← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

عليه القتل والصلب قتل قبل صلبه كراهية تعذيبه، ويصلب ثلاثًا ثم ينزل (١). قال أبو عبيد: سألت محمد بن الحسن (٢) عن قوله: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ فقال: هو أن يصلب حيًا ثم يطعن بالرماح حتى يقتل، وهو رأي أبي حنيفة. فقيل: هذا مُثلة. قال: المُثلةَ يراد به (٣). قال أبو عبيد: والذي أختار أن يكون الصلب بعد القتل؛ لأن رسول الله ﷺ نهى عن المثلة (٤). قال الشافعي: ومن وجب عليه القتل دون الصلب: قتل ودفع إلى أهله يدفنونه، ومن وجب عليه القطع دون القتل: قطعت يده اليمنى ثم حسمت (٥)، ثم رجله اليسرى ثم حسمت في مكان واحد، ثم خُلّي، وذلك

стр. 3992

معني قوله: ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ (١). واختلفوا: في معنى النفي في قوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، فقال ابن عباس: هو أن يُهْدِر الإِمام دمه فيقول: من لقيه فليقتله (٢). وقال بعضهم: هو أن يقاتَلُوا حيث توجهوا من الأرض، ويُطلبوا في أي أرض كانوا بها حتى تضيق عليهم الدنيا. حكى هذا القول أبو إسحاق (٣) وأبو بكر وابن قتيبة، ثم قال ابن قتيبة: هذا إنما يكون فيمن لم يقدر عليه؛ لأنه لا يجوز أن يظفر الإِمام به فيدع عقوبته ثم يقول: من لقيه فليقتله، أو يجده فيتركه ثم يطلبه في كل أرض (٤). وهو على ما قال. فأما المقبوض عليه ممن حقه النفي فقال ابن عباس في رواية عطاء: ينفوا من الأرض إلى بلاد الكفر (٥). وهذا قول جماعة المفسرين، وهو أنهم قالوا: ينفى من بلدته إلى بلدةٍ أخرى (٦). وقال آخرون: المراد بالنفي في هذه الآية: الحبس والسجن (٧).

стр. 3993

قال ابن الأنباري: وأكثر اللغويين يختارون هذا القول في تفسير الآية، واحتجوا بأن المسجون بمنزلة المخرج من الدنيا إذا كان ممنوعًا من التصرف وَمحولًا بينه وبين أهله وأولي أُنسِه، مع ممارسته صنوف المكاره والأذى في السجن (١). وقال ابن قتيبة: ولا أرى شيئًا من هذه التفاسير أشبه بالنفي في هذا الموضع من الحبس؛ لأنه إذا حُبس ومُنع من التصرف والتقلب في البلاد فقد نفي منها كلها وأُلجئ إلى مكان واحد، وأنشد هو وأبو بكر قول بعض المسجنين (٢): خرجنا من الدنيا ونحنُ من أهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى إذا جاءنا السجَّان يومًا لحاجةٍ ... عَجِبْنا وقلنا جاء هذا من الدنيا (٣) وقال الوليد بن عبيد (٤) يذكر قومًا سجنوا: غابوا عن الأَرْضِ أَنْآى غيبةٍ وهُم ... فيها فلا وَصلَ إلا الكتبُ والرسلُ (٥)

стр. 3994

فصرح بغيبتهم عن الأرض مع كونهم فيها، والمُحدثُون يُحتَجّ بهم في المعاني، ولا يحتج بهم في الألفاظ. قال أبو محمد: وليس نفي الخارب (١) من بلده إلى غيره عقوبةً له، بل هو إهمال وتسليط وبعث على التزيد في العبث والفساد (٢). ومذهب الفقهاء في هذه الآية أيضًا أن المراد بالنفي: الحبس. قال الشافعي: ومن حضر منهم وكثر أو هِيب أو كان رِدءًا (٣) عُزِّر وحبس (٤). وهو مذهب أبي حنيفة أيضًا (٥). قال (٦): ومن قتل وجرح أقص لصاحب الجرح ثم قتل، ولو أخذ المال وجرح أقص صاحب الجرح ثم قطع، لا يمنع حق الله حق الآدميين، ومن عفا عن الجراح كان له، ومن عفا عن النفس لم يحقن بذلك دمه، وعلى الإِمام قتله إذا بلغت جنايته القتل، ولا يقطع منهم إلا من أخذ ربع دينار فصاعدا، قياسًا على السنة في السارق (٧). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ أي: فضيحة وهوان. ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهذا للكفار الذين نزلت في العُرَنِيّين

стр. 3995

فإنهم ارتدوا عن الإسلام (١). وبعض المفسرين يقول: نزلت في قوم هلال بن عويمر الأسلمي، وكانوا مشركين (٢)، وبعضهم يقول نزلت في قوم من أهل الكتاب (٣). ثم بالسنة أجري حكم هذه الآية على المحاربين من المسلمين، فبقي العذاب العظيم في الآخرة للكافرين، والمسلم إذا عوقب بجنايته في الدنيا كانت عقوبته كفارة له. ٣٤ - قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾. قال الزجاج: جائز أن يكون موضع (الذين) رفعًا بالإبتداء، وخبره قوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، والمعنى: لكن التائبون من قبل أن تقدروا عليهم (فالله (٤)) غفور رحيم (لهم (٥)) وجائز ان يكون موضع

стр. 3996

(الذين) نصبًا فيكون المعنى: جزاؤهم الذي وصفنا إلا التائبين (١). قال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾: يريد آمنوا من قبل أن تعاقبوهم ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لمن تاب من الشرك ﴿رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤] به إذا رجع عما يُسخط الله (٢). وهذا قول عُظْم (٣) أهل التفسير، أن المراد بهذا الإستثناء المشرك المحارب، إذا آمن وأصلح قبل القدرة عليه سقط عنه جميع الحدود التي ذكرها الله في هذه الآية، ولا يطالب بشيء مما أصاب لا مال ولا دم (٤). قال أبو إسحاق: جعل التوبة للكفار تدرأ عنهم الحدود التي وجبت عليهم في كفرهم ليكون ذلك أدعى إلى الدخول في الإيمان (٥). هذا حكم المشرك المحارب، وكذلك لو آمن بعد القدرة عليه لم يُطالب أيضًا بشيء بالإجماع (٦). فأما المسلم المحارب إذا تاب واستأمن قبل القدرة عليه فقال السدي: هو كالكافر إذا آمن لا يطالب (٧) بشيء إلا إذا أصيب عنده مال بعينه، فإنه يرد على أهله (٨).

стр. 3997

وهذا مذهب مالك والأوزاعي (١)، غير أن مالكًا قال: يؤخذ بالدم إذا طالب به وليه، فأما ما أصاب من الدماء والأموال ولم يطلبها أولياؤها فلا يتبعه الإِمام بشيء من ذلك (٢)، وبهذا حكم علي ﵁ في حارثة ابن بدر (٣)، وكان قد خرج محاربًا (٤)، وحكم بمثله أيضًا أبو موسى الأشعري في إمرة عثمان (٥).

стр. 3998

وقال الشافعي ﵁: يسقط عنه بتوبته قبل القدرة عليه حد الله، ولا يسقط به حقوق بني آدم ما كان قصاصًا، أو مظلمة في المال (١). وأما إذا تاب بعد القدرة عليه، فظاهر الآية أن التوبة لا تنفعه وتقام الحدود عليه. قال الشافعي: ويحتمل أن يسقط كل حد لله بالتوبة (٢). وإنما قال ذلك لقول رسول الله ﷺ بعد رجم ماعز (٣): "هلا رددتموه إلي لعله يتوب" (٤). ٣٥ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾. معنى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أينما ذكر: اتقوا عقابه بالطاعة؛ لأن أصل الإتقاء في اللغة الحجز بين الشيئين -قد ذكرناه قديمًا- (٥)، يقال: أتقي السيف بالترس، وأتقي الغريم بحقه. وقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. الوسيلة فعيلة من: وسل إليه، إذا تقرب إليه (٦)، قال لبيد:

стр. 3999

بَلَى كُلّ ذي رأيٍ (١) إلى الله وَاسِلُ (٢) ومعنى الوسيلة: الوصلة والقربى (٣). قال ابن عباس: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ يريد بطاعتكم له (٤). وقال قتادة: يقول تقربوا إليه بطاعته (٥). ﴿وَجَاهِدُوا﴾ العدو، ﴿فِي سَبِيلِهِ﴾ في طاعته، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥] كي تسعدوا وتبقوا في الجنة. قاله ابن عباس وغيره (٦). ٣٦ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية. خبر (إن) الجملة المذكورة مع جوابها (٧). وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦].

стр. 4000

يحتمل أن يكون في موضع الحال، ويحتمل أن يكون عطفًا على الخبر (١). ٣٧ - قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ﴾. يحتمل إرادتهم الخروج وجهين: أحدهما: أنهم قصدوا ذلك وطلبوا المخرج، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]. والثاني: أنهم تمنوا ذلك وأرادوه بقلوبهم، كقوله في موضع آخر: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٧] (٢)، ويؤكد هذا الوجه قراءة من قرأ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّار﴾ بضم الياء (٣). ٣٨ - قوله تعالي: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ الآية. اختلف النحويون في وجه رفعها: فقال سيبويه والأخفش وكثير من البصريين: ارتفع (السارقُ والسارقةُ) على معنى: ومما نقُصّ عليك ونوحي إليك السارق والسارقة. قالوا: ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] وقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]. قال سيبويه: والاختيار في هذا النصب في العربية كما تقول: زيدا أضربه. وأبت العامة القراءة إلا بالرفع، وقرأ عيسى بن عمر (٤): ﴿وَالسَّارِقُ

стр. 4001

وَالسَّارِقَةُ﴾ بالنصب، ومثله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] أيضًا (١). فالاختيار عند سيبويه النصب في هذا. قال أبو إسحاق: والجماعة أولى بالاتباع، والدليل على أن القراءة الجيدة بالرفع قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٦] لم يقرأه أحد: واللذين (٢). قال المبرد (٣): وأختار أن يكون ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ رفعًا بالابتداء؛ لأن قصد ليس إلى أحد بعينه، فليس هو مثل قولك: زيدًا أضربه، إنما هو كقولك: من سرق فاقطع يده، ومن زنا فاجلده (٤). وهذا قول الفراء؛ لأنه قال: وإنما يختار العرب الرفع في: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ لأنهما غير مؤقتين، فوجها توجيه الجزاء، كقولك: من سرق فاقطعوا يده، و (من) لا يكون إلا رفعا, ولو أردت سارقًا بعينه وسارقة بعينها كان النصب وجه الكلام (٥). قال الزجاج: وهذا القول هو المختار (٦).

стр. 4002

وقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾. دخلت الفاء في خبر السارق للشرط المنوي؛ لأن المعنى: من سرق فاقطعوا يده (١)، وعلى هذا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، ومثله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢]. والمراد بالأيدي في هذه الآية: الأيمان، قاله الحسن والسدي والشعبي (٢). وكذلك هو في قراءة عبد الله: (فاقطعوا أيمانهما) (٣). وإنما قال: ﴿أَيْدِيَهُمَا﴾ ولم يقل: يديهما؛ لأنه أراد يمينًا من هذا، أو يمينًا من هذه (٤)، فجمع إذ ليس في الجسد إلا يمين واحدة. قال الفراء: وكل شيء موحد من خلق الإنسان إذا ذكر مضافًا إلى اثنين فصاعدًا جمع، فقيل: هُشّمت رؤوسهما، ومُلِئتَ ظهورهما وبطونهما ضربًا، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. قال: وإنما اختير الجمع على التثنية؛ لأن أكثر ما تكون عليه الجوارح اثنين اثنين (٥) في الإنسان، كاليدين والرجلين والعينين، واثنان من اثنين جمع، لذلك (٦) تقول قطعت أرجلهما وفقأت عيونهما، فلما جرى الأكثر

стр. 4003

على هذا ذهب بالواحد إذا أضيف إلى اثنين مذهب الاثنين (١). قال: ويجوز التثنية كقول الهُذَلي (٢): فتخَالَسَا نفسَيهِمَا بنَوافذٍ (٣) لأنه الأصل، ويجوز هذا أيضاً فيما ليس من خلق الإنسان، كقولك للاثنين: خليتما نساءكما، وأنت تريد امرأتين، وخرقتما قمصكما. قال: ويجوز التوحيد أيضاً لو قلت في الكلام: السارق والسارقة فاقطعوا يمينهما، جاز؛ لأن المعنى: اليمين من كل واحد منهما، كما قال الشاعر: كُلُوا في نِصفِ بَطنِكم تَعِيشُوا (٤) ويجوز في الكلام أن تقول: ائتني برأس شاتين، وبرأسي شاة، فمن قال: برأس شاتين، أراد الرأس من كل شاة، ومن قال: برأسي شاة، أراد رأسي هذا الجنس (٥).

стр. 4004

وقال الزجاج: إنما جمع ما كان في الشيء منه واحد عند الإضافة إلى اثنين؛ لأن الإضافة تبين أن المراد بذلك الجمع التثنية لا الجمع، وذلك أنك إذا قلت: أشبعت بطونهما، علم أن للاثنين بطنين فقط، وأصل التثنية الجمع؛ لأنك إذا ثنّيت الواحد فقد جمعت واحداً إلى واحد، (وربما كان لفظ الجمع أخف من لفظ الاثنين، فيختار لفظ الجمع ولا يشتبه ذلك بالتثنية عند الإضافة إلى اثنين (١))؛ لأنك إذا قلت: قلوبهما، فالتثنية في (هما) قد أغنتك عن التثنية في (قلب). قال: وإن ثُنَّي ما كان في الشيء منه واحد فذلك جائز عند جميع النحويين، وأنشد: ظَهْراهُما مِثل ظُهُور التُّرسَينْ (٢) فجاء باللغتين (٣). وهذا كما حكينا عن الفراء في قول الهذلي: فتخالسا نفسيهما (٤). (قال (٥)) وحكى سيبويه أنه قد يجمع المفرد الذي ليس من شيء إذا أردت به التثنية، كقول العرب: وضعا رحالهما، يريد رَحلَي راحلتيهما (٦). وهذا كما حكى الفراء: فرقتما قمصكما.

стр. 4005

قال أبو علي: (..) (١) اليد اليمنى وتركهم لقطع اليد اليسرى في دلالة على أن اليد اليسرى لم ترد بقوله تعالى (٢): ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ألا ترى أنها لو أريدت بذلك لم يكونوا ليدعوا نص القرآن إلى غيره. وهذا يدل على أن جمع اليد في هذه الآية على حد جمع القلب في قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. ودلت قراءة عبد الله على أن المراد بالأيدي الأيمان (٣). فإن قيل: إن قراءة عبد الله لا تُعلم اليوم قراءة، لانقطاع النقل، فلا يلزم به حجة. قيل: قراءته تكون حجة في إيجاب العمل، كما أنه لو روى خبرًا أن المراد بالأيدي التخصيص والقصر على الأيمان وجب المصير إليه، فكذلك إذا رُوي عنه على أنه قرآن وجب قبوله والعمل به، وكان أولى من الخبر الذي يرويه. قال أهل العلم: هذه الآية مجملة في إيجاب القطع على السارق، وتفصيل ذلك مأخوذ من السنة (٤). أما السارق الذي يجب عليه القطع فهو البالغ العاقل (٥) العالم بتحريم السرقة، فأما من كان حديث العهد بالإسلام لا يعلم أن السرقة حرام فلا قطع عليه.

стр. 4006

والمسروق يجب أن تكون قيمته ربع دينار (١)، والاعتبار بالمضروب. فإذا أخرجه من حرز مثله، بعد أن لا يكون له شبهة فيه وجب القطع، والشبهة مثل شبهة المملوك في مال السيد، والولد مع الوالد، والوالد مع الولد، وكذلك شبهة المضطر عند المخمصة، وخوف التلف. ولذلك رفع عمر ﵁ القطع عام الرمادة (٢). هذا جملة مذهب الشافعي ﵁ (٣). وعند أبي حنيفة ﵁ لا يجب القطع فيما دون عشرة دراهم (٤). وعند مالك ﵁ يقطع في ثلاثة دراهم فصاعد (٥). ودليل الشافعي ما روى الزهري عن عمرة (٦)، عن عائشة أن النبي ﷺ :

стр. 4007

كان يقطع في ربع دينار فصاعد (١). وهذا مذهب الأوزاعي وإسحاق (٢). وذهب ابن عباس وابن الزبير إلى ظاهر الآية، فأوجبا القطع في القليل. قال ابن عباس: في دانِق (٣)، وقال ابن الزبير: في دِرهَم (٤). والقطع يكون من المفصل بين الكف والساعد (٥)، وهو الكوع والرُّسغ ويقطع في المرة الأولى يده اليمنى، وفي المرة الثانية رجله اليسرى، وفي المرة الثالثة يده اليسرى، وفي المرة الرابعة رجله اليمنى، ثم يحبس في المرة الخامسة (٦)، والقتل منسوخ (٧).

стр. 4008

وعند أبي حنيفة لا يقطع في الثالثة (١)، وعند الشافعي يغرم قيمة السرقة مع القطع، وعند أبي حنيفة لا غرم مع القطع، ولكن إذا وجد المسروق عنده أخذ وردّ إلى صاحبه (٢). وقوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾. قال الزجاج: نصب؛ لأنه مفعول له (٣). المعنى: فاقطعوهم لجزاء (٤) فعلهم، وكذلك ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾، وإن شئت كانا منصوبين على المصدر الذي دل عليه: ﴿فَاقْطَعُوا﴾ لأن المعنى: ﴿فَاقْطَعُوا﴾ جازوهم ونكلوا بهم (٥). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: (عزيز) في انتقامه، (حكيم) فيما أوجبه من قطع يده (٦). قال الأصمعي: كنت أقرأ سورة المائدة وبجنبي أعرابي فقرأت هذه الآية، فقلت: (نكالًا من الله والله غفور رحيم) سهوًا، فقال الأعرابي: كلام من هذا؟ قلت: كلام الله. قال: أعِد. فأعدت: والله غفور رحيم. فقال: ليس هذا كلام الله. فتنبهت وقرأت: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فقال: أصبت، هذا كلام الله. فقلت له: أتقرأ القرآن؟ قال: لا. قلت: فمن أين علمت أني أخطأت؟ فقال: يا هذا، عزّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما

стр. 4009

قطع (١). ٣٩ - قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ (قال ابن عباس) (٢) يريد إن تاب بنية صادقة، وحرم ما حرم الله، وترك ظلم الناس، فإن الله يتجاوز عنه (٣). والصحيح من مذهب العلماء وأهل التأويل، أن القطع لا يسقط عنه بالتوبة (٤). قال مجاهد: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ تاب الله عليه، والحد كفارة له (٥). وقال الكلبي: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ العمل بعد السرقة والقطع، فإن الله يتجاوز عنه (٦). وروى أن النبي ﷺ أُتِي بسارق سرق شملةً فقال: "اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه (٧)، ثم ائتوني به" ففُعِل، فقال: "ويحك تب إلى الله"، فقال: تبت إلى الله. فقال: "اللهم تب عليه" (٨).

стр. 4010

وقال عامر (١) وعطاء: إذا رد السرقة قبل القدرة عليه سقط عنه القطع، فيتوب الله عليه (٢). ٤٠ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾. قال ابن عباس: يريد على الذنب اليسير ﴿وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الذنب العظيم (٣). وبيان هذا ما قال الضحاك: (يعذب من شاء) على الصغير إذا أقام عليه، (ويغفر لمن يشاء) الكبير إذا نزع عنه (٤). وقال الكلبي: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ من مات على كفره، ﴿وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ من تاب من كفره (٥). وقال السدي: يهدي من يشاء فيغفر له، ويعذب من يشاء، فيميته على كفره (٦).

стр. 4011

والآية بإطلاقها فاضحة للقدرية في التعديل والتجويز، وقولهم بوجوب الرحمة على الله للمطيع، ووجوب العذاب للعاصي، حيث فوض الأمر فيهما إلى المشيئة. ٤١ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ (قال أبو إسحاق: أي لا يحزنك مسارعتهم في الكفر) (١)، إذ كنت موعود النصر عليهم (٢). وقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾. قال ابن عباس: هم المنافقون (٣). وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾. قال ابن عباس: يريد بني قينقاع (٤). وقال مقاتل: يعني: يهود المدينة (٥). وقوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾: لو شئت جعلت تمام الكلام عند قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ ثم ابتدأت فقلت: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾، أي: هم سماعون للكذب أي: المنافقون واليهود سماعون للكذب. وإن شئت كان رفع ﴿سَمَّاعُونَ﴾ على معنى: ومن الذين هادوا

стр. 4012

سماعون، فيكون المعنى: أن السماعين منهم، ويرتفع (منهم) كمال تقول: من قومك عقلاء. والوجهان ذكرهما الفراء (١)، والزجاج (٢)، واختار أبو علي الوجه الثاني، وقال: هو على تقدير: ومن الذين هادوا فريق سماعون للكذب (٣)، وذكر أبو إسحاق في معنى قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ وجهين: أحدهما: وهو قول أهل التفسير (٤) أن معناه: قابلون للكذب، والسمع يستعمل والمراد منه: القبول، كما يقال: لا تسمع من فلان، أي: لا تقبل منه، ومنه: (سمع الله لمن حمده)، وذلك الكذب الذي يقبلونه، وهو ما يقول لهم رؤساؤهم مما كذبوا فيه. والوجه الثاني: وهو اختيار أبي علي (٥): أن معناه: أنهم يسمعون منك ليكذبوا عليك، أي: إنما يجالسونك ويسمعون منك ليكذبوا عليك، ويقولوا إذا خرجوا من عندك: سمعنا منه كذا وكذا, ولم يسمعوا ذلك منك (٦). وهذا قول الحسن (٧) واختيار أبي حاتم، وكان يقول اللام في الكذب لام كي، أي: يسمعون لكي يكذبوا عليك (٨).

стр. 4013

وقوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ قال ابن عباس وجابر وسعيد بن المسيب والسدي وابن زيد: إن رجلاً وامرأة من أشراف أهل خيبر (١) زنيا، وكان حدهما الرجم، فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما، فأرسلوا إلى بني قريظة ليسألوا محمدًا ﷺ عن قضائه في الزانيين إذا أحصنا ما حدهما؟ وقالوا: إن أمرَكم بالجلد فاقبلوا منه، وإن أمركم بالرجم فاحذروه ولا تقبلوا منه، فأقبل نفر من قريظة والنضير إلى رسول الله ﷺ يسألونه, فنزل جبريل بالرجم, فأخبرهم به، فأبوا أن يأخذوا به، فذلك قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ (٢). والمراد بالقوم الآخرين: أهل خيبر. وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾ من صفة قوله: ﴿لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾. قال الزجاج: هم عيون لأولئك الغُيَّب (٣). وقوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾. أي: من بعد أن وضعه الله مواضعه، أي: فرض فروضه، وأحل حلاله وحرم حرامه. قال المفسرون: وذلك أن رسول الله ﷺ لما أفتى بالرجم لم يقبلوا ذلك وأنكروه وأبوا أن يأخذوا به، فقال جبريل للنبي ﷺ : اجعل بينك

стр. 4014

وبينهم ابن صُوريا (١) -وكان أعلمهم بالتوراة- فأُحضِر وأقسم عليه رسول الله ﷺ ، فقال: "أسألك بالذي أنزل التوراة على موسى، هل في التوراة أن يرجم المحصنان إذا زنيا؟ " قال: نعم (٢). وكانت اليهود قد ترخصت في حد الزنا، وجعلت بدل الرجم الجلد والتحميم (٣)، فذلك تحريفهم الكلم عن مواضعه. هذا قول أهل التفسير. وقال أهل المعاني: يعني: تحريف كلام النبي ﷺ بعد سماعهم منه، يحرفونه للكذب عليه (٤). قال أبو علي: قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ من صفة قوله (٥): ﴿سَمَّاعُونَ﴾ (٦) أي فريق سماعون يحرفون الكلم.

стр. 4015

فيكون موضعه رفعًا على قول أهل التفسير، ويجوز على قول أهل المعاني: أن يكون ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ حالًا من الضمير في اسم الفاعل؛ كأنه: سماعون محرفين للكلم، أي: مقدرين تحريفه، يعني: أنهم يسمعون كلام النبي ﷺ ويقدرون مع (١) أنفسهم تحريف ما يسمعون، فيكون كقولهم: معه صقر صائدًا به غدًا، وكقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] (٢). وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾. من باب حذف المضاف؛ لأن التقدير: من بعد وضعه مواضعه، أي: وضع الله، على قول أهل التفسير (٣). وعلى قول أهل المعاني (٤): من بعد وضع النبي كلامه مواضعه. وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾. يقول ذلك يهود خيبر ليهود المدينة: إن أمركم محمد بالجلد فاقبلوه، ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾ يعني: الجلد فاحذروه (٥). قال الزجاج: أي إن أُفتِيتم بهذا الحكم المحرف فخذوه، وإن أفتاكم النبي ﷺ بغير ما حددنا لكم فاحذروا أنه تعملوا به (٦). قال المفسرون: وذلك أنهم كانوا بعثوا الزانيين إلى يهود المدينة ليسألوا النبي ﷺ عن حدهما، وقالوا: إن أفتاكم بالجلد فخذوه (٧) واجلدوا

стр. 4016

الزانيين، وإن أفتاكم بالرجم فلا تعملوا بذلك، ثم لما افتضحوا بقول ابن صوريا، أمر رسول الله ﷺ بالزانيين فرجما عند باب مسجده، وقال: "أنا أول من أحيا أمرك إذ أماتوه" (١). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾. قال ابن عباس ومجاهد: ضلالته (٢). وقال الحسن وقتادة: عذابه (٣). وقال الضحاك: هلاكه (٤). وقال الزجاج: قيل فضيحته، وقيل كفره، قال: ويجوز أن يكون اختباره بما يظهر به أمره (٥). وقوله تعالى: ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. ذكرنا معناه عند قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ﴾ الآية [المائدة: ١٧]. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾. قال ابن عباس: أن يخلص نياتهم (٦). وقال الزجاج: أي أن

стр. 4017

يهديهم (١). قال أهل العلم: قد دلت هذه الآية على أن الله تعالى غير مريد إسلام الكافر، وأنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك، ولو فعل ذلك لآمن. وهذه الآية من أشد الآيات على القدرية (٢). وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾. قالوا: خزي المنافقين هتك سترهم بإطلاع النبي ﷺ على كفرهم وخوفهم القتل، وخزي اليهود فضيحتهم بظهور كذبهم في كتمان الرجم وأخذ الجزية منهم (٣). ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١]. وهو الخلود في النار (٤). ٤٢ - قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ مضى الكلام فيه (٥). وقوله تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾. قال الليث: السحت: كل حرام قبيح الذكر يلزم منه العار (٦). وأجمعوا على أن المراد بالسحت ههنا: الرشوة في الحكم، وقالوا: نزلت الآية في حكام اليهود، كانوا يرتشون ويقضون لمن رشاهم (٧).

стр. 4018

وقال الحسن في هذه الآية: تلك الحكام يسمعون الكذب ممن يكذب في دعواه عندهم، ويأتيهم برشوة فيأخذونها ويأكلونه، فسمعوا كذبه وأكلوا رشوته (١). فأما اشتقاق السُّحت: فقال الزجاج: إن الرِّشَا التي يأخذونها يعاقبهم الله بها أن يسحتهم بعذاب، أي يستأصلهم (٢). وذكر عن الفراء أنه قال: (أصله (٣)) كَلَبُ الجوع، يقال: رجل مسحوتُ المعدة، إذا كان أكولا، لا يُلقى إلا جائعًا أبدًا، قال رؤبة (٤) في قصة يونس ﵇ (٥)) والحوت: يدفع عنه جوفُه المَسْحوتُ (٦) أي: الجائع (٧).

стр. 4019

فالسحت حرام يحمل عليه الشره كشره المسحوت المعدة، وعلى ما قال الليث، إنه حرام يلزم منه العار، يمكن أن يقال: سمي سُحْتا؛ لأنه يسحت مروءة الإنسان. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. هذا تخيير للنبي ﷺ في الحكم بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إليه، إن شاء حكم، وإن شاء ترك (١). واختلفوا في ثبوت هذا التخيير: فقال إبراهيم والشعبي وعطاء وقتادة: إنه ثابت اليوم لحكام المسلمين، إن شاءوا حكموا بينهم بحكم الإسلام، وإن شاءوا أعرضوا (٢). وقال آخرون: إنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. وهو قول الحسن ومجاهد والكلبي وعكرمة والسدي (٣)، ورُوي ذلك عن ابن عباس (٤).

стр. 4020

ومذهب الشافعي أنه يجب على الحاكم منا أن يحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه؛ لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغارًا لهم (١). فأما المُعاهدون الذين لهم مع المسلمين عهد إلى مدة، فليس بواجب على الحاكم أن يحكم بينهم، بل يخير في ذلك، وهذا التخيير الذي في هذه الآية إنما يثبت للحاكم بين المعاهدين (٢). قال الشافعي: لما دخل رسول الله ﷺ المدينة وادع اليهود كافة (٣)، فالتخيير بهذا السبب. فأما إذا قبلوا الجزية ورضوا بجريان أحكامها عليهم، فليس للحاكم أن يُعرض عنهم إذا تحاكموا إليه (٤). قال أبو عبيد: وهذا هو الأولى عندنا؛ لأن في ردهم إلى أحكامهم معونةً على جورهم وأخذهم الرشا في الحكم (٥). ٤٣ - قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ الآية. هذا تعجب من الله تعالى نبيه ﷺ من تحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما في التوراة من حكم الزاني وحده، ثم إعراضهم وتركهم القبول لحكمه وإنكارهم ذلك، فعدلوا عما يعتقدونه حكمًا إلى ما يجحدون أنه من عند الله طلبًا للرخصة، فظهر جهلهم وعنادهم في هذه القصة من وجوه: أحدها:

стр. 4021

عدولهم عن حكم كتابهم، والثاني: رجوعهم إلى حكم من يجحدون أن يكون حكمه من (عند) (١) الله، والثالث: إعراضهم عن حكمه بعدما حكّموه (٢). فبين الله تعالى حالهم في جهلهم وعنادهم؛ لئلا يغتر بهم مغتر أنهم أهل كتاب الله، ومن الحافظين على أمر الله. وهذا قول ابن الأنباري وجماعة من أهل المعاني (٣). وقوله تعالى: ﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: يريد الرجم (٤)، وكذلك قال مقاتل (٥)، والكلبي (٦). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾. مذهب المفسرين أن (ذلك) إشارة إلى حكم الله الذي في التوراة (٧)، ويجوز أن يعود إلى التحكيم (٨).

стр. 4022

وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾. (قال الكلبي: وما أولئك الذين يعرضون عن الرجم بالمؤمنين (١) " (٢). قال أهل المعاني: ويحتمل أن يكون المعنى: وما هم بالمؤمنين بحكمك أنه من عند الله مع جحدهم نبوتك (٣). وفي هذا تجهيل لهم في تحكيم من لم يؤمنوا بحكمه كما بينا. ٤٤ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾. قال ابن عباس: فيها بيان لكل شيء وضياء لكل ما تشابه عليهم (٤). وقال الزجاج: ﴿فِيهَا هُدًى﴾ بيان الحكم الذي جاءوا يستفتون فيه النبي ﷺ ﴿وَنُورٌ﴾ بيان أن أمر النبي ﷺ حق (٥). وقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾. قال ابن عباس: يريد النبيين الذين كانوا بعد موسى، وذلك أن الله بعث في بني إسرائيل ألوفًا من الأنبياء ليس معهم كتاب، إنما بعثهم بإقامة التوراة، أن يحدوا حدودها، ويقوموا بفرائضها، ويحلوا حلالها ويحرموا حرامها (٦). انتهى كلامه. ومعنى قوله: ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ أي: الذين انقادوا لحكم

стр. 4023

التوراة، فإن من الأنبياء من لم تكن شريعته شريعة التوراة (١). وهذا معنى قول مقاتل؛ لأنه قال: يحكم بما في التوراة الأنبياء من لدن موسى إلى عيسى ﵉ (٢). وقال الحسن وقتادة وعكرمة والزهري والسدي: محمد ﷺ داخل في جملة هؤلاء الأنبياء الذين ذكرهم الله؛ لأنه حكم على اليهوديين بالرجم، وكان هذا حكم التوراة (٣). وقال أهل المعاني: فعلى هذا يمكن أن يقال: المراد بقوله: ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ محمد ﷺ ، فذكره بلفظ الجمع (٤)، كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾ الآية [النساء: ٥٤] يعني بالناس محمدًا وحده، وجاز ذلك لأنه اجتمع فيه من الفضل والخصال الحميدة ما يكون في جماعة من الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] على هذا المعنى (٥). وقال ابن الأنباري: هذا رد على اليهود والنصارى في دعواهم؛ لأن بعضهم كانوا يقولون: إن الأنبياء كانوا يهودًا، وبعضهم يقولون: إنهم كانوا نصارى. فقال الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ الذين ليسوا على ما

стр. 4024

تصفونهم به من اليهودية والنصرانية (١). وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾. قال ابن عباس: يريد تابوا، يعني من الكفر (٢). واللام في قوله: ﴿لِلَّذِينَ﴾ من صلة قولهم: ﴿يَحْكُمُ﴾ أي يحكمون بالتوراة لهم وفيما بينهم (٣). قال الزجاج: وجائز أن يكون المعنى على التقديم والتأخير، على معنى: إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون الذين أسلموا والربانيون (٤). ومضى تفسير الربانيين (٥). فأما الأحبار فقال ابن عباس: هم الفقهاء (٦). واختلف أهل اللغة في واحده واشتقاقه، فقال أبو عبيد: بعضهم

стр. 4025

يقول: حَبْر، وبعضهم يقول: حِبْر (١). قال: وقال الفراء: إنما هو حِبْر، يقال ذلك للعالم، وإنما قيل: كعب الحِبر، لمكان هذا الحِبر الذي يُكتب به، وذلك أنه كان صاحب كتب (٢). وقال الأصمعي: لا أدري أهو الحَبْر أو الحِبْر، للرجل العالم (٣). وكان أبو الهيثم يقول: حَبر، بالفتح لا غير (٤). وقال ابن السكيت عن ابن الأعرابي: حَبْر وحِبْر للعالم (٥). وقال الليث: هو حَبْر وحِبْر، للعالم ذميًا كان أو مسلمًا بعد أن يكون من أهل الكتاب (٦). وقال الزجاج: الأحبار هم العلماء الخيّار (٧). وأما اشتقاقه فقال قوم: أصله من التحبير وهو التحسين، فالعالم (٨) يُحَسِّن الحَسَن ويُقَبِّح القبيح (٩). وحاله مع ذلك حسنة، بخلاف حال الجاهل.

стр. 4026

وقال آخرون. هو من الحِبر الذي يكتب به. وهو قول الكسائي وأبي عبيد (١). وقوله تعالى: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: يريد بما استودعوا من كتاب الله (٢). في (ما) يجوز أن يكون من صلة الأحبار (٣)، على معنى العلماء بما استحفظوا، ويجوز أن يكون المعنى: يحكمون بما استحفظوا. وهو قول الزجاج (٤). وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾. قال عطاء عن ابن عباس: وكانوا شهداء على الكتاب أنه من عند الله وحده لا شريك له (٥). ورُوي عن ابن عباس أيضاً: أنهم كانوا شهداء على حكم النبي ﷺ أنه في التوراة (٦). وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾.

стр. 4027

قال الكلبي ومقاتل: فلا تخشوا الناس في إظهار صفة محمد والرجم، واخشوني في كتمان ذلك (١). والخطاب لعلماء اليهود (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي﴾. قال ابن عباس: يريد بأحكامي وفرائضي، ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يريد متاع الدنيا قليل؛ لأنه ينقطع ويذهب (٣). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. اختلفوا (في (٤)) هذا وفي الآيتين اللتين بعد هذه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. فقال جماعة من المفسرين: إن الآيات الثلاثة نزلت في الكفار ومن غير حكم الله من اليهود، وليس في أهل الإسلام منها شيء؛ لأن المسلم وإن ارتكب كبيرة لا يقال: إنه كافر. وهذا قول الضحاك وقتادة وأبي صالح (٥)، ورواية أبي الجوزاء عن ابن عباس (٦).

стр. 4028

ورواه البراء عن النبي ﷺ ، أخبرنا أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم بن يحيى (١)، أخبرنا أبو الهيثم أحمد بن محمد بن غَوث (٢)، حدثنا أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان (٣)، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (٤)، حدثنا أبو معاوية (٥)، عن الأعمش (٦)، عن عبد الله بن مرة (٧)، عن البراء بن عازب

стр. 4029

عن النبي ﷺ أنه رجم يهوديًا ويهودية، ثم قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال: "نزلت كلها في الكفار" رواه مسلم في "الصحيح" (١) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي معاوية. وقال آخرون: ومن لم يحكم بما أنزل الله ردًّا للقرآن، وتكذيبًا للنبي ﷺ ، فقد كفر (٢). قال مجاهد في الآيات الثلاث: من ترك الحكم بما أنزل الله ردًا لكتاب الله، فهو كافر ظالم فاسق (٣). وقال عكرمة: ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا به فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق (٤). وهذا قول ابن عباس في رواية الوالبي (٥)، واختيار أبي إسحاق؛ لأنه قال: من زعم أن حكمًا من أحكام الله التي أتت بها الأنبياء باطل فهو

стр. 4030

كافر (١). قال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون المعنى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلًا يضاهي أفعال الكفار، ويشبه من أجل ذلك الكافرين (٢). وروى معنى هذا عن ابن عباس، قال طاوس: قلت لابن عباس: أكافر من لم يحكم بما أنزل؟ فقال: به كَفَرة (٣)، وليس كمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله (٤). ونحو هذا رُوي عن عطاء في هذه الآية، قال: هو كُفر دون كفر (٥). وقال عبد العزيز بن يحيى الكِنَاني: إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه، فكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق، فأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك، ثم لم يحكم بما أنزل الله من الشرائع، فليس هو من أهل هذه الآية (٦). وقال ابن مسعود والحسن وإبراهيم: هذه الآيات عامة في اليهود وفي هذه الأمة، وكل من ارتشى، وبدل الحكم، فحكم بغير حكم الله، فقد
следующие страницы →