← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

قال الكلبي: ﴿جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ على عهد موس بن عمران، وهم السبعون (الذين) (١) اختارهم موسى من قومه، فانطلقوا معه إلى الجبل (٢). ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة ودابة يُكْتَبُ ملكًا (٣). وقال ابن عباس: جعل لكم الحشم والخدم (٤). وقال مجاهد: كل من لا يُدخل عليه إلا بإذنه فهو ملك (٥) وهو اختيار الزجاج، قال: جعلكم ذوي منازل تأمرون فيها , لا يدخل عليكم فيها داخل إلا بإذن (٦). وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة، فيها مياه جارية، فمن كان مسكنه واسعًا وفيه ماء جار فهو ملك (٧).

стр. 3957

وقال قتادة: كانوا أول من ملك الخدم، وسُخَّر لهم الخدم من بني آدم (١). وقال السدي: يعني: وجعلكم أحرارًا تملكون أنفسكم بعدما كنتم في أيدي القِبْط بمنزلة أهل الجزية فينا (٢). قال الزجاج: ومعناه: جعلتم تملكون أمركم لا يغلبكم عليه غالب (٣). وقوله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠]. قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد ما آتاهم في الدنيا من النعمة والكرامة، حيث فلق لهم البحر، وأغرق عدوهم، ونصرهم على جميع من عاداهم (٤). وقال مجاهد: يعني: المنّ والسلوى والحجر (٥) والغمام (٦). ٢١ - قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ الآية.

стр. 3958

المقدسة معناها في اللغة: المُطهّرة (١)، طهرت تلك الأرض من كثير من الشرك، وجعلت مسكنًا وقرارًا للأنبياء (٢). قال قتادة: هي الشام كلها (٣). ومعنى المقدسة في قول قتادة المباركة (٤)، وبه قال ابن الأعرابي من أهل اللغة (٥). وقال عكرمة والسدي وابن زيد: هي أريحا (٦). الكلبي: دمشق وفلسطين وبعض الأردن (٧). وقوله تعالى: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قال عطاء عن ابن عباس: يريد فرض عليكم دخولها (٨). وبه قال قتادة، قال: أمروا بها كما أمروا بالصلاة (٩). ونحو منه قول السدي: أمركم الله بدخولها (١٠).

стр. 3959

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾. يحتمل تأويلين: أحدهما: لا ترجعوا إلى دينكم الشرك بالله وإلى معصيته (١). وإلى هذا أشار ابن عباس فقال (٢): يريد لا تعصوا ربكم (٣). والثاني: لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها (٤). ٢٢ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾. قال المفسرون: هم العمالقة فرقة من عاد (٥). وللجبار ههنا معنيان: قال الأخفش: أراد الطُّول والقوة والعظم (٦). وكأنه ذهب في هذا إلى الجَبَّار من النخل، وهو الطويل الذي فات الأيدي، ويقال: رجل جَبَّار، إذا كان طويلًا عظيمًا قويًّا، تشبيهًا بالجبار من النخل (٧).

стр. 3960

وهذا معنى قول قتادة: كانت لهم أجسما وخلق عجيب ليس لغيرهم (١). ويحتمل أن يكون معنى الجَبّار ههنا من أجبره على الأمر، إذا أكرهه عليه. قال الأزهري: وهي لغة معروفة، وكثير من الحجازيين يقولونها، وكان الشافعي ﵀ يقول: جبره السلطان (٢). وجائز أن يكون الجبّار من: أجبره على الأمر، إذا أكرهه عليه. قال الفراء: لم أسمع فعَّالا من أفْعَل إلا في حرفين، وهما: جبّار من أَجْبَر، ودرَّاك من أدْرَك (٣). وهذا الوجه اختيار الزجاج، قال في هذه الآية: تأويل الجبّار من الآدميين العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد (٤). قال المفسرون: وبلغ من جبرية هؤلاء، أن موسى لما بعث النقباء ليتحسسوا (٥) له أخبار هؤلاء رآهم واحد من الجبارين، فأخذهم وحملهم في كُمِّه مع فاكهةٍ كان حملها من بستانه، وأتى بهم الملك، فنثرهم بين يديه، وقال معُجّبًا للملك: هؤلاء يريدون قتالنا. فقال الملك: ارجعوا إلى صاحبكم فأخبروه خبرنا (٦).

стр. 3961

وللجبار معانٍ نذكرها في مواضعها إن شاء الله. ٢٣ - قوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾. قال ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة والربيع: هما يوشَع بن نون، وكالب بن يوفنا (١). ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾. قال عطاء وقتادة: يخافون الله في مخالفة أمره بقتال الجبارين (٢). وقوله تعالى: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾. قال الحسن: الإسلام (٣). وقال عطاء: يريد بالصلاح والفضل واليقين (٤). ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾. قال المفسرون: إنهما قالا لبني إسرائيل: نحن أعلم بالقوم، إنهم قد مُلِئُوا منا رعبًا، وإنا رأيناهم وكانت (٥) أجسامهم عظيمة قوية وقلوبهم ضعيفة (٦). قال (٧) أهل المعاني: إنما قالا هذا القول؛ لأن الله كان قد أنعم عليهما باليقين، فعلما أن الله ينجز وعده مع حكمه بأنه كتبها لهم وما تقدم

стр. 3962

من وعد موسى إياهم، فلذلك قالا: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ (١). ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي عليه توكلوا في نصره إياكم على الجبارين إن كنتم مصدقين به وبما أتاكم به رسوله. ٢٤ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾. قال المفسرون: إن عشرة من النقباء نقضوا العهد، وقالوا لبني إسرائيل: إن الرجل الواحد من هؤلاء الجبارين يدخل المائة منا في كُمِّه، ورأينا حصونًا ممتنعة وجبابرة، فلا يدان لنا بهم، فجَبُن القوم وخافوا ولم يثقوا بنصر الله، وقالوا: إنا لسنا نقبل مشورةً في دخولها ولا أمرًا وفيها هؤلاء الجبارون، ولما أمرهم يوشع وكالب بدخول القرية عصوهما وأرادوا أن يرجموهما بالحجارة، وقالوا: يا موسى نكذب عشرة ونصدق اثنين (٢). وقوله تعالى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾. قال أبو إسحاق: كلام العرب: اذهب أنت وزيد، ويستقبح النحويون: اذهب وزيد؛ لأنه يقبح العطف على المضمر والمضمر (في النية) (٣)، فكان الاسم يصير معطوفًا على ما هو متصل بالفعل غير مفارق له (٤). وقال الفراء: ولو ألقيت (أنت) فقيل: اذهب وربك، كان صوابًا؛ لأنه في إحدى القراءتين: ﴿إنه يراكم وقبيلُه﴾ [الأعراف: ٢٧]، واذهب

стр. 3963

أنت وربك أكثر في كلام العرب، وذلك أنه العطف على الاسم المضمر المرفوع؛ لأن المرفوع خفي في الفعل وليس كالمنصوب؛ لأن المنصوب يظهر، فتقول: ضربته وزيدًا، وضربتك وزيدًا. وتقول في المرفوع: قام، وقاما، فلا ترى اسمًا منفصلًا في الأصل من الفعل، فلذلك أوثر إظهاره (١)، (فقيل: قام هو وعمرو) (٢). قال (٣): وإذا فرقت بين الاسم المعطوف بشيء قد وقع عليه الفعل حسن بعض الحسن، من ذلك قولك: (ضربت زيدًا وعمرًا (٤))، فلو لم يكن (زيد) (٥) لقلت: (ضربت أنا وعمرو) (٦). ومن هذا قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]، وقوله تعالى: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا﴾ [النمل: ٦٧]. قال الزجاج: وإنما جاز لأن المفعول يقوي الكلام كما يقوي الكلام دخول لا، قال الله تعالى: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] (٧). فصار ذِكرُ لا وذكرُ المفعول عوضًا من المنفصل. واختلفوا في معنى قوله: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، فقال أصحاب المعاني:

стр. 3964

إن كانوا قالوه على وجه الذهاب من مكان إلى مكان فهو كفر؛ لأنه على وجه الجهل بالله (١)، وإن قالوه على وجه الخلاف لأمره ولنبيه فهو فسق (٢). وقال الحسن: هذا القول كفر منهم بالله (٣). وإنما أخبر عنهم بهذا إنكارًا عليهم، وتعجيبًا من جهلهم. وقال بعضهم: إنهم قالوه على المجاز، على تأويل: اذهب أنت وربك معينٌ لك، فأضمر خبر الابتداء (٤). والأول أظهر لقيام قوله: ﴿فَقَاتِلَا﴾ مقام خبر الابتداء.

стр. 3965

وحكى بعض المفسرين أنهم أرادوا بقولهم: ﴿وَرَبُّكَ﴾ أخاه هارون، قال: وكان أكبر من موسى (١). والظاهر أنهم قالوا هذا جهلًا منهم، وفسقوا بذلك؛ لأن الله تعالى قال في هذه القصة: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، يريدهم (٢). قال الزجاج: أعلم الله تعالى أن أهل الكتاب لم يزالوا غير قابلين من الأنبياء قبل النبي ﷺ وأن الخلاف شأنهم (٣). ٢٥ - قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾. يقول: لم يطعني منهم إلا نفسي وأخي. قال أهل المعاني: تأويله أنه لا يملك إلا تصريف نفسه في طاعة الله؛ لأن نفسه (لا تكون (٤)) في حكم المملوك له (٥). وذكر أبو إسحاق في إعراب قوله: ﴿وَأَخِي﴾ وجهين: أحدهما: أن يكون رفعًا من جهتين: الأولى: أن يكون نَسَقًا على موضع (إني)، المعنى: أنا لا أملك إلا نفسي وأخي كذلك، ومثله قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣]، والثانية: أن يكون عطفًا على الضمير في (أملك) وهو: أنا، والمعنى: لا أملك أنا وأخي إلا أنفسنا. والوجه الثاني: أن يكون (أخي) في موضع نصب من جهتين: إحدهما: أن يكون نسقًا على الياء، المعنى: إني وأخي لا نملك إلا

стр. 3966

أنفسنا، وجائز (١) أن يكون (أخي) معطوفًا على (نفسي) فيكون المعنى: لا أملك إلا نفسي ولا أملك إلا أخي؛ لأن أخاه إذا كان مطيعًا له فهو مالك طاعته (٢). وقوله تعالى: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ قال الكلبي: فاقض بيننا وبين القوم العاصين (٣). ٢٦ - قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ الآية. قال عطاء عن ابن عباس: حرم الله على الذين عصوا دخول بيت المقدس فماتوا في التِيه أجمعون، ولم يدخل بيت المقدس ممن خرج من مصر أحد، لا موسى ولا هارون ولا أحد منهم، إلا الرجلان اللذان قالا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ يوشع وكالب، دخلا بأبناء الذين خرجوا من مصر بعدما تاهوا أربعين سنة (٤). قال الكلبي: قيل لموسى: أما إذ سميتهم فاسقين فإنها محرمة عليهم، فكانوا في التيه أربعين سنة في ستة فراسخ، وقُبِضَ هارون وموسى في التِّيه (٥).

стр. 3967

وقال الحسن: لم يمت موسى في التِّيه (١). واختلفوا: أيضًا هل دخل مدينة الجبارين أم لا؟، فقال قوم: كان الفتح على يديه. وقال قوم إنما قاتل الجبارين يوشع، ولم يَسِر إليهم إلا بعد موت موسى (٢). فإن قيل: كيف قال: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ وقد قال: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾؟ قيل: قوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ المراد به من دخلها من أولادهم وذراريهم، فأما من مات في التيه ولم يدخلها فإنها لم تكتب لهم. والمراد: بهذا التحريم تحريم منع لا تحريم تعبد، كما تقول: حرام عليك دخول داري، أي أني أمنعك ذلك فلا تدخل، ليس أنه يحرم عليه بالشرع. وقوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾. قال الفراء: هي منصوبة بالتحريم، ولو نصبتها بـ (يتيهون) كان صوابًا (٣). قال الزجاج: أما نصبه بـ (محرمة) فخطأ؛ لأن التفسير جاء بأنها

стр. 3968

حرمة عليهم أبدًا (١)، كذلك قال ابن عباس في رواية عطاء وسائر المفسرين (٢). وقوله تعالى: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. يقال: تاه يتيه تَوْهًا وتِيها، والتِّيه أعمهما، ويقال: توهّتُه، وتيّهتُه، والواو أعم، والتَّيهاء: الأرض التي لا يُهتدى فيها، يقال: أرض تِيهٌ وتيهًا ومتيهة، يتيه فيها الإنسان (٣). قال مجاهد والحسن: كانوا يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا (٤). قال الزجاج: عذبهم الله بأن مكثوا في التيه أربعين سنة سيارة، لا يقرّ بهم القرار، إلى أن مات البالغون الذين عصوا الله ونشأ الصغار. فإن قيل: التيه عذاب، والأنبياء لا يعذبون، فكيف عذب موسى وهارون بالتيه؟ قيل: إن الله سهّل عليهما ذلك كما سهل على إبراهيم النار فجعلها بردًا وسلامًا وشأنها الإحراق (٥).

стр. 3969

وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد لا تحزن على القوم الذين عصوك وعصوني (١). وقال مقاتل: إنهم قالوا لموسى: ما صنعت بنا؟ وندم موسى على ما دعا عليهم، فأوحى الله إليه: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (٢). يقال: أسي يأسى أسًى، أي: حزن (٣). وقال الزجاج: وجائز أن يكون خطابًا لمحمد ﷺ أي لا تحزن على قومٍ لم يزل شأنهم المعاصي ومخالفة الرسل (٤). ٢٧ - قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾. قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يا محمد، يريد على قومك، ﴿نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ كما كان، يريد هابيل وقابيل. وكان هابيل له ضأن، وقابيل له زرع، ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ فنظر هابيل إلى خير كبش في ضأنه فتقرب به إلى الله، ونظر قابيل إلى شر قمحه، فتقرب به إلى الله، فنزلت نار من السماء فاحتملت قربان هابيل، ولم تحمل قربان قابيل، فعلم أن الله قد قَبِلَ من أخيه ولم يقبل منه فحسده، قال الله تعالى: ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا﴾ يريد هابيل ﴿وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ يريد قابيل. ويقال إن قربان هابيل هو الكبش الذي فدى الله به إسماعيل (٥) ﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ﴾ هابيل ﴿إِنَّمَا

стр. 3970

يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. انتهى كلامه (١). وهذا قول جميع أهل التفسير إلا الحسن والضحاك فإنهما قالا: إن ابني آدم اللذين قربا قربانًا لم يكونا ابني آدم لصلبه، إنما كانا رجلين من بني اسرائيل (٢). ومضى الكلام في معنى القربان في سورة آل عمران. وتقديره قوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ قرب كل واحد منهما قربانا، نجمعهما في الفعل وأفرد الاسم؛ لأنه يستدل بفعلها على أن لكل واحد قربانًا. وقيل: إن القربان اسم جنس، فهو يصلح للواحد وللعدد، على أن القربان مصدر كالرُّجحان والعُدوان والكُفران، يقال: قَرَّبْت الرجل (٣) أقربه قُربًا وقُربانًا (٤). وكان الرجل فيما مضى إذا رفع إلى الله حاجة قدم أمامها نسيكة، وكاذت تلك الذبيحة تسمى: قربانا، إذ (٥) كان صاحبها يتقرب إلى الله،

стр. 3971

فسمي المتقرب به قربانًا، والمصادر لا تثنى ولا تجمع. وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾. مختصر، أي قال الذي لم يتقبل منه للثاني: لأقتلنك، فحذف لأن المعنى يدل على أن الذي لم يتقبل منه هو القائل بحسده لأخيه: لأقتلنك. قاله الفراء (١). ومثله في الكلام أن تقول إذا اجتمع السفيه والحليم: حمد، تنوي بالحمد الحليم. وإذا رأيت الظالم والمظلوم: أعنت، وأنت تنوي المظلوم، للمعنى الذي لا يُشكل (٢). وقوله تعالي: ﴿قَرَّبَا﴾. ليس معناه من القريب الذي هو ضد البعيد، ولكنه من قولهم قرّب قربانًا، إذا تقرب بمال له (٣) إلى الله تعالى، وليس معنى ﴿قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ قربه إلى موضع. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. أي المتقين للمعاصي (٤)، فأطلق للعلم بأن المراد أنها أحق ما يجب أن يُخَاف منه. قال ابن عباس: قال له هابيل: إنما يتقبل الله ممن كان زاكيَ القلب، ورد عليك لأنك لست بزاكي القلب (٥).

стр. 3972

٢٨ - قوله تعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ الآية. يقال في هذا: لِمَ لَمْ يدفع ابن آدم أخاه عن نفسه وإن أدّى إلى قتله؟ قيل: معناه: لئن بدأتني بالقتل فما أنا الذي أبدؤك بالقتل (١). وهذا يُروى عن ابن عباس (٢) وحُذيفة (٣). وقال الحسن ومجاهد: إنه كتب عليهم: إذا أراد الرجل قتل رجل تركه، ولم يمتنع منه (٤). وقال أهل العلم: الدافع عن نفسه يدفع بالأيسر فالأيسر، وليس له أن يقصد القتل، بل يقصد الدفع، ثم إن أتى الدفع على القاتل ولم يمكنه الدفع إلا بقتله جاز ذلك، فمن قصد قتل رجل ظُلمًا فالمقصود إن أراد أن يستسلم للقتل جاز له ذلك (٥). وكذلك فعل عثمان ﵁ (٦)، وكذلك أمر رسول الله ﷺ (٧) محمد بن مسلمة (٨)، فقال له: "أَلْقِ كُمَّك على وجهك وكن عبد الله

стр. 3973

المقتول ولا تكن عبد الله القاتل" (١). وإن أراد أن يدفع القاتل وجب أنْ يَقصد الدفع ولا يقصد القتل، ألا ترى أن ابن آدم قال: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾، فبان أن بسط اليد لقتل القاصد للقتل لا يجوز. وقال عبد الله بن عمرو في هذه الآية: والله إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط يده لأخيه (٢). ٢٩ - قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾. قد مضى الكلام في معنى: باء (٣). قال ابن عباس والحسن وقتادة وابن مسعود: تحتمل إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي (٤).

стр. 3974

وقال الزجاج: ترجع إلى الله بإثم قتلي وإثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك (١). قال ابن الأنباري: وإنما فصل الإثمين وهما على واحد لاختلاف سببهما (٢). فإن قيل: كيف قال ابن آدم: إني أريد أن تبوء بالإثمين فجاز أن يريد منه الإثم، وليس للإنسان أن يريد معصية الله من غيره كما ليس له أن يريدها من نفسه؟ والجواب: عن هذا من وجوه: أحدها ما ذكره ابن الأنباري، وهو أن قابيل لما قال لأخيه: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾، وعظه هابيل وذكره الله واستعطفه، وقال: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ﴾ الآية، فلما رآه هابيل قد صمم وأخذ له الحجارة يرميه بها، قال له عند الضرورة: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أي إذا قتلتني ولم يندفع قتلك إياي إلا بقتلي إياك فمحبتي أن يلزمك إثم قتلي إذا قتلتني، فكان هذا عدلًا من هابيل (٣). وإلى هذا أشار الزجاج فقال: أي إن قتلتني فأنا مريد ذلك (٤). فهذه الإرادة منه بشرط أن يكون قاتلا له، والإنسان إذا تمنى أن يكون إثم دمه على قاتله لم يلم على ذلك (٥).

стр. 3975

وهذا التأويل قال بعضهم معناه: إني أريد أن ترو بعقاب إثمي وإثمك، ثم حذف المضاف، ومن باء بإثم باء بعقاب ذلك الإثم (١). وقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ قال عطاء: يريد إن جهنم جزاء من قتل أخاه وظلمه (٢). ٣٠ - قوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾. قال الفراء: فتابعته نفسه وطاوعته (٣). وقال المبرد: (طوعت (٤)) فعّلت، من الطَّوع (٥). وقال أبو عبيد: قال حدثنا يزيد (٦)، عن ورقاء (٧)، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ قال: شجعته (٨).

стр. 3976

قال أبو عبيد: عنى مجاهد أنها أعانته على ذلك وأجابته إليه. ولا أرى أصله إلا من الطواعية (١). قال الأزهري: والأشبه عندي أن يكون معنى: (طوعت) سمحت وسهّلت له نفسه (قتل أخيه) أي جعلت نفسه قتل أخيه سهلًا وهوّنته (٢). وتقدير الكلام: فصورت له نفسه أن قتل أخيه طوعٌ له سهلٌ عليه، فينتصب القتل على هذا من غير إضمار ولا حذف (٣) خافض. واختار الزجاجي هذا الوجه فقال: طوّع فعل من طَاع الشيء يطوع إذا سهُل وانقاد، و ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ أي سهلت الأمر فيه عليه (٤). وأما قول (٥) الفراء والمبرد فانتصاب قوله: ﴿قَتْلَ أَخِيه﴾ على إفضاء الفعل إليه بعد حذف الخافض، كأنه قيل (٦): فطوعت له نفسه أن انقادت في قلت أخيه ولقتل أخيه، فحذف الخافض وأفضى الفعل إليه فنصبه (٧). هذا كلام أهل اللغة. وأما المفسرون فقال ابن عباس في رواية عطاء: فسولت له نفسه قتل أخيه (٨).

стр. 3977

وقال قتادة: زينت له نفسه (١). وقال يمان (٢): سهلت له ذلك (٣). وقال عبد العزيز بن يحيى (٤): أجابته إلى ذلك (٥). وقال الكلبي: تابعته نفسه على قتل أخيه (٦). وقوله تعالى: ﴿فَقَتَلَهُ﴾. قال المفسرون: لم يدر قابيل كيف يقتل هابيل، فتمثل له إبليس وأخذ طيرًا فوضع رأسه على حجر ثم شدخ رأسه بحجر آخر، وقابيل ينظر فعلّمه القتل، ثم وجد قابيل أخاه هابيل يومًا نائمًا، فرفع صخرة، فشدخ رأسه فمات (٧). وروى مسروق عن عبد الله (٨) عن رسول الله ﷺ قال: "لا تقتل نفس

стр. 3978

ظلمًا إلا كان عى ابن آدم كفل من دمها، وذلك أنه أول من سن القتل" (١). وجاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: يا أمير المؤمنين من اللذان يقول الله لهما: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [فصلت: ٢٩]؟ فقال علي: هو إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه، كانا أول من عمل بالمعصية (٢). وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٣٠]. قال ابن عباس: يريد خسر دنياه وآخرته، أما الدنيا فأسخط والديه وبقي بلا أخ، وأما الآخرة فأسخط ربه وصار إلى النار (٣). قال المفسرون: إن قابيل لما قتل أخاه هرب إلى عدن من أرض اليمن، فأتاه إبليس وقال له: إنما أكلت النار قربان هابيل؛ لأنه كان يخدم النار ويعبدها، فانصب أنت أيضًا نارًا تكون لك ولعقبك، فبنى (٤) بيت نار، فهو أول من نصب النار وعبدها (٥). ٣١ - قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. قال المفسرون: إن قابيل لما قتل أخاه تركه بالعراء، ولم يدر ما يصنع؛ لأنه كان أول ميت على وجه الأرض من بني آدم، فقصده السباع، فحمله في

стр. 3979

جراب على ظهره حتى أَرْوح، فبعث الله غُرابًا يبحث في الأرض (١). قال ابن عباس: وكان غرابين اقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، وقابيل ينظر، ثم بحث في الأرض حتى جعل له حفرة فدفنه فيها، ففعل قابيل مثل ما فعل الغراب (٢). قال ابن قتيبة: وهذا مختصر، والتقدير: فبعث الله غُرابًا يبحث في الأرض على غراب ميت (٣). قال الضحاك: ﴿يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ يثير التراب من الأرض (٤). ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾. أي: جيفته، وقيل: عورة أخيه (٥). وقوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَتَا﴾. قال الزجاج: المعنى يا ويلتا تعالي، فإنه من إبّانك (٦)، أي: قد لزمني الويل، وكذلك: يا عجبًا، المعنى: يا أيها العجب هذا وقتك. قال: والوقت في غير القرآن: يا ويلتاه (٧).

стр. 3980

وذكرنا زيادة بيان في قوله: ﴿يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ﴾ [هود: ٧٢]. وقوله تعالى: ﴿فَأُوَارِيَ﴾، عطف على: ﴿أَنْ أَكُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١]. حقيقة معنى الندم أنه وضع للزوم، ومنه سمي النديم نديمًا لأنه يلازم المجلس، ويقوي هذا قولهم: نادم سادم، والسدم اللهج بالشيء، يقال: سدم به، إذا أغري به ولزمه، ويقال (١) لمن اهتم بالشيء الفائت: نادم سادم؛ لأن هذا الهّم ألزم للقلب من الهّم لأجل الشيء الحادث؛ لأن هذا يزول بزوال ما حدث، والفائت لا سبيل إلى رده (٢). قال كثير من المفسرين: ﴿مِنَ النَّادِمِينَ﴾ على حمله والتطواف به (٣). وقال آخرون: ﴿مِنَ النَّادِمِينَ﴾ على ذوات أخيه؛ لأنه لم ينتفع بقتل أخيه، وسخط عليه بسببه أبواه وإخوته، فندم لأجل ذلك، لا لأجل أنه جنى واقترف ذنبًا بقتله، فلم يكن ندمه على الوجه الذي يكون ندم التربة (٤). ٣٢ - قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا﴾ الآية. الأجل في اللغة: الجناية، يقال: أجَلَ عليهم شرًّا بأجله أجْلًا، إذا جنى عليهم جناية. ذكره ابن السكيت (٥)، وأبو عبيدة (٦)، والزجاج (٧)،

стр. 3981

وجميع أهل اللغة، وأنشدوا: وأهلِ خِباءٍ (١) صالح ذات بينهم ... قد احتَربُوا في عَاجلٍ أنا آجِلُه (٢) أي: أنا جانيه (٣). وفي هذا المعنى أيضًا يقال: جر عليهم جريرة، ثم يقال: فعلت ذلك من أجلك، أي من جنايتك وجريرتك، كأنه يقول: أنت جررتني إلى ذلك، وأنت جنيت علي هذا (٤). قال الزجاج: من جنايته ذلك (٥). وقال ابن الأنباري: من سبب ذلك. قال: ويقال: فعلت ذلك من أجلك ومن جلالك ومن جلك وجرّاك وجرائك (٦). واختلفوا في قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾، فقال بعضهم: إنه من صلة النادمين، على معنى: فأصبح من النادمين من أجل ذلك، أي من أجل أنه حين قتل أخاه لم يواره (٧). ويُروَى عن نافع أنه كان يقف على قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ ويجعله من

стр. 3982

تمام الكلام الأول (١). وعامة المفسرين وأصحاب المعاني على أن قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ ابتداء كلام، وليس بمتصل بما قبله (٢). واحتج ابن الأنباري لهذا بأن قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ رأس آية، ورأس الآية فصل. قال: ولأنه قد تقدم ما كشف علة الندم فاستغنى النادمون عن: (من أجل ذلك). قال: ولأن من (جعله من صلة للندم أسقط العلة للكتابة، ومن (٣)) جعله من صلة الكتابة لا يسقط معنى الندم، إذ قد تقدم ما كشف سببه، فكان هذا أولى (٤). وأما التفسير: فقال ابن عباس في رواية عطاء: بسبب قابيل قضينا على (٥) بني إسرائيل (٦). وقال الكلبي: من أجل ابني آدم حين قتل أحدهما صاحبه فرضنا على بني إسرائيل (٧).

стр. 3983

﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾. قال ابن عباس: بغير قود (١). وقوله تعالى: ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ قال الكلبي: أو شرك في الأرض (٢). وقال غيره: يعني بالفساد في الأرض أن يكون محاربًا لله ورسوله، كالذين ذكرهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية (٣). قال الزجاج: ﴿أَوْ فَسَادٍ﴾ منسوق على نفس، المعنى: أو بغير فساد في الأرض (٤). وقوله تعالى: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال مجاهد: من قتل نفسًّا محرمة يَصلى النار بقتلها كما يصلاها لو قتل الناس جميعًا (٥). ونحو هذا قال الكلبي فقال: يعذب عليها كما أنه لو قتل الناس كلهم (٦). وقال الحسن وابن زيد: يعني أنه يجب عليه من القصاص بقتلها مثل

стр. 3984

الذي يجب عليه لو قتل الناس جميعًا (١). وحكى الزجاج: عن بعضهم أن المعنى فيه أن المؤمنين كلهم خصماء للقاتل، وقد وَتَرهم وَتر من قصد لقتلهم جميعًا (٢). وأوصل إليهم من المكروه مثل ما يشبه القتل الذي أوصله إلى المقتول، فأذاه إياهم كأذى رجل قتلهم كلهم. وهذا اختيار ابن الأنباري، وزاد من عنده وجهًا آخر فقال: المقدار الذي يستحقه قاتل الناس جميعًا معلوم عند الله محدود، (فالذي يقتل الواحد يلزمه الله ذلك الإثم المعلوم) (٣)، والذي يقتل الاثنين يلزمه الله مثل ذلك (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال الكلبي: من عفا عن رجل قتل رجلاً خطأ وجبت له الجنة، كما لو عفا عن الناس جميعًا، وذلك أنه كتب عليهم في التوراة: أيما رجل قتل رجلاً خطأ فهو له قود إلا أن يشاء الولي أن يعفو (٥). وقال الحسن: عفا عن دمها وقد وجب القود عليها (٦).

стр. 3985

وهذا كقول الكلبي، وهو قول ابن زيد أيضًا (١). وقال الزجاج: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي من استنقذها من غرق أو حرق أو هدم أو ما يميت لا محالة، أو استنقذها (٢) من ضلال ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ أي أجره على الله أجر من أحياهم أجمعين؛ (لأنه في إسدائه (٣)) إليهم المعروف بإحيائه أخاهم المؤمن بمنزلة من أحيا كل واحد منهم (٤). وروى ابن الأنباري هذا القول عن مجاهد بإسناد له (٥). وقال سعيد بن جبير: في هذه الآية: من استحل قتل نفس فهو كذلك في دماء الناس لا يتحرم لها، ومن أحياها مخافة من الله وتحرجًا من قتلها فكذلك يرى دماء الناس كلهم حرامًا (٦). وهذا كما يُروى عن قتادة والضحاك أنهما قالا في هذه الآية: عظم الله أجرها وعظم وزرها، فمن استحل قتل مسلم بغير حقه، فكأنما قتل الناس أجمعين؛ لأنهم لا يَسْلمون منه، ومن أحياها فحرمها وتورعّ عن

стр. 3986

قتلها, فكأنما أحيا الناس جميعاً لسلامتهم منه (١). قال أهل المعاني: قوله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ على المجاز؛ لأن المعنى: ومن نجا بها من الهلاك، والفاعل للحياة هو الله (٢) لا يقدر عليها غيره (٣). وسئل الحسن عن هذه الآية فقيل: أهي كما كانت لبني إسرائيل؟ قال: إي والذي لا إله غيره وما جعل دماء بني إسرائيل (أكرم (٤)) على الله من دمائنا (٥). وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾. قال ابن عباس: بان لهم صدق ما جاءوهم به من الفرائض والحلال والحرام (٦). وقال الكلبي: أي بالبيان في أن ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ الآية (٧). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: ٣٢]. أي: مجاوزون حد الحق (٨).

стр. 3987

قال الكلبي: بالشرك (١). وقال غيره: بالقتل (٢). وهذا عام في كل ما هو تجاوز عن الحق. ٣٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. قال الزجاج: المعنى في: ﴿إِنَّمَا﴾ ما جزاؤهم إلا هذا؛ لأن القائل إذا قال: (جزاؤك دينار، فجائز أن يكون معه غيره، وإذا قال (٣)): إنما جزاؤك دينار، كان المعنى: ما جزاؤك إلا دينار (٤). قال ابن عباس في رواية عطاء وسعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في قصة العُرَنِيّين (٥) وهي معروفة (٦). فإن قيل: فكيف (٧) لم يعذبوا بما في الآية، وفي حديثهم أنهم سُمِل

стр. 3988

أعينهم وقُطَّعت أيديهم وأرجلهم، وليس في الآية سمل الأعين وقطع جميع الأيدي والأرجل؟ والجواب: ما حكي عن الليث بن سعد (١) أنه قال: نزلت هذه الآية معاتبة لرسول الله ﷺ وتعليمًا إياه عقوبتهم، فقيل: إن جزاءهم ما ذكر في الآية، لا المُثلة، فلذلك ما قام رسول الله ﷺ خطيبًا إلا نهى عن المُثلة (٢). ويمكن أن يقال: ما فعله رسول الله ﷺ كان هو الحد فيهم بالسنة، فلما نزلت الآية صارت تلك السنة منسوخة بالقرآن (٣). هذا إذا جوزنا نسخ السنة بالقرآن (٤). وإن قلنا: لا تُنسخ السنة بالقرآن -وهو الأصح من مذهب الشافعي (٥)

стр. 3989

رضي لله عنه- فتلك إنما نُسِخت بسنة أخرى من عنده، فنسخت الثانية الأولى (١). وهذا أيضًا قول سعيد بن المسيب والسدي في نزول الآية (٢). قال عبد الله بن مسلم (٣): المحاربون لله ورسوله هم الخارجون على جماعة المسلمين، يخيفون السبل، ويسعون في الأرض الفساد (٤). فمعنى: ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي يعصونهما ولا يطيعونهما، وكل من عصاك فهو حرب كذلك. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾. قال مجاهد: هو الزنا والسرقة وقتل النفس وإهلاك الحرث والنسل (٥). وقال الكلبي: يعني بالقتل وأخذ الأموال (٦). قال العلماء: وكل من أخذ السلاح على المسلمين في أي موضع كان وكيف ما كان، في البلد أو الصحراء، أو للقتل اغتيالًا، فهو محارب لله ورسوله، فدخل المكابر في البلد في هذه الجملة. وهذا قول مالك والأوزاعي ومذهب الشافعي (٧) ﵁،

стр. 3990

وذكر الشافعي قُطّاع الطريق ثم قال: وأراهم في المصر إن لم يكونوا أعظم ذنبًا فحدودهم واحدة (١). وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ اختلفوا في حكم (أو) ههنا، فقال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: إن (أو) دخلت للتخيير، ومعناها الإباحة، أي: إن شاء الإِمام قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء نفى، أي شيء من هذه الأشياء شاء فعل (٢). وهذا قول الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد (٣). وقال في رواية عطية: (أو) ليست للإباحة، وإنما هي مرتبة للحكم باختلاف الجناية، فمن قتل وأخذ المال صُلِب، وقُتِل، ومن أخذ المال ولم يقتل قُطِع، ومن سفك الدماء وكف عن الأموال قُتِل، ومن أخاف السبيل ولم يأخذ الأموال ولم يقتل نفي (٤)، وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة والسدي والقرظي والربيع (٥)، ورواية عطاء عن ابن عباس أيضًا (٦). قال الشافعي ﵁: ويحدد كل واحد بقدر فعله فمن وجب

стр. 3991

عليه القتل والصلب قتل قبل صلبه كراهية تعذيبه، ويصلب ثلاثًا ثم ينزل (١). قال أبو عبيد: سألت محمد بن الحسن (٢) عن قوله: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ فقال: هو أن يصلب حيًا ثم يطعن بالرماح حتى يقتل، وهو رأي أبي حنيفة. فقيل: هذا مُثلة. قال: المُثلةَ يراد به (٣). قال أبو عبيد: والذي أختار أن يكون الصلب بعد القتل؛ لأن رسول الله ﷺ نهى عن المثلة (٤). قال الشافعي: ومن وجب عليه القتل دون الصلب: قتل ودفع إلى أهله يدفنونه، ومن وجب عليه القطع دون القتل: قطعت يده اليمنى ثم حسمت (٥)، ثم رجله اليسرى ثم حسمت في مكان واحد، ثم خُلّي، وذلك

стр. 3992

معني قوله: ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ (١). واختلفوا: في معنى النفي في قوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، فقال ابن عباس: هو أن يُهْدِر الإِمام دمه فيقول: من لقيه فليقتله (٢). وقال بعضهم: هو أن يقاتَلُوا حيث توجهوا من الأرض، ويُطلبوا في أي أرض كانوا بها حتى تضيق عليهم الدنيا. حكى هذا القول أبو إسحاق (٣) وأبو بكر وابن قتيبة، ثم قال ابن قتيبة: هذا إنما يكون فيمن لم يقدر عليه؛ لأنه لا يجوز أن يظفر الإِمام به فيدع عقوبته ثم يقول: من لقيه فليقتله، أو يجده فيتركه ثم يطلبه في كل أرض (٤). وهو على ما قال. فأما المقبوض عليه ممن حقه النفي فقال ابن عباس في رواية عطاء: ينفوا من الأرض إلى بلاد الكفر (٥). وهذا قول جماعة المفسرين، وهو أنهم قالوا: ينفى من بلدته إلى بلدةٍ أخرى (٦). وقال آخرون: المراد بالنفي في هذه الآية: الحبس والسجن (٧).

стр. 3993

قال ابن الأنباري: وأكثر اللغويين يختارون هذا القول في تفسير الآية، واحتجوا بأن المسجون بمنزلة المخرج من الدنيا إذا كان ممنوعًا من التصرف وَمحولًا بينه وبين أهله وأولي أُنسِه، مع ممارسته صنوف المكاره والأذى في السجن (١). وقال ابن قتيبة: ولا أرى شيئًا من هذه التفاسير أشبه بالنفي في هذا الموضع من الحبس؛ لأنه إذا حُبس ومُنع من التصرف والتقلب في البلاد فقد نفي منها كلها وأُلجئ إلى مكان واحد، وأنشد هو وأبو بكر قول بعض المسجنين (٢): خرجنا من الدنيا ونحنُ من أهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى إذا جاءنا السجَّان يومًا لحاجةٍ ... عَجِبْنا وقلنا جاء هذا من الدنيا (٣) وقال الوليد بن عبيد (٤) يذكر قومًا سجنوا: غابوا عن الأَرْضِ أَنْآى غيبةٍ وهُم ... فيها فلا وَصلَ إلا الكتبُ والرسلُ (٥)

стр. 3994

فصرح بغيبتهم عن الأرض مع كونهم فيها، والمُحدثُون يُحتَجّ بهم في المعاني، ولا يحتج بهم في الألفاظ. قال أبو محمد: وليس نفي الخارب (١) من بلده إلى غيره عقوبةً له، بل هو إهمال وتسليط وبعث على التزيد في العبث والفساد (٢). ومذهب الفقهاء في هذه الآية أيضًا أن المراد بالنفي: الحبس. قال الشافعي: ومن حضر منهم وكثر أو هِيب أو كان رِدءًا (٣) عُزِّر وحبس (٤). وهو مذهب أبي حنيفة أيضًا (٥). قال (٦): ومن قتل وجرح أقص لصاحب الجرح ثم قتل، ولو أخذ المال وجرح أقص صاحب الجرح ثم قطع، لا يمنع حق الله حق الآدميين، ومن عفا عن الجراح كان له، ومن عفا عن النفس لم يحقن بذلك دمه، وعلى الإِمام قتله إذا بلغت جنايته القتل، ولا يقطع منهم إلا من أخذ ربع دينار فصاعدا، قياسًا على السنة في السارق (٧). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ أي: فضيحة وهوان. ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهذا للكفار الذين نزلت في العُرَنِيّين

стр. 3995

فإنهم ارتدوا عن الإسلام (١). وبعض المفسرين يقول: نزلت في قوم هلال بن عويمر الأسلمي، وكانوا مشركين (٢)، وبعضهم يقول نزلت في قوم من أهل الكتاب (٣). ثم بالسنة أجري حكم هذه الآية على المحاربين من المسلمين، فبقي العذاب العظيم في الآخرة للكافرين، والمسلم إذا عوقب بجنايته في الدنيا كانت عقوبته كفارة له. ٣٤ - قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾. قال الزجاج: جائز أن يكون موضع (الذين) رفعًا بالإبتداء، وخبره قوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، والمعنى: لكن التائبون من قبل أن تقدروا عليهم (فالله (٤)) غفور رحيم (لهم (٥)) وجائز ان يكون موضع
следующие страницы →