← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (١). ومعنى (منه) ههنا استعمال بعض تراب الصعيد في التيمم، خلافًا لمن جوز في التيمم ضرب اليد على موضع لا يعلق بيده منه غبار؛ لأنه إذا فعل ذلك لم يمسح بوجهه من الصعيد، وإنما مسح بوجهه كفًّا فارغة من الصعيد وترابه، وذلك عبث (٢). وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾. يعني: من ضيق في الدين (٣)، ولكن جعله واسعًا حين رخص في التيمم. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾. قال الزجاج: دخلت اللام لتبيين الإرادة، المعنى: إرادته (لتطهيركم (٤)) (٥). قال المفسرون: يريد ليطهركم من الأحداث والجنابات والذنوب والخطيئات؛ لأن الوضوء يكفر الذنوب (٦).

стр. 3922

روى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "الطهور يكفر ما قبله ويصير الصلاة نافلة" (١). وقوله تعالى: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾. أي تبيان الشرائع (٢). وقال القرظي: أي: بغفران الذنوب، بيانه قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح: ٢] فلم يتم عليه النعمة حتى غفر له (٣). وفسر النبي ﷺ تمام النعمة بدخول الجنة والنجاة من النار (٤). وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]. قال عطاء: يريد لكي تشكروا نعمتي، وتطيعوا أمري (٥). ٧ - قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. قال مجاهد: نعمة الله: النعم (٦).

стр. 3923

قال أهل المعاني: إنما لم تجمع للإشعار بعظمها من غير جهة تضاعفها (١). ولأن جملة النعم نعمة على طريقة الجنس، كما أن جملة الماء ماء، وجملة المنافع منفعة. وقال مقاتل: يعني: بالإسلام (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾. معنى المواثقة: المعاهدة التي قد أحكمت بالعقد على ثقة (٣). واختلفوا في هذا الميثاق، فقال ابن عباس: هو الميثاق الذي أخذ على بني إسرائيل حين قالوا: آمنا بالنبي، وأقررنا بما في التوراة، فذكّرهم الله ميثاقه الذي أقروا به على أنفسهم، وأمرهم بالوفاء (٤). فعنده الآية خطاب لليهود. وقال مجاهد والكلبي ومقاتل: هو ما أخذ عليهم حين أخرجهم من ظهر آدم، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى (٥). فإن قيل على هذا: إن بني آدم لا يذكرون ذلك الميثاق، فكيف (أُمِروا (٦)) بحفظه؟ قيل: إن الله تعالى إذ (٧) أخبر أنه أخذ ذلك الميثاق علينا لم يبق لنا شك في أنه كان كذلك، وليس التذكر شرطًا في خبر الصادق، فجاز أن

стр. 3924

يكلفنا الوفاء به بعد إنتفاء الشك بإخبار الصادق عنه، كما لو انتفى الشك بالتذكر، وغير بعيد أن يذكرنا الله ذلك الميثاق يوم القيامة. وقال جماعة من المفسرين: يعني بالميثاق: حين بايعوا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في كل أمر ونهي، في اليسر والعسر، والرضا والكره، والأيمان التي أخذت عليهم يوم بيعة العقبة، ويوم بيعة الرضوان (١). قال السدي: هذا ميثاق قبول التوحيد والإقرار بالطاعة والاستسلام لأمره، أخذ الله ميثاقنا فقلنا: سمعنا وأطعنا على الإيمان بالله، والإقرار به وبرسله، فكل مؤمن أقر بالله ورسله، فهو داخل في هذا الميثاق، وهذا كان ميثاق الذين بايعوا محمدًا على السمع والطاعة، فيما أحبوا وكرهوا (٢). وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [المائدة: ٧]. قال ابن عباس: بخفيات القلوب، والضمير، والنيات (٤). وقال الكلبي: بما في القلوب من النقض والوفاء (٥). وذكرنا الكلام في معنى (ذات الصدور) في موضعين من سورة آل عمران.

стр. 3925

٨ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾. قال عطاء عن ابن عباس: يريد يقومون لله بحقه (١)، هذا كلامه. ومعنى القيام لله: هو أن يقوم له (٢) بالحق في كل ما يلزمه القيام به من الأمر بالمعروف والعمل به، والنهي عن المنكر وتجنبه (٣). واللام في (لله) أجل. وقوله تعالى: ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾. قال عطاء: يريد يشهدون بالعدل، يقول: لا تُحابِ في شهادتك أهل ودك وقرابتك، ولا تمنع شهادتك أهل بغضك وأعدائك (٤). وقال الزجاج: أي: تبيّنون عن دين الله، لأن الشاهد يبين ما يشهد عليه (٥). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾. أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل (٦)، وأراد: أن لا تعدلوا فيهم، فحذف للعلم. وقال الزجاج: لا يحملنكم بغض المشركين على ترك العدل (٧). فإن قيل: ما وجه ظلم المشركين وقد أمر بقتلهم وسبي أولادهم وأخذ أموالهم؟

стр. 3926

قيل: إنه قد يمكن أن يظلموا بضروب كثيرة، منها: المُثلة، وقتل الأولاد صبرًا لاغتمام الآباء، وترك قبول الإسلام منهم، ونحو ذلك مما هو محرم في الدين (١). وقد ذكرنا ما في هذا في أول السورة. وقوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا﴾ أي: في الولي والعدو (٢). ﴿هُوَ أَقْرَبُ﴾ أي العدل، ودل عليه الفعل كقولهم: من كذب كان شرًا، أي كان الكذب شرًا. ومعنى ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أي: أقرب إلى أن تكونوا متقين باجتناب جميع السيئات، وأقرب لاتقاء النار (٣). ٩ - قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾. موضع (لهم) يجوز أن يكون نصبًا لوقوعه مع المغفرة موقع المفعول الثاني للوعد، كما قال: وَجَدنا الصَّالِحِين لهم جزاءٌ ... وجناتٍ وعينًا سلسبيلا (٤) فوقع: لهم جزاء موقع المفعول الثاني، ولذلك عطف عليه بالنصب. ويجوز أن يكون الموعود به محذوفًا على تقدير: وعدهم الحسنى، ثم استأنف (لهم)، فيكون موضعه رفعًا بالاستئناف، وهو مع ذلك قال على

стр. 3927

المحذوف ومفسر له (١). وقد ذكرنا قولين آخرين في هذه الآية عند قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ﴾ [النساء: ١١] . ١٠ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ قال عطاء: يريد بني النضير (٢) خاصة (٣). وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة: ١٠]. هذا اللفظ ينبئ عن التخليد فيها؛ لأن المصاحبة تقتضي الملازمة، كما يقال: أصحاب الصحراء، أي اللازمون لها. ١١ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. قال ابن عباس والكلبي ومقاتل وغيرهم: كان النبي ﷺ قد بعث سرية إلى بني عامر فقُتِلوا ببئر معونة (٤) إلا ثلاثة نفر، أحدهم عمرو بن أمية الضَّمْري (٥)، ثم انصرف هو وآخر معه إلى النبي ﷺ ليخبروه خبر القوم، فلقيا رجلين من بني سليم معهما أمان من النبي ﷺ فقتلاهما , ولم يعلما أن

стр. 3928

معهما أمانًا، فجاء قومهما يطلبون الدية، فخرج النبي ﷺ ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم حتى دخلوا على بني النضير، وكانوا قد عاهدوا النبي ﷺ على ترك القتال وعلى أن يعينوه في الديات، فقال النبي ﷺ : "رجل من أصحابي أصاب رجلين معهما أمان مني، فلزمني ديتهما، فأريد أن تعينوني"، فقالوا: نعم، اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا. وهموا باغتيالهم والفتك بهم، فآذن (١) الله به رسوله حتى فاتُوا بأنفسهم، فخرجوا من المكان الذي كانوا فيه، فأعلمتهم اليهود أن قدورهم تغلي، فأعلمهم ﷺ أنه قد نزل عليه الوحي بما عزموا عليه (٢). قال عطاء: توامروا أن يطرحوا عليهم رحًا أو حجرًا (٣). وقال بعض أهل العلم: بل ألقوا فأخذه جبريل (٤). ١٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قال ابن عباس: ثم أخبر الله عن نقض إسرائيل عهد الله كما نقضت هذه الطبقة فقال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٥).

стр. 3929

قال الكلبي ومقاتل: أخذ الله ميثاقهم على أن يعملوا بما في التوراة (١). وقوله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾. اختلفت عبارات المفسرين في تفسير النقيب: فقال ابن عباس والحسن: الضمين (٢). وقال قتادة: الشهيد على قومه (٣). وقال الكلبي: ﴿اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ يعني ملكًا (٤). وقال مقاتل: يعني شاهدًا على قومهم (٥). وقال أبو عبيدة: النقيب: الأمين الكفيل (٦). وقال الأخفش: النقباء: الكفلاء على قومهم (٧). وقال المؤرج: النقباء: الأمناء (٨).

стр. 3930

وقال أبو إسحاق: النقيب في اللغة كالأمين (١) والكفيل (٢). ثم بين حقيقة الباب واشتقاقه فقال: يقال: نقب الرجل على القوم ينقُبُ نقابة فهو نقيب، إذا صار نقيبًا عليهم، وما كان الرجل نقيبًا , ولقد نقُبَ، وفي فلان مناقب جميلة، أي أخلاق، وهو حسن النقيبة، أي جميل الخليقة (٣)، وإنما قيل للنقيب: نقيب؛ لأنه يعلم دخيلة أمر القوم، ويعلم مناقبهم وهو الطريق إلى معرفة أمورهم. وهذا الباب كله أصله التأثير الذي له عمق ودخول، فمن ذلك: نقبت الحائط، أي بلغت في النقب آخره، ومن ذلك: النقبة من الجَرب؛ لأنه داء شديد الدخول، وذلك أنه يطلى البعير بالهناء فيوجد طعم القطران في لحمه، والنُّقْبة السراويل بغير رجلين، لما قد بولغ في فتحها ونقبها، ويقال: كلب نقِيب، وهو أن تنقب حنجرته لئلا يرتفع صوت نباحه، وإنما يفعل ذلك البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف (٤). هذا بيان الزجاج. واختلفوا في معنى بعث النقباء: فقال الحسن: أخذ من كل سبط منهم نقيب ضامن بما عقد عليهم بالميثاق في أمور دينهم (٥). ونحو هذا قال ابن عباس في رواية عطاء، فقال في قوله: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾: يريد ضامنين عن قومهم لله الميثاق وأن يؤمنوا بمحمد (٦) ﷺ ويصدقوه وينصروه (٧).

стр. 3931

ومعنى البعث في هذا القول إقامتهم بذلك الأمر كبعث الرسل، فقوله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ كقوله لو قال: بعثنا منهم اثنى عشر نبيا. وقال مجاهد والكلبي والسدي: إن النقباء بعثوا إلى مدينة الجبارين الذين أمر موسى بالقتال معهم؛ ليقفوا على أحوالهم ويرجعوا بذلك إلى نبيهم موسى ﵇، فرجعوا ينهون قومهم عن قتالهم، وكانوا قد تواثقوا فيما بينهم أن لا يفعلوا، فنكثوا العهد، وجعل كل واحد منهم ينهى سِبطه عن قتالهم إلا رجلين منهم: كالِب، ويوشَع، وهما اللذان قال الله تعالى: (فيهما) (١): ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ الآية [المائدة: ٢٣] (٢). وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾. أي: قال الله لهم، فحذف ذلك لاتصال الكلام بذكرهم. واختلفوا في المعنيّ بهذا القول، فقال الربيع: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ أي: للنقباء (٣). وعلى هذا دل كلام ابن عباس، فقال في قوله: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ أي مع النقباء، ومن أوفى بميثاق الله وعهده (٤).

стр. 3932

وقال غيرهما: ﴿وَقَالَ اللَّهُ﴾ لبني إسرائيل ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ (١). ومعنى ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ أي: بالعون والنصر والدفع عنكم. قال الكلبي (٢). وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾. ذكر أبو علي الجرجاني في تقدير الآية ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون قوله: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ جزاء مقدمًا على شرط، والشرط قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ وما انعطف عليه، وما انعطف عليه، ويكون قوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ جوابا لقوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ (٣)، وكأنه ابتدأ شرطًا آخر بقوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ﴾ وجعل جوابه ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾، فيحصل من هذا أن يكون قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ﴾ جزاءً لقوله: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ ويكون مبتدأ وشرطًا لقوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾. فمرة من وجه يكون جزاء، ومرة من وجه آخر يكون مبتدأ وشرطًا، وصار قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ﴾ مرة جزاء للشرط الأول، (ومرة شرطًا للجزاء الآخر) (٤)، (فاشترك) (٥) فيه الجزاء والشرط.

стр. 3933

والوجه الآخر: أن تجعل قوله: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ جزاء تقدم شرطًا، ثم جاء الشرط بعده وهو قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ إلى ما اتصل به، ثم تضمر شرطًا لقوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ على تقدير: إن فعلتم ذلك لأكفرن، كما قال في سورة الصف ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾ [الصف: ١٠] ثم بين تلك التجارة ما هي فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى آخر الآية، ثم ابتدأ شرطًا آخر مضمرا وأظهر جزاءه، فدل الجزاء الظاهر على الشرط المضمر (١)، وهو قوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ على تأويل: إن تفعلوا ذلك يغفر لكم، وهذا كقوله : ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ [محمد: ١٥] وهذه الكاف تدل على مبتدأ قبله ولم يجر له ذكر، وإنما جرى ذكر الجنة وصفتها، وكأنه قيل: أفمن هو في هذه الجنة كمن هو خالد في النار، فدل الجواب على الإبتداء. الوجه الثالث: أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ ثم ابتدأ فصلًا آخر بقوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ فجعله شرطًا، ثم أتى بجزائه في قوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ فيكون هذا الشرط والجزاء بما يتضمنان من القصة ترجمة لقوله: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ لأن قوله: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ كلمة جامعة مجملة فصار ما بعده كالتفسير له. وقوله تعالى: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾. قال أبو إسحاق: العَزْر في اللغة الردّ، وتأويل عزَّرت فلانًا أي أدَّبته، إنما تأويله: فعلت به ما يرده عن القبيح ويردعه، كما أن نكلتُ به: فعلت به ما يجب أن ينكل معه عن المعاودة. فتأويل ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ نصرتموهم بأن تردوا عنهم أعداءهم، ولو كان التعزيز هو التوقير لكان الأجود في اللغة

стр. 3934

الاستغناء عن التوقير في قوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]، والنصرة إذا وجدت فالتعظيم داخل فيها؛ لأن نصرة الأنبياء هي المدافعة عنهم والذب عن دينهم وتعظيمهم (١). أبو العباس عن ابن الأعرابي: العزر: النصر بالسيف، والعزر: المنع، وقال أيضًا: التعزير: التوقير، والتعزير: النصر باللسان والسيف (٢). وقال عطاء عن ابن عباس: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ يريد وقّرتموهم (٣). وقال السدي: نصرتموهم بالسيف (٤). وقال مقاتل والكلبي: أعنتموهم (٥). وقوله تعالى: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. قال ابن عباس: يريد الصدقات للفقراء والمساكين وابن السبيل (٦). وقال مقاتل: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ محتسبة، طيبة بها أنفسكم (٧). وقال الضحاك: تبتغون به وجه الله (٨).

стр. 3935

وقال ابن المبارك (١): حلالًا من طيب أموالكم (٢). قال الفراء: القرض مصدر، ولو قيل: إقراضًا كان صوابًا، وربما أخرج المصدر على بنية الفعل الأول قبل أن يزاد فيه، وهذا من ذاك؛ لأن أصل الإقراض: قرضت، ومثله قوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] ولم يقل: بتقبل، وقوله: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧] ولم يقل: إنباتا (٣). وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾. أي: بعد العهد والميثاق (٤). ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ١٢]. أخطأ قصد الطريق، يعني الهدى والدين الذي شرعه لهم (٤). ١٣ - قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ الآية. قد مضى الكلام في مثل هذا في سورة النساء. قال قتادة: ونقضهم أنهم كذّبوا الرسل بعد موسى، وقتلوا الأنبياء، ونبذوا كتاب الله، وضيعوا فرائضه (٥).

стр. 3936

قال أهل المعاني: تقدير الكلام: فنقضوا فلعناهم بنقضهم؛ لأنه لما ذكر أخذ الميثاق عليهم اقتضى ذكر الوفاء به (أو (١)) النقض، فلما ذكر أن اللعن سببه النقض دل على وقوعه منهم (٢). وقوله تعالى: ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾. قال ابن عباس: عذبناهم بالجزية (٣). وقال مقاتل: عذبناهم بالمسخ (٤) وهو قول الحسن (٥). وقال عطاء: أخرجناهم (٦). وهو اختيار الزجاج، قال: باعدناهم من الرحمة (٧). وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾. القسوة: الصلابة، والشدة في كل شيء، يقال: قسا: يقسو (٨) فهو قاس (٩)، يقال: حجر قاس، وأرض قاسية لا تنبت شيئًا (١٠).

стр. 3937

وقرأ حمزة والكسائي: (قَسِيَّة) على وزن، فعيلة، وقد يجيء فاعل وفعيل، مثل: شاهد وشهيد، وعالم وعليم، وعارف وعريف (١). وقال شَمر: العام القسِيّ الشديد لا مطر فيه (٢). وذهب بعضهم: إلى أن هذا من الدراهم القسَيّة وهي الفاسدة الردية (٣). قال الأصمعي: درهم قسِيّ، مخفف السين مشدد الياء، على مثال: شقيّ (٤)، وهو في شعر أبي زبيد (٥) يذكر المَساحي: لها صواهِلُ في صُمِّ السِّلام كَما ... صاح القَسِيَّاتُ في أيدي الصياريفِ (٦)

стр. 3938

وأنشد ابن السكيت: وما زوَّدوني غيرَ سَحقِ عِمامَةٍ ... وخَمس مِئي منها قَسِيٌّ وزائِفُ (١) قال الأصمعي: وكأنه إعراب قاس. قال أبو علي: إذا كان القَسِيّ من الدراهم معربًا لم يكن من القَسِيّ العربي، ألا ترى أن قابوس وإبليس وجالوت وطالوت، ونحو ذلك من الأسماء الأعجمية التي من ألفاظها يوجد العربي لا تكون مشتقة من باب القبس والإبلاس، يدل على ذلك منعهم الصرف (٢). قال ابن عباس: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ يابسة عن الإيمان (٣). وقال الحسن: طبع عليها (٤). وقوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾. قال ابن عباس: يغيرون كلام الله عن مواضعه من صفة محمد ﷺ في كتابهم (٥). ونحو ذلك قال مقاتل (٦). وقال السدي: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ آية الرجم (٧). وقال الزجاج: تأويل ﴿يُحَرِّفُونَ﴾: يفسرون على غير ما أنزل، وجائز أن يكون: يلفظون به على غير ما أنزل (٨). انتهى كلامه.

стр. 3939

وتحريفهم يحتمل تأويلين على ما قال: أحدهما: سوء التأويل، والآخر: التغيير والتبدل، وهذا مما فسرنا في سورة النساء (١). وقوله تعالى: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾. قال ابن عباس: تركوا نصيبًا مما أمروا به في كتابهم من اتباع محمد (٢). وقال عطاء عنه: تركوا حظًا مما وعظوا به (٣). ونحوه قال مقاتل، وزاد: من إيمان بمحمد، ولو آمنوا به لكان ذلك لهم حظًا (٤). وقال قتادة: نسوا عهد الله الذي عهد إليهم، وأمر الله الذي أمرهم (٥). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾. يقال: لا زال يفعل كذا، كقولك: ما ينفك، وما زلت أفعل، والمضارع لا يزال لا غير، وقيل ما يتكلم به إلا بحرف نفي. وأما الخائنة، يقال: رجل خائنة، إذا بالغت في وصفه بالخيانة (٦) ومنه قوله:

стр. 3940

ولم تَكُن ... للغَدرِ خائنةً مُغِلَّ الإصْبَعِ (١) وقد تكون الخائنة مصدرًا على فاعلة، ومنه قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩]، وكثير من المصادر في القرآن جاء على: فاعله، نحو قوله: ﴿لاغية﴾ (٢) [الغاشية: ١١]، أي لغوًا، وتقول العرب: سمعت (راغية الإبل) و (ثاغية الشاء)، يعنون: رغاءها وثُفاءها (٣). قال الزجاج: وفاعلة في أسماء المصادر كثيرة نحو: عافاه الله عافية، و ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، و ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] (٤). وعلى هذا دل كلام المفسرين، فقال (٥) ابن عباس: ولا تزال تطلع على معصية منهم (٦). فهذا يدل على أنه أراد بالخائنة الخيانة.

стр. 3941

وقال مقاتل: يعني بالخائنة الغش للنبي ﷺ وقال: إيمان على كذب وفجور. (١) وقال عطاء: ﴿عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ مثل ما خانوك حين هموا بقتلك (٢). قال الزجاج: ويجوز أن يكون والله أعلم ﴿عَلَى خَائِنَةٍ﴾ علي فرقة خائنة (٣). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾. قال ابن عباس: يعني من أسلم منهم، عبد الله وأصحابه، ولم ينقضوا العهد (٤). وقال مقاتل: والقليل أيضًا منهم كفار (٥). وعلى هذا القليل مستثنى من الخيانة، يريد إلا قليلًا منهم لم يخونوا، والظاهر أن المراد بالمستثنى: مؤمنو أهل الكتاب. وقوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾. منسوخ بآية السيف (٦).

стр. 3942

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣]. قال عطاء: يريد المتجاوزين (١). وقال ابن عباس: فإذا عفوت فأنت محسن (٢). ١٤ - قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾. ولم يقل: من النصارى، ليدل على أنهم ابتدعوا النصرانية وتسمَّوا لها. وهذا يُروى عن الحسن (٣). وقوله تعالى: ﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾. قال مقاتل: أخذ عليهم الميثاق كما أخذ على أهل التوراة أن يؤمنوا بمحمد ويتبعوه، وهو مكتوب عندهم في الإنجيل (٤). قال الأخفش: وهذا كما تقول: من عبد الله أخذت الدرهم (٥). وقوله تعالى: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾. قال الكلبي ومقاتل: فتركوا ما أُمِروا به من الإيمان بمحمد ﷺ فكان ذلك الحظ (٦).

стр. 3943

وتنكير الحظّ في الآية: يدل على أن المراد به حظ واحد، وهو ما ذكره المفسرون من الإيمان بمحمد، وإنما خص هذا الواحد مع كثرة ما تركوا مما أمروا به؛ لأن هذا هو المُعظم (١)، ولو وفوا بهذا الواحد ولم يتركوه لم يضرهم ترك سائر ما تركوا. وقوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. يقال: غرِيتُ بالشيء أغرى به غرًى وغراءً ممدودًا أي أُولِعت به (٢). وقال شَمر: يقال لما يلصق به الأشياء الغِراء والغَرى بفتح الغين مقصور، وأغرى فلان بفلان إغراءً، إذا أولع به، كأنه ألصق به، فأصل الباب هو اللصوق والإلصاق؛ لأن المولع بالشيء كالملصق به. ذكره الزجاج وغيره (٣). ثم يقال: أغريت الكلب، إذا آسدته (٤)؛ لأنك تولعه بالصيد (٥). فأما التفسير: فقال المؤرج: (أغرينا): حرشنا بعضهم على بعض (٦). وقال الكسائي: سلطنا (٧). وقال النضر: هيجنا (٨).

стр. 3944

وقال الكلبي: ألقينا بينهم العداوة والبغضاء (١). فقوله: ﴿بَيْنَهُمُ﴾ ظرف للعداوة والبغضاء، أي العداوة التي بينهم أغريت بأن حرشت وهيجت، ويجوز أن يكون ﴿بَيْنَهُمُ﴾ بمنزلة بالصيد في قولك: أغريت الكلب بالصيد، فيكون المعنى: أغرينا العداوة والبغضاء بالحالة التي بينهم. واختلفوا في الضمير الذي في ﴿بَيْنَهُمُ﴾، فقال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد: الضمير (٢) يعود على اليهود والنصارى (٣). وقال الربيع: يعود على النصارى خاصة (٤). وذلك لما بين فرق النصارى من الاختلاف والعداوة. وهذا اختيار الزجاج (٥)، قال: وتأويل ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ أي صاروا فَرقًا يكفر بعضهم بعضًا (٦). وقوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وعيد لهم. ١٥ - قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾. قال ابن عباس: يريد الجميع (٧) وهذا على تقدير: يا أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ووحد الكتاب؛ لأنه أخرج مخرج الجنس.

стр. 3945

وقال قتادة: لما ذكر نقضهم العهد وتركوا ما أمروا به دعاهم على إثر ذلك إلى الإيمان بمحمد ﷺ (١). وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾. قال عطاء عن ابن عباس: يريد تكتمون مما في التوراة والإنجيل (٢). وقال ابن عباس: أخفوا منه الرجم وأمر محمد وصفته (٣). قال أهل المعاني: وهذا بيان لإعجاز النبي ﷺ حيث اطلع على أسرارهم وبين ما أخفوه من غير قراءة كتبهم، فوجب الإيمان به (٤). وقوله تعالى: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. قال ابن عباس: يتجاوز عن كثير، فلا يخبرهم بكتمانه (٥). فإن قيل على هذا: ما وجه بيان بعضه وترك بعضه؟ قيل: إنه بين ما فيه دلالة على نبوته من صفاته ونعته والبشارة به، وما يحتاج إلى علمه من غير ذلك مما تتفق له الأسباب التي يحتاج معها إلى استعلام ذلك، كالذي اتفق له في الرّجم، وما عدا هذين مما ليس في تفصيله فائدة فيكفي ذكره في الجملة (٦).

стр. 3946

وفي قوله: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ إعجاز للنبي ﷺ كالإعجاز فيما بينهم؛ لأنهم يعلمون بهذا أنه عالم بما يخفونه: وإن لم يبينه على التفضيل (١). وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾. قال ابن عباس: يعني ضياء من الضلالة (٢). وقال عطاء: يريد هدى (٣). فعلى هذا أراد بالنور: الإسلام (٤). وقال قتادة: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ يعني النبي (٥). وهو اختيار الزجاج، قال: النور محمد ﷺ ، وهو الذي يبين الأشياء (٦). وقوله تعالى: ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]. قال ابن عباس: يريد القرآن، فيه بيان لكل ما يختلفون فيه (٧). ١٦ - قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ﴾. أي بالكتاب المبين. ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾. اتبع ما رضيه الله تعالى مما مدحه وأثنى عليه، وهو دين الإسلام، يدل على هذا قول ابن عباس: يريد من صدق

стр. 3947

النبي ﷺ لما جاء به (١) ففسر (رضوان الله) بتصديق (٢) النبي ﷺ . وقوله تعالى: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾. قال ابن عباس: يريد دين الإسلام، دين الله (٣). وهو قول الحسن (٤) والسدي، أن معنى ﴿السَّلَامِ﴾ ههنا الله ، والسلام من أسمائه تعالى (٥). قال الزجاج: والسبل الطرق، فجائز أن يكون والله أعلم: طريق السلام طرق السلامة التي من سلكها سلم في دينه (٦). قال أبو علي: ويجوز أن يكون على حذف المضاف، كأنه: سبل دار السلام، كما قال: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٧] ويراد بها طرق الجنة؛ لأن من اتبع رضوانه فقد أوتي الهداية التي هي الإستدلال، فتكون الهداية في هذه الآية مثل التي في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد:٤ , ٥]، في أنه ليس بهداية الاستدلال، ولكن الهداية إلى طرق الجنة للثواب (٧).

стр. 3948

﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. قال ابن عباس: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان (١) وذلك أن الكُفر يتحير فيه صاحبه كما يتحير في الظلام، وُيهتدى بالإيمان إلى النجاة كما يُهتدى بالنور. وقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِهِ﴾. أي: بتوفيقه وإرادته (٢). والجار من صلة الاتباع، أي: يتبع رضوانه بإذنه، ولا يجوز أن يتعلق بالهداية، ولا بالإخراج؛ لأنه لا معنى له، فدل على (٣) أنه لا يتبع رضوان الله إلا من أراد الله. وقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦]. قال الحسن: هو الذي يأخذ بصاحبه حتى يؤديه إلى الجنة (٤). وقال ابن عباس: يعني: الإسلام (٥). والقولان سواء. ١٧ - قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾. قال أهل المعاني: إنما حكم بكفرهم؛ لأنهم قالوا هذا القول على جهة التدين به، ولو قالوه على جهة الحكاية منكرين له لم يكفروا (٦).

стр. 3949

فإن قيل: إنهم قالوا: هو ابن الله؟ قيل: هذا القول منهم كالقول إنه إله؛ لأنهم اتخذوه مع قولهم إنه ابن الله ربًا وجعلوه إلهًا (١). وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. قال الكلبي: فمن يقدر أن يدفع من عذاب الله شيئًا (٢). وهذا من قولهم: ملكت على فلان أمره، إذا اقتدرت عليه حتى لا يمكنه إنفاذ شيء من أمره إلا بك، وتقديره: من يملك من أمره شيئًا (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾. قال الكلبي: إن أراد أن يعذب المسيح ابن مريم (٤). ووجه الاحتجاج بهذا على النصارى: أنه لو كان المسيح إلهًا لقدر على دفع أمر الله إذا أتى بإهلاكه وإهلاك غيره (٥). وفي هذه رد على القدرية، وبيان أنه لو أراد إهلاك النبيين وأهل طاعته أجمعين كان له ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾. أراد ما بين هذين الصنفين والنوعين (٦)، كقول الراعي:

стр. 3950

طَرَقَا فتلِك هَمَاهِمي أَقْرِيهما ... قُلُصًا لواقحَ كالقِسِيّ وحُولا (١) فقال: (طرقا)، ثم قال: (فتلك هماهِمي)، ولم يقل: طرقن. ١٨ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ الآية. أمال اليهود فقال السدي: إنهم زعموا أن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدك بكري من الولد، وكذَبُوا فيما زعموا (٢). وقال الحسن: إنما قالوا ذلك على معنى قرب الولد من الوالد (٣). وهو اختيار ابن قتيبة، قال: يعنون أنه من حدبه وعطفه علينا كالأب المشفق (٤).

стр. 3951

وأما النصارى فقال سعيد بن المسيب: إنهم قالوا: المسيح ابن الله (١). ووجه هذا القول أنهم لما قالوا: المسيح ابن الله وادعوا أن المسيح منهم فكأنهم قالوا: نحن أبناء الله، كقول العرب: هذيل (٢) شعراء، أي: منهم شعراء، وقولهم في رهط مسيلمة: قالوا: نحن أنبياء، أي قال قائلهم وتابعوه (عليه (٣))، وذلك أنهم إذا قالوا: الواحد منهم أنه نبي، ثم افتخروا به وانتسبوا إليه، صح في اللفظ أن يقال: إنهم أنبياء (٤). وهذا وجه ثالث في قول اليهود: نحن أبناء الله، لأنهم أيضًا قالوا: عُزَير ابن الله، كما قالت النصارى: المسيح ابن الله، ذكره سعيد بن المسيب (٥). وقيل: إنهم تأولوا قول عيسى. أذهب إلى أبي وأبيكم، وقوله: إذا صليتم فقولوا: يا أبانا الذي في السماء ليتقدس اسمك (٦). وتأويل هذا: أنه في بره ورحمته وعطفه على عباده الصالحين كالأب الرحيم لولده (٧). وذهب بعضهم إلى أن معنى قوله: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ﴾ معناه: نحن أبناء

стр. 3952

رسله. فهو من باب حذف المضاف (١). قال ابن عباس: إنما قالوا هذا حين حذرهم النبي ﷺ عقوبة الله (٢). وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾. يحلمه (٣) المفسرون على قولهم: إنما نعذب أربعين يومًا، قدر الأيام التي عبد آباؤنا فيها العجل، فقيل لهم: إن كان الأمر كما زعمتم فلم يعذبكم الله؟ هل رأيتم والدا يعذب ولده بالنار؟ وهل تطيب نفس حبيب بتعذيب حبيبه في النار؟ هذا معنى قول المفسرين (٤). وقال أهل المعاني: (هذا التعذيب) (٥) مطلق غير محمول على الأيام الأربعين؛ لأنهم مقرون أنهم معذبون بذنوبهم ولو لم يقولوا بهذا (٦)، كذبوا بكتبهم، وأباحوا للناس ارتكاب الفواحش، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ فجعل التعذيب بسبب ذنوبهم. وقال الربيع بن أنس في قوله تعالى: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾: لم

стр. 3953

مسخكم؟ (١). قال صاحب النظم: تأويل: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ﴾ لم عذب من قبلكم من اليهود والنصارى الذين كانوا أمثالكم في الدين بذنوبهم؛ لأنه تعالى لم يكن ليأمر نبيه ﵇ بأن يحتج عليهم بشيء لم يكن بعد، يقولون: فإنا لا نعذب، ولكن أمره بأن يحتج عليهم بما كان وعرفوه. وكثير ما يذكر لفظ المستقبل والمراد به الماضي، كقول عنترة: ولقد أمُرُّ على اللئيم يسبُني .. البيت (٢) أي: مررت. وقد بينا هذا في مواضع (٣) من هذا الكتاب. ثم كذبهم في زعمهم فقال تعالى: ﴿بَلْ (٤) أَنتُم بَشَرٌ مَمَّنْ خَلَقَ﴾. قال ابن عباس: لحم ودم (٥). وقال المفسرون: كسائر بني آدم، مجزيون بالإحسان والإساءة (٦).

стр. 3954

وقولى تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. قال ابن عباس: لمن تاب من اليهودية ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ من مات عليها (١). وقال عطاء: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ من يوحد الله ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ من لا يوحد الله (٢). وقال السدي: يهدي منكم من يشاء فيغفر له، ويميت منكم من يشاء على كفره فيعذبه (٣) (٤). وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾. أي أنه يملك ذلك، لا شريك له فيعارضه، وهو يملك المغفرة لمن يشاء والتعذيب لمن يشاء (٥). قال أهل المعاني: دل بهذا على أنه لا ولد له؛ لأن (من (٦)) ملك ذلك استحال أن يكون له شبيه أو شريك أو قسيم (٧). وقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: وإليه يؤول أمر العباد في الآخرة (٨)؛ لأنه لا يملك الضر والنفع غيره، كما يملك في الدنيا بتمليكه. ١٩ - وقوله تعالى: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾. قال ابن عباس: يريد على

стр. 3955

انقطاع من الأنبياء (١). قال الزجاج: لأن النبي ﷺ بعث بعد إنقطاع الرسل؛ لأن الرسل كانت إلى وقت رفع الله عيسى متواترة بعضها في أثر بعض (٢). ويقال: فتر الشيء يفتر فتورًا, إذا سكنت حدّته وانقطع عما كان عليه (٣). وسميت المدة التي بين النبيين فترة لانقطاع العمل عما كان عليه من الجد فيه، من قولهم: فتر عن عمله. وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾. أي: لئلا تقولوا، وهو قول ابن عباس (٤). وقال بعضهم: تأويله: كراهة أن تقولوا (٥). وقد استقصينا شرح هذا في آخر سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. ٢٠ - قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾. (أنبيآء) لا ينصرف في معرفة ولا نكرة؛ لأنها مبنية على علامة التأنيث، وهي الألف الممدودة كألف حمراء، فلما بنوا الاسم على علامة التأنيث حتى صارت كبعض حروفه، صار كأن التأنيث قد تكرر فيه فلم ينصرف في النكرة (٦).

стр. 3956

قال الكلبي: ﴿جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ على عهد موس بن عمران، وهم السبعون (الذين) (١) اختارهم موسى من قومه، فانطلقوا معه إلى الجبل (٢). ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة ودابة يُكْتَبُ ملكًا (٣). وقال ابن عباس: جعل لكم الحشم والخدم (٤). وقال مجاهد: كل من لا يُدخل عليه إلا بإذنه فهو ملك (٥) وهو اختيار الزجاج، قال: جعلكم ذوي منازل تأمرون فيها , لا يدخل عليكم فيها داخل إلا بإذن (٦). وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة، فيها مياه جارية، فمن كان مسكنه واسعًا وفيه ماء جار فهو ملك (٧).

стр. 3957

وقال قتادة: كانوا أول من ملك الخدم، وسُخَّر لهم الخدم من بني آدم (١). وقال السدي: يعني: وجعلكم أحرارًا تملكون أنفسكم بعدما كنتم في أيدي القِبْط بمنزلة أهل الجزية فينا (٢). قال الزجاج: ومعناه: جعلتم تملكون أمركم لا يغلبكم عليه غالب (٣). وقوله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠]. قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد ما آتاهم في الدنيا من النعمة والكرامة، حيث فلق لهم البحر، وأغرق عدوهم، ونصرهم على جميع من عاداهم (٤). وقال مجاهد: يعني: المنّ والسلوى والحجر (٥) والغمام (٦). ٢١ - قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ الآية.

стр. 3958

المقدسة معناها في اللغة: المُطهّرة (١)، طهرت تلك الأرض من كثير من الشرك، وجعلت مسكنًا وقرارًا للأنبياء (٢). قال قتادة: هي الشام كلها (٣). ومعنى المقدسة في قول قتادة المباركة (٤)، وبه قال ابن الأعرابي من أهل اللغة (٥). وقال عكرمة والسدي وابن زيد: هي أريحا (٦). الكلبي: دمشق وفلسطين وبعض الأردن (٧). وقوله تعالى: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قال عطاء عن ابن عباس: يريد فرض عليكم دخولها (٨). وبه قال قتادة، قال: أمروا بها كما أمروا بالصلاة (٩). ونحو منه قول السدي: أمركم الله بدخولها (١٠).

стр. 3959

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾. يحتمل تأويلين: أحدهما: لا ترجعوا إلى دينكم الشرك بالله وإلى معصيته (١). وإلى هذا أشار ابن عباس فقال (٢): يريد لا تعصوا ربكم (٣). والثاني: لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها (٤). ٢٢ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾. قال المفسرون: هم العمالقة فرقة من عاد (٥). وللجبار ههنا معنيان: قال الأخفش: أراد الطُّول والقوة والعظم (٦). وكأنه ذهب في هذا إلى الجَبَّار من النخل، وهو الطويل الذي فات الأيدي، ويقال: رجل جَبَّار، إذا كان طويلًا عظيمًا قويًّا، تشبيهًا بالجبار من النخل (٧).

стр. 3960

وهذا معنى قول قتادة: كانت لهم أجسما وخلق عجيب ليس لغيرهم (١). ويحتمل أن يكون معنى الجَبّار ههنا من أجبره على الأمر، إذا أكرهه عليه. قال الأزهري: وهي لغة معروفة، وكثير من الحجازيين يقولونها، وكان الشافعي ﵀ يقول: جبره السلطان (٢). وجائز أن يكون الجبّار من: أجبره على الأمر، إذا أكرهه عليه. قال الفراء: لم أسمع فعَّالا من أفْعَل إلا في حرفين، وهما: جبّار من أَجْبَر، ودرَّاك من أدْرَك (٣). وهذا الوجه اختيار الزجاج، قال في هذه الآية: تأويل الجبّار من الآدميين العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد (٤). قال المفسرون: وبلغ من جبرية هؤلاء، أن موسى لما بعث النقباء ليتحسسوا (٥) له أخبار هؤلاء رآهم واحد من الجبارين، فأخذهم وحملهم في كُمِّه مع فاكهةٍ كان حملها من بستانه، وأتى بهم الملك، فنثرهم بين يديه، وقال معُجّبًا للملك: هؤلاء يريدون قتالنا. فقال الملك: ارجعوا إلى صاحبكم فأخبروه خبرنا (٦).
следующие страницы →