند عدم النص؛ لأن

стр. 3634

الاستنباط ليس بتلاوة، بل هو اعتبار وقياس وحكم بالمعاني المودعة في النصوص (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ إلى آخرها. فيه تذكير للمؤمنين بنعمة الله في لطفه لهم، حتى سَلِموا من النفاق وما ذُم به المنافقون. وذكر صاحب النظم وجهًا آخر في الاستثناء، فزعم أن الاستثناء متصل بقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ دون قوله: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ على تأويل: ولولا فضل الله عليكم ورحمته إلا قليلًا ممن لم يُدخله في رحمته وفضله، فاتبعوا الشيطان، لاتبعتم أنتم الشيطان، فيكون الممتنع من اتباع الشيطان بفضله ورحمته، وغير الممتنع منه من لم يصبه فضل الله ورحمته، وهذا هو الصواب إن شاء الله انتهى كلامه. فإن قيل على هذا: الذين اتبعوا الشيطان كانوا أكثر من الذين امتنعوا من اتباعه فكيف يجعلهم قليلًا؟ قيل: هذا خطاب للذين أظهروا الإيمان من المخلص والمنافق، والذين نافقوا واتبعوا الشيطان كانوا أقل من المخلصين، فلذلك جعلهم قليلًا.

стр. 3635

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عماد البحث العلمي سلسلة الرسائل الجامعية التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) سورة النساء من آية (٨٤) إلى آخر السورة وسورة المائدة تحقيق د. محمد بن حمد بن عبد الله المحيميد أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي الجزء السابع

стр. 3636

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية عماد البحث العلمي سلسلة الرسائل الجامعية التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) سورة النساء من آية (٨٤) إلى آخر السورة وسورة المائدة تحقيق د. محمد بن حمد بن عبد الله المحيميد أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي الجزء السابع

стр. 3637

جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الواحدي, علي بن أحمد التفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت٤٦٨هـ)./ علي بن أحمد الواحدي, محمد بن صالح بن عبد الله الفوزان, الرياض١٤٣٠هـ. ٢٥مج. (سلسلة الرسائل الجامعية) ردمك:٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ٢ - ٨٦٤ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج٧) ١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي, علي بن أحمد أ- العنوان ... ب- السلسة ديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠ رقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠هـ ردمك ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ٢ - ٨٦٤ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج٧)

стр. 3638

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) [٧]

стр. 3639

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3640

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) سورة النساء من آية (٨٤) إلى آخر السورة وسورة المائدة تحقيق د. محمد بن حمد بن عبد الله المحيميد

стр. 3641

٨٤ - قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. ذكر أبو إسحاق (١) في الفاء في قوله: ﴿فَقَاتِلْ﴾ وجهين: أحدهما:- أنها جواب لقوله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤] فقاتل (٢). قال علي بن عيسى النحوي: ووجه ذلك أنه محمول على المعنى، لأنه قد دل على معنى: إن أردت الفوز فقاتل (٣). الوجه الثاني:- أن يكون متصلًا بقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٥] فقاتل في سبيل الله (٤). وقوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾. قال مقاتل: "ليس عليك ذنب غيرك" (٥). وقال الزجاج: أمره الله بالجهاد ولو وحده؛ لأنه قد ضمن له النصر (٦). قال أصحاب المعاني: معناه لا تكلف إلا فعل نفسك، على معنى أنه لا ضرر عليك في فعل غيرك، ولا تهتم بتخلف من يتخلف عن الجهاد فعليهم ضرر ذلك (٧).

стр. 3642

وانتصاب قوله: ﴿نَفْسَكَ﴾ على خبر ما لم يسم فاعله (١). وقوله تعالى: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال الكلبي: حضض المؤمنين على القتال (٢). وقوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. (عسى): حرف من حروف المقاربة، وفيه ترج وطمع، وهي من الله واجب، ومن العباد شك (٣). وقد قال ابن مقبل -فجعله يقينا- أنشده أبو عبيدة: ظنِّي بهم كعسى وهم بِتنُوفَةٍ (٤) ... البيت. وقد تكلمنا في هذا الحرف في سورة البقرة. وقال الزجاج: (عسى) معناها معنى الإطماع، والإطماع من الله واجب (٥). وقال غيره: إطماع الكريم إيجاب.

стр. 3643

والبأس: الشدة في كل شيء (١). وقال ابن عباس في قوله: ﴿بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:٨٤]: "يريد شدة حربهم في القتال" (٢) يسمى بأسًا لما فيه من الشدة. والكلبي فسر البأس في قوله: ﴿بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: بالقتال (٣). وقد أنجز الله وعده بكف بأس هؤلاء الذين ذكرهم في قوله: ﴿بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال الكلبي: إن أبا سفيان (٤) لما انصرف من أحد واعد رسول الله ﷺ موسم بدر الصغرى، فلما جاء الميعاد، خرج إليها رسول الله ﷺ في سبعين راكبًا، فلم يوافهم أبو سفيان، ولم يكن قتال، وكفاهم الله بأس عدوهم (٥). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا﴾. قال ابن عباس والكلبي: أشد عذابًا (٦). والعذاب يسمى بأسًا لما فيه من الشدة، ومنه قوله: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٢٩]، وقوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ [الأنبياء: ١٢]، وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤].

стр. 3644

وقوله تعالى: ﴿وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ [النساء:٨٤]. يقال: نكلت بفلان، إذا عاقبته في شر أتاه، عقوبةُ تنكل غيره عن ارتكاب مثله، من قولهم: نكل الرجل عن الشيء إذا جبن عنه وامتنع (١). وقد ذكرنا هذه الحرف في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا﴾ [البقرة: ٦٦]. قال الحسن وقتادة في قوله: ﴿وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾: عقوبة (٢). ونحو ذلك قال الكلبي (٣). وقال عطاء: أشد نقمة (٤). وقال ابن كيسان: أشد انتقامًا (٥). وذلك أن العقوبة نقمة وانتقام، فالانتقام معنى التنكيل لا تفسيره. ٨٥ - قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾. اختلفوا في هذه الشفاعة، ما هي، وما معناها، فقال ابن عباس في رواية عطاء: "يريد من يوحد الله مخلصًا يكن له نصيب منها، يريد الجنة" (٦). وتفسير هذا القول ما قال الضحاك: من آمن بالتوحيد، وقاتل أهل الكفر، فقد شفع شفاعة حسنة. وقال: نزلت في أبي جهل (٧)، فإنه لم

стр. 3645

يزل يُعين المشركين على المسلمين، وهو قوله: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ (١). قال ابن عباس: يريد الشرك بالله (٢). قال الضحاك: يعني من آمن بالشرك، وكفر بالتوحيد، فقد شفع شفاعة سيئة (٣). فقول الضحاك تفسير لقول ابن عباس. والأصل في الشفاعة الشفع الذي هو ضد الوتر، وقد ذكرنا هذا في سورة البقرة، فمعنى الشفاعة على ما ذكر الضحاك (٤) أن يشفع إيمانه بالله تعالى بقتال أهل الكفر، وهو الشفاعة الحسنة. والشفاعة السيئة أن يشفع إيمانه بالشرك بكفره بالتوحيد. وابن عباس ذكر في تفسيره أحد الشفعين في كل واحد من الجانبين، حتى ذكر الضحاك الشفع الثاني. ويؤكد هذا التفسير أيضًا ما رواه المنذري عن أبي الهيثم في قوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾: أي يزيد عملًا إلى عمل. قال: والشفع الزيادة (٥). وذهب مقاتل إلى أن معنى الشفاعة ههنا الشفاعة إلى الله تعالى بالدعاء (٦).
следующие страницы →