← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

٨٤ - قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. ذكر أبو إسحاق (١) في الفاء في قوله: ﴿فَقَاتِلْ﴾ وجهين: أحدهما:- أنها جواب لقوله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤] فقاتل (٢). قال علي بن عيسى النحوي: ووجه ذلك أنه محمول على المعنى، لأنه قد دل على معنى: إن أردت الفوز فقاتل (٣). الوجه الثاني:- أن يكون متصلًا بقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٥] فقاتل في سبيل الله (٤). وقوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾. قال مقاتل: "ليس عليك ذنب غيرك" (٥). وقال الزجاج: أمره الله بالجهاد ولو وحده؛ لأنه قد ضمن له النصر (٦). قال أصحاب المعاني: معناه لا تكلف إلا فعل نفسك، على معنى أنه لا ضرر عليك في فعل غيرك، ولا تهتم بتخلف من يتخلف عن الجهاد فعليهم ضرر ذلك (٧).

стр. 3642

وانتصاب قوله: ﴿نَفْسَكَ﴾ على خبر ما لم يسم فاعله (١). وقوله تعالى: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال الكلبي: حضض المؤمنين على القتال (٢). وقوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. (عسى): حرف من حروف المقاربة، وفيه ترج وطمع، وهي من الله واجب، ومن العباد شك (٣). وقد قال ابن مقبل -فجعله يقينا- أنشده أبو عبيدة: ظنِّي بهم كعسى وهم بِتنُوفَةٍ (٤) ... البيت. وقد تكلمنا في هذا الحرف في سورة البقرة. وقال الزجاج: (عسى) معناها معنى الإطماع، والإطماع من الله واجب (٥). وقال غيره: إطماع الكريم إيجاب.

стр. 3643

والبأس: الشدة في كل شيء (١). وقال ابن عباس في قوله: ﴿بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:٨٤]: "يريد شدة حربهم في القتال" (٢) يسمى بأسًا لما فيه من الشدة. والكلبي فسر البأس في قوله: ﴿بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: بالقتال (٣). وقد أنجز الله وعده بكف بأس هؤلاء الذين ذكرهم في قوله: ﴿بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال الكلبي: إن أبا سفيان (٤) لما انصرف من أحد واعد رسول الله ﷺ موسم بدر الصغرى، فلما جاء الميعاد، خرج إليها رسول الله ﷺ في سبعين راكبًا، فلم يوافهم أبو سفيان، ولم يكن قتال، وكفاهم الله بأس عدوهم (٥). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا﴾. قال ابن عباس والكلبي: أشد عذابًا (٦). والعذاب يسمى بأسًا لما فيه من الشدة، ومنه قوله: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٢٩]، وقوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ [الأنبياء: ١٢]، وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤].

стр. 3644

وقوله تعالى: ﴿وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ [النساء:٨٤]. يقال: نكلت بفلان، إذا عاقبته في شر أتاه، عقوبةُ تنكل غيره عن ارتكاب مثله، من قولهم: نكل الرجل عن الشيء إذا جبن عنه وامتنع (١). وقد ذكرنا هذه الحرف في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا﴾ [البقرة: ٦٦]. قال الحسن وقتادة في قوله: ﴿وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾: عقوبة (٢). ونحو ذلك قال الكلبي (٣). وقال عطاء: أشد نقمة (٤). وقال ابن كيسان: أشد انتقامًا (٥). وذلك أن العقوبة نقمة وانتقام، فالانتقام معنى التنكيل لا تفسيره. ٨٥ - قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾. اختلفوا في هذه الشفاعة، ما هي، وما معناها، فقال ابن عباس في رواية عطاء: "يريد من يوحد الله مخلصًا يكن له نصيب منها، يريد الجنة" (٦). وتفسير هذا القول ما قال الضحاك: من آمن بالتوحيد، وقاتل أهل الكفر، فقد شفع شفاعة حسنة. وقال: نزلت في أبي جهل (٧)، فإنه لم

стр. 3645

يزل يُعين المشركين على المسلمين، وهو قوله: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ (١). قال ابن عباس: يريد الشرك بالله (٢). قال الضحاك: يعني من آمن بالشرك، وكفر بالتوحيد، فقد شفع شفاعة سيئة (٣). فقول الضحاك تفسير لقول ابن عباس. والأصل في الشفاعة الشفع الذي هو ضد الوتر، وقد ذكرنا هذا في سورة البقرة، فمعنى الشفاعة على ما ذكر الضحاك (٤) أن يشفع إيمانه بالله تعالى بقتال أهل الكفر، وهو الشفاعة الحسنة. والشفاعة السيئة أن يشفع إيمانه بالشرك بكفره بالتوحيد. وابن عباس ذكر في تفسيره أحد الشفعين في كل واحد من الجانبين، حتى ذكر الضحاك الشفع الثاني. ويؤكد هذا التفسير أيضًا ما رواه المنذري عن أبي الهيثم في قوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾: أي يزيد عملًا إلى عمل. قال: والشفع الزيادة (٥). وذهب مقاتل إلى أن معنى الشفاعة ههنا الشفاعة إلى الله تعالى بالدعاء (٦).

стр. 3646

واعتمد في ذلك على ما رواه أبو الدرداء (١)، عن النبي ﷺ أنه قال: "من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له، وقال له الملك: ولك مثل ذلك" (٢) فذلك النصيب، ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ هي الدعوة عليه بضد ذلك. ويؤكد هذا التفسير ما روي عن بعضهم أنه قال: كانت اليهود تدعو على المسلمين، فتوعدهم الله تعالى بهذه الآية (٣). وقال الحسن ومجاهد والكلبي وابن زيد: هذه الشفاعة بين الناس بعضهم لبعض (٤). قال الكلبي: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ يصلح بين اثنين يكن له أجرٌ منها ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ يمشي بالنميمة وبالغيبة يكن له إثمٌ فيها (٥).

стр. 3647

وقال مجاهد: (شفاعة حسنة) و (شفاعة سيئة): شفاعة الناس بعضهم لبعض (١). قال الحسن: ويجوز في الدين أن يشفع فيه، فهو شفاعة حسنة كان له فيها أجران، وإن لم يشفع، لأن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ يَشْفَعْ﴾ ولم يقل: (من يُشَفَّع) (٢). يؤيد (٣) هذا قوله ﷺ : "اشفعوا تؤجروا" (٤). وأما الكفل فقال أبو عبيدة والفراء وجميع أهل اللغة: الكفل الحظ، ومنه قوله: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]، معناه: حظَّين (٥). وقال الزجاج. الكفل في اللغة النصيب، أخذ من قولهم. أكفلت البعير إذا أدرت على سنامه كساءً وركبتُ عليه، وإنما قيل له كفل، واكتفل البعير، لأنه لم يستعمل الظهر كله، إنما استعمل نصيبًا من الظهر (٦).

стр. 3648

وقال ابن المظفر: الكفل من الأجر والإثم الضِّعف، يقال: له كفلان من الأجر، ولا يقال: هذا كفل فلان، حتى تكون هيَّأت لغيره مثله، كالنصيب، فإذا أفردت فلا تقل: كفل ولا نصيب، ولكن: حظ (١). فأما المفسرون فقال مجاهد: الكفل: النصيب (٢). وهو قول السدي والربيع وابن زيد (٣). وقال الحسن والكلبي وقتادة ومقاتل: الكفل الوزر والإثم (٤). فالقول الأول مثل قول أهل اللغة، والقول الثاني معناه: حظ من الإثم والوزر، والحظ من الإثم والوزر وزر وإثم، فلذلك قيل في تفسير الكفل: الإثم والوزر. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥]. اختلفوا في معنى المقيت، فقال الفراء: المقيت المقتدر، والمقدِّر أيضًا، كالذي يُعطي كل رجل قوته (٥). ونحو ذلك قال عبد الله بن مسلم: المقيت المقتدر، أقات على الشيء، إذا اقتدر عليه، وأنشد:

стр. 3649

وذي ضِغْنٍ كففتُ النفس عنهُ ... وكُنتُ على مساءتِه مُقِيتًا (١) قال أبو بكر: على هذا أهل اللغة، قال بعض فصحاء المعمرين: ثم بعد الممات ينشر من ... على النشر يا بني مُقيتُ (٢) معناه: من هو مقتدر. ويقوي هذا القول ما قاله ابن عباس في رواية عطاء في قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾: "يريد قادرًا" (٣)، وهو قول السدي وابن زيد: المقيت: المقتدر (٤)، واختيار الكسائي (٥) والنضر بن شميل، وأنشد النضر: تجلَّد ولا تجزع وكن ذا حفيظةٍ ... فإني على (...) لمقيت (٦) أي: قادر. وقال آخرون: المُقيت الحفيظ. وهو قول ابن عباس (٧) وقتادة (٨).

стр. 3650

واختيار أبي إسحاق (١)، لأنه مشتق من القُوت، يقال: قُتُّ الرجل أقوتُه قَوْتًا، إذا حفظت نفسه بما تقوته. والقوت اسم للشيء الذي يحفظ نفسه ولا فضل فيه، على قدر الحفظ. فمعني المقيت -والله أعلم- الحفيظ الذي يُعطي للشيء قدر الحاجة من الحفظ (٢). وقال الكلبي في قوله: ﴿مُقِيتًا﴾ مجازيًا بالحسنة والسيئة (٣). وهذا أيضًا راجع إلى معنى الحفظ؛ لأنه إنما يحفظ أعمال العباد ليجازي عليها. وحُكي بعضهم أن هذا من القوت، ومعنى المقيت الذي عليه قوت كل دابة ورزقها (٤). قال الفراء: يقال: أقات الشيء إقاتة، وقات أهله يقوتهم قياتة وقوتًا، والقوت الاسم، وجاء في الحديث: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت" و"يقيت" (٥). قال أبو بكر: وعلى هذا القول قوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ علي زائدة للتوكيد، ومن شأنهم أن يزيدوا ﴿عَلَى﴾ للتوكيد، وأنشد لحميد (٦):

стр. 3651

أبى الله، إلاَّ أنَّ سَرْحَة مالكٍ ... على كُلِّ أفنانِ العِضَاهِ تَروقُ (١) قال: أراد كل أفنان العضاه تروق، وأكد الكلام بعلى. وقال: المقيت الشهيد وهذا عائد إلى معنى الحفيظ (٢). ٨٦ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ الآية. التحية تفعلةٌ من حيَّيتُ (٣)، وكان في الأصل تَحيية، مثل التوصية والتسمية. والعرب تؤثر التفعلة على التفعيل في ذوات الأربعة، نحو قوله: ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤]، ولا يكاد يأتي على: تفعيل، إلا أن ينطق بجوازه شعر (٤)، كما قال (٥): فهي تُنَزي دلوها تَنزيًّا (٦) أي تنزية.

стр. 3652

وكذلك التحية، كان: تحييه، فأدغموا الياء في الياء (١)، "كما استحبوا ادغام: حيّ وعيّ (٢)، للحركة اللازمة في الياء الأخيرة، وإذا سكنت الياء الأخيرة لم يجز الإدغام بمثل: يحيي ويعيي، وقد جاء في بعض الشعر الإدغام، وليس بالوجه، وهو قوله: تمشي بسدة بيتها فتعيّ (٣) وهذا الإدغام منكر عند البصريين" (٤). وسنذكر هذا مشروحًا عند قوله: ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] إن شاء الله. وأما معنى التحية في اللغة: فهو السلام (٥)، وأشعار العرب ناطقة بهذا المعنى. قال عنترة (٦): حُييت من طلل تقادم عهده ... البيت (٧)

стр. 3653

وقال الآخر: إنا محيوك يا سلمى فحيينا (١) ومعنى قول المصلي: "التحيات لله" أي السلام من الآفات لله (٢). ومن هذا قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]. هذا هو (.. (٣) ..) في التحية. ويسمى الملك أيضًا تحية (٤)، لأن الملك يحيا بتحية الملك المعروفة للملوك التي يباينون فيها غيرهم، وهي قولهم في الجاهلية: أنعم صباحًا، وأبيت اللعن، وقول عمرو (٥): [.............] حتى ... أُنيخَ على تحيَّته بجُندي (٦) معناه: على ملكه (٧).

стр. 3654

وأما قول زهير بن جناب (١): من كل ما نال الفتى ... قد نلتُه إلا التحيهْ (٢) فقيل فيه أنه المُلك (٣)، وقيل البقاء (٤)، والبقاء له تحية، لأن من سلم من الآفات بقي. وقال أبو الهيثم: يريد إلا السلام من المنية والآفات، فإن أحدًا لا يسلم من الموت على طول البقاء (٥). قال الأزهري: (والعرب تسمي) (٦) الشيء باسم غيره إذا كان منه أو من سببه. فالتحية بمعنى المُلك، وبمعنى البقاء صحيح. وقولهم: "حياك الله" أي أبقاك الله صحيح، من الحياة وهو البقاء (٧). نجد من هذا أن معنى التحية في الأصل الدعاء بالحياة، ثم صار بمعنى السلام، ثم صار أيضًا اسمًا للملك والبقاء، على ما بينا. هذا كلام أهل اللغة في معنى التحية. فأما التفسير: فقال ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ [النساء:٨٦]: "يريد السلام" (٨).

стр. 3655

﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ اختلفوا في هذا: فمنهم من ذهب إلى أن هذا التخيير في أهل الإسلام خاصة، وليس لأهل الكفر مدخل في رد التحية عليهم (١). والأكثرون والجمهور على أن قوله: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ المراد بها المسلمون، ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ إذا كان المسلم من غير أهل الإسلام (٢). قال الكلبي: أمر الله المسلمين برد السلام على من سلم عليهم بأحسن مما سلم عليهم، وهو الزيادة على التحية إن كان المسلم من أهل دينهم، أو بمثل الذي سلم إن كان من غير أهل دينهم، وهو أن يقول: عليكم. ولا يزيد على ذلك (٣). وقال أبو روق: أما (أحسن منها) فعلى أهل دينك، وأما ﴿رُدُّوهَا﴾ فعلى أهل الكتاب (٤). وقال الزجاج: عن عطاء: (أحسن منها) في أهل الإسلام ﴿رُدُّوهَا﴾ على أهل الشرك (٥). وقال ابن عباس: و (أحسن منها) أن يرد: ورحمة الله وبركاته، يرد

стр. 3656

على المؤمنين خاصة (١). وقال: (الضحاك) (٢): إذا قال: السلام عليكم، فقلت: عليكم السلام ورحمة الله، وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله، فقلت: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فقد حييته بأحسن منها. وهذا منتهى السلام (٣). قال الحسن: دخل رجل على النبي ﷺ فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال النبي ﷺ : وعليك. ودخل آخر فقال: السلام عليكم، فقال رسول الله ﷺ وعليكم السلام ورحمة الله، ودخل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال رسول الله ﷺ : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فقام الأول فقال: يا رسول الله: سلمت عليك فلم تزدني على: "وعليك" وقال هذا: السلام عليكم. فزدته، وقال هذا: السلام عليكم ورحمة الله، فزدته. فقال رسول الله ﷺ : إنك لم تترك من السلام فرددت عليك، وهذان تركا شيئًا منه فزدتهما (٤). فدل هذا الحديث على أن السلام انتهى إلى البركات (٥). ثم أعلم أن السلام في الأصل سنة، والرد فريضة (٦) على الكفاية،

стр. 3657

فإذا سلم رجل على جماعة فالأحسن أن يرد جميعهم جوابه، فإن رد واحد منهم أسقط القرض عن الآخرين كسائر فروض الكفايات (١). والسنة أن يستتبع شيئًا من كلمات السلام. والسنة في الجواب الزيادة (٢)، ولو رد كالابتداء سقط عنه القرض، لقوله تعالى: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾. والسنة أن يسلِّم الراكب على الماشي والقائم على القاعد، كذا قال رسول الله ﷺ (٣). والسنة في السلام الجهر والإفشاء، وكذلك في الجواب (٤)، والاقتصار على الإشارة ليس من السنة (٥). والمصافحة عادة رسول الله ﷺ وإذا تصافح المسلمان عند السلام تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر، كذا في الخبر عن رسول الله ﷺ (٦).

стр. 3658

ومن ورد عليه سلام في كتاب فجوابه فرض عليه في الجواب (١). ولو قال المبتدئ: عليكم السلام فقد سلم وتحتم الجواب وإن قلت العادة في اللفظ (٢). وإن قال المبتدئ: السلام عليكم، فقال المجيب: السلام عليكم، فقد أجاب. وأنت في اللفظ بالخيار، وكذلك في تعريف السلام وتنكيره، وعند التحلل من الصلاة لابد من الألف واللام. وإذا استقبلك رجلٌ واحد فقل: سلام عليكم، واقصد الرجل والملكين، فيردان عليك (٣). وإذا دخلت بيتًا خاليًا فسلِّم على نفسك من الله تعالى (٣). وليس للمسلم أن يسلِّم على الكافر، فإن سلَّم الكافر فليقل: وعليكم، ولا يزيد على هذا (٤)، وقد روي أن جماعة من اليهود دخلوا على رسول الله ﷺ فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم -يعنون الموت-، فقال رسول الله ﷺ : وعليكم، ففطنت عائشة فقالت: وعليكم السام والذام (٥) والداء واللعنة، فقال رسول الله ﷺ : "يا عائشة قد رددت عليهم، وإني استجاب فيهم ولا يُستجابون" (٦).

стр. 3659

ومن وضع السلام غير موضعه لم يستحق جوابًا، مر رجل برسول الله ﷺ وهو يقضي حاجته، فسلم عليه، فقام رسول الله إلى جدارٍ فتيمم ورد الجواب ثم قال: لولا أني خشيت أن تقول: سلمت عليه فلم يرد علي، لما رددتُ عليك، إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تُسلِّم علي، فإنك إن سلمت علي لم أرد عليك (١). وفي هذا دليل على أن الطهارة مستحبة لجواب السلام والابتداء بالسلام وفي جميع الأحوال، ولهذا قال رسول الله ﷺ : "ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" (٢). وإذا دخل يوم الجمعة والإمام يخطب، فلا ينبغي أن يُسلِّم لاشتغال الناس بالاستماع، فإن سلَّم فرد بعضهم عليه فلا بأس، ولو اقتصروا على الإشارة كان أحسن (٣). لما روي أن رسول الله ﷺ كان يصلي في مسجد الخيف والناس يدخلون ويسلِّمون عليه فيرد عليهم، فقيل: كيف كان يرد عليهم؟ فقال: إشارة (٤).

стр. 3660

وقال بعض السلف. من دخل الحمام فرأى الناس متَّزرين سلَّم عليهم، وإن لم يكونوا متزرين لم يُسلِّم عليهم (١). والأولى ترك السلام على القارئ لاشتغاله بالتلاوة، فإن سلَّم عليه إنسان كفاه الإشارة، وإن أراد أن يرد الجواب رده ثم استأنف الاستعاذة وعاود التلاوة (٢). ولا ينبغي أن يسلم على المؤذن عند اشتغاله بالأذان. ورد السلام يكون على الفور، فإن أخر انقضى الوقت وأثم بترك القرض، فإذا أجاب بعد فوت الوقت كان ذلك ابتداء سلام لا جوابًا (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] قال ابن عباس: "يريد مجازيًا" (٤) ومثله قال الحسن في الحسيب (٥). وقال مجاهد وقتادة وأبو العالية حفيظًا (٦). وذلك أنه يحصى العمل إحصاء الحافظ له الذي لا يشذ (٧) عنه شيء. ويكون الحسيب بمعنى المُحاسب، وقد ذكرنا هذا في أول السورة.

стр. 3661

وقال الزجاج: أي يعطي كل شيء من العلم والحفظ والجزاء مقدار مما يحسبه، أي يكفيه (١). وهذا الذي قاله جامع للأقوال، لأنه بمعنى يعلم كل شيء ويحفظ كل شيء ويجازى على كل شيء، علمًا كافيًا، وحفظًا كافيًا، وجزاء كافيًا. ٨٧ - قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ هذه لام القسم، كأنه قيل: والله ليجمعنكم (٢)، ومعنى ليجمعنكم: أي: في الموت، أو في النشور إلى يوم القيامة، أي: ليضمنكم إلى ذلك اليوم ويجمعن بينكم وبينه بأن يجمعكم فيه (٣). قال أبو إسحاق: جائز أن تكون سميت القيامة؛ لأن الناس يقومون من قبورهم، وجائز أن تكون سميت القيامة؛ لأنَّ الناس يقومون للحساب، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾. قال ابن عباس: "يريد موعدًا" (٥). أي: لا يخلف لوعده. وقال مقاتل: لا أحد أصدق من الله في أمر البعث (٦). وإنما جاء النفي ههنا بأداة الاستفهام؛ لأن جوابه يكون على معنى النفي فيما تقتضيه حجة العقل، فجاء هذا على المظاهرة برد الإنسان فيه إلى

стр. 3662

حجة عقله، وكان ذلك أبلغ من إخباره به، وهذا كما يقول القائل: ومن أفضل منِّي؟ فيقول من يصدقه ويعرف صدقه في ذلك: لا أحد أفضل منك. فكان هذا أبلغ من أن يقول: أنا أفضل الناس. ومضى مثل هذا فيما تقدم. والحديث ما يُحَدِّث به المحدث، والحديث الجديد من الأشياء (١) الذي لم يكن فحدث، وبه سمي حديثًا لأنه ذكرٌ لم يكن ثم حدث، وما يخبر الله تعالى به يجوز أن يسمى حديثًا على معنى حدوثه بالإخبار عنه، فقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ كقولك: ومن أصدق من الله إخبارًا أو خبرًا وقلًا وقيلًا، كلها متقارب. ومن هذا المعنى سمي القرآن حديثًا في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] لحدوث تلاوته فيما بيننا، فأما نفس كلام الله تعالى فقديم، لم يزل الباري تعالى ذكره متكلمًا. ٨٨ - قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾. قال ابن عباس وأكثر المفسرين: نزلت في قوم قدموا على النبي ﷺ مسلمين، فأقاموا بالمدينة ما شاء الله، ثم قالوا: يا رسول الله إنا اجتوينا المدينة، فأذن لنا حتى نتبدا (٢). فإذن لهم رسول الله ﷺ ، فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة، حتى لحقوا بالمشركين، فتكلم المؤمنون فيهم، فقال بعضهم: لو كانوا مسلمين مثلنا لأقاموا معنا وصبروا كما نصبر، وقال قوم: هم مسلمون حتى نعلم أنهم بدَّلوا. فبين الله تعالى نفاقهم في هذه الآية. وهذا معنى قول الحسن ومجاهد (٣).

стр. 3663

وإنما وصفوا بالنِّفاق وقد أظهروا الارتداد عن الإسلام واللحوق بالمشركين؛ لأنهم نُسبوا إلى ما كان عليه قبل من إضمار الكفر. وانتصاب فئتين على الحال عند البصريين (١). قال سيبويه: إذا قلت: ما لك قائمًا، فإنما معناه لم قمت، ونصبته على تأويل: أي شيء يستقر لك في هذه الحال (٢). وقال الفراء: نصبه على معنى خبر كان، إذا قلت: مالك قائمًا، كأنك قلت: لم كنت قائمًا. قال: ولا تبال أكان المنصوب معرفةً أو نكرة، يجوز في الكلام أن تقول: مالك الناظر في أمرنا. وعنده يجوز: مالك القائم (٣). قال الزجاج: مالك القائم. خطأ؛ لأن القائم معرفة، لا يجوز أن تقع حالًا، و"ما" حرف من حروف الاستفهام لا يعمل عمل كان. قال: ولو جاز: مالك القائم، لوجب أن يجوز: ما عندك القائم، وما بك لقائم، وبإجماع لا يجوز: ما بك القائم، فما لك القائم مثله لا فرق في ذلك (٤). ومعنى الآية: ما لكم مختلفين في هؤلاء المنافقين.

стр. 3664

قال الزجاج: أمر الله جل وعز أن يتَّفق المسلمون على تكفير من احتال على رسول الله ﷺ وخالفه فقال: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء:٨٨] أي: أيّ شيء لكم في الاختلاف في أمرهم (١). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾. قال الفراء: يقول ردهم إلى الكفر (٢)، قال: وركسهم لغة (٣). قال أبو عبيد (٤): يقال: ركست الشيء وأركستُه لغتان، إذا رددته (٥). والرَّكس قلب الشيء على رأسه، (أَوْرَدُّ) (٦) أوله إلى آخره، والارتكاس الارتداد (٧)، وقال أمية (٨): فاركسوا في حميم النار إنهم ... كانوا عصاةً وقالوا الإفك والزورا (٩) ومن هذا يقال للرَّوث الركس، لأنه رد إلى حال النجاسة، ولهذا المعنى سمي رجيعًا (١٠).

стр. 3665

وإجماع أهل اللغة أن الركس والإركاس بمعنى، وأن تأويله النَّكس والرد، والمنكوس والمركوس واحد (١). قال الزجاج: تأويل ركسهم في اللغة (٢): نكسهم وردهم (٣)، والمعنى: أنه ردهم إلى حكم الكفار من الذل والصغار والسبي والقتل ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ أي بما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النفاق، وذلك أن المنافق ما دام متمسكًا في الظاهر بالشهادتين لم يكن لنا سبيل إلى دمائهم، وكذلك فعل رسول الله ﷺ ، وكان قد أعلم بنفاق المنافقين، وذكر عددهم لحذيفة (٤)، وعاش خلق بعد رسول الله ﷺ ، فإذا أظهروا الارتداد عادوا إلى حكم الكفار، وهذا معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾. قال ابن عباس: "يريد تُرشدوا من لم يرشده الله" (٥). ومعنى هذا أنه ليس إليكم هداية من أضل الله، وهؤلاء ممن ضلهم الله فلا يرشدهم أحد. وقال الزجاج: [أي أتقولون] (٦) إنَّ هؤلاء مهتدون والله جل وعز قد أضلهم (٧).

стр. 3666

فمعنى ﴿تَهْدُوا﴾ على هذا تسموا (١) مهتدين وتجعلوهم مهتدين (.. (٢) ..) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٨٨] قال ابن عباس: "يريد دينا" (٣). وقال الزجاج والسدي: أي (....) (٤). والمعنى أنه لا ينفعه هداية هاد له. ٨٩ - قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾ معنى هذه الآية صرف المؤمنين الذين كانوا يُحسنون الظنَّ بهم عما هم عليه، واخبار بما يوجب العداوة لهم والبراءة منهم. وقوله تعالى: ﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ رفع بالنسق على تكفرون، لأن المعنى: ودوا لو تكفرون وودوا لو تكونون، فالفاء عاطفة، ولم يقصد بها جواب التمني، ولو أراد أن تكون جوابًا، على تأويل إذا كفروا استووا، لكان نصبًا (٥). ومثل هذا قوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] (٦). ولو قيل: فيدهنوا، على الجواب لكان صوابًا في العربية (٧)، ومثله قوله: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً﴾ [النساء: ١٠٢] ونذكره في موضعه.

стр. 3667

ومعنى قوله: ﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ أي في الكفر، والمراد: فتكونون وهم سواءً (١)، فاكتفى بذكر المخاطبين عن غيرهم؛ لوضوح المعنى بتقدم ذكرهم. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. نهى عن مباطنة هؤلاء وموالاتهم، وهذا الحكم جارٍ في جميع المشركين، والمنافقين، والمستسرِّين الزندقة والإلحاد، لا يجوز نُسلِّم موالاة أحدٍ منهم. وحكم المستسر بنوع من أنواع الكفر حكم المنافق، لا يُقتل ما دام يُظهر كلمة الشهادتين. ولو ثبت إلحاد أحد بإقراره ثم تاب قبلت توبته وحقن دمه بظاهر الشهادة، ولا سبيل إلى ما في قلبه، كما قال رسول الله ﷺ للمقداد: "هلا شققت عن قلبه" (٢). وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ابن عباس والأكثرون قالوا: المراد بالهجرة ههنا الرجوع إلى المدينة ودار الهجرة ثانيًا، ومهاجرة دار الشرك (٣).

стр. 3668

ونحو ذلك قال الزجاج: حتى يرجعوا إلى النبي ﷺ (١). وهذا هو الظاهر. وقال قوم: معناه حتى يخرجوا في سبيل الله مع رسول الله ﷺ صابرًا محتسبًا، وهو هجرة المنافقين (٢). والهجرة أنواع: فأعلاها وأفضلها هجرة المهاجرين دورهم ومساكنهم بمكة إلى المدينة، وهم الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وذكرهم في القرآن كثير (٣). وهجرة المنافقين ما ذكرنا. وهجرتان ثابتتان إلى يوم القيامة (٤)، وهي هجرة من أسلم من الكفار في دار الكفر، يلزمه أن يهاجر إلى المسلمين، ولا يحل له المساكنة بين أظهرهم والاستسرار بالدين (٥)، لقوله ﷺ : "أنا بريء من كل مسلم مع مشرك" (٦). وهجرة المسلم عما نهى الله عنه (٧)، لقوله ﷺ :

стр. 3669

"والمهاجر من هاجر ما نهى الله عنه" (١). ومعنى ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: "في طاعة الله" (٢). قال أهل المعاني: وسبيل الله هو الطريق الذي أمر بسلوكه، وهو العمل بطاعة الله (٣)، وإنما جُعل كالطريق لأنه يُستمر عليه في الطريق، ويؤدي إلى البغية كما يؤدي الطريق (٤). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾، أي: عن الهجرة ولزموا الإقامة على ما هم عليه (٥)، ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ بالأسر (٦). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ قال ابن عباس: "يريد لا تتولوهم ولا تستنصروا بهم على عدوكم" (٧). ٩٠ - قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾ الآية. الاستثناء راجع إلى القتل (٨)، لا إلى الموالاة، لأن موالاة المشركين والمنافقين حرام بكل حال.

стр. 3670

واختلفوا في معنى قوله: ﴿يَصِلُونَ﴾، فالأكثرون قالوا: معنى قوله: ﴿يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾ أي يتصلون بهم ويدخلون فيما بينهم بالحِلْف والجوار والالتجاء. وبه قال الفراء (١) والزجاج (٢)، وعليه تفسير ابن عباس فإنه قال في رواية عطاء: "يريد يلجؤون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق" (٣). وقال أبو عبيدة: ﴿يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾ أي ينتسبون، ووصل واتصل إذا انتسب (٤)، قال الأعشى: إذا اتصلتْ قالتْ: أبكرَ بنَ وائلٍ ... البيت (٥) وبه قال ابن الأعرابي (٦) وعبد الله بن مسلم (٧). وكلا القولين صحيح، وإن قال بعض الناس (٨) منكرًا قول أبي عبيدة

стр. 3671

إن الانتساب لا يحقن الدم؛ لأنَّ الميثاق إذا عقد لقوم دخل في ذلك العهد كل من عد منهم في النسبة وانتسب إلى أبيهم. واختلفوا في القوم الذين بينهم وبين (....) (١) فقال الحسن: هم بنو مُدْلِج (٢). وقال ابن عباس في رواية الضحاك: هم بنو بكر بن زيد مَناة (٣). وقال مقاتل: هم خزاعة وخزيمة بن عبد مناف، وبنو مُدلج (٤). وقال الكلبي: هم قوم هلال بن عويمر الأسلمي (٥). وزاد عكرمة: وسراقة بن مالك بن جُعْشُم (٦)، وكان سيد بني مُدلج (٧).

стр. 3672

وقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ هذا وصف ثان معطوف على الوصف الأول للنكرة، وهو قوله: ﴿قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (١). وحصرت معناه: ضاقت (٢)، وكل من ضاق صدره بأمر فقد حصر ومنه قول لبيد: جَرداء يَحصُر دونَها جُرَّامُها (٣) يصف نخلة طويلة، يضيق قلبُ صارم ثمرها إذا نظر إلى أعلاها أن يرقى فيها لطولها (٤). وذكرنا ما في هذا الحرف عند قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] (٥). واختلفوا في موضع قوله: ﴿حَصِرَت﴾ فالأكثرون قالوا: إنه في موضع الحال بإضمار قد (٦)، وذلك أن قد تقرب الماضي من الحال حتى

стр. 3673

تلحقه بحكمه، ألا تراهم يقولون: قد قامت الصلاة، قبل حال قيامها وعلى هذا قول الشاعر: أمُّ صبيِّ قد حبا أو دارج (١) فكأنه قال: "أم صبي حاب أو دارج" (٢)، ولذلك عطف الاسم على الفعل. فتأويل قوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ قد حصرت، والعرب كثيراً ما تجعل الفعل الماضي حالًا. قال الفراء: العرب تقول: أتاني فلان ذهب. [.. الآيات من ٩١ - ٩٣ ...] (٣). (.. (٤) ..) وخلف الوعيد كرم، والله تعالى أكرم الأكرمين، وعندنا يجوز أن يخلف الله تعالى وعيد المؤمنين (٥). وقد ذكرنا هذا فيما مضى من

стр. 3674

هذا الكتاب. على أن هذا التغليظ إنما هو (.. (١) ..) في الردع والزجر عن إقدام على قتل (.. (٢) ..). وإلى هذا أشار الزجاج فقال: "هذا وعيد شديد في القتل، حرم الله به وحظر الدماء (٣). وفي هذا يحمل (.. (٤) ..) ابن عباس وغيره من السلف، أنهم قالوا: لا توبة للقاتل (٥)؛ لأن (٦) الأولى لأهل الفتوى سلوك سبيل التغليظ، [سيما في القتل] (٧) يدل على هذا ما روي أن سفيان (٨) سئل عن توبة القاتل،

стр. 3675

فقال: كان أهل العلم إذا سئلوا، قالوا: لا توبة له، وإذا ابتلي (الرجل قالوا له) (١): تُب (٢). وسئل مسروق عن توبة القاتل فقال: "لا أغلق بابًا فتحه الله" (٣). ٩٤ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٤) الضرب في الأرض معناه السير فيها بالسفر للتجارة والجهاد (٥). قال ابن السكيت: يقال: ضربت في الأرض أبتغي الخير (٦). قال الزجاج: ومعنى ضربتم في الأرض أي سرتم وغزوتم (٧). قال ابن عباس في رواية الكلبي، وغيره من المفسرين: نزلت الآية في أسامة (٨) بن زيد وأصحابه، بعثهم رسول الله في سرية، فلقوا رجلاً كان قد انحاز بغنم له إلى جبل، وكان قد أسلم، فقال لهم: السلام عليكم لا إله إلا الله محمد رسول الله، فبدر إليه بعضهم فقتله، قيل: إنه أسامة بن زيد،

стр. 3676

واستاقوا غنمه، فلما أتوا رسول الله ﷺ قال لأسامة: "لم قتلته وقد أسلم؟ " قال: إنما قالها متعوذًا، فقال: "هلَّا شققت عن قلبه؟ " ثم حصل رسول الله ﷺ ديته إلى أهله، ورد عليهم غنمه (١). وقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾. وقرئ (فتثبتوا) (٢). "يقال: تبينت الأمر، أي تأملته وتوسمته، وقد تبين الأمر، يكون لازمًا وواقعًا" (٣). قال أبو عبيد في قوله ﷺ : ["ألا إن التبين من الله -جل ثناؤه-] (٤)

стр. 3677

والعجلة من الشيطان فتبينوا" (١) قال الكسائي: [وغيره: التبين مثل التثبت في الأمور] (٢) والتأني [فيها، وقد روي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ] (٣) قوله تعالى: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ وبعضهم: (فتثبتوا) (.........) (٤) لأن التبين غاية الاحتياط الذي (........) (٥) بالتبيين أبلغ. ومن قرأ بالثاء فحجته أن التثبت هو خلاف الإقدام [والمراد التأني] (٦) وخلاف التقدم، والتثبت أشد اختصاصًا بهذا الموضع (٧)، وهو حسن أيضًا على طريق الأمر بسبب التبين (.. (٨) ..) والإرشاد بذكر سبب البيان.

стр. 3678

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾. وقرئ (السلام) (١)، فمن قرأ بالألف فله معنيان: أحدهما: أن يكون السلام الذي هو تحية المسلمين، أي لا تقولوا لمن حياكم بهذه التحية: إنما قالها تعوذًا، فتقدموا عليه بالسيف لتأخذوا ماله، ولكن كفوا عنه، واقبلوا منه ما أظهره (٢). والثاني: أن يكون المعنى: لا تقولوا لمن اعتزلكم (وكف يده عنكم فلم يقاتلكم) (٣): ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (٤). قال الأخفش: يقال إنما فلان سلام، إذا كان لا يخالط أحدًا، فكأن المعنى: لا تقولوا لمن اعتزلكم، ولم يخالطكم في القتال: لست مؤمنًا (٥). وأصل هذا من السلامة؛ لأن المعتزل طالب للسلامة. ومن قرأ (السَّلَم) أراد الانقياد والاستسلام إلى المسلمين ومنه قوله: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ [النحل: ٨٧] أي: استسلموا, ولما يراد منهم (٦).

стр. 3679

فأعلم الله أن حق من ألقى السلام أن يُتبين أمره (١)، وأن يتثبت في أمره. وكذا الحكم اليوم إذا دخل جيش المسلمين بلاد الحرب أن لا يتعرضوا لمن يُرى عليه سيما الإسلام، في سلام أو كلام (.. (٢) ..) وأن لا يتسارعوا إلى قتله إلا بعد التبين. وقوله تعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال أبو عبيد: جميع متاع الدنيا عرَض، بفتح الراء، يقال: "إن الدنيا عرَض حاضر، يأخذ منها البر والفاجر (٣). والعرْض -بسكون الراء- ما سوى الدراهم والدنانير، فصار العرض من العرض، وليس كل عرض عرضًا (٤). قال بعض أهل اللغة: إنما سمي متاع الدنيا عرضًا؛ لأنه عارض زائل غير باق ثابت (٥)، ومنه سمَّى المتكلمون ما خالف الجوهر من الحوادث عرضًا لقلة لبثه (٦).

стр. 3680

قال ابن عباس في هذه الآية: "يريد الغنائم" (١). وقوله تعالى: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾. يعني: ثوابًا كثيراً لمن ترك قتل من ألقى إليه السلم (٢). وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾. قال الحسن وابن زيد: كنتم كفارًا مثلهم، فمن الله عليكم فهداكم (٣). وهذا اختيار الزجاج، لأنه قال: أعلم الله أن كل من أسلم ممن كان كافرًا فبمنزلة هذا الذي تعود بالإسلام، فقال جل وعز ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالإسلام، وبأن قبل ذلك منكم على ما أظهرتم (٤). هذا كلامه. وظاهر قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يوهم أن المقتول كان كافرًا، وليس الأمر على هذا، وإنما التشبيه وقع لحال كفرهم بحال كفر المقتول قبل إسلامه، ثم منَّ الله عليهم بالإسلام كما من على المقتول وقَبِلَ منه ظاهر الإسلام، فيجب أن يقبلوا هم بظاهر
следующие страницы →