стр. 421
← Тафсир следующие страницы →
Тафсир · id 13231
التفسير البسيط
الواحدي
Полный текст (13 359 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 422
سورة الفاتحة
стр. 423
فاتحة الكتاب
قوله (١): ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اختلفت عبارة النحويين في تسمية هذِه الباء الجارة، فسموها مرة: حرف إلصاق، ومرة: حرف استعانة، ومرة: حرف إضافة، وكل هذا صحيح من قولهم (٢).
أما الإلصاق: فنحو قولك: تمسكت بزيد، وذلك أنك ألصقت محل قدرتك به، وبما اتصل به، فقد صح إذن معنى الإلصاق (٣).
وأما الاستعانة: فقولك: ضربت بالسيف، وكتبت بالقلم، وبريت بالمدية، أي: استعنت بهذِه الأدوات على هذِه الأفعال.
وأما الإضافة: فقولك: مررت بزيد، أضفت مرورك إلى زيد بالباء (٤).
وأما قول النحويين (٥): (الباء والكاف واللام الزوائد) فإنما قالوا فيهن:
стр. 424
إنهن زوائد، لأنهن لما كن على حرف واحد، وقللن غاية القلة، واختلطن بما بعدهن خشي عليهن لقلتهن وامتزاجهن بما يدخلن عليه أن يظن بهن أنهن بعضه وأحد أجزائه، فوسموهن بالزيادة، ليعلموا (١) من حالهن أنهن لسن من أنفس ما وصلن به.
ألا ترى أن (اليوم تنساه) لا باء فيه، ولا كاف (٢).
وحذاق النحويين لا يسمونها زوائد، بل يقولون في الباء واللام: إنهما حرفا إضافة (٣)، وفي الكاف يقولون: حرف جر (٤).
وهذِه حروف أدوات عاملة (٥)، تجر ما تدخل عليه من الأسماء نحو: من وعن وفي (٦).
стр. 425
وإنما جرت (١) الأسماء من قبل أن الأفعال التي قبلها ضعفت عن وصولها وإفضائها إلى الأسماء التي بعدها نحو قولك: (عجبت، ومررت، وذهبت) لو قلت: عجبت زيدًا، ومررت جعفرًا، وذهبت محمدًا، لم يجز كما بجوز ضربت زيدًا؛ لضعف هذِه الأفعال في العرف (٢) والعادة (٣) والاستعمال، فلما قصرت هذِه الأفعال عن الوصول إلى الأسماء رفدت بحرف الإضافة، فجعلت موصلة (٤) لها إليها، فقالوا: عجبت من زيد، ونظرت إلى محمد (٥)، فلما احتاجت هذِه الأفعال إلى هذِه الحروف لتوصلها إلى بعض الأسماء جعلت تلك الحروف جارة، وأعملت هي في الأسماء (٦). ولم يفض إلى الأسماء النصب الذي يأتي من الأفعال؛ لأنهم أرادوا أن يجعلوا بين الفعل الواصل بنفسه وبين الفعل الواصل بغيره فرقًا، ولما هجروا لفظ النصب لما ذكرنا، لم يبق إلى الرفع والجر. فأما الرفع فقد استولى عليه
стр. 426
стр. 427
عطف الحديد على موضع بالجبال (١)، ولهذا قال سيبويه: (إنك إذا قلت: مررت بزيد [فكأنك قلت: مررت زيدا) (٢)، تريد (٣) بذلك أنه لولا الباء الجارة لانتصب زيد، وعلى ذلك أجازوا مررت بزيد] (٤) الظريفَ، تنصبه على موضع (بزيد) (٥).
(وجميع (٦) الحروف المفردة التي تقع في أوائل الكلم حكمها الفتح أبدًا. نحو (واو) العطف و (فائه) و (همزة) الاستفهام و (لام) الابتداء.
فأما (الباء) في (بزيد) فإنما كسرت لمضارعتها (اللام) الجارة (٧) في قولك: (المال لزيد) وسنذكر العلة في كسر اللام في قوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] إن شاء الله (٨) ووجه المضارعة بينهما اجتماعهما في الجر ولزوم كل واحد منهما الحرفية (٩)، وليست كذلك (كاف التشبيه)؛ لأنها قد تكون
стр. 428
اسما في بعض المواضع).
فأما المتعلق به (الباء) في قوله ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ فإنه محذوف، ويستغنى عن إظهارها لدلالة الحال عليه، وهو معنى الابتداء، كأنه قيل (بدأت بسم الله) (١) (وأبدأ بسم الله) والحال تبين أنك مبتدئ فاستغنيت عن ذكره (٢).
وحذفت الألف من بسم الله؛ لأنها وقعت (٣) في موضع معروف، لا يجهل القارئ معناها، فاستخف طرحها؛ لأن من شأن العرب الإيجاز إذا عرف المعنى، وأثبتت في قوله ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤، ٩٦، الحاقة: ٥٢] لأن هذا لا يكثر كثرة (بسم الله) ألا ترى أنك تقول: (بسم الله) عند ابتداء كل شيء (٤).
ولا تحذف الألف إذا أضيف (الاسم) إلى غير (٥) الله، ولا مع غير الباء من الحروف، فتقول: لاسم الله حلاوة في القلوب، وليس اسم كاسم الله، فتثبت الألف مع اللام والكاف (٦). هذا في سقوطها في الكتابة، وأما سقوطها
стр. 429
في اللفظ، فلأنها (١) للوصل، وقد استغنى عنها بالباء (٢).
فأما معنى: (الاسم) واشتقاقه ومأخذه من اللغة، فقد كثر فيها الاختلاف، فقال (٣) نحويو (٤) الكوفة: (الاسم) مشتق من السمة، وهي العلامة، كالعدة والزنة من (الوزن) و (الوعد)، كذلك (السمة) من (الوسم) (٥)، ومن هذا قال أبو العباس (ثعلب): الاسم وسم وسمة توضع على الشيء يعرف به (٦).
وقال مشيخة البصرة: (الاسم) مشتق من السمو، لأنه يعلو المسمى، فالاسم: ما علا وظهر (٧)، فصار علما للدلالة على ما تحته من المعنى (٨). وقال بعضهم: العلة في اشتقاقه من السمو أن الكلام ثلاثة: اسم
стр. 430
وفعل وحرف، فالاسم يصح أن يكون خبرا ويخبر عنه، والفعل يكون خبرا ولا يخبر عنه، والحرف لا يكون خبرا ولا يخبر عنه، فلما كان للاسم مزية على النوعين الآخرين وجب أن يشتق مما (١) ينبئ عن هذِه المزية، فاشتق من السمو ليدل على علوه وارتفاعه (٢).
وعند المتكلمين أنه اشتق من السمو؛ لأنه سما عن حد العدم إلى الوجود (٣). وقالوا: أصله سِمْو (٤)، وجمعه (أسماء) مثل قنو وأقناء (٥) وحنو وأحناء فحذفت الواو استثقالًا (٦) (٧)، ولم تحذف من نظائره؛ لأنها لم تكثر (٨) كثرته، ثم سكنوا السين استخفافًا لكثرة ما تجري على لسانهم، واجتلبت ألف الوصل ليمكن الابتداء به، وكان هذا أخف عليهم من ترك الحرف متحركا، لأن الألف تسقط في الإدراج، وكان إثبات الحرف الذي يسقط كثيرا أخف من حركة السين التي (٩) تلزم أبدا (١٠).
стр. 431
стр. 432
أحدهما: أنه بمعنى التسمية (١)، وعلى هذا قول القائل: بسم الله: أي: بتسمية الله أفتتح تيمنا وتبركا.
والثاني وهو الصحيح: أن الاسم هو المسمى (٢) كقوله (٣) تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] فلو كان الاسم غير المسمى وجب أن يكون المأمور بطاعته غير الله وغير الرسول، وإذا قال القائل: رأيت زيدا، وجب أن يكون لم ير شخص زيد.
وسئل أحمد بن يحيى (٤) عن الاسم أهو المسمى أو غيره؟ فقال: قال أبو عبيدة: الاسم هو المسمى (٥)، وقال سيبويه: الاسم غير المسمى. قيل
стр. 433
له: فما قولك؟ فقال: ليس لي فيه قول (١).
وإذا كان الاسم هو المسمى فمعنى قول القائل: (بسم الله) أي بالله، ومعناه بالله أفعل، أي بتوفيقه، أو بالله تكونت الموجودات، أو ما أشبه هذا من الإضمار (٢).
وأدخل الاسم ليكون فرقا بين اليمين والتيمن (٣).
وأكثر ما يستعمل الاسم يستعمل بمعنى التسمية (٤)، وإذا استعمل بمعنى التسمية فهو كلمة تدل على المعنى دلالة الإشارة دون دلالة الإفادة (٥)، وذلك أنك إذا قلت: زيد (٦)، فكأنك قلت: هذا، وإذا قلت: الرجل، فكأنك قلت: ذاك.
ودلالة الإفادة هو ما أفاد السامع معنى، كقولك: قام وذهب (٧)، ووزن (الاسم) يصلح أن يكون (فِعْل)، ويصلح فيه (فُعْل) (٨) لأنهم أنشدوا:
стр. 434
стр. 435
لا على التخفيف القياسي في مثل قولك: (الخب) (١) في (الخبء)، و (ضو) في (ضَوْء)، لأنه لو كان كذلك (٢) لما لزم أن يكون منها عوض؛ لأنها إذا حذفت على حد التخفيف كانت ملقاةً في اللفظ مبقاةً في النية، ومعاملةً معاملة المثبتة غير المحذوفة، يدلك على ذلك تركهم (الياء) مصححة في قولهم (جَيْأَل) (٣) إذا خففوا قالوا: جَيَل، ولو كانت محذوفة في التقدير كما أنها محذوفة في اللفظ للزم قلب (الياء) (ألفا) ولما كانت (الياء) في نية السكون (٤) لم تقلب.
ويدل عليه (٥) أيضًا تثبيتهم (٦) (للواو) في (نُوْي) إذا خفف (نُؤي) (٧)، ولولا نية الهمزة لقلبت (ياء) وأدغمت (٨) كما فعل في (مَرْمِيٍّ) وبابه (٩).
وفي تعويضهم من همزة (إلاه) ما يدل على أن حذفها ليس على حد
стр. 436
القياس (١)، وذلك العوض هو (الألف واللام)، والدلالة على أنها عوض استجازتهم قطع الهمزة الموصولة الداخلة على (لام التعريف) في (القسم (٢) و (النداء) مثل: أَفَأَللهِ لَتَفْعَلَنَّ، ويا أَللهُ اغفر لي (٣).
فلو كانت غير عوض لم تثبت كما لم تثبت في غير هذا الاسم، ولما اختص هذا الاسم بقطع الهمزة فيه عَلِمنا أن ذلك لمعنى ليس في غيره، وهو كونها عوضا من المحذوف الذي هو (الفاء).
ألا ترى أنك إذا أثبت الهمزة في (الإله) لم تكن (الألف واللام) فيه على حدهما في قولنا: (الله) لأن قطع همزة الوصل لا يجوز في (الإله)، كما جاز في قولنا: (الله) لأنهما ليسا بعوض من شيء (٤).
القول الثاني: في أصل هذِه الكلمة: أن أصله (لَاهٌ) ووزنه على هذا (فَعْلٌ) (٥) (اللام) فاء الفعل، و (الألف) منقلبة عن الحرف الذي هو العين، و (الهاء) لام، والذي دلّه (٦) على ذلك قول بعضهم: (لَهْيَ أبوك) بمعنى: لله أبوك، قال سيبويه: فقلب العين وجعل اللام ساكنة، وهو (الهاء) (٧) إذا صارت
стр. 437
مكان العين، كما كانت العين ساكنة في (لاه) (١)، وترك آخر الاسم مفتوحًا كما تركوا آخر (أين) مفتوحًا (٢)، وإنما فعلوا ذلك به حيث غيروه لكثرته في كلامهم، فغيروا إعرابه كما غيروه (٣).
فالألف -على هذا القول- في الاسم منقلبة عن (الياء) لظهورها في موضع (اللام) المقلوبة إلى موضع (العين) وهي في (٤) القول الأول زائدة لفعال غير منقلبة عن شيء. واللفظتان على هذا مختلفتان، وان كان في كل واحدة منهما بعض حروف الأخرى (٥).
وحكى أبو بكر محمد بن السري (٦) أن أبا العباس محمد بن يزيد، اختار القول الثاني (٧) من القولين اللذين ذكرهما سيبويه.
وأما اشتقاق هذا الاسم من اللغة فذهبت طائفة منهم الخليل (٨)، وابن
стр. 438
كيسان (١) وأبو بكر القفال (٢)، والحسين (٣) بن الفضل (٤) إلى أنه ليس بمشتق، وأنه اسم تفرد به الباري ، يجري في وصفه مجرى الأسماء الأعلام، لا يشركه فيه أحد، قال الله : ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] (٥) وأما الذين قالوا: إنه مشتق فاختلفوا، فذهب عُظْمُ أهل اللغة إلى أن معناه المستحق للعبادة، وذو العبادة الذي إليه تُوَجَّه، وبها يُقْصَد (٦).
ورُويَ عن ابن عباس أنه كان يقرأ (ويذرك وإِلاهَتَك) [الأعراف: ١٢٧]
стр. 439
стр. 440
تَرَوَّحْنَا مِنَ اللعْبَاءِ أَرْضًا ... وأَعْجَلْنَا الإلاَهَةَ أَنْ تَؤُوبَا (١)
وإنما سموها الإلاَهَة على نحو تعظيمهم لها وعبادتهم إياها كفرا.
وعلى ذلك نهاهم الله وأمرهم بالتوجه في العبادة إليه في قوله جل وعلا: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ﴾ [فصلت: ٣٧] [فصلت: ٣٧] الآية (٢)، وكذلك أيضًا كانوا يدعون معبوداتهم من الأصنام والأوثان (آلهة)، وهي جمع (إلاه) (٣) كإزار وآزرة، وإناء وآنية.
قال الله تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] وهي أصنام كان يعبدها (٤) قوم فرعون معه (٥)، وعلى هذا قال قائلهم:
كَحَلْفَةٍ مِنْ أَبِي رِيَاحٍ ... يَسْمَعُهَا لاَهُهُ (٦) الكُبارُ (٧)
стр. 441
يريد: الصنم، وهذا البيت حجة للقول الثاني (١) من قول سيبويه.
قالوا: وهو (٢) اسم حدث، ثم جرى صفة للقديم سبحانه، ونظير هذا قولنا: (السلام)، والسلام من سَلَّم كالكلامِ من كَلَّم، والمعنى ذو السلام، أي: يُسَلم من عذابه من يشاء من عباده، كما أن المعنى في الأول أن العبادة تجب له (٣)، فهذا وجه، وهو طريقة أهل اللغة (٤).
وأخبرني أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله العروضي ﵀ قال: أبنا (٥) أبو منصور أحمد بن محمد الأزهري (٦)، أبنا (٧) أبو الفضل المنذري (٨)، قال: سألت أبا الهيثم خالد بن يزيد الرازي، عن اشتقاق اسم (الله) في اللغة، فقال (الله) أصله (إلاه)، قال الله جل ذكره: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: ٩١] ولا يكون إلهًا حتى يكون معبودًا، وحتى يكون لعابده (٩) خالقًا، ورازقًا، ومدبرًا، وعليه مقتدرًا، فمن لم يكن كذلك فليس بإله، وإن عَبِدَ ظلما، بل هو مخلوق (١٠) ومتعبد،
стр. 442
قال: وأصل (إلاه) (ولاه) فقلبت الواو همزة، كما قالوا: للوشاح: إشاح، ولِلْوِجَاح: إِجَاح (١)، ومعنى وِلاه: أن الخلق يَوْلَهون إليه في حوائجهم، ويضرعون إليه فيما ينوبهم، ويفزعون إليه في كل ما يصيبهم كما يَوْلَه كل طفل إلى أمه (٢).
وحكي عن أبي عمرو بن العلاء أنه مشتق من أَلِهْت في الشيء آلَهُ إلها إذا تحيرت فيه (٣).
وتسمى المفازة ميلها.
وقال الأعشى (٤):
وَبَهْمَاءَ تِيهٍ تَأْلهَ العَيْنُ وَسْطَهَا ... وَتَلْقَى بِهَا بَيْضَ النَّعَام تَرَائِكَا (٥)
стр. 443
ومعناه: أن العقول تتحير في كنه صفته وعظمته (١).
وعند متكلمي أصحابنا (٢): أن الإله من الإلَهية، والإلَهِية القدرة على اختراع الأعيان (٣).
وقد أشار أبو الهيثم إلى هذا فيما ذكر، قالوا: وانما سَمَّت العرب معبوداتهم آلهة (٤)؛ لأنهم اعتقدوا فيها صفة التعظيم، واستحقاق هذا الاسم فأصابوا في الجملة، وأخطؤوا في التعيين.
والإمالة في اسم الله تعالى جائزة في قياس العرب (٥)، والدليل على
стр. 444
جوازها أن هذِه (الألف) لا تخلو من أن تكون زائدة لفِعَال كالتي (١) في (إزار) و (عِمَاد)، أو تكون عين الفعل.
فإن كانت زائدة جازت فيها الإمالة من وجهين:
أحدهما: أن الهمزة المحذوفة كانت مكسورة، وكسرها يوجب الإمالة في الألف، كما أن الكسرة في (عماد) توجب إمالة ألفه.
فإن قلت: كيف تمال الألف من أجل الكسرة في الهمزة وهي محذوفة؟ فالقول فيها إنها وإن كانت محذوفة، موجبة للإمالة (٢)، كما كانت توجبها قبل الحذف؛ لأنها -وإن كانت محذوفة- فهي من الكلمة، ونظير ذلك ما حكاه سيبويه من أن بعضهم يميل الألف في: مَادٍّ (٣) وَشَاذٍّ، للكسرة المنوية (٤) في عين الفعل عند ترك الإدغام، وإن لم يكن في لفظ الكلمة كسرة (٥)، كذلك الألف في اسم الله، تجوز إمالتها وإن لم تكن الكسرة ملفوظا بها.
والوجه الثاني: (لام) (٦) الفعل منجرة، فتجوز الإمالة لانجرارها. وإن كانت الألف عينا ليست (٧) بزائدة جازت إمالتها، وحسنت فيها إذ كان
стр. 445
انقلابها عن الياء (١) بدلالة قولهم: (لَهْيَ أبوك (٢)) وظهور الياء لما قلبت إلى موضع السلام (٣).
وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. معنى الرحمة في صفة الله تعالى: إرادته الخير والنعمة بأهله، وهي صفة ذات، وفي صفة أحدنا تكون رقة قلب وشفقة (٤).
قال أبو بكر محمد بن القاسم بن (٥) بشار: سألت أبا العباس (٦) لم جمع بين الرحمن والرحيم؟ فقال: لأن الرحمن عبراني فأتى معه الرحيم العربي، واحتج بقول جرير (٧):
стр. 446
أو تَتْرُكُونَ إِلَى القَسَّيْنِ (١) هِجْرَتَكُم ... وَمَسْحَهُمْ صُلْبَهُمْ رَحَمَانَ قُرْبَانَا (٢)
فأنكر عليه بعض الناس (٣)، وقال: لم تزل العرب تعرف الرحمن وتذكره في أشعارها، واحتج بقول الشاعر:
أَلاَ ضَرَبَت تِلْكَ الفَتَاة (٤) هَجِيَنَهَا ... أَلاَ قَضَبَ الرَّحْمَنُ رَبِّي يَميِنَهَا (٥)
فقال (٦): إن جمهور العرب كانوا لا يعرفون "الرحمن" في الجاهلية،
стр. 447
الدليل على هذا أنهم لما سمعوا النبي ﷺ يذكره قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رجلًا باليمامة (١)، وذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] وإنما يذكر بعض الشعراء الرحمن في الجاهلية، إذ (٢) لقنه (٣) من أهل الكتاب، أو أخذه عن بعض من قرأ الكتب كأمية بن أبي الصلت (٤) وزيد بن (٥) عمرو، وورقة بن نوفل (٦)، ولا تجعل هذا حجة على ما عليه أكثرهم.
ومراد أبي العباس أن الرحمن يتكلم به بالعبرانية (٧)، وتتكلم به العرب، فلما لم يخلص في كلامهم، ولم ينفردوا به دون غيرهم، أتى (٨) بعده بالرحيم
стр. 448
الذي لا يكون إلى عربيا، ولا يلتبس بلغة غيرهم (١).
والصحيح أنه مشتق من الرحمة، وأنه اسم عربي لوجود هذا البناء في كلامهم، كاللهفان والندمان والغضبان (٢). قال الليث: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان، اشتقاقهما (٣) من الرحمة (٤).
وقال أبو عبيدة: هما صفتان لله تعالى، معناهما ذو الرحمة (٥). وأما ما احتج به أبو العباس من قوله: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] فهو سؤال عن الصفة، ولذلك قالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾، ولم يقولوا: ومن، والقوم جهلوا
стр. 449
صفته، والاسم كان معلوما لهم في الجملة (١). وقيل: هذا على جهة ترك التعظيم منهم. واختلفوا في أن أي الاسمين من هذين أشد مبالغة، فقال قوم: الرحمن أشد مبالغة من الرحيم، كالعلام من العليم، ولهذا قيل: رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، لأن رحمته في الدنيا عمت المؤمن والكافر والبر والفاجر، ورحمته في الآخرة اختصت بالمؤمنين (٢).
فإن قيل: على هذا كان الرحمن أشد مبالغة، فلم بدئ بذكره (٣)؟ وإنما يبدأ في نحو هذا بالأقل ثم يتبع (٤) الأكثر كقولهم: (فلان جواد يعطي العشرات والمئين (٥) والألوف).
والجواب: أنه بدئ (٦) بذكر الرحمن، لأنه صار كالعلم، إذ كان لا يوصف به (٧) إلا الله ، وحكم الأعلام وما كان من الأسماء أعرف أن يبدأ به، ثم يتبع (٨) الأنكر، وما كان في التعريف أنقص. هذا مذهب سيبويه وغيره من النحويين، فجاء هذا على منهاج كلام العرب (٩).
стр. 450
стр. 451
стр. 452
قال الحسين (١) بن الفضل: غلط الراوي؛ لأن الرقة في صفة الباري لا تصح. وإنما هما أسمان رفيقان أحدهما أرفق من الآخر (٢). يدل على هذا ما روي في الخبر: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي (٣) على الرفق مالا يعطي على العنف" (٤)، وسمعت من يقول (٥): معنى قول ابن عباس (اسمان رقيقان) أي يدلان فينا على الرقة.
وقال بعضهم: الرحمن خاص اللفظ عام المعنى، والرحيم عام اللفظ خاص المعنى (٦).
стр. 453
تفسير الفاتحة
٢ - قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. قال ابن عباس: يعني الشكر لله، وهو أن صنع إلى خلقه فحمدوه (١).
وقال الأخفش: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الشكر لله (٢)، قال: والحمد (٣) -أيضًا- الثناء، [وكأن (٤) الشكر لا يكون إلى ثناء ليد أوليتها (٥)، والحمد قد يكون شكرا للصنيعة، ويكون ابتداء الثناء (٦) على الرجل، فحمد الله الثناء] (٧)
стр. 454
عليه والشكر لنعمه (١).
وقال أبو بكر (٢): قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يحتمل أن يكون هذا إخبارًا أخبر الله تعالى به، والفائدة فيه أنه يبين (٣) أن حقيقة الحمد له، وتحصيل كل الحمد له (٤) لا لغيره، وذلك أنا (٥) نرى بني الدنيا ينعم (٦) بعضهم على بعض، فيحمده على إنعامه، فيكون حقيقة الحمد في ذلك لله، إذ هو الذي أنعم على الذي أنعم بما أنعم به، ورزقه إياه، وهو الذي وفق المعطي للعطية، وأجراها على يديه، فكان حقيقة الإنعام من الله تعالى، ومكافأة المنعَم عليه بالشكر (٧) والحمد راجعة إليه جل اسمه (٨).
وعلى هذا فقد حُكِي أن ابن التوءم (٩) كان يقول: إنما يجب أن يشكر
стр. 455
من إن جاد عليك فلك جاد، وإن (١) نفعك فنفعك أراد، من غير أن يرجع إليه من جوده بشيء (٢) من المنافع على جهة من الجهات، وهو الله (٣) وحده لا شريك له. ألا (٤) ترى أن عطية الرجل لصاحبه لا تخلو من أن تكون لله أو لغيره فإن كانت (٥) لله فثوابها على الله، فلا (٦) معنى للشكر، وإن كانت (٧) لغير الله فلا تخلو من أن تكون لطلب المجازاة، أو حب المكافأة، وهذِه تجارة معروفة، والتاجر لا يشكر على تجارته، وجر المنفعة إلى نفسه، وإما أن تكون لخوف يده أو لسانه، أو رجاء نصرته أو (٨) معونته، ولا معنى لشكر من هذِه إحدى أحواله، وإما أن تكون (٩) للرقة والرحمة، ولما يجد في قلبه من الألم، ومن جاد على هذا (١٠) السبيل، فإنما داوى نفسه من دائها، وخفف عنها ثقل برحائها (١١).
فأما من مدحه بشار (١٢) بن برد بقوله:
стр. 456
لَيْسَ (١) يُعْطِيكَ لِلرَّجَاء ولِلْخَوْ ... فِ ولكن يَلَذُّ طَعْمَ العَطَاءِ (٢)
فأي معنى لشكر (٣) من يعطي لاجتلاب لذته، ويجيب (٤) داعي رأفته.
قال أبو بكر: ويحتمل أن يكون هذا ثناء أثنى به على نفسه، علم عباده في أول كتابه ثناء (٥) عليه، وشكرا (٦) له، يكتسبون بقوله وتلاوته أكمل الثواب وأعظم الأجر، لطفا بهم، وحسن نظر لهم، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي قولوا: يا معشر الناس ما إذا قلتموه علت منزلتكم [وارتفعت درجتكم بقوله] (٧) عند ربكم، فيضمر القول هاهنا كما أضمر في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] معناه يقولون: ما نعبدهم (٨).
ثم إذا قال القائل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فقد (٩) أثنى على الله تعالى، فيكون
стр. 457
بذلك متعرضًا لثواب الله، ومن أثنى على واحد فقد تعرض لإحسانه وثوابه.
يدل على صحة هذا أن بعض العلماء، سئل عن تفسير الحديث المروي: "أفضل الدعاء سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلى الله، والله أكبر" (١) فقيل له: ما في هذا من (٢) الدعاء؟ وإنما الدعاء: (اللهم اغفر لنا، وافعل بنا). فقال للسائل: أما سمعت قول أمية بن أبي الصلت لعبد الله بن (٣) جدعان:
كَرِيمٌ لاَ يُغَيِّرُهُ صبَاحٌ ... عَنِ الخُلُقِ الجَمِيلِ وَلاَ مَسَاءُ
إِذاَ أَثْنى عَلَيْهِ المَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ (٤)
стр. 458
فهذا مخلوق اجتزأ من مسألة مخلوق مثله بالثناء عليه، فكيف يحتاج العبد مع ثنائه على ربه أن يسمي له حوائجه؟.
قال (١): وإنما اختير (الحمد) على الشكر للمبالغة والعموم، وذلك أن الشكر لا يكون إلى مكافأة لنعمة سبقت إليك وأيضًا، فإنه لا يشكر أحد على ما فيه من الأوصاف الجميلة، وليس كذلك الحمد، فإنه يقع ابتداء قبل الصنيعة، ويقع على الأوصاف المحمودة فهو أبلغ وأعم وأجمع (٢).
قال الشاعر:
يَا أَيُّهَا المَائِحُ دَلْوى دُونكا ... إِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ يَحْمَدُونكا (٣)
стр. 459
стр. 460
عن مَعْمر (١)، عن قتادة، عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: (الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبدًا لا يحمده) (٢).
قال أحمد (٣) على إثر هذا الحديث: الحمد نوع والشكر جنس (٤)، وكل حمد شكر (٥)، وليس كل شكر حمدا.
وهو على ثلاث منازل: شكر القلب، وهو الاعتقاد بأن الله ولي النعم، قال الله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، وشكر اللسان وهو إظهار النعمة بالذكر لها، والثناء على مسديها، قال الله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] وهو رأس الشكر المذكور في الحديث. وشكر العمل، وهو (٦) إدآب النفس بالطاعة.