← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

وقوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ قال ابن عباس: "يريد ختم الله عليها" (١). قال أبو إسحاق: معنى طبع في اللغة وختم واحد (٢). ومضى الكلام في ختم (٣)، ويقال: طبع الله على قلب الكافر، أي: ختم عليه فلا يعي وعظًا ولا يوفق لخير (٤). قال الحسن: إن بين الله وبين العبد حدًا، إذا بلغه طبع على قلبه، فلم يوفق لخير (٥). وقوله تعالى: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ قال الزجاج: جعل الله مجازاتهم على كفرهم أن طبع على قلوبهم (٦). وهذا كقوله: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨]، وقد مرّ. وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال ابن عباس: "يريد الذين آمنوا منهم" (٧). وقد استقصينا هذا عند قوله: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨]. ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ١٥٦ - قولهَ تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ يعني: بالمسيح، جحدوا أنه نبي. قاله ابن عباس (٨). ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ حين "رموها بالزنا" (٩).

стр. 3817

وزعموا أن عيسى لغير رشده (١) وذكرنا معنى البهتان في قوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ [النساء: ١١٢]. ١٥٧ - قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ﴾ الآية. اليهود تدعى أنهم قتلوا عيسى بن مريم، وقد كذبوا في ادعائهم ذلك، واستحقوا على هذه الدعوى ما يستحقه قاتل عيسى، لأنهم أتوا ذلك الأمر على أنه قتل نبي. قاله الزجاج وغيره (٢). قال المفسرون: إنَّ عيسى ﵇ لما أراد الله رفعه إليه قال لأصحابه: "أيكم يرضى أن يُلقى عليه شبهي، فيقتل ويصلب، ويدخل الجنة؟. فقال رجل منهم: أنا. فألقي عليه شبهه، فقُتل وصُلب، وهم يظنون أنهم قتلوا عيسى، فقال الله تعالى تكذيبًا لليهود: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ " (٣). قال ابن السكيت: يقال: صَلَبَه يَصْلُبُه صَلبًا، وأصله من الصليب وهو الودك، وأنشد: ترى لِعظامِ ما جَمعت صَليبًا (٤)

стр. 3818

وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي: ألقي شبهه على غيره حتى ظنوا لما رأوه أنه المسيح. وهذا قول الحسن وقتادة ووهب (١) ومجاهد (٢). وقال غير هؤلاء: إنَّ الله جل وعز لما رفعه إليه خاف رؤساؤهم فتنة عامتهم بأن الله منعهم منهن، فعمدوا إلى إنسان فصلبوه ولبسوا على الناس، وذلك أنهم رأوا قتيلًا مصلوبًا من بعيد، قد أرجف بأنه المسيح، فتواطؤوا على ذلك وحكموا به (٣). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: في قتله (٤)، وكان اختلافهم فيه أنهم لما قتلوا الشخص المشبَّه به، كان الشبه قد ألقي على وجهه ولم يلق عليه شبه جسد عيسى، فلما قتلوه ونظروا إليه قالوا: الوجه وجه عيسى، والجسد جسد غيره (٥). وقال السدي: إن اليهود حبسوا عيسى مع عشرة من الحواريين في بيت، فدخل عليهم رجل منهم، فألقى الله شبه عيسى عليه، ورفع عيسى إلى السماء من كوة في البيت، فدخلوا البيت وقتلوا ذلك الرجل على أنه عيسى، ثم إنهم قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ فذلك اختلافهم فيه (٦).

стр. 3819

وقال أبو إسحاق: الذين اختلفوا في قتله شاكُّون, لأن بعضهم زعم أنه إله ما قُتل، وبعضهم زعم أنه قُتل، وهم في ذلك شاكُّون (١). وقال الكلبي: اختلافهم فيه هو أن اليهود قالت: نحن قتلناه وصلبناه، وقال بعضهم: ما قتلناه ولكن رأيناه يُرفع إلى السماء ونحن ننظر إليه (٢). قال الله : ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ منصوب على أنه استثناء ليس من الأول، المعنى: ما لهم به من علم لكنهم يتبعون الظن (٣). والكناية في قوله: ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْه﴾ تعود إلى القتل، والمعنى: وإن الذين اختلفوا في قتل عيسى لفي شك من قتله، ما لهم بعيسى من علم قُتل أو لم يقتل (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ يجوز أن تكون الهاء راجعة إلى المسيح، كما قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾، والمعنى: ما قتلوا المسيح على يقين من أنه المسيح (٥). وقال الحسن: معنى (يقينًا) ههنا حقًّا (٦). فيجعله من تأكيد الخبر، وعلى هذا يتم الكلام عند قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أي يقينًا ما قتلوه، على: حقًّا ما قتلوه.

стр. 3820

وقال ابن الأنباري: ويجوز أن يعود معنى اليقين إلى رفع الله تعالى إياه، أي: رفعه الله إليه يقينًا بغير شك. والنصب ليقين جواب مضمر، كأنه قيل: يقينًا لقد رفعه الله إليه باليقين، ومذهب القسم ينتصب بجوابه المضمر، فحذف الجواب واكتفى بما دل عليه من قوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] . ولا يجوز أن تنصب يقينًا بالفعل الذي بعد (بلُ)، لأن بل أداة مانعة، فلم يعمل ما بعدها فيما قبلها (١). ويجوز أن تكون الهاء عائدة إلى الظن (٢)، يريد: ما قتلوا ذلك الظن يقينًا، أي لم يزل ظنهم ولم يرتفع ما وقع لهم من الشبهة في قتله، وهذا قول ابن عباس والسدي (٣). ويزيد هذا بيانًا ما قاله الفراء والزجاج: إنَّ الهاء ههنا للعلم، كما تقول: قتلته علمًا، وقتلته يقينًا، أي علمته علمًا تامًّا (٤). قال ابن قتيبة: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ يعني العلم، لم يتحققوه ويستيقنوه. وأصل ذلك أنَّ القتل للشيء يكون عن قهر واستعلاء وغلبة، يقول: فلم يكن علمهم بقتل المسيح علمًا أحيط به، وإنما كان ظنًا (٥). ١٥٨ - وقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ أكثر القراء على إدغام اللام في الراء، لقرب مخرج اللام من الراء والراء متمكنة فيها، كالتكرير، ولهذا

стр. 3821

لم يُجز إدغام الراء في اللام؛ لأن الأنقص يدغم في الأفضل. ويجوز الإظهار في: ﴿بَلْ رَفَعَهُ﴾، لأن اللام والراء من كلمتين. ومعنى ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ أي إلى الموضع الذي لا يجري لأحد سوى الله فيه حكم، وكان رفعه إلى ذلك الموضع رفعًا إليه، لأن رفع عن أن يجري عليه حكم أحد من العباد، كقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠] (١) ولم تخرج الأمور اليوم من حكمه فترجع إليه، ولكن المعنى أنَّ الأمور تصير بحيث لا يجري لأحد حكم فيها حقيقة ولا مجازًا سوى الله تعالى يوم القيامة. يؤكد ما قلنا أنَّ الحسن قال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ إلى السماء (٢). كما قال: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠] وكانت الهجرة يومئذٍ إلى المدينة، وكذلك ما أخبر به عن (إبراهيم) (٣) في قوله: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] وكان ذاهبًا إلى الشام، فجعل ذهابه إلى الموضع الذي أمره ربه ذهابًا إلى ربه. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ في اقتداره على نجاة من يشاء من عباده. ﴿حَكِيمًا﴾ في تدبير في النجاة. ١٥٩ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية. (وَإِن) بمعنى: ما النافية. قال الزجاج: والمعنى: وما فيهم أحدٌ إلا ليؤمنن به، وكذلك قوله:

стр. 3822

﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] المعنى: وما منكم أحد إلا واردها. وكذلك: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ (١) [الصافات: ١٦٤]، وأنشد: لو قلتَ ما في قومها لم تيثَم (٢) ... يفضُلُها في حَسبٍ وميسَمِ (٣) أي: أحد يفضلها (٤). وقد ذكرنا فيما تقدم جواز حذف الموصول أو الموصوف من الكلام والخلاف فيه عند قوله في النساء: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية [النساء: ٤٦]. وقال الكسائي: تقول العرب: إن منهم ليقومَن -بفتح الميم-، وليقومُن -بضم الميم-، وفي قراءة أبيّ: (إلا ليُؤمنُن) بضم النون الأولى. قال: وتقول العرب: إن منهم إلا يصلح، وإن منهم إلا ليصلح، المعنى: إلا من يصلح (٥). واختلفوا في معنى الآية: فقال ابن عباس في رواية عطاء، وعطية وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والربيع وابن زيد: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ﴾ بعيسى ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عيسى. وذلك عند نزوله من السماء في آخر الزمان، فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به، حتى تكون الملة واحدة (...) (٦) الإسلام (٧).

стр. 3823

قال عطاء: إذا نزل إلى الأرض لا يبقى يهودي ولا نصراني ولا أحد ممن يعبد غير الله إلا آمن به، وصدقه، وشهد (١) أنه روح الله وكلمته وعبده ونبيه (٢). واستبعد هذا القول قوم، وقالوا: الآية عامة في جميع أهل الكتاب والذين يبقون منهم إلى وقت نزول عيسى حتى يؤمنوا به شرذمة قليلة. والأمر على ما قالوا, ولكن لا يُنكر أن يحمل هذا على العموم والمراد به الذين يشاهدون ذلك الوقت ويدركون نزوله يؤمنون به ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ (٣). وقال ابن عباس في رواية الوالبي وعكرمة ومجاهد والضحاك والسدي: المعنى: وإن من أهل الكتاب أحدٌ إلا ليؤمنن بعيسى قبل موته إذا عاين الملك، ولا ينفعه حينئذ إيمانه؛ لأن كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه (٤). فالهاء في ﴿مَوْتِهِ﴾ تعود إلى الكتاب (٥)، قالوا: لا يموت يهودي

стр. 3824

ولا صاحب كتاب حتى يؤمن بعيسى وإن احترق أو غرق أو تردى أو سقط عليه جدار أو أكله السبع (١). قال عكرمة: امتحنت ابن عباس فقلت: أرأيت إن خرّ من فوق بيت؟ قال: يتكلم في الهواء، فقلت: أرأيت إن ضرب عنق أحدهم؟ قال: يُلجلج بها لسانه (٢). ويدل على صحة هذا التأويل قراءة أُبيّ: (قبل موتهم) (٣). وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ قال قتادة وابن جريج: شهيدًا على أن قد بلغ رسالة ربه، وأقر بالعبودية على نفسه (٤). ١٦٠ - قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ إلى آخر الآيتين. قال مقاتل: كان الله حرم على أهل التوراة أن يأكلوا الربا ونهاهم أن يأكلوا أموال الناس بالباطل، وصدوا عن دين الله وعن الإيمان بمحمد ﷺ ، فحرم الله عليهم عقوبة لهم ما ذكر في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآية (٥). [الأنعام: ١٤٦]. وقال قتادة: "عوقبوا على ظلمهم وبغيهم بتحريم أشياء عليهم" (٦).

стр. 3825

وقوله تعالى: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ قال مجاهد: وبصدهم أنفسهم وغيرهم عن الحق (١). ١٦١ - وقوله تعالى: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ يعني: ما أخذوه من الرّشى في الحكم، وغير ذلك مما يؤخذ على جهة الخيانة، وكل وجه يؤخذ به المال مما هو محظور في الدين (٢). وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ﴾ ولم يقل: أعتدنا لهم، لأنه علم أن منهم من يؤمن؛ فيأمن العذاب (٣). وأما وجه تحريم الطيبات عليهم، كيف كان؟ ومتى كان؟ وعلى لسان من حرم عليهم؟ فلم أجد فيه شيئًا أنتهي إليه فتركته، وذكرت اختلاف المفسرين في كيفية تحريم الإبل وألبانها عليهم عند قوله: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية [آل عمران: ٩٣]. ١٦٢ - قوله: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ قال قتادة ومقاتل: (لكن) ههنا بمعنى: استدراك، والاستثناء لمؤمني أهل الكتاب (٤). قال ابن عباس: يعني: المبالغين (٥) في علم الكتاب منهم. يريد عبد الله ابن سلام (٦) وعدة نفر (٧).

стр. 3826

قال الزجاج: يعني: أنهم لعلمهم وثبوتهم وبصيرتهم في علمهم آمنوا بالنبي ﷺ (١). وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن عباس: والمؤمنون من أصحاب محمد ﵇ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ اختلفوا في وجه نصب المقيمين: فقال أبو زيد: هو نسق على الهاء والميم في (منهم)، المعنى: لكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين (٣). قال الزجاج: وهذا عند النحويين رديء؛ لأنه لا يُنسق الظاهر المجرور على المضمر المجرور إلا في اضطرار (٤). وذهب بعضهم إلى أن هذا وهم من الكتاب. رُوي ذلك عن عائشة (٥) ﵂، وأبان (٦) بن عثمان (٧).

стр. 3827

ورُوي أيضًا أنَّ عثمان قال: أرى في المصحف لحنًا، وستقيمه العرب بألسنتها (١). وقال أبو حاتم والزجاج وغيرهما: وهذا القول بعيد، لأن الذين جمعوا القرآن من الصحابة كانوا أهل اللغة والقدوة، فكيف يتركون في كتاب الله شيئًا يصلحه غيرهم، وهم الذين أخذوه عن رسول الله ﷺ وجمعوه، ولم يكونوا ليُعلِّموه الناس على الغلط، فهذا مما لا ينبغي أن يُنسب إليهم، والقرآن محكم لا لحن فيه، ولا فيه شيء تتكلم العرب بأجود منه في الإعراب (٢). ولسيبويه والخليل وجميع النحويين في هذا باب يسمونه: باب المدح، وقد بينوا فيه صحة هذا وجودته. قالوا: إذا قلت: مررت بزيد الكريم، فإن أردت أن تُخلِّص زيدًا من غيره، فالخفض وجه الكلام حتى يعرف زيد الكريمُ من غير الكريم، وإن أردت المدح والثناء نصبت، فقلت: الكريمَ، كأنك قلت: أذكُرُ الكريمَ، وإن شئت على: هو الكريمُ. وجاءني قومك المطعمين في المَحْل والمُغيثون في الشدائد، على معنى: أذكر المطعمينَ وهم المغيثون، وكذلك هذه الآية، معناها: أذكر المقيمين وهم المؤتون للزكاة (٣)، وأنشدوا قول خرنق (٤):

стр. 3828

لا يَبْعَدن قومي الذين همُ ... سُمُّ العداة وآفةُ الجُزْرِ النازِلين بِكُلِّ مُعْتَركٍ ... والطيبونَ معاقِدَ الأزْرِ (١) على معنى: أُذكر النازلين وهم الطيبون، رفعه ونصبه على المدح، وبعضهم برفع النازلين وينصب الطيبين، وهذا قول جميع البصريين (٢)، وعلى هذا القول المؤرِّج والفراء (٣) وأبو العباس (٤). وقد ذكرنا شرح هذا الباب عند قوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] (٥). وقال أبو علي: نص سيبويه على أن قوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاة﴾ نصب على المدح (٦). وكان الكسائي يذهب إلى أن (المقيمين) في محل الخفض بالعطف على ما في قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٢] والمعنى عنه: ويؤمنون بالمقيمين الصلاة، وتفاؤل في المقيمين الصلاة أنهم الأنبياء، وينكر أن

стр. 3829

يكون منصوبًا على المدح، قال: لأنه لا ينصب الممدوح إلا عند تمام الكلام، ولم يتم الكلام ههنا، ألا ترى أنك حين قلت ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ كأنك تنتظر الخبر، وخبره في قوله: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وقول البصريين في هذا هو الصحيح الظاهر (١)، وقوله: إن الكلام لم يتم، إذ الخبر قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ لا يصح، لأن الخبر إنما هو: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ مع أنه قد يجوز الاعتراض بالمدح بين الاسم والخبر، كما يجوز الاعتراض بالقسم، لأنه في تقدير جملة تامة. قال الفراء: والعرب إذا تطاولت الصفة جعلوا الكلام في الناقص والتام واحد (٢). وذهب قطرب إلى أن المعنى: وما أنزل من قبلك ومن قبل المقيمين (٣). وهذا القول في الفساد كقول أبي زيد. ١٦٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ الآية. قال ابن عباس: إن جماعة من اليهود قالوا للنبي ﷺ ما أوحى الله إليك ولا إلى أحد بعد موسى، فكذبهم الله تعالى وأنزل: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ (٤). قال أبو عبيد عن الكسائي: وحي إليه الكلام يحي به وحيًا، وأوحى إليه، وهو أن يكلمه بكلام يُخفيه من غيره (٥).

стр. 3830

قال أبو إسحاق: أصل الوحي في اللغة كلها إعلام في خفاء، ولذلك صار الإلهام يسمى وحيًا (١). قال غيره (٢): وكذلك الإشارة والإيماء والكتابة يسمى وحيًا (٣) فالإشارة قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] أي أشار إليهم. والإلهام قوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١] ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]. وذكر في تقديم نوح على غيره من النبيين أنه أول نبي شرع الله تعالى على لسانه الأحكام والحلال والحرام (٤). وسمى بعض النبيين بعد أن ذكرهم جملةً في قوله: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ تخصيصًا وتفضيلًا، كقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]. وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ الزبور كتاب داود. قال ابن عباس: وكان (ما ....) (٥) وخمسين سورة، ليس فيها حد ولا حكم ولا فريضة ولا حلال ولا حرام (٦). قال أهل اللغة: الزبور الكتاب، وكل كتاب زبور، وهو فعول بمعنى مفعول، كالرسول والركوب والحلوب، وأصله من: زبرت، بمعنى كتبت (٧).

стр. 3831

وذكر ما فيه عند قوله: ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٤]. وقرأ حمزة: (زُبُورًا) بضم الزاي (١) على أنه جمع زَبْر، أوقع على المزبور الزبر (٢)، كقولهم: ضَرْبُ الأمير، ونسج اليمن، كما يسمى المكتوب كتابًا، ثم جمع الزُّبر على زبور، وجمعه -وإن كان مصدرًا- لوقوعه موقع الأسماء، كما جمع الكتاب على كتب، لما استعمل استعمال الأسماء (٣). ١٦٤ - قوله تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ﴾ الآية. قال ابن عباس: قالت اليهود: ذكر محمد الأنبياء ولم يذكر موسى فنزلت هذه الآية متضمنة ذكر موسى (٤). قال الزجاج: (ورسلًا) منصوب من جهتين: أجودهما: أن يكون منصوبًا بفعل مضمر، يفسره الذي ظهر، المعنى: وقد قصصناهم، كما تقول: رأيت زيدًا وعمرًا كلمته (٥)، على معنى: وكلمت عمرًا كلمته. الثاني: أن يحمل على معنى الفعل الأول؛ لمقاربة معنى: ﴿أَوْحَيْنَا﴾ لمعنى: أرسلنا، فكأنه قيل: أرسلناك والنبيين ورسلًا (٦).

стр. 3832

قال ابن عباس: ﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ يريد في القرآن في غير سورة (١). قال بعض المفسرين: يعني في سورة الأنعام، فإنها نزلت من قبل (٢). قال الكلبي في هذه الآية: يقول: من الرسل من قد سميناهم لك في القرآن، وعرفناكهم إلى من بعثوا، وما رد عليهم قومهم، ومنهم من لم نُسمه لك، ولم نعرفكهم (٣). قال أهل المعاني: الذين نوه بذكرهم ههنا من الأنبياء يدل على تفضيلهم على من لم يذكر بأسمائهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]. وقد ذكرنا معنى القص والقصص في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢]. وقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ أي مخاطبة من غير وسيطة، وتأكيد ﴿وَكَلَّمَ﴾ بالمصدر يدل على تحقيق الكلام، وأنه سمع كلام الله تعالى؛ لأن أفعال المجاز لا تؤكد بذكر المصادر، لا يقال: أراد الحائط أن يسقط إرادة. وهذا رد على من يقول: إن الله خلق كلامًا في محل فسمع موسى ذلك الكلام؛ لأنه حينئذ لا يكون كلام الله (٤). قال أحمد بن يحيى: لو جاءت ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ﴾ مجردة لاحتمل ما قلنا وما قالوا، فلمَّا جاءت ﴿تَكْلِيمًا﴾ خرج الشك الذي كان يدخل في

стр. 3833

الكلام وبطل الاحتمال للشيئين (١). والتكليم في اللغة معناه: المخاطبة، وهو متعد يقتضي مفعولًا، والتكليم (٢) لا يقتضيه. ومعنى تكلم: نطق وأوجد الكلام، وقال أهل اللغة: أصل هذه اللفظة التأثير في الشيء، ألا ترى أنك إذا كلمت غيرك أسمعته كلامك يؤثر فيه ما قلته، ولهذا استعملوا هذه اللفظة في الجراحة قالوا: كلمته أكلمه، إذا جرحته وأثرت فيه (٣). ١٦٥ - قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ انتصب رسلًا على البدل من قوله: (ورُّسُلًا) (٤)، وإن شئت قلت: أوحينا إليهم رسلًا، فيكون منصوبًا على الحال والقطع (٥). وفي قوله: ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ دليل على أنهم بُعثوا ببيان الطاعة والمعصية؛ لأنهم إنما يبشرون بالثواب على الطاعة، وينذرون بالعقاب على المعصية، ولا يصح ذلك إلا بعد الكشف عنهما. وفي قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ دليل على أنه لو لم يبعث الرسل لكان للناس حجة في ترك الطاعة والتوحيد والمعرفة، وقد قال في آية أخرى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا

стр. 3834

أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ [طه: ١٣٤]، فبين أنهم كانوا يحتجون بعدم الرسول لو لم يبعث إليهم (١). وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أي عزيزًا في اقتداره على إنجاز موعوده على ألسنة رسله، حكيمًا في إرساله وجميع تدبيره. ١٦٦ - قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ الآية. قال ابن عباس وغيره من المفسرين: إن رؤساء مكة قالوا: يا محمد سألنا اليهود عنك وعن صفتك، فزعموا أنهم لا يعرفونك في كتابهم. فقال رسول الله ﷺ لليهود: "إني والله أعلم أنكم لتعلمون أني رسول الله"، فقالوا: ما نعلم ذلك. فأنزل الله هذه الآية (٢). قال أهل المعاني: "لكن" لا يبتدأ به، لأنه لاستدراك ما سبق ومضى، وإنما يجيء بعد نفي لشيء فيثبت ذلك الشيء به، وهذه الآية من باب الحذف والاختصار، وذلك أن اليهود لما جحدوا نبوته وأنكروا ما أنزل الله عليه قالوا: ما نشهد لك بهذا، فمن يشهد لك به؟ فترك ذكر قولهم، وأنزل: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ (٣). قال الزجاج: ومعنى ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَد﴾ أنَ الشاهد هو المبين لما يشهد به، فالله يبين ما أنزل إليه، ويعلم مع إبانته أنه حق (٤).

стр. 3835

ومعنى إبانة الله تعالى ذلك نصب المعجزة له. ووجه الاحتجاج بشهادة الله على اليهود أنهم أبوا أن يشهدوا بما شهد الله به، وكفى بهذا خزيًا بهم، وأيضًا فإن الله تعالى شهادته تبين صدق نبيه بما يغني عن بيان أهل الكتاب. وقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنزله وهو يعلم أنك أهل لإنزاله عليك، لقيامك به وعملك بالحق فيه. وفي هذا إثبات العلم لله، لأن المعنى: أنزله بعلمه الذي هو عالم به (١). الثاني: ما ذكره الزجاج، وهو أنه قال: معنى ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أي أنزل القرآن الذي فيه علمه (٢). قال أبو علي: (أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ) أنزله وفيه علمه. والجار في موضع الحال، كما أن: خرج بعدته، معناه: خرج وعليه عدته. والعلم المعلوم، أي أنزله وفيه معلومه، كما أن الصيد يراد به المصاد في قوله: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]. والأيدي (٣) والرماح إنما تلحق الأعيان، ولا تلحق الأحداث. هذا كلامه (٤). قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ إنما تعرف شهادة الملائكة بقيام المعجزة ووضوحها، ومن قامت له المعجزة شهدت الملائكة بصدقه، ولا نحتاج مع شهادة الله تعالى في تصحيح المشهود به إلى شهادة غيره، لكن ذكرت شهادة الملائكة الذين هم عباد الله في مقابلة جحود اليهود الذين هم

стр. 3836

عباد الله، على جهة الاعتياض بهذه من ذاك. ذكره بعض أهل المعاني (١) وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ دخلت الباء مؤكدة، المعنى: وكفي الله شهيدًا، ويجوز أن يكون المعنى: اكتفوا بالله في شهادته (٢). وقد سبق الكلام في مثل هذا (٣). وهذه الآية تسلية للنبي ﷺ عن شهادة أهل الكتاب، فشهادة الله والملائكة (مع ما) (٤) فيه من الحجة على جهل من قعد عن هذه الشهادة (٥). ١٦٧ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال عطاء والكلبي: يريد اليهود (٦). وقوله تعالى: ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي عن دين الله الإسلام بقولهم: ما نعرف صفة محمد في كتابنا، وإنما النبوة والمبشر بها في ولد هارون، وما أشبه ذلك مما يصرفون به الناس عن اتباع النبي ﷺ (٧). وقوله تعالى: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد: أبعدهم الله من سبل الخيرات، فلا يهتدون، مثل قوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٨] (٨).

стр. 3837

١٦٨ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: اليهود (١). ﴿وَظَلَمُوا﴾ قال ابن عباس: يريد ظلموا محمدًا ﷺ بكتمان نعته (٢). وقال مقاتل: أشركوا بالله (٣). والأول أجود، لأن الكفر ينبئ عن الشرك. وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ هذا فيمن علم أنه يموت على الكفر (٤). وقوله تعالى: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ يدل على أنَّ الهداية إلى الله، لا إلى قدرة البشر، وعلى أنه يحسن منه أن يُخص قومًا بالهدى دون قوم. ١٦٩ - وفسر الطريق ههنا: بدين الإسلام (٥)، فاستثنى ما يهديهم فقال: ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ قالوا: يعني اليهودية، وهو طريق جهنم (٦). وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ خالدين على الحال (٧)، والعامل فيه معنى: (ولا ليهديهم)، لأنه بمنزلة: يعاقبهم خالدين. وانتصب (أَبَدًا) على الظرف، وهو في المستقبل نظير قط في الماضي، نحو: لا أراه أبدًا، وما رأيته قط.

стр. 3838

وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لأنه لا يتعذر عليه ولا يضره، ولأنه قادر على أن يخلق لهم العذاب والألم شيئًا بعد شيء إلى ما لا يتناهى، وذلك أنه لما وصف أنه لا نهاية لخلودهم في جهنم بين أنه لا يتعذر ذلك عليه. ١٧٠ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين (١). ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال: يريد بالهدى والصدق (٢). وقال الكلبي: بشهادة أن لا إله إلا الله (٣). والباء في ﴿بِالحَقِّ﴾ معناه التعدية، وهو في موضع الحال على معنى: جاء ومعه الحق (٤). وقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ قال الفراء: ﴿خَيْرًا﴾ منصوب باتصاله بالأمر، لأنه من صفة الأمر، ويستدل على ذلك بجواز الكناية عن الأمر قبل الخبر، كقولك: اتق الله هو خير لك، أي الاتقاء خير لك، فإذا سقطت (هو) اتصل (خير) بما قبله وهو الأمر، والأمر معرفة فنصب. هذا معنى كلامه (٥). مفهوم هذا أنه انتصب على القطع لأنه كان يجب أن يكون مرفوعًا بهو، فلما حذفت نصب باتصاله بالمعرفة، كقوله: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾

стр. 3839

[النحل:٥٢]، كان يجب أن يكون الواصب، فلما منع الألف واللام وهو نعت لمعرفة نصب (١) وقال أبو عبيدة: هو نصب على ضمير جواب، تقديره: يكن خيرًا لكم (٢). ونحو ذلك قال قطرب، فإنه قال: فآمنوا يكن الإيمان خيرًا لكم (٣). قال الفراء: ليس نصبه بإضمار (يكن)، ألا ترى أنك تقول: اتق الله تكن محسنًا , ولا يجوز أن تقول: اتق الله محسنًا فأنت تضمر (تكن)، ولا يصلح أن تقول: انصرنا أخانا، وأنت تريد: تكن أخانا (٤). قال الزجاج: قال الخليل وجميع البصريين: إن هذا محمول على المعنى، لأنه إذا قلت: آمن خيرًا لك، وانته خيرًا لك، فأنت تدفعه عن أمر وتدخله في غيره، (كأنك) (٥): انته وائت خيرًا، وادخل فيما هو خير لك. فكأن معنى قوله: (آمنوا خيرا لكم): ائتوا خيرًا لكم، وأنشد جميع البصريين قول عمر بن أبي ربيعة (٦): فواعِديهِ سَرْحَتَيْ مالِكٍ ... أو الرُّبا بينهما أسْهَلَا (٧)

стр. 3840

كأنه قال: ائتي مكانًا سهلًا (١). قال ابن عباس: يريد إن تكذبوا محمدًا ﷺ وتكفروا نعمة الله عليكم (٢). ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي لا تضروا إلا أنفسكم، لأن الله غني عنكم بأن له ما في السموات والأرض ملكًا له واقتدارًا عليه، فذكر ما يدل على غناه بنفسه، لأنَّ هذا مما يدل على استحقاق صفات التعظيم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بما تصيرون إليه من إيمان أو كفر. ﴿حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧٠]، في تكليفكم مع علمه ما يكون منكم (٣). ١٧١ - قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ قال ابن عباس وغيره من المفسرين: يريد النصارى (٤). ومعنى ﴿لَا تَغْلُوا﴾ لا تتجاوزوا حد الحق في دينكم، يقال: غلا يغلو غلوًا، إذا جاوز الحق، ومنه يقال: غلا السعر، إذا جاوز الحد في الزيادة (٥). والنصارى غلت في المسيح فجاوزوا به منزلة الأنبياء حتى جعلوه إلهًا. قال ابن عباس: ﴿لَا تَغْلُوا﴾ لا تشددوا فتفتروا (٦).

стр. 3841

﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ فليس لله ولد ولا زوجة ولا شريك. وهذا هو الحق. وقوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ ذكرنا تفسير الكلمة في سورة آل عمران (١). وقوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ اختلفوا فيه: فقال أبي بن كعب: خلق الله تعالى أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق، وكان روح فيهم، ثم ردها إلى صُلب آدم، وأمسك عنده روح عيسى، فكان روح عيسى عنده إلى أن أراد خلقه، ثم أرسل ذلك الروح إلى مريم، فدخل في فيها فكان منه عيسى (٢). ومعنى قوله: ﴿مِنْهُ﴾ أي من عنده. ويدل على هذا التأويل قول السدي: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي مخلوق منه أي من عنده (٣). ويجوز أن يكون معنى ﴿مِنْهُ﴾ على هذا القول: من خلقه وإحداثه وإنشائه، كما قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] أي من خلقه وإيجاده. وقال جماعة من أهل المعاني: معنى الروح ههنا النفخ، ويسمى النفخ في كلام العرب روحًا؛ لأنه ريح تخرج من الروح (٤)، ومنه قول ذي

стр. 3842

الرمه في نار اقتدحها وأمر صاحبه بالنفخ فيها فقال: فقلتُ له ارفَعْها إليك وأحْيِها ... بروحِكَ واجعله لها قيتةً قدْرًا (١) أحيها بروحك أي: بنفخك (٢). وروي أن جبريل ﵇ نفخ في درع مريم فحملت بإذن الله (٣). ومعنى قوله: ﴿مِنْهُ﴾ على هذا التأويل: بأمره، لأن نفخ جبريل كان بأمر الله تعالى وإذنه، فهو منه. وهذا كقوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء: ٩١، والتحريم: ١٢] (٤). وقيل: الروح الرحمة، وعيسى كان رحمة من الله لمن اتبعه وأطاعه (٥). وقيل في تفسير قوله: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] أي: برحمة كذلك قال المفسرون (٦). وكذلك قراءة من قرأ: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ (٧) [الواقعة: ٨٩] أي: فرحمة، وهذا كما قال ﷺ : "إنما أنا رحمة مهداة" (٨). وقيل: الروح ههنا جبريل، وهو عطف على الضمير في ﴿أَلْقَاهَا﴾، وتأويله ألقاها الله إلى مريم وجبريل.

стр. 3843

معنى ﴿مِنْهُ﴾ أي: بإذنه وأمره، كقولك: قلت لفلان منك قولًا، أي بإذنك في ذلك (١). وهذه أوجه صحيحه في تأويل قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْه﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ قال ابن عباس: يريد قولهم: الله وصاحبته وأبيه (٣). قال الفراء: معناه (ولا تقولوا): هم ثلاثة، كقوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ﴾ [الكهف: ٢٢] (٤). وقال الزجاج: (ولا تقولوا) آلهتنا ثلاثة ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء:١٧١] (٥). وقوله تعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾. قد ذكرنا وجه انتصابه عند قوله: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠]. وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ قال ابن عباس: نزه نفسه أن يكون له ولد (٦). وقال القراءة يصلح في (أن) من وعن، فإذا أُلقيتا كانت (أن) في موضع نصب. وكان الكسائي يقول: هو (٧) في موضع خفض، في كثير من أشباهها (٨).

стр. 3844

وذكرنا هذه المسألة قديمًا. وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. فيه حجة على بطلان قول النصارى، لأن تأويله: أن ذلك له ملكًا وخلقًا من غير شريك في ذلك، إذ لو كان له شريك لم يبعد وجود التمانع بينهما، فيفسد ملك السموات والأرض، وإذا استحال الشريك في وصفه استحال الولد. وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: مفوضًا إليه القيام بتدبير ملكه الذي لا ملك أوسع منه. ١٧٢ - قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا﴾ الآية. قال أبو إسحاق: معنى (لن يستنكف): لن يأنف، وأصله في اللغة من نكفت الدمع، إذا نحيته بأصبعك عن خدك، وأنشد: فبانوا فلولا ما تذكر منهم ... من الخُلفِ لم يُنكَف لعينيكَ مدمعُ (١) فتأويل: (لن يستنكف): لن ينقبض، ولم يمتنع (٢). قال الأزهري: سمعت المنذري يقول: سمعت أبا العباس، وسئل عن الاستنكاف فقال: هو أن يقول: لا. وهو من النكف والوكف. يقال: ما عليه في ذلك الأمر نكف ولا وكف، والنكف أن يقال له سوء، واستنكف، إذا دفع ذلك السوء وقال: لا. والمفسرون يقولون: الاستنكاف والاستكبار واحد (٣).

стр. 3845

وقال الكلبي: (لن يستنكف): لن يتعظم (١). وقال الأخفش ومقاتل: لن يأنف (٢). وقال الزجاج: أي ليس يستنكف الذي تزعمون أنه إله أن يكون عبدًا لله، ولا الملائكة المقربون وهم أكثر من البشر (٣). ومعنى قوله: ﴿الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي من كرامة الله وثوابه والمواطن التي شرفها لإكرام عباده (٤). ١٧٤ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٥). قال ابن عباس: "يريد يا أهل مكة وجميع الخلق. ويريد بالبرهان النبي ﷺ وما جاء به من البيان والبرهان" (٦). هذا كلامه، وإنما قيل للنبي ﷺ برهان؛ لما معه من المعجزة التي تشهد بصدقه، والبرهان شاهد حق في نفسه، وذلك يوجب أن يكون المشهود به حقًا، فالنبي ﷺ حق في نفسه بدلالة المعجزة عليه. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤]. يريد القرآن، عن ابن عباس (٧) والحسن وقتادة وابن جريج (٨).

стр. 3846

وشبه القرآن بالنور؛ لأنه يُتبين به الأمور كما يُتبين بالنور. ١٧٥ - قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ الظاهر أن الكناية في (به) تعود على اسم الله. وقال ابن جريج: الكناية تعود على النور الذي هو القرآن (١). وهذا قريب من الأول في المعنى، لأن الاعتصام بالقرآن اعتصام بالله تعالى. قال ابن عباس: ﴿وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ يريد امتنعوا به (٢). قال أهل المعاني: الاعتصام بالقرآن: الامتناع به من معاصي الله، والاعتصام بالله: الامتناع به من زيغ الشيطان وهوى الإنسان بطاعته وطلب مرضاته (٣). وقوله تعالى: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ﴾. قال ابن عباس: يريد الجنة (٤). ﴿وَفَضْلٍ﴾ قال: يريد يتفضل عليهم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا ما يوصف (٥). ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٥]، قال: يريد دينًا مستقيمًا (٦). ١٧٦ - قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَة﴾ الآية. قد بينا معنى الكلالة واشتقاقها في اللغة في أول السورة.

стр. 3847

قال العلماء: إن الله تعالى أنزل في الكلالة آيتين، إحداهما في الشتاء وهي التي في أول هذه السورة، والأخرى في الصيف، وهي هذه الآية، ولهذا تسمى هذه الآية آية الصيف (١). ونزلت هذه الآية والنبي ﷺ مُتجهز للحج، فهي من آواخر ما نزل من القرآن (٢). فقد نزلت في الكلالة آيتان. والمراد بالكلالة في الآية الأولى: الموروث، والمراد في هذه الآية بالكلالة الوارث، وكل وارث سوى الوالد والولد كلالة، وكذلك كل موروث سواهما. وعند ابن عباس وأكثر المفسرين نزلت هذه الآية في جابر بن عبد الله، مرض بالمدينة فأتاه النبي ﷺ عائدًا، فقال: "يا رسول الله: إني كلالة، ولا أب لي ولا ولد، فكيف أصنع في مالي؟ ". فأنزل الله هذه الآية (٣). وفي رواية أخرى: "فقلت: إني رجل ليس يرثني إلا كلالة" وكان له تسع أخوات (٤). قال ابن عباس في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَة﴾ يريد من ليس له ولد ولا والد. فعلى هذا المراد بالكلالة: الموروث، وهو الظاهر؛ لأنه قال بعد هذا: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ وهذا ابتداء الفتوى في الكلالة، وقد بدأ بذكر الموروث.

стр. 3848

ويجوز أن يكون المراد بالكلالة: الوارث، ثم بين من هُم بذكر الأخت والأختين والأخوة. وقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾. قد ذكرنا ما في هذا عند قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾ [النساء: ١٢٨]. وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ قال أهل المعاني: أراد ليس له ولد ولا والد، فاكتفى بذكر أحدهما من الآخر، ودل على المحذوف أنَّ الفتيا في الكلالة. وقد بينا أن الكلالة من ليس له والد ولا ولد، فإن كان له أحدهما لم يسم كلالة (١). وزعم أبو علي الجرجاني أنَّ الوالد يجوز أن يكون داخلًا في لفظ الولد، قال: وكل من اتصل به ذكر الولادة احتمل أن يقال له: ولد، فالوالد يسمى والدا، لأنه ولد، والمولود يسمى ولدًا، لأنه ولد، وهذا مثل قولهم: الذرية، وهي اسم من (ذرا) ثم الولد يسمى ذرية، والأب أيضًا يسمى ذرية، لأن الولد ذريء منه، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٢) [يس: ٤١] أي وآية لقريش أنا حملنا آباءهم مع نوح. قال: ووجدنا أيضًا الأسماء التي اشتقت من الأفعال جاء فعل منها بمعنى الفاعل أكثر مما جاءت بمعنى المفعول، كقولهم: حرض، من حارض، ودنف، من دانف، وضرع، من ضارع، وطلب، بمعنى طالب. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ أراد من أبيه وأمه وأبيه، لأنه سبق ذكر أولاده الأم في أول السورة. وقوله تعالى: ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ هذا بيان فرضها عند إنفرادها، ولها نصف المال بالتسمية. ثم لمن باقي المال؟

стр. 3849

عند زيد بن ثابت يكون لبيت المال إذا لم يكن هناك عصبة، وهو مذهب الشافعي (١). وعند أهل العراق يرد عليها الباقي (٢). فإن قيل: الله تعالى سمى لها النصف إذا لم يكن هناك ولد، فلم أعطيت النصف مع البنت الواحدة وهي ولد؟ قيل: هذا إجماع سنة (٣) رسول الله ﷺ ، وهي مع البنت كالذكر من العصبة يأخذ ما أبقت الفرائض، فهي في هذه المسألة لا بالتسمية، ولكن بأنها معها عصبة (٤). وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ يعني أن الأخ يستغرق ميراث الأخت إذا لم يكن للأخت ولد، وهذا أصل في العصبيات واستغراقهم المال. وهذا الأخ من الأب والأم، أو من الأب، وقد بينا هذا لأن الأخ من الأم. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾ إلى قوله ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ ظاهر. وروي أن أبا بكر الصديق ﵁ قال في خطبته: ألا إن الآية التي أنزل الله في أول سورة النساء من شأن الفرائض أنزلها في الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها في الزوج والزوجة والأخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الأخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله

стр. 3850

مما جرت به الرحم من العصبة (١). وقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ اختلفوا في هذا، فعند الكوفيين (لا) مضمرة ههنا، على تقدير: لئلا تضلوا، أو ألا تضلوا. قالوا: ومثل هذا قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١] أي: لئلا تزولا، ومثله: ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات: ٢]. وهذا قول الفراء والكسائي (٢). وقال البصريون: المحذوف ههنا مضاف، على تقدير: يبين الله لكم كراهة أن تضلوا، فحذف المضاف كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وبابه، قالوا: و (لا) حرف جاء لمعنى النفى فلا يجوز حذفه، ولكن قد تزاد في الكلام مؤكدة، كقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١] ونحوه (٣). وهذا القول يبعد، لأنه لم يدل على الاجتناب شيء. والله أعلم (٤).

стр. 3851

سورة المائدة

стр. 3852

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ربّ اعصمني من الزلل (١) سورة المائدة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾. العقد في اللغة معناه الجمع بين الشيئين بما يعسر انفصال أحدهما عن الآخر، كعقدة الحبل بالحبل، ثم يسمى العهد وما يؤكده الناس بينهم الأمانات والمواثيق عقدًا لإحكامه (٢). قال أبو إسحاق: والعقود أوكد العهود، يقال: عقد فلان اليمين، إذا وَكّدها (٣). واختلفوا في معنى العقود ههنا: فقال ابن عباس في رواية عطاء (٤)،

стр. 3853

ومجاهد والربيع والضحاك والسدي: هي العهود (١). قال ابن عباس: العقود: ما أحل الله، وما حرم الله، وما فرض الله، وما حدّ في القرآن كله (٢). فعلى هذا العقود جمع العقد بمعنى المَعْقُود، وهو الذي أحكم، وما فرضه الله علينا فقد أحكم ذلك ولا سبيل إلى نَقْضِه بِحَال. وهذا رواية أبي الجوزاء (٣) عن ابن عباس (٤). وقال الكلبي: يقول: أتموا الفرائض ما افترض الله على العباد مما أحل لهم وحرم عليهم، والعهود التي بينكم وبين الناس (٥). والعهود تسمى عقودًا؛ لأنك تقول: عهدت إلى فلان كذا وكذا، تأويله ألزمته، كذا (٦) باستيثاق كما يعقد الشيء (٧). والعقود التي بين الناس على ضربين: لازمة، وجائزة. واللازمة كالنكاح والبيع والإجارة (٨)، فهذه يجب الوفاء بها على

стр. 3854

معنى القيام بمقتضاها. وما كان جائزًا: فالعاقد مندوب إلى الوفاء به، ولا يجب، لقوله ﷺ : "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه" (١). فأباح له ترك ما حلف عليه بشرط التكفير إذا رأى غير ما حلف عليه خيرًا، ففي الذي له يحلف عليه أولى أن يَجُوز (٢) له تركه. وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾. الأكثرون على أن هذا ابتداء كلام آخر (٣). وقال بعضهم: هذا متصل بالكلام الأول، على معنى: أوفوا بعقود من عاهدتم وتعففوا عن أموالهم بما أحل لكم من بهيمة الأنعام (٤). والبهيمة اسم لكل ذي أربع من ذوات البَرّ والبَحر (٥). قال ابن الأنباري: البهيمة معناها في اللغة: المُبهَمَة عن العقل والتمييز (٦). وقال أبو إسحاق نحو هذا، فقال: كل حي لا يُمَيِّز فهو بهيمة، وإنما

стр. 3855

قيل له بهيمة لأنه أبهم عن أن يميز (١). والأنعام جمع النَّعَم، وهي الإبل والبقر والغنم وأجناسها، في قول جميع أهل اللغة والتأويل (٢)، ولا يدخل فيها الحافر (٣)؛ لأنه (أخذ (٤) من نَعمة الوطء (٥). واختلفوا في المَعْنِي بـ (بهيمة الأنعام)، فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الضأن والمعز والإبل والبقر (٦). وهذا قول الحسن وقتادة والربيع والضحاك والسدي، قالوا: هي الأنعام كلها (٧). وعلى هذا القول قال ابن الأنباري: إنما أضاف البهيمة إلى الأنعام على جهة التوكيد والإطناب في المعنى، ولو قال: أحلت لكم الأنعام لم يسقط بسقوط البهيمة إلا زيادة التوكيد، وهذا كما يقال: نفس الإنسان (٨).
следующие страницы →