← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

وقالوا: فلان جيد القسم، أي جيد الرأي، ومعنى: قسم أمره إذا ميّل فيه الرأي: أيفعله أم لا (١). ويقال: تركت فلانًا يستقسم، أي يفكر ويروّي بين أمرين، ومنه الاستقسام بالأزلام، وهو طلب الرأي الذي ميل فيه من جهة الأزلام، ولذلك بني على الاستقسام. وأما الأزلام فهي أسماء هذه القداح التي كانت لقريش في الجاهلية، وقد زُلّمت أي سويت ووضعت في الكعبة يقوم بها سدنة البيت، فإذا أراد الرجل أمرًا أتى السادن فقال له: أخرج إلي زَلمًا، فيخرجه، فإن خرج قدح الأمر مضى على ما عزم عليه، وإن خرج قدح النهي قعد عما أراده، وربما كان مع الرجل زَلمان قد وضعهما في قرابه، فإذا أراد إلاستقسام أخرج أحدهما (٢). قال الحُطَيئة: لا يزجُر الطيرُ إنْ مرَّت بِه سُنُحًا ... ولا يُفِيض على قِسْمٍ بأزلامِ (٣) وقال طَرَفَه: أخذ الأزلامَ مقتسمًا ... فأتى أغواهُما زُلَمُه (٤)

стр. 3887

ويقال للرجل إذا كان مخففًا رجل مُزَلَّم، وامرأة مزلّمة. ويقال: قدح مُزلَّم وزليم، إذا طرّ وأجيد قده وصنعته، وعصا مزلّمة، وما أحسن ما زلم سهمه (١). قال ذو الرَّمَّة: كأرحاءِ رقطٍ زَلَّمَتْها المَنَاقِرُ (٢) أي سوَّتها وأخذت من حروفها (٣). ويقال لقوائم البقر أزلام، شبهت بالقداح للطافتها (٤)، ومنه قول لَبيِد: بَكَرَت تَزِلّ عن الثرى أزلامُها (٥) وواحد الأزلام زَلَم، وزُلَم. ذكره الأخفش (٦). وكل ما ذكرنا في الأزلام هو قول أهل اللغة (٧) وابن عباس (٨)

стр. 3888

والمفسرين (١). وقال الزجاج: أعلم الله أن الاستقسام بالأزلام حرام، ولا فرق بين ذلك وبين قول المُنَجَّمين: لا تخرج من أجل نجم كذا، واخرج من أجل طلوع نجم كذا؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]، ولذلك دخول في علم الله الذي هو غيب، فهو حرام كالأزلام التي ذكرها الله (٢). وقد روى أبو الدرداء عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من تكهن أو استقسم أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة" (٣). وذهب المؤرج وكثير من أهل اللغة إلى أن الاستقسام ههنا هو في معنى الميسر المنهي عنه، وأن الأزلام قداح الميسر. وليس الأمر كذلك عند أهل العلم الموثوق بعلمهم (٤). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾. قال الزجاج: أي الاستقسام هنا بالأزلام فِسق، وهو كل ما يخرج به عن الحلال إلى الحرام (٥).

стр. 3889

وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾. قال المفسرون: يئسوا أن ترتدوا راجعين إلى دينهم (١). وقال الكلبي: نزلت لما دخل رسول الله ﷺ مكة في حجة الوداع ييئس أهل مكة أن ترجعوا إلى دينهم (٢). وقال الزجاج: يئسوا من بطلان الإسلام، وجاءكم ما كنتم توعدون من قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] (٣). وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾. قال ابن عباس: فلا تخشوهم في اتباع محمد واخشوني في عبادة الأوثان (٤). وقال الزجاج: أي فليكن خوفكم لله ، فقد أمنتم في أن يظهر دين على الإسلام (٥). وهو قول ابن جريج، قال: فلا تخشوهم أن يظهَروا عليكم (٦). وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. أجمعوا على أن المراد باليوم ههنا: يوم عرفة، وأن هذه نزلت يوم الجمعة، وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر، والنبي ﷺ . واقف بعرفات على ناقته العضباء. قاله ابن عباس وغيره (٧).

стр. 3890

وأما معنى إكمال الدين في ذلك: فقال عطاء عن ابن عباس: اليوم أكملت لكم دينكم حيث لم يحج معكم مشرك، وخلا الموسم لله ولرسوله ولأوليائه (١)، وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة (٢). وقال آخرون: أكملت لكم دينكم ببيان الفرائض والسنن والحدود والأحكام والحلال والحرام، فلم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام ولا شيء من الفرائض. وهذا معنى قول ابن عباس (٣)، والسدي (٤)، وهو الاختيار؛ لأن كمال الدين يكون ببيان الأحكام. قال أرباب المعاني: والكمال على وجهين: كمال مشروح وهو بيان الرسول، وكمال مُبهَم وهو اجتهاد أهل العلم إلى قيام الساعة، (فما عُدِم نصه) (٥) لم يُعدَم دليله من الكتاب والسنة (٦). وقال بعضهم: كمال دين هذه الأمة أن لا يزول ولا يُنسخ، وأن شريعتهم باقية (إلى يوم (٧)) القيامة (٨). وقيل: الكمال هو أن هذه الأمة آمنوا بالكُلّ ولم يفرقوا , ولم يكن هذا لغيرهم (٩).

стр. 3891

وقال الزجاج: معنى قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أي الآن أكملت دينكم بأن كفيتكم خوف عدوكم، وأظهرتكم عليه، كما تقول: الآن كمل لنا الملك (وكمل لنا (١)) ما نريد، بأن كُفِينا من كنا نخافه. قال: وقد قيل: (المعنى (٢)) أكملت لكم فرض ما تحتاجون إليه في دينكم، وذلك جائز (حسن) (٣). وقد شرح ابن الأنباري هذين القولين شرحًا حسنًا فقال في القول الأول للزجاج: المعنى أكملت لكم (نصر دينكم (٤)) بأن كفيتكم ما كنتم تخافونه عليه. وقال في القول الثاني: اليوم أكملت لكم شرائع دينكم من غير نقصان قبل (هذا (٥)) الوقت، وذلك أن الله يتعبد خلقه بالشيء في وقت ثم يزيد عليه في وقت آخر، فيكون الأمر الأول تامًا في وقته وكذلك الثاني، كما يقول القائل: عندي عشرة كاملة، ومعلوم أن العشرين أكمل منها، و (الشرائع (٦)) التي تعبد الله بها عباده في الأوقات المختلفة مختلفة، وكل شريعة منها كاملة في وقت التعبد بها، (فكمل (٧)) الله الشرائع في اليوم الذي ذكره وهو يوم عرفة، ولم يوجب ذلك أن الدين كان ناقصًا في وقت من الأوقات (٨).

стр. 3892

وقوله تعالى: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾. قال عطاء عن ابن عباس: يريد أنه حكم لهم بدخول الجنة (١). وقال (المفسرون (٢)): يريد أنه أنجز لهم ما وعدهم في قوله تعالى: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]، وكان من تمام (نعمته أن دخلوا مكة (٣)) آمنين، وحجوا (مطمئنين (٤))، لم يخلطهم أحد من المشركين (٥). وقال السدي: يعني أظهرتكم على العرب (٦). وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾. قال ابن عباس: (فمن اضطر) إلى ما حرّم مما سمي في صدر هذه السورة في مجاعة (٧). ومعنى ﴿اضْطُرَّ﴾ أصيب بالضر الذي لا يمكنه الامتناع معه من الميتة. وقال الزجاج: فمن دعته الضرورة في مجاعة (٨). والمخمصة: المجاعة في قول ابن عباس وجميع المفسرين (٩).

стр. 3893

وقال أهل اللغة: الخَمْص والمَخْمَصَة: خلاء البطن من الطعمام جوعًا (١)، وأنشدوا: يرى الخُمص تعذيبًا وإن يلق شِعبةً ... يَبِتْ قلبُه من قلة الهمّ مُبْهَمَا (٢) وأصله من الخَمص الذي هو ضمور البطن، يقال: رجل خَميص وخُمصان، وامرأة خَمِيصة وخُمصانة، والجمع (٣) خمائص وخُمصانات (٤)، قال الأعشى: تبيتُون في المشتَى مِلاءً بُطونُكم ... وجاراتكم غَرثَى يَبِتْن خَمَائِصا (٥) وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ﴾. يجوز أن ينتصب (غير لمحذوف مقدر على معنى: فتناول غير متجانف و (٦)) يجوز أن ينتصب بقوله (اضطرّ) ويكون المقدر متأخرًا، على معنى: فمن اضطر غير متجانف لإثم (فتناول ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٧). ومعنى غير متجانف لإثم) (٨) غير متعمد، في قول ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي وابن زيد (٩).

стр. 3894

وروى عن قتادة: غير مُتعرّض لمعصية (١). وأصله في اللغة: من الحيف الذي هو: الميل (٢). قال الزجاج: غير مائل (٣). وقال أبو عبيدة: غير مُنحرف (٤) . ومعنى الإثم ههنا في قول أهل العراق: أن يأكل فوق الشبع تلذذًا (٥). وفي قول أهل الحجاز أن يكون عاصيًا بسفره (٦) على ما بينا في سورة البقرة. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]. قال ابن عباس: يريد غفر له ما أكل مما حرم عليه حين اضطر إليه، رحيم (بأوليائه (٧)) حيث أحل لهم ما حرم عليهم في المخمصة إذا اضطروا إلى أكلها (٨). ٤ - قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ الآية.

стр. 3895

قال سعيد بن جبير: إن عديَّ بن حاتم (١) وزيدَ الخَيْل (٢) جاءا إلى رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله، إنا قوم نصيد بالكلاب والبُزاة، وقد حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت هذه الآية (٣). وقوله تعالى: ﴿مَاذَا﴾ إن جعلته اسمًا فهو رفع بالابتداء وخبره (أُحِلّ)، وإن شئت جعلت (ما) وحدها اسمًا (ويكون خبرها (٤)) (ذا) أحل من صلة ذا؛ لأنه بمعنى: أي شيء (الذي (٥)) أحل لهم (٦). ومضى الكلام مستقصى في (ماذا) (٧). وقوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾.

стр. 3896

قال ابن عباس: يريد من جميع الحلال (١). قال أهل العلم: كانت العرب تستقذر أشياء كثيرة فلا تأكلها، وتستطيب أشياء فتأكلها، فأحل الله لهم ما استطابوا مما لم ينزل بتحريمه (تلاوة) (٢)، مثل لحوم الأنعام كلها وألبانها، ومثل الدواب التي كانوا يأكلونها من الضباب (٣) واليرابيع (٤) والأرانب وغيرها (٥). وهذا أصل كبير في التحليل والتحريم، فكل حيوان استطابته العرب فهو حلال، وكل حيوان استخبثته العرب فهو حرام (٦)، وهو في قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (٧). والطيب في اللغة: المُستَلذّ، والحلال المأذون فيه، يسمى أيضًا طيبًا تشبيها بما هو مُستَلذ، لأنهما اجتمعا بانتفاء المضرة. وقال مقاتل والكلبي: المراد بالطيبات الذبائح (٨).

стр. 3897

والقول الأول أولى؛ لأنه أعم في التحليل، وعليه أكثر العلماء. وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾. قال الزجاج وغيره: يريد: وصيد ما علمتم من الجوارح، فحذف الصيد وهو مراد في الكلام؛ لدلالة الباقي عليه، وهو قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ولأنهم سألوا عن الصيد (١). هذا قول جميع أهل المعاني (٢). ويجوز أن يقال: قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾ ابتداء كلام وخبره: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ فيصبح الكلام من غير حذف وإضمار، وهو قول حسن. وأما الجوارح: فهي الكواسب من الطير والسباع ذوات الصيد، والواحدة جارحة، والكلب الضاري جارحة، سميت جوارح؛ لأنها كواسب أنفسها، من: جرح واجترح، إذا اكتسب (٣). قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الطير تصيد، والكلاب، والفهود، وعناق الأرض (٤)، وسباع الطير، مثل: الشاهين والباشِق (٥)

стр. 3898

والعقاب والزُّمَّج (١)، فما اصطادت هذه الجوارح فقتلته فهو حلال (٢). وقال ليث (٣) (٤): سئل مجاهد عن الصقر والبازي والفهد وما يَصطاد من السباع؟ فقال: هذه كلها جوارح (٥). وهذا قول جميع المفسرين (٦) إلا ما روي عن ابن عمر (٧) والضحاك أنهما قالا: الجوارح الكلاب دون غيرها، وما صاد غير الكلاب فلم يدرك ذكاته لم يحل أكله (٨). ومثل هذا يروى عن السدي أيضًا (٩)، وهو قول غير معمول به (١٠).

стр. 3899

وقوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾. المُكَلَّب: الذي يعلم الكلاب أخذ الصيد، ويقال للصائد مكلب؛ لأنه يعلم الكلب الصيد (١)، قال الشاعر: فبادَرَه عند الصبَاح مُكَلّبٌّ ... أزلّ كَسِرحَان الهَزيِمة أَغْبرُ (٢) قال أهل المعاني: وليس في قوله: (مكلبين) دليل على أنه إنما أبيح صيد الكلاب خاصة؛ لأنه بمنزلة قوله: مؤدبين (٣). وقوله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾. قال الكلبي: تؤدبونهن (٤) لطلب الصيد أن لا يأكلن الصيد كما أدبكم الله (٥). قال العلماء: وصفة الكلب المعلم الذي يحل صيده هو أن يكون إذا أرسله صاحبه وأشلاه استشلى (٦)، وإذا أخذ الصيد أمسك ولم يأكل، وإذا دعاه أجابه، وإذا أراده لم يفرّ منه، فإذا فعل ذلك مرات فهو معلم (٧).

стр. 3900

وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾. (قال النحويون (١)): دخلت (من) في قوله (مما) للتبعيض؛ لأنه إنما أحل أكل بعضه وهو اللحم دون الفرث والدم (٢). وقال الأخفش: من ههنا زائدة، (والمعنى: فكلوا (٣)) ما أمسكن عليكم (٤). وقال غيره: هذا خطأ؛ لأن مِنْ لا تزاد في الواجب، وإنما تزاد في النفي والاستفهام. ومعنى (مِن) في: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] (٥) ابتداء الغاية، أي: يكفر (عنكم أعمالكم (٦)) التي تحبون أن تستر عنكم من سيئاتكم (٧). قال العلماء: إذا كان الضاري وهو الكلب معلمًا كما وصفنا، ثم صاد صيدًا (فجرحه (٨)) وقتله وأدركه الصياد ميتًا: فهو حلال وجرح

стр. 3901

الجارحة كالذبح (١)، وكذلك الحكم في سائر الجوارح (المُعلَّمة، والسهم، والرمح، والمعراض (٢) وما جَرَح (٣)) تجده، فإن أصابه المعراض بعَرضه (فقتله ولم تدرك (٤)) ذكاته فهو حرام (٥)، (وإن صاده الكلب فجثم عليه (٦)) فغمّه وقتله بالغم (٧) من غير جُرح (لم يجز أكله عند كثير من العلماء، والقياس أنه حلال؛ لأنه مما أمسكه على صاحبه) (٨)، والكلب لا يتعلم الجرح، (والذي يُتَصوّر عنده أنّ تسليمه إلى مرسله سليمًا (٩)) عن الجرح أحسن (في الاصطياد) (١٠). هذا كله إذا لم يأكل، فإن أكل منه فقد اختلف فيه العلماء. فعند ابن عباس وطاوس والشعبي وعطاء والسدي: أنه لا يحل ولا يؤكل (١١). قال ابن عباس: إذا أرسلت الكلب فأكل من صيده فهو (ميتة، لا يحل

стр. 3902

أكله) (١)؛ لأنه أمسكه (على نفسه (٢)) ولم يمسك عليك، ولم يتعلم ما علمته، فاضربه ولا تأكل من صيده (٣). وهذا (هو الأشهر (٤)) والأظهر من مذهب الشافعي (٥)، ويدل عليه ما روي أن النبي ﷺ قال لعدي بن حاتم: "إذا أرسلت كلبك (فاذكر اسم الله (٦)) فإن أدركته لم يقتل (فاذبح (٧)) واذكر اسم الله، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل فكل، فقد أمسك عليك، وإن وجدته (وقد أكل (٨)) منه فلا تطعم منه (شيئاً فإنما (٩)) أمسك على نفسه" (١٠). وعند سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبي هريرة أنه يحل وإن أكل (١١) (وهو أحد (١٢)) قولي الشافعي (١٣).

стр. 3903

ولا فرق فيما ذكرنا بين الطيور المعلمة والسباع المعلمة. وقال سعيد (بن جبير (١)): إذا أكل الكلب (من صيده (٢)) فلا تأكل منه، فإنما أمسك على نفسه، وأما البازي والصقر فكل وإن أكلا؛ فإنما تعليمه إذا دعوته يجيبك، ولا تستطيع ضربه حتى يدع الأكل (٣). وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. يعني إذا أرسلتم الكلاب. قال الكلبي وغيره من المفسرين (٤). وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إذا أطلقت، فإن نسيت حين تطلق كلبك اسم الله فلا بأس أن تأكله، فإن المؤمن مؤمن واسم الله المؤمن، والمسلم مسلم، واسم الله السلام (٥). وقال الحسن: إذا أرسل المؤمن كلبه (ونسي (٦)) أن يسمي الله فإنه يأكل؛ لأن اسم الله من دينه، وهو بمنزلة شفرته إذا نسي أن يذكر اسم الله (٧).

стр. 3904

قال العلماء: الأولى الذبح علي اسم الله، وإرسال الجوارح على اسم الله، فمن ترك اسم الله فذبيحته؛ حلال لما قال رسول الله ﷺ : "المؤمن يذبح على اسم الله، سمّى أو لم يُسمّ" (١). وهو ما فسر ابن عباس والحسن. وقالت عائشة لرسول الله ﷺ : إن الأعراب يأتوننا بلحوم الصيد، ولا ندري سموا الله عليها أم لا. فقال رسول الله ﷺ : "سموا أنتم وكلوا" (٢). قال أهل المعاني: الهاء في قوله: (عليه) تعود إلى الإرسال (٣)، كنّى عنه وإن لم يجر له ذكر؛ لأن الكلام يدل عليه، ومثله كثير. ٥ - قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾. قال أهل المعاني: إنما ذكر إحلال الطيبات تأكيدًا، كأنه قيل: اليوم أحل لكم الطيبات التي سألتم عنها (٤). وقد فسرنا الطيبات في الآية الأولى. وقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. الطعام عند العرب: (اسم لما يُؤكل (٥))، كما أن الشراب اسم لما

стр. 3905

يشرب، والذبائح داخلة في اسم الطعام على مقتضى اللغة. قال ابن عباس: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ثم استثنى ذبائح أهل الكتاب فقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ يعني: (ذبائح اليهود (١)) والنصارى وإن لم يذكروا اسم الله وذكروا عيسى وعزير (٢). وقال الشعبي وعطاء في النصراني (يذبح فيقول: باسم (٣)) المسيح. قالا: تَحلّ، فإن الله قد أحل ذبائحهم وهو يعلم (ما يقولون (٤)) (٥). ومثل هذا رُوي عن الزهري (٦) ومكحول (٧). وقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾. يريد أن ذبائحنا لهم حلال، فإذا اشتروها (منا كان (٨)) الثمن لنا حلالًا، (واللحم لهم حلالًا) (٩)، وهذا يدل على أنهم مخاطبون بشريعتنا.

стр. 3906

وقال الزجاج: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (تأويله حل لكم أن تطعِمُوهم (١)) (٢). فجعل الزجاج الخطاب للمؤمنين على معنى أن التحليل يعود إلى إطعامنا إياهم، لا إليهم. ثم قال: لأن (الحلال والحرام والفرائض بعد (٣)) عقد التوحيد (٤)، إنما يعقد على أهل الشريعة (٥). وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. قال مجاهد: يعني الحرائر (٦). وقال ابن عباس: يريد العفائف من المؤمنات (٧) وهو قول الحسن والشعبي وسفيان وإبراهيم والسدي (٨). فإن حملنا الإحصان على الحرية وهو قول مجاهد لم تدخل الأَمَة

стр. 3907

المسلمة في هذا التحليل، وذلك ان هذا تحليل مطلق، والتحليل المطلق إنما يستمر في الحرائر المسلمات؛ فأما الأمة المسلمة فنكاحها إنما يجوز بشرطين، على ما بينا في سورة النساء، فهي غير مطلقة النكاح. وإن حملنا الإحصان على العِفّة وهو قول ابن عباس والباقين قلنا في هذه الآية إن المراد بها بيان الأولى من النكاح، كما قال رسول الله ﷺ : "عليك بذات الدين تربت يداك" (١) فالأولى أن يتزوج عفيفة، فإن تزوج زانية كُرِهَ وجاز، وسنذكر المذاهب في تزوجّ الزانية عند قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣] إن شاء الله. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد الحرائر، وأما أهل الكتاب حرام نكاحهن (٢). هذا كلامه، وقد بينا هذا في سورة النساء. واختلفوا في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ هل هو عام أم لا؟ فقال ابن عباس: هذا خاص في الذميات منهن، فأما الحربيات منهن فلا. روى مِقسَم عنه أنه قال: من نساء أهل الكتاب من يحل لنا، (ومنهم (٣)) من لا يحل لنا. ثم قرأ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] فمن أعطى الجزية حل لنا نساؤه، ومن لم يُعطِ لم يحل (٤).

стр. 3908

وقال الحسن وسعيد بن المسيب: هذا عام في جميع الكتابيات حربية كانت أو ذمية (١). وقوله تعالى: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. قال ابن عباس: يريد الصداق والمهور (٢). قال أهل المعاني: تقييد التحليل بإيتاء الأجور يدل على تأكد وجوبه، وأن من تزوج امرأة واعتقد أن لا يعطيها صداقها كان في صورة الزاني. وقد روي هذا المعنى عن النبي ﷺ (٣). وتسمية المهر بالأجر يدل على أن أقل الصداق لا يتقدر، كما أن أقل الأجر في الإجارات لا يقدر. وقوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾. قال ابن عباس: يريد حلالًا غير حرام (٤). ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾. قال: يريد التي يهواها فيضمها إليه من غير تزويج، هذا حرام (٥). وقال غيره: ﴿مُحْصِنِينَ﴾ يعني تنكحوهن بالمهر والبينة، ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ معالنين بالزنا، ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ يعني تُسرون الزنا (٦). وقال الشعبي: الزنا ضربان خبيثان: السفاح وهو أخبثهما، وهو

стр. 3909

المعالنة بالزنا، والآخر: اتخاذ الخدن، وهو الزنا في السر (١). قال الزجاج حرم الله الجماع على جهة السفاح، وعلى جهة اتخاذ الصديقة، وأحله على جهة الإحصان، وهو التزوج (٢) (٣). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾. قال ابن عباس ومجاهد: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ أي بالله (٤). ووجه هذا القول: هو أن الله تعالى يجب الإيمان به، ومن آمن به فهو مؤمن به، والله تعالى مؤمن به، والمؤمن به يجوز أن يسمى إيمانًا كما يسمى المضروب ضربًا، كقولهم: نسج اليمن، وصيد البر. وحكى عن بعضهم أنه قال: معنى هذا القول: ومن يكفر برب الإيمان (٥). فجعله من باب حذف المضاف. والأول الوجه. قال العلماء: وليس هذا على الإطلاق، لأنه قيد في آية أخرى فقال: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]، فأما من كفر ثم آمن ومات على الإيمان لا يقال حبطت أعماله.

стр. 3910

وقال الكلبي: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ بشهادة أن لا إله إلا الله (١). فجعل كلمة التوحيد إيمانًا. وروى حِبان (٢) عنه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ يقول: بما أنزل على محمد ﷺ (٣). وعلى هذا سُمي القرآن إيمانًا؛ لأنه يجب الإيمان به، وأنه من عند الله. قال مقاتل: المراد بقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ نساء أهل الكتاب، يقول: ليس إحصان المسلمين إياهن بالذي يخرجهن من الكفر أو يغني عنهن في دينهن شيئًا، وجعلهن ممن كفر بالإيمان وحبط عمله، وهي بعدُ للناس عامة، من كفر بالإيمان فقد حبط عمله (٤). وقال أبو إسحاق: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ أي من بدّل شيئًا مما أحل الله فجعله حرامًا، أو أحل شيئًا مما حرم الله فهو كافر بالإجماع، وقد حبط جميع ما تقرب به إلى الله (٥). وهذا دليل لمن جعل الطاعات إيمانًا؛ لأن تحليل ما أحل الله وتحريم ما حرمه طاعة.

стр. 3911

وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥]. قال ابن عباس: يريد الثواب (١). ٦ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾. قال الزجاج: المعنى: إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وإنما جاز ذلك لأن (في (٢)) الكلام والاستعمال دليلًا على معنى الإرادة، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]، المعنى: إذا أردت أن تقرأ (٣). قال ابن الأنباري: وهذا كما تقول: إذا اتجرت فاتجر في البزّ، وإذا آخيت فآخ أهل الحسب. تريد إذا أردت التجارة، وإذا أردت مؤاخاة الناس. قال: ويجوز أن يكون المعنى: إذا قمتم إلى الطهور، فذكر الصلاة وهو يريد الطهور؛ لأن الصلاة لا تكون إلا بطهور وهو مقدمتها التي لا تكون صلاة مُجازَةً إلا بها. قال: والأول هو المختار (٤). وقال أبو الفتح الموصلي (٥): معنى قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾: إذا عزمتم الصلاة (٦) وأردتموها , وليس الغرض والله أعلم في (قمتم) النهوض والانتصاب؛ لأنهم قد أجمعوا على أنه لو غسل أعضاءه قبل

стр. 3912

الصلاة قاعدًا أو نائمًا (١) لكان قد أدى فرض هذه الآية (٢). ونظير قمتم في هذا الموضع قوله سبحانه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] وليس يراد هنا -والله أعلم- القيام الذي هو المثول، وإنما هو من: قمت (بأمرك (٣))، وعليّ القيام بهذا الأمر، فكأنه (٤) قال: الرجال متكلِّفون لأمر النساء ومعنيون بشؤونهن، فكذلك قوله: ﴿إِذَا قُمْتُم﴾ (أي (٥)) إذا هممتم بأمر الصلاة، وتوجهتم إليها بالعناية، وكنتم غير متطهرين فافعلوا كذا، فقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ يريد: إذا قمتم إلى الصلاة ولستم على طهارة، فحذفُ ذلك للدلالة عليه، وهذا أحد الاختصارات التي في القرآن، وهو كثير جدًّا. ومثل ذلك قول طَرَفَة: فإن مُتُّ فانعِيني بما أنا أهلُه ... وشُقِّي عليَّ الجَيبَ يابنة مَعْبَدِ (٦) تأويله: فإن مُتُّ قبلك. لابد من أن يكون الكلام معقودًا على هذا؛ لأنه معلوم أنه لا يكلفها نعيه والبكاء عليه بعد موتها (٧).

стр. 3913

وقوله تعالى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. قال أبو الفتح: كان أبو سهل بن زياد القطان (١) يحتج بهذه الآية على وجوب الترتيب في الطهارة. قال: لأن الفاء للترتيب، وقد قال: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ فوجب أن يُرتب الغَسل على القيام، يبدأ به دون غيره. فقال أبو الفتح: قد بينا أن المراد بالقيام ههنا: العزم والإرادة، فالفاء إذًا إنما (رتب (٢)) الغسل والمسح عَقِيب الإرادة والعزم، ولم يجعل للغسل مزية في المتقدم على المسح؛ لأن المسح معطوف على الغسل بالواو (٣). والواو لا توجب الترتيب، وليس فيها دليل على (المبدوء به (٤)) في المعنى؛ لأنها ليست مرتبة، ألا ترى إلى قول لبيد: أُغْلي السِّباءَ بكُلِّ أدكنَ عاتقٍ ... أو جَونةٍ قُدِحَتْ وفُضَّ خِتامُها (٥) قوله قدحت (أي غُرِفَت (٦))، وإنما يُفَضّ الخَتم قبل الغرف، فقد

стр. 3914

علمت أن قُدِحَت مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى، وعلى هذا يتوجه قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ الآية [آل عمران: ٤٣] فبدأ بالسجود قبل الركع لفظًا وهو مؤخر عني (١). وإذا كان كذلك جرى قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ ﴿وَامْسَحُوا﴾ مجرى قولك: فاضرب زيدًا واشتم جعفرًا، فلو بدأ بالشتم قبل الضرب كان جائزًا، فالفاء لم ترتب الغَسل قبل المَسح، ولا الضرب قبل الشتم، ولم ترتب أيضًا نفس المغسول؛ لأن المغسول معطوف بعضه على بعض بحرفٍ لا يوجب الترتيب وهو الواو. وقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. المِرفق مكسور من اليد والمتكأ، ومن الأمر كقوله تعالى: ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ [الكهف: ١٦]، والارتقاء التوكؤ بمِرفقك على مَرفَق (٢). (فأما قوله: ﴿إِلَى﴾ فإن أبا العباس (٣)) (٤) وجماعة من النحويين جعلوا (إلى) ههنا بمعنى: مع، وأوجبوا غسل المرافق (٥)، وهو مذهب الشافعي وأكثر العلماء (٦).

стр. 3915

وقال المبرد: وهو قول الزجاج: اليد من أطراف الأصابع إلى الكتف، والرجل من الأصابع إلى أصل الفخذين، فلما كانت المرافق والكعبان داخلة في تحديد اليد والرجل كانت داخلة فيما يغسل وخارجة مما لا يغسل، ولو كان: مع المرافق، لم يكن في ذكر المرافق فائدة، وكانت اليد كلها يجب أن تغسل، ولكن لما قيل: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ اقتطعت في الغسل من حد المرفق (١). قال الزجاج: والمرفق في الحقيقة في اللغة ما جاوز الإبرة (٢). وهو المكان الذي يرتفق به، أي يتكَّأ عليه، فالمرافق هي في الحقيقة حد ما ينتهي إليه في الغسل، وليس يحتاج إلى تأويل (مع). انتهى كلامه (٣). وقد حصل من قوليهما أن الحد إذا كان من جنس المحدود كان داخلًا في جملة المحدود، وهو قولهما: لما كانت المرافق والكعبان داخلة في تحديد اليد والرجل كانت داخلة فيما يغسل، ومثل هذا قولك: بعتك الثوب من هذا الطرف إلى ذاك الطرف، دخل الطرفان في البيع إذا كان من جنس المبيع. وحصل من قول الزجاج: أن المِرفق ما جاوز الإبرة، وأنه حد ما ينتهي إليه الغسل. وما جاوز الإبرة لا يجب غسله بالإجماع.

стр. 3916

وقوله تعالي: ﴿وَامْسَحُوا (١) بِرُءُوسِكُمْ﴾. المسح مسحك شيئًا بيدك كمسحك الرشح عن جبينك، وكمسحك رأسك في وضوئك. قاله الليث (٢). والظاهر (٣) من مقتضى الآية أن التعميم لا يجب في مسح الرأس، وأنه غير محدود أيضًا، وهو مذهب الشافعي ﵁؛ لأنه إذا مسح البعض وإن قل، فقد حصل من طريق اللسان ماسحًا (٤)، ولا يلتفت إلى قول من قال: إن الباء توجب التعميم؛ لأن ذلك لا يعرفه أهل النحو، بل الباء للإلصاق، كما بينا في أول الكتاب عند قوله: ﴿بِسْمِ اللهِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. في الأرجل قراءتان: النصب والخفض (٥). أما النصب فهو ظاهر؛ لأنه عطف على المغسول، لوجوب غسل الرجلين بإجماع، لا يقدح فيه قول من خالف. وأما الكسر فقد اختلفوا في وجهه: فقال أبو حاتم وابن الأنباري

стр. 3917

وأبو علي: الكسر بالعطف على الممسوح، غير أن المراد بالمسح في الأرجل الغسل (١). روي ذلك عن أبي زيد أنه قال: المسح خفيف الغسل. قالوا: تمسّحت للصلاة، وهات ما أتمسّح به للصلاة في معنى: أتوضأ (٢). قال أبو حاتم: وذلك أن المتوضئ لا يرضى بصبّ الماء على أعضائه حتى يمسحها مع الغسل، فسمي الغسل مسحًا (٣). فعلى هذا الرأس والرجل ممسوحان؛ لأن المسح في أحدهما وهو الرأس، دون المسح في الرجل. والذي يدل على أن المراد بالمسح في الرجل الغسل: ذكر التحديد وهو قوله تعالى: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ والتحديد إنما جاء في المغسول، ولم يجيء في الممسوح، فلما وقع التحديد مع المسح علم أنه في حكم الغسل لموافقته الغسل في التحديد. ذكره الزجاج (٤) وابن الأنباري (٥) (وأبو (٦) علي) (٧). فإن قيل: إن كان المراد بالمسح الغَسل فهلا عطفت على المغسول فيكون أظهر في إيجاب الغسل؟

стр. 3918

قيل: إن من قرأ بالكسر وجد في الكلام عاملين، أحدهما: الغسل والآخر الباء الجارة، ووجد العاملين إذا اجتمعا في التنزيل أن يحمل على الأقرب منهما دون الأبعد، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ [الجن: ٧]، ونحو قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، (١)، ونحو قوله تعالى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦]، فلما رأى العاملين إذا اجتمعا حُمِل الكلام على أقربهما إلى المعمول حمل في هذه الآية أيضاً على أقربهما وهو الباء، ولم يُخَف الالتباس لشيوع الغسل في الآثار، وقيام الدلالة على أن المراد بالمسح في الرجل الغسل (٢). وهو ما قدمنا ذكره. وقال الجماعة من أهل المعاني: إن الأرجل معطوفة على الرؤوس في الظاهر، والمراد فيها الغسل، وقد ينسق بالشيء على غيره والحكم فيهما مختلف، كما قال الشاعر: يا ليتَ بَعلَك قد غَدا ... مُتَقَلِّدًا سيفًا ورُمحًا (٣) المعنى: وحاملًا رمحًا، وكذلك قول الآخر:

стр. 3919

علّفتُها تِبنًا وماءً باردًا (١) المعنى: وسقيتُها ماءً باردًا. ذكره الزجاج (٢). قال أبو بكر: وكما قالوا: أكلت خبزًا وماء، وهم يريدون: وشربت ماء، فحذفوا شربت، كذلك المعنى في الآية: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ واغسلوا ﴿أَرْجُلَكُمْ﴾، فلما لم يذكر الغسل عطفت الأرجل على الرؤوس في الظاهر، واكتفى بقيام الدليل أن الأرجل تغسل من الآية والخبر (٣). وهذا الذي ذكرنا مذهب أبي عبيدة (٤) والأخفش (٥) في هذه الآية. وقوله تعالى: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قد مضى الكلام في كيفية التحديد. وأما تفسير الكعبين فقال الليث: كعب الإنسان ما أشرف فوق رُسْغِه عند قدمه (٦). وقال أبو عبيد عن الأصمعي: الكعبان الناشزان من جانبي القدم. وأنكر قول الناس أنه في ظهر القدم (٧).

стр. 3920

وروى الأزهري أن واحداً (١) سأل أحمد بن يحيى عن الكتب، فأومأ إلى المَنْجَمَين (٢). وقال: هذا قول أبي عمرو بن العلاء والأصمعي (٣). ولا يعرج على قول من يقول: إن الكتب في ظهر القدم، فإنه خارج من اللغة والأخبار وإجماع الناس (٤). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. قال الزجاج: معناه فتطهروا، إلا أن التاء تدغم في الطاء؛ لأنهما من مكان واحد، فإذا أدغمت التاء في الطاء (سكن (٥)) أول الكلمة، فتزيد فيها ألف الوصل فابتدأت فقلت: اطهروا (٦). قال مقاتل: يقول: فاغتسلوا (٧). ومضى الكلام في هذا الحرف عند قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] في الآية مشروح في سورة النساء إلى قوله تعالى:

стр. 3921

﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (١). ومعنى (منه) ههنا استعمال بعض تراب الصعيد في التيمم، خلافًا لمن جوز في التيمم ضرب اليد على موضع لا يعلق بيده منه غبار؛ لأنه إذا فعل ذلك لم يمسح بوجهه من الصعيد، وإنما مسح بوجهه كفًّا فارغة من الصعيد وترابه، وذلك عبث (٢). وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾. يعني: من ضيق في الدين (٣)، ولكن جعله واسعًا حين رخص في التيمم. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾. قال الزجاج: دخلت اللام لتبيين الإرادة، المعنى: إرادته (لتطهيركم (٤)) (٥). قال المفسرون: يريد ليطهركم من الأحداث والجنابات والذنوب والخطيئات؛ لأن الوضوء يكفر الذنوب (٦).

стр. 3922

روى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "الطهور يكفر ما قبله ويصير الصلاة نافلة" (١). وقوله تعالى: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾. أي تبيان الشرائع (٢). وقال القرظي: أي: بغفران الذنوب، بيانه قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح: ٢] فلم يتم عليه النعمة حتى غفر له (٣). وفسر النبي ﷺ تمام النعمة بدخول الجنة والنجاة من النار (٤). وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]. قال عطاء: يريد لكي تشكروا نعمتي، وتطيعوا أمري (٥). ٧ - قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. قال مجاهد: نعمة الله: النعم (٦).

стр. 3923

قال أهل المعاني: إنما لم تجمع للإشعار بعظمها من غير جهة تضاعفها (١). ولأن جملة النعم نعمة على طريقة الجنس، كما أن جملة الماء ماء، وجملة المنافع منفعة. وقال مقاتل: يعني: بالإسلام (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾. معنى المواثقة: المعاهدة التي قد أحكمت بالعقد على ثقة (٣). واختلفوا في هذا الميثاق، فقال ابن عباس: هو الميثاق الذي أخذ على بني إسرائيل حين قالوا: آمنا بالنبي، وأقررنا بما في التوراة، فذكّرهم الله ميثاقه الذي أقروا به على أنفسهم، وأمرهم بالوفاء (٤). فعنده الآية خطاب لليهود. وقال مجاهد والكلبي ومقاتل: هو ما أخذ عليهم حين أخرجهم من ظهر آدم، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى (٥). فإن قيل على هذا: إن بني آدم لا يذكرون ذلك الميثاق، فكيف (أُمِروا (٦)) بحفظه؟ قيل: إن الله تعالى إذ (٧) أخبر أنه أخذ ذلك الميثاق علينا لم يبق لنا شك في أنه كان كذلك، وليس التذكر شرطًا في خبر الصادق، فجاز أن

стр. 3924

يكلفنا الوفاء به بعد إنتفاء الشك بإخبار الصادق عنه، كما لو انتفى الشك بالتذكر، وغير بعيد أن يذكرنا الله ذلك الميثاق يوم القيامة. وقال جماعة من المفسرين: يعني بالميثاق: حين بايعوا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في كل أمر ونهي، في اليسر والعسر، والرضا والكره، والأيمان التي أخذت عليهم يوم بيعة العقبة، ويوم بيعة الرضوان (١). قال السدي: هذا ميثاق قبول التوحيد والإقرار بالطاعة والاستسلام لأمره، أخذ الله ميثاقنا فقلنا: سمعنا وأطعنا على الإيمان بالله، والإقرار به وبرسله، فكل مؤمن أقر بالله ورسله، فهو داخل في هذا الميثاق، وهذا كان ميثاق الذين بايعوا محمدًا على السمع والطاعة، فيما أحبوا وكرهوا (٢). وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [المائدة: ٧]. قال ابن عباس: بخفيات القلوب، والضمير، والنيات (٤). وقال الكلبي: بما في القلوب من النقض والوفاء (٥). وذكرنا الكلام في معنى (ذات الصدور) في موضعين من سورة آل عمران.

стр. 3925

٨ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾. قال عطاء عن ابن عباس: يريد يقومون لله بحقه (١)، هذا كلامه. ومعنى القيام لله: هو أن يقوم له (٢) بالحق في كل ما يلزمه القيام به من الأمر بالمعروف والعمل به، والنهي عن المنكر وتجنبه (٣). واللام في (لله) أجل. وقوله تعالى: ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾. قال عطاء: يريد يشهدون بالعدل، يقول: لا تُحابِ في شهادتك أهل ودك وقرابتك، ولا تمنع شهادتك أهل بغضك وأعدائك (٤). وقال الزجاج: أي: تبيّنون عن دين الله، لأن الشاهد يبين ما يشهد عليه (٥). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾. أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل (٦)، وأراد: أن لا تعدلوا فيهم، فحذف للعلم. وقال الزجاج: لا يحملنكم بغض المشركين على ترك العدل (٧). فإن قيل: ما وجه ظلم المشركين وقد أمر بقتلهم وسبي أولادهم وأخذ أموالهم؟
следующие страницы →