← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

واستاقوا غنمه، فلما أتوا رسول الله ﷺ قال لأسامة: "لم قتلته وقد أسلم؟ " قال: إنما قالها متعوذًا، فقال: "هلَّا شققت عن قلبه؟ " ثم حصل رسول الله ﷺ ديته إلى أهله، ورد عليهم غنمه (١). وقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾. وقرئ (فتثبتوا) (٢). "يقال: تبينت الأمر، أي تأملته وتوسمته، وقد تبين الأمر، يكون لازمًا وواقعًا" (٣). قال أبو عبيد في قوله ﷺ : ["ألا إن التبين من الله -جل ثناؤه-] (٤)

стр. 3677

والعجلة من الشيطان فتبينوا" (١) قال الكسائي: [وغيره: التبين مثل التثبت في الأمور] (٢) والتأني [فيها، وقد روي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ] (٣) قوله تعالى: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ وبعضهم: (فتثبتوا) (.........) (٤) لأن التبين غاية الاحتياط الذي (........) (٥) بالتبيين أبلغ. ومن قرأ بالثاء فحجته أن التثبت هو خلاف الإقدام [والمراد التأني] (٦) وخلاف التقدم، والتثبت أشد اختصاصًا بهذا الموضع (٧)، وهو حسن أيضًا على طريق الأمر بسبب التبين (.. (٨) ..) والإرشاد بذكر سبب البيان.

стр. 3678

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾. وقرئ (السلام) (١)، فمن قرأ بالألف فله معنيان: أحدهما: أن يكون السلام الذي هو تحية المسلمين، أي لا تقولوا لمن حياكم بهذه التحية: إنما قالها تعوذًا، فتقدموا عليه بالسيف لتأخذوا ماله، ولكن كفوا عنه، واقبلوا منه ما أظهره (٢). والثاني: أن يكون المعنى: لا تقولوا لمن اعتزلكم (وكف يده عنكم فلم يقاتلكم) (٣): ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (٤). قال الأخفش: يقال إنما فلان سلام، إذا كان لا يخالط أحدًا، فكأن المعنى: لا تقولوا لمن اعتزلكم، ولم يخالطكم في القتال: لست مؤمنًا (٥). وأصل هذا من السلامة؛ لأن المعتزل طالب للسلامة. ومن قرأ (السَّلَم) أراد الانقياد والاستسلام إلى المسلمين ومنه قوله: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ [النحل: ٨٧] أي: استسلموا, ولما يراد منهم (٦).

стр. 3679

فأعلم الله أن حق من ألقى السلام أن يُتبين أمره (١)، وأن يتثبت في أمره. وكذا الحكم اليوم إذا دخل جيش المسلمين بلاد الحرب أن لا يتعرضوا لمن يُرى عليه سيما الإسلام، في سلام أو كلام (.. (٢) ..) وأن لا يتسارعوا إلى قتله إلا بعد التبين. وقوله تعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال أبو عبيد: جميع متاع الدنيا عرَض، بفتح الراء، يقال: "إن الدنيا عرَض حاضر، يأخذ منها البر والفاجر (٣). والعرْض -بسكون الراء- ما سوى الدراهم والدنانير، فصار العرض من العرض، وليس كل عرض عرضًا (٤). قال بعض أهل اللغة: إنما سمي متاع الدنيا عرضًا؛ لأنه عارض زائل غير باق ثابت (٥)، ومنه سمَّى المتكلمون ما خالف الجوهر من الحوادث عرضًا لقلة لبثه (٦).

стр. 3680

قال ابن عباس في هذه الآية: "يريد الغنائم" (١). وقوله تعالى: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾. يعني: ثوابًا كثيراً لمن ترك قتل من ألقى إليه السلم (٢). وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾. قال الحسن وابن زيد: كنتم كفارًا مثلهم، فمن الله عليكم فهداكم (٣). وهذا اختيار الزجاج، لأنه قال: أعلم الله أن كل من أسلم ممن كان كافرًا فبمنزلة هذا الذي تعود بالإسلام، فقال جل وعز ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالإسلام، وبأن قبل ذلك منكم على ما أظهرتم (٤). هذا كلامه. وظاهر قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يوهم أن المقتول كان كافرًا، وليس الأمر على هذا، وإنما التشبيه وقع لحال كفرهم بحال كفر المقتول قبل إسلامه، ثم منَّ الله عليهم بالإسلام كما من على المقتول وقَبِلَ منه ظاهر الإسلام، فيجب أن يقبلوا هم بظاهر

стр. 3681

الإسلام، وفي هذا تبكيت بهم وتعيير لهم، حيث لم يقبلوا ما أظهره الذي قتلوه من الإسلام، إذ قيل لهم: أنتم كنتم مثله في الكفر، ثم قبل ظاهر الإسلام منًا من الله عليكم. هذا قول واحد. وقال سعيد بن جبير: "كذلك كنتم من قبل تستخفون بإيمانكم عن قومكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه عن قومه، فمنَّ الله عليكم بإعزازكم حتى أظهرتم دينكم" (١). والقول هو الأول، لأنه لا شك أنهم أسلموا بعد أن لم يكونوا مسلمين، فأما الاستخفاء فلم يكن عامًا فيهم كعموم الإسلام بعد أن لم يكونوا عليه. وقال مقاتل: (كذلك كنتم من قبل (٢) (.......) (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤]. قال عطية العوفي: يقول: إنكم قتلتموه على ماله (٤). وقال بعضهم: معنى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ تحذير وزجر عن الإضمار بخلاف الإظهار. قال ابن عباس وغيره: ثم استغفر رسول الله ﷺ لأسامة، وأمره بعتق رقبة (٥).

стр. 3682

٩٥ - قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ الضرر النقصان، وهو كل ما يضرك وينقصك من عمى ومرض وعلة. تقول: دخل عليه ضرر في ماله، أي نقصان. فمعنى قوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ أي: غير من به علة تضره وتقطعه عن الجهاد. كذا قال أهل اللغة (١)، وهو موافق لما قاله المفسرون؛ فإن ابن عباس قال في رواية عطاء، في قوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾: يريد ابن أم مكتومٍ الأعمى (٢)، وقومًا من الأنصار، كان فيهم ضر من عرج ومرض، فعذرهم الله تعالى، وجعل لهم ثوابًا وافيًا (٣). وقال الزجاج: الضرر: أن يكون ضريرًا، أي أعمى وزمنًا ومريضًا (٤). وقرئ ﴿غَيْرُ﴾ رفعًا ونصبًا (٥)، فمن رفع الراء فهو صفة للقاعدين، والمعنى على هذا: لا يستوي القاعدون الذين هم غير أولي الضرر، أي: لا يستوي القاعدون الأصحاء والمجاهدون، وإن كانوا كلهم مؤمنين (٦).

стр. 3683

وهذا مذهب سيبويه (١) وقول الفراء (٢) وأبي إسحاق (٣) في رفع ﴿غَيْرُ﴾ وأنشد أبو علي على كون (غير) صفة، قول لبيد: وإذا جوزيتَ قرضًا فاجزِه ... إنما يَجزي الفتى غيرُ الجَملْ (٤) فـ (غيرٌ) صفة للفتى (٥). واحتج الفراء أيضًا على هذا بقوله: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ [النور: ٣١] (٦). وذكرنا جواز كون ﴿غَيْرُ﴾ صفة للمعرفة في قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] مستقصى مشروحًا (٧). قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون (غير) رفعًا على جهة الاستثناء، المعنى: لا يستوي [القاعدون والمجاهدون] (٨) إلا أولو الضرر، فإنهم يساوون المجاهدين، لأن الذي أقعدهم عن الجهاد الضر (٩). والكلام في رفع المستثنى بعد (.. (١٠) ..) قد مضى في قوله: ﴿مَّا فَعَلُوهُ

стр. 3684

إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٦٦] (١). ومن نصب (غيرَ) جعله استثناء من القاعدين، لا يستوي القاعدون إلا أولي الضرر، على أصل الاستثناء (٢). وهذا الوجه اختيار الأخفش، وهو أن ينتصب (غيرَ) في القراءة على الاستثناء. قال: لأنه لا يُستثنى بها قومٌ لم يقدروا على الخروج (٣). كما رُوي في التفسير: أنه لما ذكر الله فضيلة المجاهدين على القاعدين، جاء قوم من أولي الضرر، وقالوا للنبي ﷺ : حالنا على ما ترى، ونحن نشتهي الجهاد، فهل لنا من رخصة؟، فنزل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] واستثنوا من جملة القاعدين (٤). وقال الفراء: الوجه فيه الاستثناء والنصب، إلا أن اقتران غير بالقاعدين يكاد يوجب الرفع، لأن الاستثناء ينبغي له أن يكون بعد التمام، فيقول في الكلام: لا يستوي المحسنون والمسيئون إلا فلانًا وفلانًا (٥). وقال بعض النحويين من المتأخرين: الاختيار الرفع، لأن الصفة أغلب على (غير) من الاستثناء، وليس قول من ذهب إلى اختيار النصب

стр. 3685

بسبب نزوله للاستثناء بشيء، لأن غيرًا وإن كانت صفةً فهي تدل على معنى الاستثناء، لأنها في كلا (١) الحالين قد خصصت القاعدين عن الجهاد بانتفاء الضرر، ففي الوجهين جميعًا الرفع والنصب إنما وقع التفضيل بين القاعدين الأصحاء والمجاهدين (٢). قال الزجاج: ويجوز أن تكون (غير) منصوبة على الحال، المعنى لا يستوي القاعدون في حال صحتهم والمجاهدون، كما تقول: جاءني زيد غير مريض، أي جاءني زيد صحيحًا (٣). ونحو ذلك قال الفراء، قال: وهو كقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١] (٤). هذا هو الكلام في وجه القراءتين. فأما حكم الزَّمنى ففرض الجهاد موضوع عنهم، كما ذكر الله في سورة الفتح، وهو قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية [الفتح: ١٧]. (.....) (٥). وقوله تعالى: ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء:٩٥]، عطف على قوله: ﴿الْقَاعِدُونَ﴾، لأن (.............. المؤمنون) (٦)

стр. 3686

القاعدون عن الجهاد من غير عذر والمؤمنون المجاهدون سواء [إلا أولي الضرر فإنهم يساوون المجاهدين لأن الضرر] (١) أقعدهم عنه، فهم والمجاهدون سواء، إذا أتوا بشرط شرطه الله تعالى في سورة التوبة، وهو قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ إلى قوله: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١]. ويدل على هذا حديث النبي ﷺ : "لقد خلفتم بالمدينة أقوامًا، ما سرتم من مسير، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، أولئك أقوام حبسهم العذر" (٢). صاحبه استوى بالعامل، إذا صدقت نيَّته، وصحت نصيحته لله ولرسوله. وقال بعض أهل المعاني: الآية لا تُحمل على مساواة أولي الضرر للمجاهدين في سبيل الله (٣)، لأن هذه الآية حض لغير (٤) أولي الضرر على الجهاد، ولم يدخل في الحض (....) (٥) أولوا الضرر. وقوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾. قال الكلبي: يقول: فضيلة في الآخرة (٦).

стр. 3687

وقال مقاتل: فضل الله المجاهدين على القاعدين من أهل العذر درجة يعني فضيلة (١). ونحو ذلك قال ابن جريج، قال: التفضيل الأول بدرجة واحدة على أولي الضرر، والتفضيل الثاني بدرجات على غير أولي الضرر (٢). وهذا يُقوي ما حكينا عن بعض أصحاب المعاني، عن أن الآية لا تدل على مساواة أولي الضرر للمجاهدين، وذلك أن المعذورين بالقعود وإن كانوا في النية والهمة على قصد الجهاد، فالمجاهدون مباشرون، ومباشرة الطاعة فوق قصد الطاعة، وأما القاعدون غير المعذورين فالمجاهدون مفضلون عليهم درجات؛ لأنهم قعدوا من غير عذر. وتفسير الدرجة مضى عند قوله: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣]. وانتصاب الدرجة ههنا [بحذف الجار] (٣)، لأن التقدير: بدرجة، فلما حذف الجار وصل الفعل فعمل، وهو كثير (٤). وقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. قال مقاتل: يعني: المجاهد والقاعد المعذور (٥).

стр. 3688

والحسنى: الجنة في قول ابن عباس (١)، ومقاتل (٢)، وغيرهما (٣). وقوله تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، يريد: القاعدين غير المعذورين، وقد سبق ذكر المعذورين. قاله ابن جريج (٤). ٩٦ - قوله تعالى: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَة﴾ قال أبو إسحاق: درجات نُصب (٥) بدلا من قوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾: وهو مفسر للأجر، المعنى: فضل الله المجاهدين درجات، ﴿وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ قال: وجائز أن يكون منصوبًا على التوكيد لقوله ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، لأن الأجر العظيم هو رفع الدرجات من الله والمغفرة والرحمة (٦). وتفسير الدرجات ههنا: منازل بعضها أعلى من بعض من منازل الكرامة. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ببن الدرجتين كما بين السماء والأرض" (٧). قال السدي: فضلوا سبعمائة درجة (٨).

стр. 3689

وقال ابن مُحيريز (١): هي سبعون درجة، ما بين كل درجتين عدو الفرس الجواد المُضَمَّر سبعين خريفًا (٢) وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يريد للفريقين جميعًا، للمجاهدين والقاعدين. ٩٧ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. قال الفراء: إن شئت جعلت ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾ ماضيًا , ولم تضمر تاء مع التاء فيكون مثل قوله: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠]، وإن شئت كان على الاستقبال، تريد: إن الذين تتوفاهم، وكل موضع اجتمع فيه تاءان جاز فيه إضمار إحداهما (٣). ونحو هذا قال الكسائي والزجاج (٤). وقوله تعالى: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ في محل نصب على الحال، المعنى تتوفاهم الملائكة في حال ظلمهم أنفسهم، وهو نكرة وإن أضيف إلى معرفة؛ لأن المعنى على الانفصال، كأنه قيل: ظالمين أنفسهم، إلا أن النون حُذفت استخفافًا، والمعنى معنى ثبوتها، هذا قول الزجاج (٥).

стр. 3690

(.... قال أبو الفتح (١): الإضافة في [كثير من كلامهم] (٢) في تقدير الانفصال والانفكاك، كما تقول [باب الحسن الوجه، والكريم الأب، كله منوى في الانفصال، وإنما تقديره: الحسن وجهه، والكريم أبوه. وكذلك اسم الفاعل إذا أريد به الحال أو الاستقبال، فهو وإن أضيف في اللفظ مفصول في المعنى، وذلك نحو قوله تعالى ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]، و ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، و ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١]، و ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: ٩]، و ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾ [القمر: ٢٧]، و ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧]. وعلى هذا قول جرير:] (٣). يا (٤) رُبَّ سائلنا لو كان يطلُبكم ... لاقى مباعدةً منكم وحِرْمانا (٥) إنما هو ممطر لنا، وبالغًا الكعبة، وثانيًا عطفه، ورب سائل لنا، لولا ذلك لم تدخل رب عليه، ولا أجري ممطرنا وصفًا على النكرة، ولا نصب ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ على الحال. وعلى هذا: ناقةٌ عبر الهواجر، وفرس قيد الأوابد، فالإضافة في هذا كله لفظية غير معنوية (٦).

стр. 3691

فأما التفسير: فقال ابن عباس وغيره من المفسرين: نزلت في قوم كانوا قد أسلموا , ولم يُهاجروا حتى خرج المشركون إلى بدر، فخرجوا معهم، فقتلوا يوم بدر، فضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، وقالوا لهم ما ذكر الله سبحانه (١). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي الملائكة قالت لهؤلاء: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي كنتم في المشركين أم في أصحاب محمد ﷺ ؟. وهذا سؤال توبيخ، وإنما توجه السؤال إلى التوبيخ لأنه مما لا يصلح لصاحبه جواب عليه، ولذلك لما اعتذروا بالضعف عن مقاومة أهل الشرك في دارهم حاجتهم الملائكة بالهجرة إلى غير دارهم (٢). وخبر إن في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ﴾ قوله تعالى ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ والتقدير: قالوا لهم، بحذف (لهم)، لدلالة الكلام عليها (٣). وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: "يريد مصيرهم إلى النار" (٤) وذلك أن الله تعالى لم يرض بإسلام أهل مكة حتى يهاجروا، فقال في سورة الأنفال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] فنهاهم الله عن موالاتهم

стр. 3692

ومناكحتهم وكل ما يكون بين المسلمين. وإذا أسلم الأخوان (.. (١) ..) أحدهما، وبقي الآخر، لم يكن يرث واحد منهما حتى فتحت مكة، فرد الله المواريث إلى الأرحام فقال (٢) [... الآيات ٩٨ - ١٠٢ ...] خفيفة (٣) والتحقت بالإمام في تشهده الطويل فتشهدوا وخففوا وسلم بهم. وهذا الذي ذكرنا من صفة صلاة الخوف هو مذهب ابن عباس في رواية الوالبي، ذكره في تفسير هذه الآية (٤). وبمثله ورد حديث ابن أبي حَثْمَة (٥) في صلاة الخوف (٦).

стр. 3693

وما سوى هذا المذهب من المذاهب في صلاة الخوف لا يُوافق الآية. واختاره (١) الزجاج أيضًا هذا الذي وصفنا، وزعم أنه مذهب أبي حنيفة في صلاة الخوف (٢)، فإن ذهب إلى حديث ابن عمر، أنه صلاها مع النبي ﷺ ، قال: "فصف وراءه طائفةٌ منا، وأقبلت طائفة على العدو، فركع رسول الله ﷺ ركعة وسجدتين مثل نصف صلاة الصبح، ثم انصرفوا فأقبلوا على العدو، فجاءت الطائفة الأخرى فصلَّوا مع النبي ﷺ ففعل مثل ذلك، ثم سلم النبي ﷺ ، فقام كل رجل من الطائفتين فصلى لنفسه ركعة وسجدتين" (٣). فعنده الطائفة الأولى إذا انصرفت عن الإمام إلى القتال لا تقطع الصلاة، ويكونون في حكم المصلين إلى أن يفرغ الإمام مع الطائفة الثانية، ثم يقضون بأجمعهم ركعة واحدة، واحتج على هذا من الآية بقوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] قال: وهذا دليل على أن الطائفة الأولى لم يفرغوا من الصلاة، ولكنهم يصلون ركعة، ثم تكون من وراء الطائفة الثانية للحراسة (٤).

стр. 3694

والتفسير بخلاف هذا؛ لأن قوله: ﴿سَجَدُوا﴾ يراد به الطائفة الأولى، ومعنى السجود: ههنا الصلاة، أي: إذا صلوا هم ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ أي الطائفة الثانية الذين لا يصلون (١)، فجعل أبو حنيفة السجود والكون من ورائكم لطائفة أخرى ....) (٢). بأنهم لم يصلوا فائدة، وأيضاً فإن قوله: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ ظاهره يدل على أن يكون جميع صلاة الطائفة الثانية مع الإمام؛ لأن مطلق قولك: صليت مع الإِمام، أنك أدركت جميع الصلاة معه، وعنده ليس كذلك. فأما حمل السلاح في الصلاة فهو فرض عند بعض العلماء (٣)، وسنة مؤكدة عند بعضهم (٤)، والشرط أن لا يحمل سلاحًا نجسًا إن أمكنه (٥)،

стр. 3695

ولا يحمل الرمح إلا في طرف الصف أو في الصف الأول لئلا يؤذي به من أمامه (١)، ولا حرج على المريض، وفي حالة المطر إن وضعوا أسلحتهم طلبًا للتخفيف، وفي المطر إنما يتعذر حمل السلاح؛ لأنه يصيبه بلل المطر فيسود بالطبع، وأيضاً فإن من الأسلحة ما يكون مبطنًا فيثقل على لابسه إذا ابتل بالماء (٢). قال الشافعي: "وإن كانت صلاة المغرب فصلى ركعتين بالطائفة الأولى، ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم، فحسن، وإن ثبت جالسًا في التشهد الأول، وأتموا لأنفسهم، فجائز" (٣). قال: "وإن كانت صلاة حضر فلينتظر جالسًا في الثانية أو قائمًا في الثالثة" (٤). وقوله تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ قال أبو علي الجرجاني: في قوله: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ إطلاق، له أن يأتي بصلاة الخوف على جهة يكون بها حاذرًا، غير مغفلٍ للحذر؛ بحسب ما يكون حالهم مع العدو. والذي نزل به الكتاب كان وجه الحذر؛ لأن العدو يومئذ (....) (٥) كان مستقبل القبلة

стр. 3696

والمسلمون مستدبروها، وفي استقبالهم القبلة يومئذ استدبار منهم لعدوهم، فأمروا بأن يصيروا طائفتين، طائفة تجاه العدو، وطائفة مع النبي ﷺ مستقبل القبلة (١). والحال الثانية والثالثة بعُسْفان (٢) وبذي قَرَد (٣)، كانوا بخلاف هذه الحال، لأن العدو كان مستدبرًا للقبلة والمسلمون مستقبلوها، وكان المسلمون على (.. (٤) ..) القبلة والعدو في وجوههم فأتى بالصلاة كما أطلق له من أخذ الحذر (٥)، ولو أتى بها في هاتين الحالتين كما أمر به يوم ذات الرقاع من تصييرهم طائفتين كان تاركًا للحذر ومغررًا بنفسه وأصحابه. هذا كلامه.

стр. 3697

وفيما ذكره تسوية من جميع الروايات الواردة في صلاة الخوف، لأنه يقول: العلة في اختلافها اختلاف الحال. وليس هذا الذي ذكره بعيدًا عن الصواب، فإن النبي ﷺ بعُسْفان وببطن النخل (١) لم يفرق أصحابه طائفتين، لأنهم كانوا في الصلاة متوجهين للعدو مستقبلي القبلة، فكانوا يرون العدو وهم في الصلاة، فلم يحتاجوا إلى الاحتراس إلا عند السجود، وفي السجود سجد الصف الأول، والثاني يحرسونهم، فلما فرغوا من السجود انحدر الصف المؤخر بالسجود (٢). وكذا روى جابر بن عبد الله (٣).

стр. 3698

١٠٣ - قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾. يعني صلاة الخوف، قاله مقاتل (١) والكلبي (٢) والزجاج (٣). ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾. قال الكلبي: فصلوا لله (قيامًا) للصحيح، (وقعودًا) للمريض الذي لا يستطيع القيام، (وعلى جنوبكم) للمرضى الذين لا يستطيعون الجلوس (٤). وقال مقاتل: فاذكروا الله باللسان (٥). وقال ابن عباس: "يريد أنه ليس شيء أفضل من الذكر لله" (٦). وقال الزجاج: أي: اذكروه بتوحيده وشكره وتسبيحه بكل ما يمكن أن يتقرب منه (٧).

стр. 3699

وهذا القول أولى من قول الكلبي؛ لأنه ذكر بعد هذا حكم صلاة الحضر، فقال: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. قال أبو إسحاق: أي إذا سكنت قلوبكم، يقال: اطمأن الشيء، إذا سكن، وطأمنته وطمأنته، إذا سكنته (١). ويقال: طأمنت الشيء فتطامن، إذا خفضته فانخفض (...) (٢). قال الكلبي في تفسير الاطمئنان: (.... (٣) ....) الخوف. والأصح (...) (٤) المراد به المقام في (البلد) (٥) وزوال حركة السفر، وهو قول ابن عباس، قال: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ يريد في أهليكم ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ يعني أتموها (٦). ونحو هذا قال الحسن (٧) ومجاهد (٨)، أن معنى الطمأنينة ههنا الرجوع إلى الوطن في دار الإقامة. وذكرنا عن أبي علي الجرجاني أن الطمأنينة ضد الضرب في الأرض لا ضد الخوف، وضد الخوف الأمن وهذا يدل على أن الخوف غير

стр. 3700

مشروط في جواز القصر، حيث جعل نهاية جوازه الطمأنينة في الأهل. والذين قالوا: المراد بالطمأنينة زوال الخوف، قالوا في معنى قوله: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: فأتموا ركوعها، غير مشاة ولا ركبان فيها، كما كنتم تفعلون في صلاة الخوف. وبه قال السدي (١) وابن زيد (٢). ١٠٣ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أي فرضا موقوتًا (٣). قال ابن عباس: "فريضة بأوقاتها" (٤). والمراد بالكتاب ههنا: المكتوب، كأنه قيل: مكتوبة موقوتة، ثم حذفت الهاء من الموقوتة، لما (٥) جعل المصدر موضع المفعول، والمصدر مذكر، ومعنى الموقوت أنها كتبت عليهم في أوقات مؤقتة، يقال: وقَّته، ووقَته، مخففًا (٦). وقرئ: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ (٧) [المرسلات:

стр. 3701

١١]. قال أبو عبيدة: وإن شئت قلت: أوقته (١). وقال الزجاج في قوله: ﴿موقوتا﴾: أي مفروضًا موقتًا فرضه (٢). ١٠٤ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾. الخطاب للمؤمنين، وذكرنا معنى الوهن (٣) في قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٩]. والمراد بالقوم ههنا: أبو سفيان وأصحابه، لما انصرفوا عن أحد منهزمين، وقد قذف الله في قلوبهم الرعب، أمر الله تعالى نبيه ﵇ أن يسير في آثارهم بعد الوقعة بأيام، فندب النبي ﷺ الناس لذلك، فاشتكوا ما بهم من الجراحات، فأنزل الله هذه الآية (٤). وقد مضت هذه القصة في سورة آل عمران (٥). قال ابن عباس: "يريد لا تضعفوا في طلب العدو" (٦). وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾. الألم الوجع، وقد ألم يألم، فهو آلم (٧). قال ابن عباس: "يريد يوجعون كما توجعون الجراح" (٨).

стр. 3702

ونحو هذا قال غيره من المفسرين (١)، وهذا يحتمل تأويلين: أحدهما: أن المؤمنين كانت بهم جراحات، يجدون لها ألمًا يوهنهم عن المسير في آثار المشركين، والمشركون أيضًا بهم جراحات، كما بالمسلمين، فقيل للمسلمين: إنَّ ألمتم جراحكم، فهم أيضًا في مثل حالتكم من أثر الجراح. وعلى هذا دل كلام المفسرين أن المراد بالألم ههنا ألم جراح واقعة بالفريقين (٢). والآخر: أن هذا استدعاء إلى الجهاد مما يوجب الصبر عليه والجد فيه لرجحان حالهم على حال أعدائهم، بأنهم يرجون من الله ما لا يرجونه، فقد ساووهم في الصارف عن القتال، وهؤلاء انفردوا بداعٍ ليس لهم من ثواب الله على ذلك وكرامته التي هي (أوكد وكد داع) (٣) إلى إتباع مرضاته، فالمراد بالألم ههنا ألم جرح يقع ويحصل في أحد الفريقين، يقول: إن ألمتم جرحًا يوقعونه فيكم فهم أيضًا يألمون بما توقعونه فيهم، فلا تضعفوا ولا تجنبوا (٤) عنهم، فقد تساويتم في وجود الآلام. وعلى هذا الثاني دل كلام أبي إسحاق، فإنه قال: أي أن تكونوا توجعون فأنهم يجدون من الوجع فيما ينالهم من الجراح والتعب كما تجدون (٥).

стр. 3703

وهذا المعنى أراد الشداخ بن يعمر الكناني (١) في قوله يحض قومه على الحرب: القوم أمثالكم لهم شعر ... في الرأس لا ينشرون إن قتلوا (٢). يقول: هم مثلكم إن قتلتم منهم لم يجيء قتيلهم، كما لا يجيء منكم من قتل. وقوله تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾. قال الحسن وقتادة وابن جريج وأكثر أهل العلم: وتؤملون من ثواب الله ما لا يؤملون (٣). وقال الزجاج: أي أنتم ترجون النصر الذي وعدكم الله جل وعز وإظهار دينكم على [سائر] (٤) أديان الملل المخالفة [لأهل الإسلام] (٥)

стр. 3704

وترجون مع ذلك الجنة، وهم لا يرجون؛ لأنهم كانوا غير مقرين [بالبعث، فأنتم ترجون من الله ما لا يرجون] (١). وذهب بعض المفسرين إلى أن (...) (٢). وأنكر الفراء والزجاج ذلك، فقال: [وأجمع أهل اللغة الموثوق بعلمهم على أن الرجاء] (٣) ههنا على معنى الأمل (٤). وقال الفراء: "لا يعرف الرجاء بمعنى الخوف إلا مع (...) (٥). كقوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣] أي لا تخافون له عظمة. كقول أبي ذؤيب (٦): إذا لسعَتْه النَّحلُ لم يَرْجُ لسعَها ... وحالفَها في بيتِ نوبٍ عواملِ (٧) وإنما كان كذلك لأن الرجاء لما أخرج عن أصله لم يتصرف في جميع الوجوه بمعنى الخوف، إلا في النفي خاصة. قال الزجاج: وإنما اشتمل الرجاء على معنى الخوف؛ لأن الرجاء أمل قد يخاف أن لا يتم (٨). يريد: إنما يُرجى كونه يخاف فوته.

стр. 3705

﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بخلقه (١). ﴿حَكِيمًا﴾ فيما حكم لأوليائه من الثواب، ولأعدائه من العقاب. ١٠٥ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ الآية. أجمعوا على أن هذه الآية وما بعدها من أي كثير نزلت في قصة طعمة ابن أُبيرق (٢)، سرق درعًا ثم رمى بها يهوديًّا فلما طلبت عنده الدرع أحال على اليهودي، فرماه بالسرقة، فاجتمع قوم طعمة وقوم اليهودي، وأتوا رسول الله ﷺ ، فسأل قوم طعمة النبي ﵇ أن يُجادل عن صاحبهم، وأن يبرأه، وقالوا: إنك إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح، وبرئ اليهودي، فهمّ النبي ﷺ أن يفعل وأن يعاقب اليهودي. وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي عن أبي صالح عنه (٣)، والضحاك والسدي والحسن وابن زيد أن طعمة سرق الدرع (٤). وقال مجاهد ومقاتل: إن طعمة استُودع درعًا, ولم تكن عليه بينة،

стр. 3706

فجحدها، وكانت الدرع ليهودي. وهذا قول مقاتل وقول مجاهد، وأنه استودع درعًا، فرمى بسرقتها يهوديًا، [فنزلت] (١) الآية في هذه الخصومة (٢). قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ المعنى: على وجه الحق دون الباطل، لأنه لو (......... ـعدى) (٣) في الحكم لم يكن قد أنزل بالحق، فالحق ههنا إنما هو ما كان لأجله الكتاب حقًا، وقد يوصف بالحق على معنى: ذو الحق، كما يوصف بعدل، كما قال : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج: ٦٢]. وقوله تعالى: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، قال ابن عباس: "بما علمك الله" (٤). ونحو ذلك قال غيره (٥)، ومثله قوله: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [سبأ: ٦] (٦) أي: ويعلم. وهذا يدل أن رأيه ﷺ كله وحيًا (٧).

стр. 3707

وكان عمر ﵁ يقول: "لا يقولن أحدكم: [قضيت] (١) بما أراني الله، فإن الله تعالى لم يفعل ذلك إلا لنبيه". وكان يقول: "إنَّ رأي النبي ﷺ كان مصيبًا، لأن الله تعالى كان يريه إياه، وهو منّا ظن وتكلف" (٢). وقال الحسن: "رأي الأنبياء ﵈ وحي" ثم تلا هذه الآية (٣). قال أبو علي: لا يخلو (أراك) من أن يكون منقولًا بالهمزة من رأيت، التي يراد بها رؤية البصر، أو رأيت، التي تتعدى إلى مفعولين، ورأيت الذي بمعنى الرأي الذي هو الاعتقاد، فلا يجوز أن يكون من الرؤية التي معناه: أبصرت بعيني؛ لأن الحكم في الحوادث بين الناس ليس مما يدرك بالبصر، ولا يجوز أن يكون من: رأيت، التي يتعدى إلى مفعولين؛ لأنه كان يلزم بالنقل أن يتعدى إلى ثلاثة، مفعولين (٤)، وفي تعديه إلى مفعولين، أحدهما الكاف التي للخطاب، والآخر: المفعول المقدر حذفه من الصلة، تقديره: بما أراكه الله، ولا مفعول ثالثًا في الكلام، وذلك في دلالة على أنه من رأيت، التي معناها الاعتقاد والرأي، وهو يتعدى إلى مفعول واحد، فإذا نقل بالهمزة تعدى إلى مفعولين، كما ذكرنا في التقدير (٥).

стр. 3708

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ قال الزجاج: أي لا تكن مخاصمًا ولا دافعًا عن خائن (١). وخصيمك الذي يُخاصمك، وجمعه خصماء، وأصله من الخصم وهو ناحية الشيء وطرفه، والخصم طرف الراوية (٢)، وطرف الفراش، وقيل للخصمين خصمان؛ لأخذ كل واحد منهما في ناحية من الحجج والدعوى وخصوم السحابة جوانبها (٣)، قال الأخطل (٤): إذا طعنتْ فيها الجنوبُ تحاملتْ ... باعجازِ جرّارٍ تداعى خُصومُها (٥) أي: تجاوب جوانبها بالرعد، وطعن الجنوب فيها سوقها إياه. والجرّار الثقيل ذو الماء، تحاملت باعجازه: دفعت أواخره (٦). ١٠٦ - قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾. قال مقاتل: من جدالك عن طعمة (٧).

стр. 3709

وقال السدي: (مما أردت من جدالك عنه) (١). وقال [....] (٢): ("من همك بقطع اليهودي" (٣) ونحوه روي عن ابن عباس) (٤). وقال الكلبي: من همك باليهودي أن (....) (٥). فإن قيل: فهل كان للنبي ﷺ في هذه القصة ذنب حتى أمر بالاستغفار؟ قيل: الأصل في هذا أن الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون عن الكبائر، وذلك بإجماع العلماء (٦). فأما الصغائر: فمن العلماء من قال: كانوا معصومين عنها (٧)، ومنهم من قال: ما كانوا معصومين عنها (٨). وكذلك الخلاف في جواز السهو والنسيان عليهم (٩)، مع إجماعهم على أن السهو غير جائز عليهم في تبليغ الوحي، وأن السهو إن وقع فهو في غير الوحي، فإنَّ الله لا يقررهم على السهو، بل ينبهم، والصحيح أن السهو

стр. 3710

والنسيان جائز عليهم، وعلى هذا دلت الأخبار (١). فأما ذنب النبي ﷺ في هذه القصة فقد قيل: إنه همّ بقطع اليهودي (٢). وقيل: إنَّه جادل عن طعمة، حتى قال للمدعي: عمدت إلى رجل مسلم ورميته بالسرقة من غير بينة (٣). وهذا مما يؤمر بالاستغفار عنه. والذين قالوا: لا تجوز الصغائر عليهم قالوا: إنه أمر بالاستغفار على طريق التسبيح، كما يقول القائل: "اسْتَغْفِرِ اللهِ" مكررًا له مرات كثيرة، على جهة التسبيح من غير أن يقصد بذلك إلى التوبة من ذنبٍ كره (٤). وقال بعض أهل العلم: استغفار الرسل إما أن يكون للأمة، واما أن يكون لذنب قبل النبوة، وإما أن يكون لزيادة الدرجة (٥). وقد رُوي عن رسول الله أنه قال: " إن الله تعالى ليغفر ذنب الرجل المسلم عشرين مرة" (٦) معناه زيادة الدرجات. قال أبو إسحاق: عرّف الله تعالى نبيه ﷺ قصة طعمة، وأعلمه أنه خائن، ونهاه أن يحتج له، وأمره بالاستغفار مما هم به، وأن حكم بما أنزل

стр. 3711

الله في كتابه فقال: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ﴾ يعني طعمة ومن عاونه من قومه، وهم يعلمون أنه سارق (١). والاختيان كالخيانة، يقال: خانه واختانه. وذكر ذلك عند قوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] ومعنى (يختانون أنفسهم): يخونوها (٢) بالمعصية، والعاصي خائن لأنه مؤتمن على دينه. ويجوز أن يكون المعنى: أن وبال خيانتهم راجع إليهم بالفضيحة في الدنيا والعقوبة في الآخرة، فكأنهم خانوا أنفسهم وإن خانوا غيرهم في الظاهر (بالسرقة كما يقال لمن ظلم غيره: إنه قد ظلم نفسه. وقد صرحت الآية بالنهي) (٣) عن المجادلة عن الظالمين في القليل والكثير، ألا ترى أن رسول الله ﷺ جادل عن طعمة على غير بصيرة، (.. (٤) ..) الله تعالى بهذا، وأمره بالاستغفار، ونهاه عن المعاودة إلى مثله، فما ظنك بمن يعلم ظلم الظالم، ثم يستجيز معاونته؟! وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ قال ابن عباس: "يريد خوانًا فاجرًا" (٥). قال المفسرون: إن طعمة خان في الدرع، وأثم في رميه اليهودي، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ (٦).

стр. 3712

١٠٨ - قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾ الاستخفاء في اللغة معناه: الاستتار، يقال: استخفيت عن فلان، أي: تواريت عنه واستترت (١)، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ [الرعد: ١٠] قال الفراء: أي مستتر (٢). ونحو هذا قال أبو العالية في تفسير: ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ يستترون (٣). وقال ابن عباس: يستحيون من الناس ولا يستحيون من الله (٤). وهذا معنى وليس بتفسير، وذلك أن الاستحياء من الناس كان سبب الاستخفاء منهم، ففسر الاستخفاء بما أوجبه الله من سببه. قال مجاهد: ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ يعني: قوم طعمة (٥). وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يقول علمه معهم" (٦). قال عطاء عنه: يريد عالم بما يُخفون وما يُعلنون (٧). قال أهل المعاني: معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ مشاهدته إياهم كمشاهدة من يكون معهم في الظاهر (٨). وقوله تعالى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾. قال مجاهد:

стр. 3713

يُهيئون (١). وقال عطاء: يُضمرون (٢). وقال أبو عبيدة: يُقدرون (٣). وذكرنا معنى التبييت مشروحًا في قوله: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ [النساء:٨١]. والذي لا يرضاه الله تعالى من القول الذي بيتوه هو أنَّ طعمة قال: أرمي اليهودي بأنه سارق الدرع [وأحلف أنني لم أسرقها فتقبل يميني، لأني] (٤) على دينهم، ولا تقبل يمين اليهودي. قاله الزجاج (٥). وهو قول الحسن (٦). وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ (٧) (.. (٨) ..) ابن عباس: "أحاط بسرائر العباد وما (...) (٩). (محيطٌ) ههنا عليم بأعمالهم على إحاطة، لأنها ظاهرة له، لا تخفي عليه من وجه من الوجوه. وذكرنا هذا فيما تقدم (١٠). ١٠٩ - قوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال الكلبي: ثم أقبل على قوم طعمة فقال: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ (١١).

стр. 3714

قال الزجاج: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ ههنا بمعنى الذين، المعنى: ها أنتم الذين جادلتم، لأن هؤلاء وهذا يكونان في الإشارة للمخاطبين إلى أنفسهم بمنزلة الذين، وقد يكون لغير المخاطبين بمنزلة الذين، نحو قول الشاعر: عدس: ما لعبَّاد عليك إمارةٌ ... أمنت وهذا تحملين طليق (١) أي الذي تحملين طليق (٢). وقال غيره: هؤلاء إشارة إلى نفس المخاطبين على جهة البيان والتأكيد، كما تقول: فعلت أنت، وفعل هو (٣): وذكرنا في هذا بيانًا شافيًا في قوله: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]. ومعنى الجدل في اللغة: شدّة المخاصمة، والجدْلُ: شدة الفتل، ورجل مجدول، كأنه قد فتل (٤). والأجدَلُ: الصقر؛ لأنه من أشد الطيور قوة. هذا قول أبي إسحاق (٥). وقال غيره: سمى المخاصمة جدالًا، لأن كل واحد من الخصمين يريد فتل صاحبه عما هو عليه وصرفه عن رأيه (٦).

стр. 3715

قال ابن عباس في قوله: ﴿جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يريد الذين جادلوا من الأنصار، من قرابته (١). وفي حرف عبد الله (عنه)، يعني السارق وحده (٢)، وفي قراءتنا: (عنهم) (٣) يعني السارق وذويه. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ خرج الكلام ههنا مخرج الاستفهام والمراد النفي، وجاز ذلك لأن جوابه لا يصح إلا بالنفي (٤). ومضت نظائر كثيرة لهذا. والمراد بهذا الاستفهام التقريع والتوبيخ لمن جادل عن الخائنين. قال أبو إسحاق: كأنه قيل لهم: إن يقع (٥) الجدال في الدنيا عن أمر هذا السارق فيوم القيامة لا ينفع فيه جدال ولا شهادة (٦)؛ لأنه اليوم الذي يؤخذ [فيه] (٧) بالحقائق. وقوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ معنى الوكيل في اللغة هو الذي جُعل له القيام بالأمر، ووكل إليه الأمر (٨). وقوله: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ﴾ عطف على استفهام معناه النفي، فهذا أيضًا
следующие страницы →