← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

صعوبتي بعد النفرة (١) والالتواء (٢)، وذلك لتوفر دواعي أهل زماننا على الجهل، وظهور رغباتهم عن العلم، الذي فيه شرف الدين والدنيا، وعز الآخرة والأولى، فقل من ترى (٣) من المتحلين بعقوده وقلائده، ومنتحلي غرره وفوائده (إلا متشبعًا (٤)، كلابس ثوبي زور) (٥)، يبرق، وبروقه غير صادقة، ويرعد وسماؤه غير وادقة، اللهم إلا نفرًا يقل عددهم عند الإحصاء، وتكثر فضائلهم على الحصر والاستقصاء، غير أنهم الأكثرون وإن قلوا، ومواضع الأنس (٦) حيث حلوا؛ لأن العلم وإن أصبح في الناس مجفوًّا (٧)، وأظهروا عنه نفرة ونُبوًّا (٨)،

стр. 387

فحرمته لا تضاع (١)، وسوامه (٢) لا تراع، ولن يخلو (٣) الشيء الفاضل (٤) في جنسه عن (٥) عزته في نفسه، وإن قل من يعتامه (٦) وعز من يطلبه ويستامه. هؤلاء شكوا إليَّ: غلظ حجم المصنفات في التفسير، وإن الواحدة منها تستغرق (٧) العمر كتابتها، ويستنزف الروح سماعها وقراءتها، ثم صاحبها بعد أن أنفق العمر على تحصيلها، ليس يحظى منها بطائل تعظم عائدته، وتعود عليه فائدته. فقلت: إن طريق معرفة تفسير كلام الله تعالى تعلم النحو والأدب فإنهما عمدتاه، وإحكام أصولهما، وتتبع مناهج لغات العرب (٨) فيما تحويه (٩) من الاستعارات الباهرة، والأمثال النادرة، والتشبيهات (١٠) البديعة، والملاحن (١١) الغريبة، والدلالة باللفظ اليسير على المعنى الكثير، مما لا يوجد مثله في سائر اللغات.

стр. 388

وقد أعفى أهل زماننا أنفسهم عن كد التعب في طلب الأدب، فقد هوت (١) دولته إلى الحضيض، وصار يرنو (٢) بالطرف الغضيض، وها هو قد خوى (٣) نجمه وصَوَّح (٤) نبته، وذوى (٥) عوده، وخرَّ عموده (٦). وإذا ضاع الأدب ضاع ما يحتاج في تفسيره إليه، ويعول في معرفته عليه، وهو علم (٧) القرآن العربي، المنزل بلسان العرب ولغتهم، المنظوم بألفاظهم في مخاطبتهم. والله تعالى ذكره أنزل كتابه (٨) (على قوم عرب أولي (٩) بيان فاضل، وفهم بارع.

стр. 389

أنزله جل ذكره بلسانهم، وصيغة (١) كلامهم الذي نشؤوا (٢) عليه، وجبلوا على النطق به فتدربوا (٣) به، يعرفون وجوه خطابه ويفهمون فنون نظامه، ولا يحتاجون إلى تعلم مشكله وغريب ألفاظه حاجة المولدين الناشئين مع من لا يعلم لسان العرب حتى يعلمه، ولا يفهم ضروبه وأمثاله وأساسه (٤) وطرقه حتى يفهمها. وبين النبي ﷺ للمخاطبين من أصحابه ﵃ (٥) - ما عسى (٦) بهم الحاجة [إليه] (٧) من معرفة (٨) بيان مجمل الكتاب وغامضه ومتشابهه وجميع وجوهه، التي لا غنى بهم وبالأمة عنه. فاستغنوا بذلك عما نحن إليه اليوم (٩) محتاجون من معرفة لغات العرب واختلافها والتبحر فيها، والاجتهاد في تعلم وجوه العربية الصحيحة التي بها نزل الكتاب وورد البيان. فعلينا أن نجتهد في تعلم ما يتوصل بتعلمه إلى معرفة ضروب خطاب الكتاب، ثم السنن المبينة لمجمل التنزيل، الموضحة للتأويل؛ لتنتفي عنا الشبه

стр. 390

التي دخلت على كثير من رؤساء أهل الزيغ والإلحاد، ثم على رؤوس ذوي الأهواء والبدع، الذين تأولوا بآرائهم المدخولة فأخطؤوا (١)، وتكلموا في كتاب الله بلكنتهم العجمية دون معرفة ثاقبة، فضلوا وأضلوا، نعوذ بالله (٢) من الخذلان، وإياه نسأل التوفيق والصواب (٣) (٤). وقد كان الأكابر من السلف يحثون على تعلم لغة العرب، ويرغبون فيها لما يعلمون من (٥) فضلها وفرط الحاجة إليها (في معرفة ما في الكتاب، ثم في (٦) السنن والآثار، وأقاويل أهل التفسير من الصحابة والتابعين، من الألفاظ الغريبة والمخاطبات العربية (٧)، فإن من جهل لسان (٨) العرب وكثرة ألفاظها وافتنانها في مذاهبها، وجهل جمل (٩) علم الكتاب) (١٠). ولقد أخبرنا الأستاذ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم (١١) ﵀ قال: أخبرني أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن (١٢)،

стр. 391

ثنا (١) أبو الحسن أحمد بن الخضر بن أبان (٢)، ثنا أبو عمرو أحمد بن نصر الخفاف (٣) ثنا نصر بن علي الجهضمي (٤)، ثنا عامر بن أبي عامر (٥)، ثنا أيوب

стр. 392

ابن موسى القرشي (١)، عن أبيه (٢)، عن جده (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : "ما نحل والد ولده نحلة (٤) أفضل من أدب حسن" (٥).

стр. 393

وروي عن سعيد بن المسيب (١) أنه قال: بينا عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر، فقال: يا أيها الناس: ما تقولون في قول الله : ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧]؟ فسكت الناس، فقام شيخ فقال: يا أمير المؤمنين: هذِه لغتنا بني هذيل، التخوف: التنقص، قال عمر: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير الهذلي (٢) يصف ناقة: تَخَوَّفَ الرَّحْلُ منها تَامِكًا صُلْبًا ... كما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ (٣)

стр. 394

فقال عمر ﵁: يا أيها الناس، عليكم بديوانكم لا يضل، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم (١). وفيما كتب إلى محمد بن عبد العزيز المروزي (٢) بخط يده، أن محمد بن الحسين الحدادي (٣) أخبرهم عن محمد بن (٤) يحيى (٥)، قال:

стр. 395

أبنا (١) إسحاق ابن إبراهيم الحنظلي (٢)، أبنا (٣) وكيع (٤)، عن أسامة ابن

стр. 396

زيد (١)، عن عكرمة (٢)، عن ابن عباس قاد: إذا قرأ (٣) أحدكم شيئًا من القرآن فلم يدر ما تفسيره، فليلتمسه في الشعر، فإنه ديوان العرب (٤). وبهذا الإسناد (٥)، وعن إسحاق (٦)، أبنا (٧) وهب بن جرير (٨)،

стр. 397

ثنا (١) أبي (٢) قال: سمعت الزبير بن خريت (٣)، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يسأل عن الشيء من عربية القرآن فينشد الشعر (٤). سمعت أبا عثمان سعيد بن محمد الحيري (٥)، سمعت القاضي أبا

стр. 398

الحسن علي بن القاسم (١)، وأبا إسحاق إبراهيم بن الحسن بن بشر (٢)، وأبا القاسم جعفر بن عبد الله الفناكي (٣)، الرازيين بالري، قالوا: سمعنا عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (٤) قال: أخبرني أبي (٥)، ثنا (٦) حرملة بن

стр. 399

يحيى (١)، قال: سمعت الشافعي ﵁ يقول: أصحاب العربية جن الإنس. وسمعته (٢) يقول: سمعت محمد بن أحمد بن يعقوب (٣)، يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى النحوي (٤) قال: قال عبد الملك بن مروان (٥): تعلموا العربية فإنها المروءة الظاهرة (٦).

стр. 400

وقل من تقدم في علم من العلوم إلا بمعرفة الأدب، ومقاييس العربية، والنحو، وما حدثت البدع والأهواء المضلة إلا من الجهل بلغة العرب. سمعت الشيخ أحمد بن أبي منصور المقرئ (١) ﵀ يقول: سمعت الحسن بن محمد المكتب (٢) يقول: سمعت أبا علي الحسن بن أحمد الخياط (٣) يقول: سمعت أبا نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي (٤) يقول: سمعت الربيع بن سليمان (٥) يقول (٦): سمعت الشافعي يقول: عامة من تزندق (٧) بالعراق لجهلهم بالعربية

стр. 401

ولغات العرب (١). وقرأت على الأستاذ سعيد بن محمد المقرئ (٢) فقلت: حدثكم طلحة بن محمد الشاهد (٣) ببغداد (٤)، قال: سمعت أبا بكر بن دريد (٥)، قال: قال ابن أخي الأصمعي (٦): عن الأصمعي (٧): تعلموا النحو، فإن بني إسرائيل كفرت

стр. 402

بكلمة، قال الله لعيسى: (أنت نبيِّي وأنا ولَّدتك) فخففوها (١). ولئن استغنى علم عن الأدب، [فمن ضرورة التفسير وعلم القرآن الأدب] (٢) ومعرفة اللغة العربية، ولا تكاد تجد ذلك متأتيا لمن لم يمرن عليها، ولم يتدرب (٣) بها. ولقد سمعت أحمد بن محمد بن إبراهيم (٤)، يقول: سمعت الحسن بن محمد (٥)، يقول: سمعت أبا عبد الله (٦) الميداني (٧) الخطيب بزوزن (٨) يقول: سمعت محمد بن جمعة الحافظ (٩) يقول: سمعت يحيى بن سليمان بن نضلة

стр. 403

المديني (١) يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: لا أوتى برجل غير عالم (٢) بلغات العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالا (٣). وكيف يتأتى لمن جهل لسان العرب أن يعرف تفسير كتاب جعل معجزة في فصاحة ألفاظه، وبعد أغراضه لخاتم النبيين وسيد المرسلين ﷺ وعلى آله الطيبين في زمان أهله يتحلون بالفصاحة، ويتحدون بحسن الخطاب وشرف العبارة، وإن مثل من طلب ذلك مثل من شهد الهيجاء بلا سلاح، ورام أن يصعد الهواء (٤) بلا جناح. ثم وإن طال تأمله مصنفات المفسرين، وتتبعه أقوال أهل التفسير من المتقدمين والمتأخرين، فوقف على معاني ما أودعوه كتبهم، وعرف ألفاظهم التي عبروا بها عن معاني القرآن، لم يكن إلا مقلدا (٥) لهم فيما حكوه، وعارفًا معاني قول مجاهد، ومقاتل، وقتادة (٦)، والسدي (٧)، وغيرهم

стр. 404

دون معنى قول الله . ألا ترى أن واحدا ممن لم يتدرب بلغة العرب لو سمع قول امرئ القيس (١): دِيمةٌ هَطْلاَءُ فِيهَا وَطَفٌ ... طَبَقُ الأَرْضِ تَحَرَّى وَتَدُرّ (٢) فسأل عن معناه، فقيل له: إنه يصف مطرا سحابه (٣) هاطل، كان عارفا معنى هذا البيت من طريق التقليد، ولا يكون عارفًا معنى قول امرئ القيس ما

стр. 405

لم يعرف تفسير كل حرف على حدته، وما وضع له ذلك اللفظ. وكذلك قوله: وَمَا ذَرَفَتْ عَيْنَاكِ إلَّا لِتَضرِبِي ... بِسَهْمَيْكِ فِي أَعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ (١) معنى هذا البيت أنه يقول لامرأة: ما بكيت إلى لتأخذي بمجامع قلبي، فمن (٢) عرف هذا فقد عرف معنى البيت، لكنه إنما عرفه من قول من عبر عن مراد الشاعر بهذا لا من قول الشاعر. ودون أن تعرف وضع ألفاظه، والمراد بكل حرف منه: خرط القتاد (٣). وعلى هذا النحو جميع كلام العرب، مثل قولهم: (أبى الحقين العذرة) (٤) يضرب لمن يعتذر، وظاهر حاله يكذبه، ومعرفة هذا المعنى لا

стр. 406

تفيدك معرفة هذِه (١) الألفاظ. وكقولهم (٢): (فلان لا يقعقع (٣) له بالشنان (٤) ولا تقرع (٥) له العصا (٦) و (أنا جذيلها المحكك) (٧) في أمثال لهذا كثيرة. وكذلك آيات القرآن التي (٨) فسرها الصحابة والتابعون، إنما فسروها بذكر معناها المقصود، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ

стр. 407

بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦] قال قتادة: إذا قيل له: مهلًا مهلًا (١)، ازداد إقدامًا على المعصية (٢). فمن أين لك أن تعرف هذا (٣) المعنى من لفظ الآية؟ إلى بعد الجهد وطول التفكر. وكذلك قوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥]. قال السدي: يعظم أولياءه في صدوركم (٤). فانظر، هل يمكنك أن تفرغ هذا المعنى في قالب (٥) هذِه الألفاظ إلى بعد التعب في معرفة ما ذكره أرباب النحو؟ وكذلك قوله: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾ [الفرقان: ٧١] تدبر هل تعرف صحة هذِه الألفاظ واستواء نظمها مما ذكره المفسرون؟ وهل يحسن أن يقال: من قام فإنه يقوم، ومن ركب فإنه يركب (٦)؟ وعلى هذا

стр. 408

أكثر آيات القرآن وكلام العرب. وإنما ذكرت هذِه الأمثلة لتعرف أن من تأمل مصنفات المفسرين، ووقف على معاني أقوالهم، لم يقف على معاني كلام الله دون الوقوف على أصول اللغة والنحو. والمعنيون (١) بالتصنيف في هذا العلم طبقات: فالصحابة الذين نزل فيهم القرآن شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل؛ لأنهم أهل اللغة الذين نشأوا عليها كما وصفناهم قبل. وأما التابعون والسلف الصالحون فإنهم لم يتصنعوا في جمع ما جمعوا، ولم يتكلفوا في تتبع الخفايا من الزوايا. وأرباب المعاني (٢) اقتصروا على الإعراب، وبيان نهج الخطاب. وللمتأخرين مراتب ودرجات، وأغراض في التصنيف متفاوتات، والاشتغال بما يعنينا أولى من بيان درجتهم، والكشف عن نقصهم ومزيتهم (٣)، وقل من تراه يعنى بسوق اللفظ على التفسير، وإفراغه في قوالب المعاني، حتى يأتي به متسقا من غير ترجح، ومطردا من غير تخاذل (٤). وعلى هذا فلم يبقوا في القوس منزعًا (٥)، ولم يترك الأول للآخر شيئًا،

стр. 409

غير أن المتأخر بلطيف حيلته (١)، ودقيق (٢) فطنته، يلتقط الدرر ويجمع الغرر، فينظمها كالعقد على صدر الكعاب (٣)، يروق المتأملين (٤)، ويؤنق الناظرين (٥)، فيستحق به في الأولى حمد الحامدين، وفي العقبى ثواب رب العالمين. وأظنني لم آل جهدًا في إحكام أصول هذا العلم، على حسب ما يليق بزماننا هذا، ويسعه سنو عمري على قلة أعدادها، فقد وفق الله تعالى وله الحمد، حتى اقتبست كل ما احتجت إليه في هذا الباب من مظانه، وأخذته من (٦) معادنه. أما (اللغة): فقد درستها على الشيخ أبي الفضل أحمد بن محمد بن عبدالله بن يوسف العروضي (٧) (٨) ﵀، وكان قد خنق التسعين (٩) في خدمة الأدب، وأدرك المشايخ الكبار، وقرأ عليهم وروى عنهم كأبي منصور الأزهري (١٠)، روى عنه كتاب "التهذيب" (١١) وغيره من الكتب، وأدرك أبا

стр. 410

العباس العامري، وأبا القاسم الأسدي (١)، وأبا نصر طاهر بن محمد الوزيري، وأبا الحسين (٢) الرخجي (٣)، وهؤلاء كانوا فرسان البلاغة وأئمة اللغة. وسمع أبا العباس الأصم (٤)، وروى عنه، واستخلفه الأستاذ أبو بكر

стр. 411

الخوارزمي (١) على درسه عند (٢) غيبته. وله المصنفات الكبار، والاستدراكات على الفحول من علماء اللغة والنحو. وكنت قد لازمته سنين، أدخل عليه عند طلوع الشمس، وأخرج لغروبها، أسمع، وأقرأ، وأعلق، وأحفظ، وأبحث، وأذاكر أصحابه ما بين طرفي النهار، وقرأت عليه الكثير من الدواوين، وكتب اللغة، حتى عاتبني شيخي ﵀ يوما من الأيام وقال: إنك لم تبق ديوانا من الشعر إلا قضيت حقه، أما آن لك أن تتفرغ لتفسير كتاب الله العزيز؟! يقرؤه علي هذا الرجل الذي يأتيه البعداء من أقاصي البلاد، وتتركه أنت على قرب ما بيننا من الجوار، يعني: الأستاذ الإمام (أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي) ﵀. فقلت: يا أبت إنما أتدرج بهذا إلى ذلك الذي تريد، وإذا لم أحكم الأدب بجد وتعب، لم أرم في غرض التفسير عن كثب، ثم لم أغبَّ (٣) زيارته يومًا من الأيام إلى أن حال بيننا قدر الحمام. وأما (النحو) فإني لما كنت في مَيْعَةِ (٤) صباي، وشَرْخِ شبيبتي (٥)، وقعت

стр. 412

إلى الشيخ: (أبي الحسن علي بن محمد بن إبراهيم الضرير (١)) ﵀، وكان من أبرع أهل زمانه في لطائف النحو وغوامضه، وأعلمهم بمضايق (٢) طوق العربية ودقائقها، ولعله تفرس فيَّ، وتوسم (٣) أثر الخير لدي، فتجرد (٤) لتخريجي، وصرف وكده (٥) إلى تأديبي، ولم يذخر (٦) عني شيئا من مكنون ما عنده، حتى استأثرني بأفلاذه (٧)، وسعدت به أفضل ما سعد تلميذ بأستاذه. وقرأت عليه جوامع النحو والتصريف والمعاني، وعلقت عنه قريبًا من مائة جزء في المسائل المشكلة، وسمعت منه (٨) أكثر مصنفاته، في النحو والعروض والعلل، وخصني بكتابه الكبير في علل القراءات المرتبة في كتاب "الغاية" لابن (٩) مهران.

стр. 413

ثم ورد علينا الشيخ الإمام أبو الحسن عمران بن موسى المغربي المالكي (١)، وكان واحد عصره، وباقعة (٢) دهره (٣) في علم النحو، لم يلحق أحد ممن سمعنا شأوه في معرفة الإعراب، ولقد صحبته مدة مقامه عندنا، حتى استنزفت غرر (٤) ما عنده. وأما (القرآن وقراءات أهل الأمصار واختيارات الأئمة)، فإني اختلفت (٥) أولا إلى الأستاذ (أبي القاسم علي بن أحمد البستي (٦)) ﵀، وقرأت عليه القرآن ختمات كثيرة لا تحصى، حتى قرأت عليه أكثر طريقة الأستاذ (أبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران (٧)) ﵀. ثم ذهبت إلى الإمامين (أبي عثمان سعيد بن محمد الحيري) و (أبي

стр. 414

الحسن علي بن محمد الفارسي) (١) -رحمهما الله-، وكانا قد انتهت إليهما الرئاسة في هذا العلم، وأشير إليهما بالأصابع في علو السن، ورؤية المشايخ، وكثرة التلامذة، وغزارة العلوم وارتفاع الأسانيد، والوثوق فيها، فقرأت عليهما، وأخذت من كل واحد منهما حظا وافرا بعون الله وحسن توفيقه. وقرأت على الأستاذ (سعيد) مصنفات ابن مهران (٢)، وروى لنا كتب أبي

стр. 415

علي (١) الفسوي (٢) عنه.

стр. 416

وقرأت عليه بلفظي كتاب الزجاج في المعاني (١) روايته عن ابن مقسم (٢) عنه، وسمع بقراءتي الخلق الكثير. ثم فرغت للأستاذ الإمام "أبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي" ﵀، وكان حبر العلماء بل بحرهم، ونجم الفضلاء (٣) بل (٤) بدرهم، وزين الأئمة بل فخرهم، وأوحد الأمة بل صدرهم، وله التفسير الملقب بـ"الكشف والبيان عن تفسير القرآن" (٥)، الذي رفعت به المطايا في السهل والأوعار، وسارت به الفلك في البحار، وهبت هبوب الريح في الأقطار: وسار مسير الشمس في كل بلدة ... وهب هبوب الريح في البر والبحر (٦) وأصفقت (٧) عليه كافة الأمة على اختلاف نحلهم، وأقروا له بالفضيلة في تصنيفه ما لم يسبق إلى مثله، فمن أدركه وصحبه علم أنه كان منقطع

стр. 417

القرين، ومن لم يدركه فلينظر في مصنفاته؛ ليستدل بها على أنه كان بحرًا (١) لا ينزف، وغمرًا (٢) لا يسبر (٣). وقرأت عليه من مصنفاته أكثر من خمسمائة جزء، وتفسيره الكبير، وكتابه المعنون بـ"الكامل في علم القرآن" (٤) وغيرهما. ولو أثبت (٥) المشايخ الذين أدركتهم، واقتبست عنهم هذا العلم، من مشايخ (نيسابور) وسائر البلاد التي (٦) وطئتها، طال الخطب ومل الناظر. وقد استخرت الله العظيم في جمع كتاب أرجو أن يمدني الله فيه بتوفيقه وحسن تيسيره، حتى أبرزه كالقمر انجاب سحابه، والزلال صفا (٧) متنه (٨) واطرد (٩) حبابه (١٠)، يؤدي إلى المتأمل (١١) نضرة الكلم (١٢) العذاب، ورونق

стр. 418

الذهب المذاب، سالك نهج الإعجاز في الإيجاز، مشتمل على ما نقمت (١) على غيري إهماله، ونعيت عليه إغفاله، خال عما يكسب المستفيد ملالة، ويتصور (٢) عند المتصفح إطالة، لا يدع لمن تأمله حازة (٣) في صدره حتى يخرجه من ظلمة الريب والتخمين (٤)، إلى نور العلم وثلج (٥) اليقين، هذا بعد أن يكون المتأمل مرتاضًا في صنعة الأدب والنحو، مهتديا بطرق الحجاج، قارحا (٦) في سلوك المنهاج. فأما الجذع (٧) المزجى (٨) من المقتبسين، والريض (٩)

стр. 419

الكز (١) من المبتدئين فإنه مع هذا الكتاب كمزاول (٢) غلقا ضاع عنه المفتاح، ومتخبط في ظلماء ليل خانه المصباح: يحاول فتق غيم وهو يأبى (٣) ... كعنين يريد نكاح بكر (٤) وأبتدئ في كل آية عند التفسير بقول ابن عباس ما وجدت له نصًّا (٥)، ثم بقول من هو قدوة في هذا العلم من الصحابة وأتباعهم، مع التوفيق بين قولهم ولفظ الآية. فأما الأقوال الفاسدة والتفسير المرذول الذي لا يحتمله اللفظ ولا تساعده العبارة فمما لم أعبأ به، ولم أضيع الوقت بذكره. وذكرت وجوه القراءات السبع التي اجتمع عليها أهل (٦) الأمصار، دون تسمية القراء (٧)، واعتمدت في أكثرها على كتاب أبي علي الحسن بن أحمد الفارسي (٨) الذي رواه لنا سعيد بن محمد الحيري (٩) عنه.

стр. 420

وكل ينفق مما رزقه الله، ويعمل على مقدار ما وفقه الله، ومتى يبلغ ضعف (١) سعينا وقاصر جهدنا نهاية ما لا (٢) يتناهى؟ وهذا سهل بن عبد الله (٣) يقول: لو أعطي العبد بكل حرف من القرآن ألف فهم لم يبلغ نهاية ما أودع الله في آية من كتابه؛ لأنه كلام الله، وكلامه صفته، وكما أن ليس لله نهاية، فكذلك لا نهاية لفهم كلامه، وإنما يفهم كل بمقدار ما يفتح الله على قلبه. وكلام الله غير مخلوق، ولا يبلغ إلى نهاية فهمه فهوم محدثة مخلوقة. ثم إن هذا الكتاب عجالة الوقت وقبسة العجلان، وتذكرة يستصحبها المرء حيثما حل وارتحل، وإن أُنسئ الأجل وأُرخي الطِّوَل (٤)، وأنظرني الليل والنهار، حتى يتلفع بالمشيب العذار (٥)، أردفته بكتاب (أنضجه) (٦) بنار الروية، وأردده

стр. 421

على راووق (١) الفكرة، وأضمنه عجائب ما كتبته ولطائف ما جمعته (٢). وعلى الله (٣) المعول في تيسير ما رمت، وله الحمد كلما قعدت أو قمت. [والله الموفق للصواب] (٤). * * *

стр. 422

سورة الفاتحة

стр. 423

فاتحة الكتاب قوله (١): ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اختلفت عبارة النحويين في تسمية هذِه الباء الجارة، فسموها مرة: حرف إلصاق، ومرة: حرف استعانة، ومرة: حرف إضافة، وكل هذا صحيح من قولهم (٢). أما الإلصاق: فنحو قولك: تمسكت بزيد، وذلك أنك ألصقت محل قدرتك به، وبما اتصل به، فقد صح إذن معنى الإلصاق (٣). وأما الاستعانة: فقولك: ضربت بالسيف، وكتبت بالقلم، وبريت بالمدية، أي: استعنت بهذِه الأدوات على هذِه الأفعال. وأما الإضافة: فقولك: مررت بزيد، أضفت مرورك إلى زيد بالباء (٤). وأما قول النحويين (٥): (الباء والكاف واللام الزوائد) فإنما قالوا فيهن:

стр. 424

إنهن زوائد، لأنهن لما كن على حرف واحد، وقللن غاية القلة، واختلطن بما بعدهن خشي عليهن لقلتهن وامتزاجهن بما يدخلن عليه أن يظن بهن أنهن بعضه وأحد أجزائه، فوسموهن بالزيادة، ليعلموا (١) من حالهن أنهن لسن من أنفس ما وصلن به. ألا ترى أن (اليوم تنساه) لا باء فيه، ولا كاف (٢). وحذاق النحويين لا يسمونها زوائد، بل يقولون في الباء واللام: إنهما حرفا إضافة (٣)، وفي الكاف يقولون: حرف جر (٤). وهذِه حروف أدوات عاملة (٥)، تجر ما تدخل عليه من الأسماء نحو: من وعن وفي (٦).

стр. 425

وإنما جرت (١) الأسماء من قبل أن الأفعال التي قبلها ضعفت عن وصولها وإفضائها إلى الأسماء التي بعدها نحو قولك: (عجبت، ومررت، وذهبت) لو قلت: عجبت زيدًا، ومررت جعفرًا، وذهبت محمدًا، لم يجز كما بجوز ضربت زيدًا؛ لضعف هذِه الأفعال في العرف (٢) والعادة (٣) والاستعمال، فلما قصرت هذِه الأفعال عن الوصول إلى الأسماء رفدت بحرف الإضافة، فجعلت موصلة (٤) لها إليها، فقالوا: عجبت من زيد، ونظرت إلى محمد (٥)، فلما احتاجت هذِه الأفعال إلى هذِه الحروف لتوصلها إلى بعض الأسماء جعلت تلك الحروف جارة، وأعملت هي في الأسماء (٦). ولم يفض إلى الأسماء النصب الذي يأتي من الأفعال؛ لأنهم أرادوا أن يجعلوا بين الفعل الواصل بنفسه وبين الفعل الواصل بغيره فرقًا، ولما هجروا لفظ النصب لما ذكرنا، لم يبق إلى الرفع والجر. فأما الرفع فقد استولى عليه
следующие страницы →