← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

طرحت الهمزة، ونقلت حركتها إلى اللام، فصار تلوا، كما قيل في أدؤُرٍ: أدوُرٍ، ثم طرحت الهمزة فصار آدرُ (١). والوجه الأول أجمعا عليه أيضًا. ١٣٦ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال ابن عباس: فيما روى الكلبي عن أبي صالح عنه: نزلت هذه الآية في مؤمني أهل الكتاب، قالوا: يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل (٢). قال الضحاك: الخطاب لليهود والنصارى، يقول: يا أيها الذين آمنوا بموسى والتوراة، وعيسى والإنجيل، آمنوا بمحمد والقرآن (٣). وقال أبو العالية وجماعة من المفسرين: الآية خطاب للمؤمنين، وتأويل: ﴿آمَنُوا بِالله﴾ أي: أقيموا واثبتوا ودوموا عليه (٤). قال الزجاج: وهذا كما قال الله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً﴾ [الفتح: ٢٩] المعنى: وعد الله من أقام على الإيمان من أصحاب محمد ﷺ (٥). وقال مجاهد: الآية خطاب للمنافقين، وذلك أنهم أمنوا في الظاهر بألسنتهم، وكفروا في السر بقلوبهم، فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 3782

آمَنُوا﴾ يعني: بالألسنة في العلانية ﴿آمَنُوا﴾ بقلوبكم في السر (١). ويدلك على هذا أن الله تعالى أخبر عنهم فقال: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]. وهذان القولان ذكرهما الزجاج، ثم قال: والأول أشبه، والله أعلم (٢). وأبو بكر (٣) الوراق اختار أيضًا أن الآية في المؤمنين، وأن معني الأمر بالإيمان: الثبات عليه، واحتج بأن العرب تقول للقائم: قم، وللقارئ: اقرأ، يريدون الثبات على ذلك العمل، وقال الله تعالى لرسوله ﷺ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، أي: أثبت على عملك (٤). وقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ قال ابن عباس: "يريد القرآن وما فيه من الأحكام" (٥). ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال: "يريد كل كتاب أنزله على النبيين" (٦). وذلك أنه اسم الجنس، فصلح للعموم. واختلفوا في قوله: (نزل) و (أنزل)، فقرئ بالضم والفتح (٧)، فمن

стр. 3783

ضم: فحجته قوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [الزمر: ١]، فأضيف المصدر إلى المفعول به، فالكتاب على هذا منزل. وحجته في قوله: (أَنْزَل) قوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١١٤]. ومن قرأ بالفتح: فحجته قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ [النحل: ٤٤] (١). ١٣٧ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ الآيةْ اختلفوا في هذه الآية، فذهب الأكثرون إلى أن المراد به اليهود. وهو قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: "هم قريظة والنضير" (٢). ونحو ذلك قال الكلبي وقتادة: آمنت اليهود بالتوراة، ثم كفرت بمخالفتها، ثم آمنت بالإنجيل، ثم كفرت بمخالفته (٣). وقال بعضهم: إن اليهود آمنوا بالتوراة وموسى، ثم كفروا بعزير، ثم آمنوا بداود، ثم كفروا بعيسى (٤). وكيف ما كان الأمر فقد أخبر الله عنهم بترددهم في الكفر. وقال مجاهد وابن زيد: نزلت في المنافقين، آمنوا، ثم ارتدوا، ثم آمنوا، ثم ارتدوا (٥).

стр. 3784

واختيار أبي علي أن هذا يُعني به المنافقون، قال: فالإيمان الأول دخولهم في الإسلام، وحقنُهم الدماء والأموال به، وكفرهم بعد نفاقهم، وأنَّ باطنهم على غير ظاهرهم. (وإيمانهم بعد نفيهم نفاقهم) (١) بقوله: ﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢]، في قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: ١٤, ٧٦]، فهذا بعد الإظهار منهم للإيمان ثانية، يدخلون به في حكم الإسلام بعد الكفر، كما أن من جاء من المؤمنات مظهرات للإسلام داخلات في حكمه، لقوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] فعُلِمن مؤمنات بما أظهرنه من ذلك، فكذلك هؤلاء، يكونون مؤمنين بإظهارهم الإيمان، بعدما علم منهم النفاق، وكفرهم بعد هذا الإيمان الثاني، قولهم إذا خلوا إلى شياطينهم، أي أصحابهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] (٢). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ قال الكلبي وقتادة: بمحمد ﷺ والقرآن (٣). وقال مجاهد والسدي والحسن: ماتوا على كفرهم (٤).

стр. 3785

وقال أبو العالية: ثم ازدادوا كفرًا بذنوب أصابوها في كفرهم (١). قال أبو عبيد: جعل أبو العالية إصابة الذنوب زيادة في الكفر، كما أن أعمال البر زيادةٌ في الإيمان (٢). وقال أبو علي: ما ازدادوه من الكفر إنما هو بقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] فهذا زيادة في الكفر. ويدل على أنَّ المستهزئ (٣) باستهزائه كافر، فيزداد به كفرًا إلى كفره قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، فإذا كان المجالس مثلهم وإن لم يُظهر ذلك ولم يعتقده، فالقاتل لذلك أشد ذهابًا في الكفر (٤). وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ إن قيل: إن الله لا يغفر الكفر وقد أخبر به، فلم قال ههنا فيمن آمن ثم كفر، ثم آمن ثم كفر: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾؟ فالجواب: أن الله تعالى يغفر للكافرين (٥) كفره إذا آمن، فإن كفر بعد إيمانه لن يغفر له الكفر الأول، لأنه إذا كفر بعد إيمانٍ قبله كفر، كان مُطالبًا بجميع كفره. وهذا جواب ذكره الزجاج (٦)، وبه قال بعض الأصوليين (٧).

стр. 3786

وكذلك قالوا في الذنوب: أن من تاب من ذنب ثم عاد في مثله, فقال القاضي أبو بكر من أصحابنا (١): إن توبته الأولى انتقصت (٢) حتى يلقى الله مؤاخذًا بحكم الزلة الأولى التي تاب عنها (٣). وقال الآخرون -وهو الاختيار-: إنَّ حكم ما تاب عنه بات على الصحة، وإن عاد إلى مثل ما تاب عنه (٤). وعلى هذا فالجواب أن يقال: إن هذا إخبار عن قوم انتقلوا عن الكفر إلى الإيمان، وعن الإيمان إلى الكفر (... و .... (٥)) لحالهم، وأفردوا بذكر نفي المغفرة عنهم، وإن كان الله تعالى لا يغفر كفرًا مرة واحدة، تخصيصًا بالوعيد، كتخصيص جبريل وميكائيل من جملة الملائكة بالذكر تشريفًا وتعظيمًا، كذلك جاء هذا في نقيضه، ولا فرق بين أن يقول: إن اليهود لا يغفر الله لهم، وبين أن يقول: إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا لا يغفر الله لهم، لأنهم هم المعينون (٦) بهذا الوصف.

стр. 3787

وأما من قال: إنه إذا كفر ثانيًا أخذ بالأول، فقد غلط (١)، لأنه صار بالإيمان كمن لم يكفر، كما أن التائب من الذنب صار كمن لا ذنب له، فلا يؤاخذ به بعد أن ارتفع حكمه، كما لا يؤاخذ بما لم يعمله وإن عزم على عمله. وقال الكلبي: "لم يكن الله ليغفر لهم ما أقاموا على ذلك" (٢). وذلك أن الله تعالى أخبر أنه يغفر كفر الكافر إذا انتهى، فإذا أطلق القول بأنه لا يغفر لهم على (٣) أن المراد به ما أقاموا عليه. وقوله تعالى: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ قال الكلبي وغيره: سبيل هدى (٤). وقال الزجاج: معنى ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ أي: لا يجعلهم بكفرهم مهتدين (٥). وفي هذا دليل على أن الله تعالى لم يهد الكافر إلى الإيمان، خلافًا لقول القدرية (٦). ١٣٨ - قوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. قال المفسرون: إن المنافقين كانوا يتولون اليهود فألحقوا بهم في التبشير بالعذاب (٧).

стр. 3788

ومعنى بشرهم: أخبرهم، وذكرنا هذا في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥]. وقال أبو حاتم والزجاج: معناه: اجعل وضع إخبارهم بالعذاب الأليم موضع البشارة لهم، كقول عمرو: وخيلٍ قد دَلْفتُ لهم بخيلٍ ... تحية بينهم ضرب وجيع (١) قال: والعرب تقول: تحيتك الضرب، وعتابك السيف (٢). وقال بعضهم في وجه اتصال هذه الآية: أنَّ الذين ترددوا في الكفر هم كالمنافقين في التحير في الدين (٣). ١٣٩ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ﴾ هذا من صفة المنافقين الذين تقدم ذكرهم. قال الكلبي: المراد بالكافرين ههنا: اليهود (٤). وقول عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾: يريد بني قينُقاع (٥).

стр. 3789

وأصل العزة في اللغة: الشدة، ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة: عزاز، ويقال: استعز عليّ المرض، إذا اشتد مرضه وكاد أن يهلك، وتعزز اللحم، إذا اشتد، ومنه: عز عليّ أن يكون كذا، بمعنى: اشتد، وعز الشيء، إذا قل حتى لا يكاد يوجد، لأنه اشتد مطلبه، واعتز فلان بفلان، إذا اشتد ظهره به، وشاة عزوز، تحلب بشدة لضيق أحاليلها. والعزة: القوة، منقولة عن الشدة لتقارب معنييهما. والعزيز القوي المنيع، خلاف الذليل (١). والكلبي فسر العزة في قوله: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ بالظهور على محمد وأصحابه (٢). وهو راجع إلى معنى القوة، يعني: أيطلبون أن يتقووا بهم فيظهرون على المسلمين. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أي الغلبة والقوة، والمعنى أنه لا تطلق صفة العزة إلا لله (٣)، لأنه لا يُعتد بعزة أحد مع عزته، لصغرها واحتقارها في صفة عزته؛ ولأنه المقوِّي لجميع من له القوة من خلقه، فجميع العزة له؛ لأنه عزيز بعزة، ومعز من عز من عباده بما خلق له من العزة، فله العزة جميعًا من كل وجه. ١٤٠ - قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا﴾ الآية.

стр. 3790

قال المفسرون: الذي نزّل في النهي عن مجالستهم ما نزل بمكة من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الآية [الأنعام: ٦٨] وكان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود، فيسخرون من القرآن ويكذبون به فنهى الله المسلمين (١). وقوله تعالى: ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ أي إذا سمعتم الكفر بآيات الله والاستهزاء بها , ولكن أوقع فعل السماع على الآيات والمراد بالسماع الاستهزاء (٢). قال الكسائي: وهو كمال تقول العرب: سمعت عبد الله يُلام، وأتيت عبد الله يُلام، إنما سمع اللوم فأوقع على الملوم (٣). وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. أي يأخذوا في حديث غير الكفر والاستهزاء، فكنى عنه لأن الفعل يدل على المصدر. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، قال ابن عباس: "يريد إنكم كافرون مثلهم" (٤). وهذا دليل على الوعيد لمن رضي بحالهم وما هم عليه من الكفر والاستهزاء (٥)، أو من رضي بالكفر فهو كافر، ويدل على أن من رضي بمنكر وخالط أهله وإن لم يباشر ذلك كان في الإثم والمعصية بمنزلة

стр. 3791

المباشر، ألا ترى أن الله ذكر لفظ المماثلة في هذا الموضع (١)، وقد قال ابن عباس في قوله: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾: "يريد وأنتم تسمعون وتجالسونهم ولا تغضبون" (٢) فدل هذا أن النهي عن القعود معهم على الرضا بما هم عليه. فأما إذا قعد ساخطًا منكرًا لفعلهم فإنه لا يكون مثلهم (٣). وقال ابن عباس في قوله في سورة الأنعام: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ الآية [الأنعام: ٦٨]: "دخل فيها كل مُحدث في الدين وكل مبتدع إلى يوم القيامة" (٤). يريد أن من أحدث في الدين فقد خاض في آيات الله بالباطل. وقد ورد النهي في هذه الآية التي نحن فيه (٥) عن القعود مع الذين يخوضون في آيات الله بالباطل، فلا يجوز القعود عند كل صاحب بدعة وإحداث في الدين، سيما في القرآن وتفسيره (٦). وقال أهل العلم: إنما ورد النهي عن القعود مطلقًا، لأن (المجالسة) (٧) مع قوم يقتضي المؤانسة والمشاركة فيما يجرى من المحادثة، هذا هو الغالب في العادة، وقيل من يُجالس قومًا منكرًا عليهم بأخطاء لما يجري بينهم.

стр. 3792

وكل من تمكن من إزالة منكر يرى قومًا عليه كان واجبًا عليه الإزالة وإذا لم يتمكن فالأولى أن يتباعد عنهم (١)، فإن لم يتباعد مع سخطه لما يرى لم يضره إن شاء الله (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ يريد أنهم كما اجتمعوا على الاستهزاء بالآيات يجتمعون في جهنم على العذاب. وأراد (جامعٌ) بالتنوين، لأنه لم يجمعهم قبل، ولكن حذف التنوين استخفافًا من اللفظ: وهو مراد في المعنى (٣)، وقد تقدمت نظائره. ١٤١ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ الآية. وهذا أيضًا من صفة المنافقين. والتربص بالشيء أن ينتظر به يومًا (٤)، قال الشاعر: تربَّص بها ريبَ المنونِ لعلها ... تُطَلَّق يومًا أو يموتُ حَليلُها (٥) قال الكلبي: ينتظرون بكم الدوائر. ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: ظهور على اليهود. ﴿قَالُوا﴾ للمؤمنين.

стр. 3793

﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أي أعطونا من الغنيمة. قاله المفسرون (١). ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ﴾ يعني اليهود. قاله الكلبي (٢). ﴿نَصِيبٌ﴾ قال ابن عباس: يريد ظفر على المسلمين (٣). ﴿قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ قال الفراء. استحوذ عليهم، أي: غلب عليهم (٤). وقال الليث: استحوذ عليه الشيطان، إذا غلب عليه (٥). وقال أبو طالب: يقال أحوذ الشيء، إذا جمعه وضمه، ومنه يقال: استحوذ على كذا، إذا حواه (٦)، قال لبيد: إذا اجتمعت وأحوذَ جانبيها ... وأورَدَها على عُوجٍ طِوَالِ (٧) هذا هو الأصل، ثم جعلوا الاستحواذ بمعنى الاستيلاء على الشيء، لأن المستولي على الشيء بمنزلة المحيط به، وكذلك يقال: حاز الحمار أتنه إذ استولى عليها وجمعها (٨)، ومنه قول العجاج: يحُوذُهن وله حُوذِيُّ (٩)

стр. 3794

قال النحويون: هذا الحرف خرج على الأصل من بين نظائره إشعارًا بالأصل إذا استمر بالإعلال في نظائره، نحو استعاروا، واستطاروا، واستقام، وما أشبه ذلك. ويجوز: استحاذ يستحيذ على قياس: أطاب، وهو لغة (١). فأما معنى قوله: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ فقال فيه كثير من أهل المعاني والتفسير، الزجاج وغيره: ألم نغلب عليكم بالموالاة لكم والإخبار بعورة محمد، ونطلعكم على سر المسلمين (٢). وهذا لا يظهر في تفسير هذا الحرف، إلا أن يقال: إن المنافقين غلبوا عليهم بهذا، حيث لم يقدروا هم على الاطلاع على عورة المسلمين ومعرفة أسرارهم إلا من جهة المنافقين، فهذا وجه لا يبعد. وأظهر من هذا ما قاله المبرد، وهو أنه قال: معناه ألم نغلبكم على رأيكم ونصرفكم عن الدخول في جملة لمؤمنين (٣)؟ وقوله تعالى: ﴿وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أي: (بتخذيلهم) عنكم، ومراسلتنا إياكم بأخبارهم. قال أهل المعاني: ومراد المنافقين بهذا الكلام إظهار المنّة على الكافرين، أي: فاعرفوا لنا الحق في هذا عليكم (٤).

стр. 3795

وقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يريد المؤمنين والمنافقين. قال ابن عباس: يريد أنه أخّر عقاب المنافقين إلى الموت ووضع عنهم السيف في الدنيا (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. أي حجة يوم القيامة. قاله ابن عباس والسدي، وهو قول علي ﵁، أن المراد بهذا في القيامة (٢)؛ لأنه عطف على قوله: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال أهل المعاني: وذلك أن الله تعالى يُظهر ثمرة إيمان المؤمنين ويصدّق موعودهم، ولم يشركهم الكفار في شيء من اللذات كما شاركوهم اليوم، حتى يعلموا أنَّ الحق معهم دونهم (٣). ١٤٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ قال ابن عباس: "يريد في الدنيا" (٤). والمعنى: أنهم يعملون عمل المُخادع بما يظهرونه ويبطنون خلافه من النفاق. وقال الزجاج: أي: يخادعون (النبي) (٥) بإظهارهم الإيمان وإبطانهم

стр. 3796

الكفر، فجعل الله مخادعة النبي مخادعة (الله) (١)، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] (٢). وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ أي مجازيهم بالعقاب علي خداعهم (٣). وقال ابن عباس والمفسرون: وهو خادعهم في الآخرة، وذلك أنهم يُعطون نوراً كما يُعطى المؤمنون، فإذا مضوا على الصراط طفى نورهم وبقوا في الظلمة (٤). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ﴾. قال ابن عباس: "يريد مع المؤمنين" (٥). ﴿قَامُوا كُسَالَى﴾ أي: متثاقلين متباطئين (٦). وهو معنى الكسل في اللغة. قال ابن عباس: "أي لا يرجون لها ثوابًا, ولا يخافون على تركها عقابًا" (٧). ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ معنى الرياء: إظهار الجميل ليراه الناس، لا لاتباع أمر الله.

стр. 3797

قال المفسرون: يراؤون الناس بصلاتهم لكي يراهم الناس مصلين، لا يريدون بها وجه الله (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال ابن عباس: "يقول إذا سمع الذاكر لله ومن يخافه ذكره معه، وأما وحده فلا يذكر الله" (٢). وقال الحسن: "إنما قل ذلك؛ لأنهم يعملونه رياءً وسمعة، ولو أرادوا به وجه الله لكان كثيراً" (٣). وقال قتادة: إنما قل لأن الله لم يقبله، وما رد الله فهو قليل، وما قبله فهو كثير (٤). وقال بعض أهل المعاني: أي: إلا يسيرًا من نحو التكبير وما يظهر، دون القراءة والتسبيح، لأنهم يعملونه للناس (٥). ١٤٣ - قوله تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ الآية. يقال: ذبذبه فتذبذب، أي: حركه فتحرك، وهو كتحريك شيء معلق بين السماء والأرض، ولهذا تسمى معاليق الهودج ذباذب (٦)، ويسمى الفرج ذبذبًا (لتحرك لا يتذبذب) (٧)، يقال: ذبذبه، أي: جعله يضطرب،

стр. 3798

فتذبذب أي: اضطراب (١)، قال النابغة: ألم ترَ أن الله أعطاكَ سورةً ... ترى كُلَّ مَلْكٍ دونَها يتذَبْذَبُ (٢) وقوله تعالى: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾. أي: بين الكفر والإيمان، أو بين الكافرين والمؤمنين (٣). وذلك يشار به إلى الجماعة. وقد ذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ بأبلغ شرح (٤). وذكر الكافرين والمؤمنين قد جرى في هذه القصة عند قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ﴾ [النساء: ١٣٩] الآية، وإذا جرى ذكر الفريقين فقد جرى ذكر الكفر والإيمان. قال ابن عباس: "يريد لا كافر ولا مؤمن" (٥). وإنما أراد ابن عباس لا كافر ظاهر الكفر، بدليل قول السدي: ليسوا بمشركين مُصرِّحين الشرك (٦)، وليسوا بمؤمنين (٧). وقول قتادة: ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرحين الشرك (٨).

стр. 3799

قال أهل المعاني: معنى ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ مترددين بين الكفر والإيمان، لا إلى المؤمنين بإخلاص الإيمان، ولا إلى المشركين فيخلصوا الشرك على الإظهار والإبطان (١). والمُذبذب المتردد المتحرك، ويكون ذلك بتحريك الغير، ولا أحد فعل ذلك إلا الله تعالى فهو قد ذبذبهم، وصيّرهم مترددين يتذبذبون. وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ إشارة إلى الفريقين الذين تقدم ذكرهما، وهما الكافرين والمؤمنين (٢). وقد ذكرنا أنَّ المراد بالكافرين في هذه القصة اليهود. فإن قيل: كيف يجوز أن يُذموا بأنهم لا إلى الكافرين، وهم لا يستحقون المدح، وإن صاروا إليهم بإظهار الكفر. والجواب: أنهم تركوا ذلك الكفر بكفر أشر منه وأوضع لصاحبه، وذلك أن المنافق أشرّ من المجاهر بالكفر، والمجاهر أحسن حالًا منه، لأن المجاهر يُرجى (٣) فلاحه بالاستدعاء إلى الحق، والمنافق ميئوس منه، فجاز أن يُذموا بترك كفر إلى كفرٍ أوضع منه. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ قال ابن عباس: "يريد من أضله الله فلن تجد له دينًا" (٤).

стр. 3800

١٤٤ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية. قال المفسرون: لما ذم الله المنافقين بأنهم مرة إلى الكفار ومرة إلى المسلمين من غير أن يقرُّوا مع أحد الفريقين، نهى المسلمين في هذه الآية أن يصنعوا كصنيع المنافقين فقال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني (١) اليهود من قريظة والنضير (٢). وذلك أنَّ الأنصار بالمدينة كان لهم رضاع وحلف ومودة، فقالوا لرسول الله ﷺ : من نتولى (٣)؟ فقال: "المهاجرين"، ونزلت هذه الآية. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء (٤). وقال مقاتل: "كانوا يظهرون المودة للمشركين الذين بمكة، فنهاهم الله (ذلك) (٥) " (٦). فعلى هذا المراد بالكافرين المشركون، والقول الأول أظهر. ومعنى الولي الذي يتولى صاحبه بالنُّصرة. وقوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. قال ابن عباس: "يريد حجة بينة" (٧). وقال قتادة: "عذرًا مبينًا" (٨).

стр. 3801

والمعنى: أَتُرِيدونَ أَن تَجْعَلُواْ لله عَلَيْكُمْ في عقابكم حجة بموالاة الكفار، أي: أنكم إذا واليتموهم صارت الحجة عليكم في العقاب. ١٤٥ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ اختلفوا في معنى الدرك، فقال شمر: الدَّرك أسفل كل شيء ذي عمقٍ، كالرَّكيَّة ونحوها (١). وقال أبو عدنان (٢): درك الرّكيَّة: قعرها الذي أُدرك فيه الماء (٣). وقال الليث: الدَّرك: أقصى قعر الشيء، كالبحر ونحوه (٤). فعلى هذا المراد بالدرك الأسفل أقصى قعر جهنم. وبهذا قال ابن عباس، فقال: معناه في أسفل النار (٥). وكذلك قال عكرمة (٦). وقال آخرون: الدَّرك: الطبق من أطباق جهنم. رواه ثعلب عن ابن الأعرابي (٧). وقال الليث: الدَّرك: واحد من أدراك جهنم من السبع (٨). وأصل هذا من الإدراك، بمعنى اللحوق، ففيه إدراك الطعام وإدراك الغلام، فالدرك ما يلحق من الطبقة (٩).

стр. 3802

والظاهر أن جهنم طبقات، السفلى أشدها. قال الأخفش وأبو عبيدة: جهنم أدراك، أي منازل، وكل منزلة منها درك (١). وقال الضحاك: (الدَّرج) إذا كان بعضها فوق بعض، و (الدَّرك) إذا كان بعضها أسفل من بعض (٢). وقال ابن جُريج: "سمعنا أن جهنم أدراك" (٣). وقال الفراء: ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ﴾ أي: في أسفل درج النار (٤). واختلف القراء في (الدَّرك)، فقرئ بفتح الراء وجزمه (٥). قال الفراء: هما لغتان، وجمعهما أدراك (٦). وقال الزجاج: اللغتان جميعًا حكاهما أهل اللغة، إلا أن الاختيار فتح الراء، لأنه أكثر في الاستعمال (٧). وقال أبو حاتم: جمع الدَّرَك: أدراك: كقوله: أجمال وأفراس، في جمع جمل وفرس. وجمع الدَّرْك: أدْرُك، مثل: أفلُس وأكلب (٨).

стр. 3803

قال أبو علي: هما لغتان في الكلمة، مثل: الشَّمَع والشّمَع -في الصحيح-، والقصّ والقصصَ -في المضاعف-، والعيب والعاب، والذيم والذَّام -في المعتل (١). قال أبو بكر ابن الأنباري: قد قال الله تعالى في المنافقين: إنهم في الدرك الأسفل من النار، وقال في آل فرعون: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] فأيهما أشد عذابًا، المنافقون أم آل فرعون؟ قيل: الدرك الأسفل يجوز أن يكون هو أشد العذاب، فسمي باسمين مختلفين، كما يقول القائل: أدخل فلانًا المطبق، ثم يقول بعد ذلك: أدخله أضيق المجالس وأشدها، فيكون هذا موافقًا للأول، غير مخالف له (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ أي مانعًا يمنعهم من عذاب الله، من جهة شفاعة أو غير ذلك من وجوه النصر المتوهم أنه ينفعهم. قاله الزجاج وغيره (٣). ١٤٦ - قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ قال المفسرون: من النفاق، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ العمل (٤). ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ وثقوا به والتجأوا إليه (٥). ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ من شائب رياء الناس (٦).

стр. 3804

قال علي ﵁: "إن المنافقين أشر من كفر بالله، وأولاهم بمقته، وأبعدهم من الإنابة إليه، لأنه شرط عليهم في التوبة الإصلاح والاعتصام، ولم يشرط ذلك على غيرهم، ثم شرط الإخلاص، لأنَّ النفاق ذنب القلب، والإخلاص توبة القلب" (١). ثم قال: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن قتيبة: حاد عن كلامهم غيظًا (٢)، ولم يُقل: فأولئك المؤمنون، أو من المؤمنين (٣). قال ابن عباس في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: "يريد أدنى منهم" (٤). ثم أوقع أجر المؤمنين، لانضمام المنافقين إليهم فقال: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. ١٤٧ - قوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ الآية. ههنا استفهام، معناها التقرير على معنى أنه لا يُعذِّب الشاكر المؤمن (٥). قال قتادة: "لا يعذب الله شاكرًا ولا مؤمنًا" (٦).

стр. 3805

قال الكلبي: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ يعني المنافقين (١). وقال ابن عباس في رواية عطاء: ما يريد الله بعذاب خلقه (٢). وقوله تعالى ﴿إِنْ شَكَرْتُمْ﴾ أي: إن عرفتم (٣) بإحسانه وإنعامه. ﴿وَآمَنْتُمْ﴾ قال ابن عباس: "يريد يثيبه (٤) " (٥). قال أهل العلم: هذا على التقديم والتأخير، أي: إن آمنتم وشكرتم؛ لأنَّ الإيمان يُقدَّم على سائر الطاعات، ولا تنفع طاعة دون الإيمان (٦). وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا﴾ معناه أنه يزكو عند (٧) القليل من أعمال العباد، فيضاعف لهم الجزاء. من قول العرب: دابة شكور، إذا كان يكفيه للسِّمن العلف القليل (٨). وقوله تعالى: ﴿عَلِيمًا﴾ قال ابن عباس: "أي: بنياتكم" (٩). وقال الكلبي: وكان الله شاكرًا للقليل من أعمالكم، عليمًا بأضعافها لكم (١٠). وقال أبو روق: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا﴾ مجازيًا، يجازي على القليل الجزيل (١١).

стр. 3806

١٤٨ - قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ قال أهل المعاني: ولا غير الجهر أيضًا, ولكن يشبه أن تكون الحال أوجبت هذه القضية، كقوله: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤] والتبيُّن واجب في الظعن والإقامة، ولكن الحال أوجبت ذلك. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. اختلفوا في وجه هذا الاستثناء: فأبو عبيدة ذهب إلى أن هذا من باب حذف المضاف، على تقدير: إلا جهر من ظلم، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه (١). وذهب الزجاج إلى أن المصدر ههنا بمعنى الفعل، على معنى: لا يحب الله أن يُجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم، فيكون (من) رفعًا بدلًا من معنى أحد، المعنى: لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول إلا المظلوم. ويجوز: إلا المظلوم أيضًا بالنصب، كقولك: ما جاءني أحد إلا زيد رفعًا، وهو الأجود، و: إلا زيدًا جائز (٢). والذي ذكره الزجاج من أن المراد بالمصدر الفعل، هو قول الفراء أيضًا (٣)، وذكرا جميعًا وجهًا آخر، وهو أن يكون: (إلا من) استثناء منقطعًا من الأول، ويكون موضعه نصبًا؛ لأنه استثناء ليس من الأول، والمعنى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول، لكن المظلوم يجهر بظلامته تشكيًا (٤).

стр. 3807

وقرأ جماعة من الكبار -الضحاك وزيد بن أسلم وسعيد بن جبير-: إلا من ظَلم، بفتح الظاء (١)، ويكون الاستثناء منقطعًا، ويكون قوله: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء:١٤٨] كلامًا تامًا، ثم قال: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ على معنى: لكن من ظلم فدعوه وخلوه. قاله الفراء (٢). وقال الزجاج: لكن من ظلم فإنه يجهر بالسوء من القول ظلمًا واعتداءً. قال: ويجوز أن يكون المعنى: لكن من ظلم اجهروا له بالسوء من القول (٣). قال الفراء: ومثله مما يجوز أن يُستثنى الأسماء وليس قبلها شيء ظاهر قولك: إني لأكره الخصومة والمراء، اللهم إلا رجلاً، يريد بذلك الله، فجاز استثناء الرجل ولم يذكر قبله شيء من الأسماء، لأن الخصومة والمراء لا يكونان إلا من الآدميين (٤). فأما التفسير فقال ابن عباس في رواية عطاء: "يريد الضيافة، ينزل الرجل بالرجل عنده سعةٌ فلا يضيفه، فإن تناوله بلسانه فقد عذره الله" (٥). وهذا قول مجاهد (٦) وسعيد بن المسيب (٧) وجميع أهل المعاني (٨).

стр. 3808

وزعم مجاهد أن ضيفًا تضيف قومًا فأساءوا قراه، فاشتكاهم، فنزلت هذه الآية رخصةً في أن يشكو (١). وذهب جماعة من المفسرين إلى أن هذه الآية عامة في كل مظلوم، وله أن ينتصر من ظالمه بالدعاء عليه. يُروى ذلك عن ابن عباس (٢) وقتادة والحسن والسدي (٣) وابن زيد (٤) ويمان بن رئاب (٥). قال العلماء: للمظلوم أن يشكو من ظالمه إذا صدق في شكايته، وله أن يدعو عليه بما لا يعتدي فيه، مثل أن يقول: اللهم استخرج حقي منه، اللهم حِلْ بينه وبين ما يريد من الظلم، اللهم اكفني شره (٦). فإن قذف إنسانٌ غيره، فليس للمقذوف، أن يقابله بمثل ذلك (٧)، وإنما يحل له الانتصار منه بالتعزير ورفع الصوت عليه بالتظلم منه، وقد قال رسول الله ﷺ : "المستبان (٨) شيطانان" (٩).

стр. 3809

وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ قال ابن عباس: "سميعًا لقول المظلوم الضيافة، عليمًا بما في قلبه" (١). قال أهل المعاني: معنى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ التحذير من التعدي في الجهر الذي أذن فيه بما يظهر أو يضمر، فليتق الله ولا يقل إلا الحق، ولا يقذفه مستورًا فإنه عاص بذلك، والله سميع لما يقوله، عليم بما يضمره (٢). ١٤٩ - قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾ قال ابن عباس: "يريد من أعمال البر، مثل: الصدقة والضيافة والصلة" (٣). ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ قال: "يريد يأتيك من أخيك المسلم، أو من قريبك، أو من ولدك، أو من زوجتك" (٤). ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا﴾ لمن عفا، متجاوزًا لذنوبه. ﴿قَدِيرًا﴾ على ثوابه (٥). وقال الحسن: " ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا﴾ عن ذنوب العباد، إذ لم يُعجِّل عليهم بالعقوبة، ﴿قَدِيرًا﴾ على العفو" (٦). وقال الكلبي: معناه: أن الله أقدر على عفو ذنوبك منك على عفو صاحبك (٧).

стр. 3810

١٥٠ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ قال ابن عباس وغيره: يعني اليهود، آمنوا بموسى وعزير والتوراة، وكفروا بعيسى والإنجيل ومحمد ﷺ والقرآن (١). وقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ معناه: يريدون أن يفرقوا بين الإيمان بالله ورسله، وذلك لا يصح لهم؛ لأن الإيمان برسله إيمان به من حيث دعوا إلى طاعته (.. (٢) ..) وحاولوا من ذلك ما لا يمكنهم، لأنه (٣) لا يصح الإيمان بالله والتكذيب برسله، أو ببعض منهم، وإنما لم يصح التصديق ببعض الأنبياء دون بعض؛ لأن كل نبي قد دعا إلى تصديق من بعده من الأنبياء، فإذا كذبوهم فقد كذبوا من تقدم منهم (٤). وقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أي بين إيمان بعض الرسل وكفر بعض دينًا يدينون الله به. وقال أهل المعاني: يريدون أن يتخذوا مذهبًا يذهبون إليه، ويحملون الناس عليه تآمرًا وتراميًا عليهم (٥). ١٥١ - قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ معنى ذكر حق ههنا التأكيد لكفرهم، إزالة لتوهم أنَّ إيمانهم ببعض الرسل يزيل عليهم (٦) إطلاق

стр. 3811

اسم الكفر على الحقيقة (١). وانتصب (حقًّا) على مثل قولك: زيد أخوك حقًّا، وهو تأكيد للخبر، لأنك إذا قلت: زيد أخوك، فقد أخبرت بأخوة زيد، فإذا قلت: حقًّا، أكدت ما أخبرته، فكأنك قلت: أخبرتك بأخوة زيدٍ إخبارًا حقًّا (٢). ولا يجوز أن ينتصب على معنى: كفروا كفرًا حقًّا، لأن الكفر لا يكون حقًّا على وجه من الوجوه (٣). ١٥٢ - ثم نزل في المؤمنين قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ إلى آخر الآية. ١٥٣ - قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال المفسرون: إنَّ اليهود قالوا للنبي ﷺ : إن كنت صادقًا أنك نبي ائتنا بكتاب جملة من السماء كما أتى به موسى، فأنزل الله هذه الآية (٤). وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ يعني السبعين الذين ذكرنا قصتهم عند قوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ يعني الذين خلفهم موسى مع هارون حين خرج لميقات ربه (٥).

стр. 3812

وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ يريد: العصا، واليد، وفلق البحر (١). ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ﴾ أي: لم يستأصل عبدة العجل (٢). ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي: حجةً بينة، قوي بها على من ناوأه (٣) ١٥٤ - قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ معناه: بأخذ ميثاقهم، وذلك أنهم امتنعوا عن قبول شريعة التوراة، فرفع الله جبلًا فوقهم حتى قبلوا، وأخذ ميثاقهم، والجبل فوقهم. وقد بينا هذا في سورة البقرة بيانًا شافيًا (٤). وتأويل قوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ أي: بأخذ ميثاقهم، فالمعنى: بسبب أخذ ميثاقهم، ثم حذف المضاف (٥). وقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ مضى بيانه في سورة البقرة (٦). وقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ أي: لا تعتدوا باقتناص السمك فيه، قاله المفسرون (٧). يقال: عدا عليه أشدَّ العُدْوِّ والعَدْوِ والعَدَاء والعُدْوَان، أي: ظلمه وجاوز الحد، ومنه قوله: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا﴾ [الأنعام: ١٠٨] (٨).

стр. 3813

واختلف القراء في هذا الحرف، فقرأ (ابن كثير) (١) (تَعْدُوا) ساكنة العين خفيفة (٢)، وحجتهم قوله في هذه القصة: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] وقال: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٧] (٣). وقرأ نافع (لا تعْدُّوا) ساكنة العين، مشددة الدال (٤)، أراد: لا تعتدوا، وحجته قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] فجاء في هذه القصة بعينها: افتعلوا، ثم أدغم التاء في الدال، لتقاربهما, ولأن الدال تزيد على التاء في الجهر (٥). وكثير من النحويين يُنكرون الجمع بين الساكنين إذا كان الثاني منهما مُدغمًا , ولم يكن الأول حرف لين، نحو: دابةٍ، وشابةٍ، وثُمُودَّ الثوبُ، وقيل لهم. ويقولون: إن المد يصير عوضًا عن الحركة، وقد قالوا: ثوبْ بكر، وجيبْ بكر، والمد الذي فيهما أقل من المد الذي يكون فيهما إذا كان حركة ما قبلهما منهما (٦)، وساغ فيه (٧)، ومعنى قولنا: إذا كان حركة ما قبلهما منهما هو أن دابة حركة ما قبل حرف اللين الفتح، والفتحة من الألف وليس كذلك في ثوب بكر، لأن حرف اللين الواو والفتحة ليست من الواو،

стр. 3814

وجاز: ثوب بكر، بإلإدغام، كما جاز: دابة، وشابة، وان لم يكن في: ثوب بكر، من المد ما في: دابة، وشابة. وكذلك قولهم في تصغير صم: أُصَيْمّ ومدْيقٍّ، ودويبة (١). فإذا جاز ما ذكرنا مع نقصان المد الذي فيه، لم يمتنع أن يجمع بين ساكنين في نحو: (تعدُّوا)، و (تَخْطّف) لأن الساكن الثاني لما كان يرتفع اللسان عنه وعن المدغم فيه ارتفاعة واحدة، صار بمنزلة حرف متحرك (٢). وروى ورش (٣) عن نافع: (لا تعَدُّوا) بفتح العين (٤)، وذلك أنه لما أدغم التاء في الدال نقل حركتها إلى العين (٥). وذهب بعض المتأولين إلى أن قوله: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ من العدو بمعنى الحضر (٦)، والمراد به النهي عن العمل والكسب يوم السبت، كأنه قيل لهم: اسكنوا عن العمل في هذا اليوم، وقد قال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾: "يريد لا تعملوا شيئًا من الأعمال يوم السبت صغيرًا ولا كبيرًا، اقعدوا في منازلكم فأنا الرزاق أرزقكم رغدًا" (٧).

стр. 3815

وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا﴾ قال ابن عباس: "يريد عهدًا مؤكدًا في النبي ﷺ " (١). ١٥٥ - قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ (ما) ههنا صلة مؤكدة، ومعني التأكيد بها: تفخيم شأن ما دخلت عليه بتكثير اللفظ بها. قال الزجاج: ومعنى (ما) التوكيد، أي: فبنقضهم ميثاقهم حقًّا. قال: الجالب للباء والعامل فيها قوله تعالى: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] المعنى: بنقضهم ميثاقهم والأشياء التي ذكرت بعده حرمنا عليهم طيبات (٢). وهذا القول حسن؛ لأنَّ هذه القصة امتدت إلى قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْم﴾ وبدل وتفسير لما ذكر من قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم﴾ و ﴿وَكُفْرِهِمْ﴾ و ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾ و ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى﴾ وهذا كله ظلم من اليهود (٣). وقال بعضهم: الجالب للباء محذوف، على تقدير: فبما نقضهم وكفرهم وقتلهم لعناهم وسخطنا عليهم. وهذا يُروى عن قتادة (٤). ويكون الدليل على هذا المحذوف قوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾؛ لأن الطبع على قلوبهم قد دل على معنى اللعن لهم والسخط عليهم. والقول هو الأول. وباقي الآية إلى قوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ﴾ قد سبق تفسيره فيما مضى من الكتاب (٥).

стр. 3816

وقوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ قال ابن عباس: "يريد ختم الله عليها" (١). قال أبو إسحاق: معنى طبع في اللغة وختم واحد (٢). ومضى الكلام في ختم (٣)، ويقال: طبع الله على قلب الكافر، أي: ختم عليه فلا يعي وعظًا ولا يوفق لخير (٤). قال الحسن: إن بين الله وبين العبد حدًا، إذا بلغه طبع على قلبه، فلم يوفق لخير (٥). وقوله تعالى: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ قال الزجاج: جعل الله مجازاتهم على كفرهم أن طبع على قلوبهم (٦). وهذا كقوله: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨]، وقد مرّ. وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال ابن عباس: "يريد الذين آمنوا منهم" (٧). وقد استقصينا هذا عند قوله: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨]. ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ١٥٦ - قولهَ تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ يعني: بالمسيح، جحدوا أنه نبي. قاله ابن عباس (٨). ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ حين "رموها بالزنا" (٩).

стр. 3817

وزعموا أن عيسى لغير رشده (١) وذكرنا معنى البهتان في قوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ [النساء: ١١٢]. ١٥٧ - قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ﴾ الآية. اليهود تدعى أنهم قتلوا عيسى بن مريم، وقد كذبوا في ادعائهم ذلك، واستحقوا على هذه الدعوى ما يستحقه قاتل عيسى، لأنهم أتوا ذلك الأمر على أنه قتل نبي. قاله الزجاج وغيره (٢). قال المفسرون: إنَّ عيسى ﵇ لما أراد الله رفعه إليه قال لأصحابه: "أيكم يرضى أن يُلقى عليه شبهي، فيقتل ويصلب، ويدخل الجنة؟. فقال رجل منهم: أنا. فألقي عليه شبهه، فقُتل وصُلب، وهم يظنون أنهم قتلوا عيسى، فقال الله تعالى تكذيبًا لليهود: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ " (٣). قال ابن السكيت: يقال: صَلَبَه يَصْلُبُه صَلبًا، وأصله من الصليب وهو الودك، وأنشد: ترى لِعظامِ ما جَمعت صَليبًا (٤)

стр. 3818

وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي: ألقي شبهه على غيره حتى ظنوا لما رأوه أنه المسيح. وهذا قول الحسن وقتادة ووهب (١) ومجاهد (٢). وقال غير هؤلاء: إنَّ الله جل وعز لما رفعه إليه خاف رؤساؤهم فتنة عامتهم بأن الله منعهم منهن، فعمدوا إلى إنسان فصلبوه ولبسوا على الناس، وذلك أنهم رأوا قتيلًا مصلوبًا من بعيد، قد أرجف بأنه المسيح، فتواطؤوا على ذلك وحكموا به (٣). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: في قتله (٤)، وكان اختلافهم فيه أنهم لما قتلوا الشخص المشبَّه به، كان الشبه قد ألقي على وجهه ولم يلق عليه شبه جسد عيسى، فلما قتلوه ونظروا إليه قالوا: الوجه وجه عيسى، والجسد جسد غيره (٥). وقال السدي: إن اليهود حبسوا عيسى مع عشرة من الحواريين في بيت، فدخل عليهم رجل منهم، فألقى الله شبه عيسى عليه، ورفع عيسى إلى السماء من كوة في البيت، فدخلوا البيت وقتلوا ذلك الرجل على أنه عيسى، ثم إنهم قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ فذلك اختلافهم فيه (٦).

стр. 3819

وقال أبو إسحاق: الذين اختلفوا في قتله شاكُّون, لأن بعضهم زعم أنه إله ما قُتل، وبعضهم زعم أنه قُتل، وهم في ذلك شاكُّون (١). وقال الكلبي: اختلافهم فيه هو أن اليهود قالت: نحن قتلناه وصلبناه، وقال بعضهم: ما قتلناه ولكن رأيناه يُرفع إلى السماء ونحن ننظر إليه (٢). قال الله : ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ منصوب على أنه استثناء ليس من الأول، المعنى: ما لهم به من علم لكنهم يتبعون الظن (٣). والكناية في قوله: ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْه﴾ تعود إلى القتل، والمعنى: وإن الذين اختلفوا في قتل عيسى لفي شك من قتله، ما لهم بعيسى من علم قُتل أو لم يقتل (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ يجوز أن تكون الهاء راجعة إلى المسيح، كما قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾، والمعنى: ما قتلوا المسيح على يقين من أنه المسيح (٥). وقال الحسن: معنى (يقينًا) ههنا حقًّا (٦). فيجعله من تأكيد الخبر، وعلى هذا يتم الكلام عند قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أي يقينًا ما قتلوه، على: حقًّا ما قتلوه.

стр. 3820

وقال ابن الأنباري: ويجوز أن يعود معنى اليقين إلى رفع الله تعالى إياه، أي: رفعه الله إليه يقينًا بغير شك. والنصب ليقين جواب مضمر، كأنه قيل: يقينًا لقد رفعه الله إليه باليقين، ومذهب القسم ينتصب بجوابه المضمر، فحذف الجواب واكتفى بما دل عليه من قوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] . ولا يجوز أن تنصب يقينًا بالفعل الذي بعد (بلُ)، لأن بل أداة مانعة، فلم يعمل ما بعدها فيما قبلها (١). ويجوز أن تكون الهاء عائدة إلى الظن (٢)، يريد: ما قتلوا ذلك الظن يقينًا، أي لم يزل ظنهم ولم يرتفع ما وقع لهم من الشبهة في قتله، وهذا قول ابن عباس والسدي (٣). ويزيد هذا بيانًا ما قاله الفراء والزجاج: إنَّ الهاء ههنا للعلم، كما تقول: قتلته علمًا، وقتلته يقينًا، أي علمته علمًا تامًّا (٤). قال ابن قتيبة: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ يعني العلم، لم يتحققوه ويستيقنوه. وأصل ذلك أنَّ القتل للشيء يكون عن قهر واستعلاء وغلبة، يقول: فلم يكن علمهم بقتل المسيح علمًا أحيط به، وإنما كان ظنًا (٥). ١٥٨ - وقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ أكثر القراء على إدغام اللام في الراء، لقرب مخرج اللام من الراء والراء متمكنة فيها، كالتكرير، ولهذا
следующие страницы →