← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

من أهل الجنة فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم، فأمر الله الجنة فتزخرفت حتى نظر أهل جهنم إلى قراباتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم فعرفوهم، ونظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل النار (١) فلم يعرفوهم قد اسودت وجوههم وصاروا خلقًا آخر، فنادى أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم، وأخبروهم بقراباتهم ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ الآية) (٢). وقوله تعالى: ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾، قال ابن زيد والسدي: (يعني: الطعام) (٣). قال أبو إسحاق: (أعلم الله أن ابن آدم غير مستغن عن الطعام والشراب، وإن كان معذبًا، فأعلمهم أهل الجنة أن الله حرم طعامهم وشرابهم على أهل النار بقولهم (٤): ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾) (٥)، [و] هذا (٦) تحريم منع لا تحريم تعبد.

стр. 4972

٥١ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾. قال ابن عباس (١): (يريد: المستهزئين المقتسمين) (٢). قال أهل المعاني (٣) (معنى اللهو: صرف الهمّ بما لا يحسن، كالإنسان يريد أن يصرف الهمّ والحزن عن نفسه فيشتغل بما لا يجدي عليه، وهؤلاء طلبوا صرف الهمّ عنهم بالتهزّئ بالدين وعيب المؤمنين)، وعلى هذا معنى قوله ﴿دِينَهُمْ﴾ أي: الدين الذي شرع لهم، وهؤلاء تلاعبوا بذلك [الدين] (٤). وقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾. قال ابن عباس: (يريد: نتركهم في جهنم كما تركوا لقاء يومهم هذا) (٥) يريد: التكذيب بالبعث والجنة والنار، ومعنى ﴿نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ﴾

стр. 4973

تركوه بالتكذيب به (١)، كما قال ابن عباس. وقال الزجاج: (أي: نتركهم في عذابهم كما تركوا العمل للقاء يومهم) (٢)، وهذا قول الحسن (٣)، ومجاهد (٤)، والسدي (٥)، وجميع المفسرين (٦)؛ قالوا: (إن معنى النسيان هاهنا: الترك). قال ابن الأنباري: (فاليوم نتركهم في النار على غير إغفال ونسيان، كما تركوا العمل لنا عامدين لا غافلين، فمعنى تركهم لقاء ذلك اليوم: تركهم العمل بطاعة الله لذلك اليوم) (٧) وقال أصحاب المعاني: (معنى ﴿نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا﴾: نعاملهم معاملة من نسي بتركهم (٨) في النار كما فعلوا في الإعراض عن آياتنا وما ندبناهم إلى العمل به، فِعْل من نسي وغفل، فكذلك (٩) نجازيهم بمثل فعلهم،

стр. 4974

فنوقع بهم ما يشبه النسيان بأن لا نجيب لهم دعوة ولا نرحم لهم عبرة) (١). وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾. قال الزجاج: (أي: كجحدهم (٢)، ﴿وَمَا﴾ في موضع جر نسق على ﴿كَمَا﴾ (٣) و (ما) في قوله ﴿كَمَا نَسُوا﴾ وقوله: ﴿وَمَا كَانُوا﴾ بمعنى المصدر، والتقدير: ننساهم نسيانًا كنسيانهم يومهم هذا ولكونهم جاحدين بآياتنا، قاله أبو علي (٤). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ﴾ [الأعراف:٥٢]، قال ابن عباس: (يريد: الذي جاء به محمد ﷺ ، ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾ يريد: بيناه) (٥)، والتفصيل تبيين المعاني بإظهارها مما يلتبس بها، فالتفصيل كالتبيين (٦).

стр. 4975

وقوله تعالى: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ أي: فصلناه بعلم لم يقع منا فيه سهو ولا غلط، وقيل: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ في الكتاب وهو ما أودع من العلوم (١) وبيان الأحكام. وقوله تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾، قال الزجاج: (﴿هُدًى﴾ في موضع نصب أي: فصلناه هاديًا وذا رحمة) (٢). وقوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يدل على أن القرآن جُعل هدى لقوم مخصوصين أريد به هدايتهم دون غيرهم ممن كذب به. ٥٣ - قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾، النظر هاهنا بمعنى: الانتظار (٣)، وقد مر في سورة البقرة (٤)، وإنما قيل لهم ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾، وإن كانوا جاحدين؛ لأنهم في منزلة المنتظر كأنهم ينتظرون ذلك لأنهم

стр. 4976

يأتيهم لا محالة، وفيه وجه آخر ذكرناه في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنعام: ١٥٨] في آخر سورة الأنعام. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾. قال الفراء: (الهاء في ﴿تَأْوِيلَهُ﴾ للكتاب يريد: عاقبته وما وعد الله فيه) (١) [يعني: من البعث والنشور والعقاب والحساب. وقال مقاتل (٢): ﴿إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ عاقبة ما وعدوا] (٣) على ألسنة الرسل. ومضى (٤) الكلام في التأويل في سورة آل عمران (٥) أولاً، ثم في النساء (٦) ثانيًا. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾. قال ابن عباس: (يريد: يوم القيامة) (٧).

стр. 4977

قال الزجاج: (﴿يَوْمَ﴾ نصب بقوله ﴿يَقُولُ﴾ (١). قال: [و] (٢) ﴿الَّذِينَ نَسُوهُ﴾ معناه (٣) أنهم صاروا في الإعراض عنه بمنزلة من نسى، وجائز أن يكون ﴿نَسُوهُ﴾ تركوا (٤) العمل له والإيمان له) (٥)، وهذا كما ذكرنا في قوله: ﴿كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف:٥١]. وقوله تعالى: ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ نسق على قوله: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ﴾، كأنه قيل: هل يشفع لنا شافع، أو هل نرد ﴿فَنَعْمَلَ﴾، منصوب على جواب الاستفهام [بالفاء (٦)] (٧)، ومعنى: ﴿فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ نوحد الله قاله ابن عباس (٨).

стр. 4978

قال الله تعالى (١): ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد: قد خسروا النعيم (٢) وصاروا إلى الخزي والعذاب) (٣) ومضى الكلام (٤) في: ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾، يريد: سقط عنهم ما كانوا (٥) يقولون من أن مع الله إلهًا آخر (٦). ٥٤ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ الآية. قال الليث: (السِّتُّ والسِّتة في التأسيس على غير لفظيهما، وهما في الأصل سِدْس وسِدْسَة، ولكنهم أرادوا إدغام الدال في السين فالتقتا عند مخرج التاء فغلبت (٧) عليهما، وبيان ذلك أنك [تصغر] (٨) ستة سُدَيْسة، وكذلك الأسداس، وجميع تصريفهما (٩) على ذلك) (١٠).

стр. 4979

ابن السكيت: (يقال: جاء فلان سادسًا، وساديًا، وساتًّا؛ فسادس على لفظ السُّدس، وساتّ على لفظ ستَّة أدغموا الدال في السين فصارت تاء مشددة، ومن قال ساديًا أبدل من السين ياء) (١). قال أهل التفسير: (قوله ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، أراد: في مقدار ستة أيام؛ لأن اليوم من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، فكيف [يكون] (٢) يوم ولا شمس ولا سماء؟ وهذا كقوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] على مقادير البكرة والعشي في الدنيا؛ إذ لا ليل ثم ولا نهار (٣)، فإن قيل: لأي علة ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، ولو خلقهن في طرفة عين كان أدل على نفاذ قدرته، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]، والجواب: ما قال سعيد بن جبير: (قدر الله على خلق السموات والأرض في لمحة ولحظة، وإنما خلقهن في ستة أيام تعليمًا لخلقه الرفق والتثبت في الأمور) (٤). وقال أهل المعاني: (إن تدبير الحوادث على إنشاء شيء بعد شيء

стр. 4980

على ترتيب، أدل على عالم مدبر يصرفه على اختياره ويجريه على مشيئته) وقيل: (أراد بذلك زيادة البصيرة للملائكة في يقينهم (١) لما يشاهدونه من ظهور شيء وإنشاء خلق بعد خلق) (٢). وقال أبو بكر بن الأنباري: (إن الله (٣) خلق السموات والأرض والليل والنهار تكرمة لآدم وذريته، وقد بيّن هذا في قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ الآية [البقرة: ٢٢]، وفي قوله: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [القصص: ٧٣]، فلما كان خلق هذه الأشياء تكرمة لآدم وولده، وكانت الأيام سبعة أوقع في كل يوم منها ضربًا من التكرمة نبه به الملائكة على عظم شأن آدم وولده عنده، وكان خلق السموات والأرض في ستة أيام عن غير عجز من الله أن يكون في لمحة، ولكنه تعالى أراد أن يوقع في كل يوم منها أمرًا من خلقه تستعظمه الملائكة وجميع المشاهدين له) (٤)، وهذا معنى قول مجاهد: (إن ذلك رُتِّب على الأيام: الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، فاجتمع الخلق فيه) (٥).

стр. 4981

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي: أقبل على خلقه، وقصد إلى ذلك بعد خلق السموات والأرض، وهذا قول الفراء (١) وأبي العباس (٢) والزجاج (٣). وقال آخرون: ﴿اسْتَوَى﴾ معناه استولى (٤) واحتجوا بقول البعيث (٥): ثم اسْتَوَى بِشْرُ على العِرَاقِ ... من غير سيفٍ ودمٍ مُهْرَاقِ (٦)

стр. 4982

يعني: بشر بن مروان (١)، وعلى هذا خصّ العرش بالإخبار عن الاستيلاء عليه؛ لأنه أعظم المخلوقات. وقال الأخفش: (﴿اسْتَوَى﴾ أي: علا، يقال: استويت على ظهر البيت أي: علوته) (٢) وهذا القول اختيار ابن جرير، قال: (معناه: ارتفع ارتفاع ملك وسلطان، لا ارتفاع انتقال وزوال) (٣)، وهذا يعود إلى معنى الاستيلاء (٤). وقد شرحنا الاستواء في صفة الله تعالى مستقصى في سورة البقرة (٥).

стр. 4983

و ﴿الْعَرْشِ﴾ في كلام العرب (١) سرير الملك، يدل على ذلك سرير ملكة سبأ, سماه الله عرشًا فقال: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النمل: ٢٣]، والعرش في اللغة: قد يكون عبارة عن الملك، يقال: (٢) ثُلَّ عَرْشُه، إذا ذهب عزه وملكه، ومنه قول زهير: تَدَاركتُما الأَحلافَ قد ثُلَّ عَرْشُهَا (٣) غير أنه لا يسوغ أن يكون المراد بالعرش في هذه الآية الملك؛ لأنه يوجب أن الله لم يكن مستويًا على ملكه قبل خلق السموات (٤) والأرض.

стр. 4984

وقوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ وقرئ ﴿يُغْشِي﴾ (١) مخففا، والإغشاء (٢). والتغشية: إلباس الشيء (٣) الشيء، وقد جاء التنزيل بالتشديد والتخفيف، فمما جاء (٤) بتضعيف (٥) العين قوله: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النجم: ٥٤]، ومما (٦) جاء بنقل الهمزة: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (٧) [يس: ٩]، والمفعول الثاني محذوف على معنى: فأغشيناهم العمى أو فقد الرؤية. قال أبو إسحاق: (والمعنى: أن الليل يأتي على النهار ويغطيه ولم يقل: يغشي (٨) النهار الليل؛ لأن في الكلام دليلًا عليه، وقد قال في موضع آخر: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ (٩) [الزمر: ٥].

стр. 4985

قال أبو علي: (وهذا (١) كما قال: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، ولم يذكر تقيكم البرد للعلم بذلك من الفحوى، ومثل هذا لا يضيق، وكل واحد من الليل والنهار منتصب بأنه مفعول به، والفعل قبل النقل غشي الليلُ النهارَ (٢)، فإذا نقلت قلت: أغشى الله الليل النهار، أو غَشَّى الله الليل النهار، فصار ما كان فاعلًا قبل النقل مفعولًا أول) (٣). وقوله تعالى: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾، قال الليث: (الحث: الإعجال والاتصال (٤)، تقول: حثثت فلانًا فاحْتث وهو حثيث محثوث: جاد سريع) (٥). قال الأعشي: تَدَلَّى حثيثًا كَأَنَّ الصِّوَارَ ... أَتْبَعَهُ أَزْرِقيٌّ لَحِمْ (٦)

стр. 4986

شبه الفرس في السرعة بالبازي (١). قال ابن عباس: (يريد (٢) يطلب الليل النهار لا غفلة له) (٣). و (٤) قال المبرد: (يعني: يطلب الليل النهار دائبًا) (٥). وقال غيره: (معنى: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ هو أن يستمر الليل في طلب النهار على منهاج من غير فتور يوجب الاضطراب، كما يكون في السوق الحثيث) (٦)، وهذا معنى قول ابن عباس: (لا غفلة [له)] (٧). وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾، معنى التسخير: التذليل (٨). قال الزجاج: (وخلق هذه الأشياء جاريات مجاريها بأمره) (٩). وقال المفسرون: (معنى تسخيرهن: تذليلهن لما يراد منها من طلوع وأفول وسير ورجوع؛ إذ لَسْنَ قادرات ولا مميزات، وإنما يتصرفن في متصرفاتهن على حسب إرادة المدبر فيهن) (١٠).

стр. 4987

وقرأ (١) ابن عامر (٢): ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ﴾ رفعًا كلها، والنصب (٣) هو وجه الكلام لقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧] فكما أخبر في هذه الآية أنه خلق الشمس والقمر، كذلك يُحمل على ﴿خَلَقَ﴾ (٤) في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ﴾ [الأعراف:٥٤]، وحجة ابن عامر قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا في اَلسَّمَاوَاتِ وَمَا في اَلأَرْضِ﴾ [الجاثية: ١٣]، ومما في السماء الشمس والقمر، فإذا أخبر بتسخيرها حسن الإخبار عنها به، كما أنك إذا قلت: ضربت زيدًا استقام أن تقول: زيد مضروب (٥). وقوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، قال أصحاب المعاني: (﴿لَهُ الْخَلْقُ﴾ لأنه خلقهم، وله أن يأمر فيهم بما أحب (٦)، وله الحكم في الخلق يأمرهم بما يشاء)، وعلى هذا [المعنى] (٧) ﴿الْأَمْرُ﴾ هاهنا الذي هو نقيض

стр. 4988

النهي (١)، واستخرج سفيان بن عيينة من هذا أن كلام الله لا يجوز أن يكون مخلوقًا فقال: فرّق الله بين الخلق والأمر، فمن جمع بينهما فقد كفر) (٢) يعني: من جعل الأمر الذي هو قوله من جملة ما خلقه فقد كفر. وقال ابن عباس في تفسير قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (يريد: لم يبق شيء، من وجد بعد ذلك شيئًا فليأخذه) (٣)، وهذا كلامه، ومعنى هذا: أن جميع (٤) ما في العالم لله تعالى، فالخلق له لأنه خلقهم، وجميع الأمور تجري بقضائه وقدره، وهو مجريها ومنشئها فلا يبقى بعد هذا لأحد شيء (٥).

стр. 4989

وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، قال الليث: (تفسير ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ تمجيد وتعظيم) (١). وقال أبو العباس: (﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ ارتفع، والمتبارك المرتفع) (٢). وقال ابن الأنباري: (﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ باسمه يتبرك في كل شيء) (٣). وقال الزجاج: (﴿تَبَارَكَ﴾ تفاعل من البركة، كذلك يقول أهل اللغة) (٤). وكذلك روي عن ابن عباس: (ومعنى: البركة الكثرة في كل خير، وقال في موضع آخر: (﴿تَبَارَكَ﴾ تعالى وتعاظم) (٥). وقال أصحاب المعاني: (﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ أي: ثبت ما به استحق التعظيم فيما لم يزل ولا يزال) (٦)، وأصل الحرف من الثبوت والدوام، وقد ذكرنا هذا في سورة الأنعام عند قوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢].

стр. 4990

٥٥ - قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، التضرع: التذلل والتخشع، وهو إظهار الذل الذي في النفس من قولهم: ضرع فلان لفلان، وتضرع له إذا ما تخشع له وسأله أن يعطيه، ومضى الكلام في هذا في سورة الأنعام عند قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام:٤٢]، والخُفية: خلاف العلانية، وهو من أخفيت الشيء إذا سترته (١)، ويقال: خِفية أيضًا بالكسر (٢) وقد قرئ بالوجهين (٣). قال الزجاج: (﴿تَضَرُّعًا﴾ تملقًا، وحقيقته: أن يدعوه خاضعين متعبدين) (٤). قال (٥) أهل العلم: والسنة (٦) والأدب في الدعاء أن يكون خفيًا لهذه الآية، ولما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "خير الدعاء ما خفي" (٧).

стр. 4991

وقال أيضًا لقوم رفعوا أصواتهم بالدعاء: "إنكم لستم تدعون أصمّ ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا، إنه معكم" (١). وقال الحسن: (إن الله يحب القلب النقي والدعاء الخفي، ولقد أثنى علي زكريا فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]، وبين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفًا , ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء و (٢) ما يُسمع لهم صوت، إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٣). وقال الزجاج في قوله ﴿وَخُفْيَةً﴾ (أي: واعتقدوا عبادته في أنفسكم؛ لأن الدعاء معناه: العبادة) (٤).

стр. 4992

وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي: المجاوزين ما أمروا به، قال الكلبي: (﴿لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ بالجهر في الدعاء) (١). وقال ابن جريج: (من الاعتداء رفع الصوت والنداء بالدعاء) (٢). ٥٦ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]. قال عطاء، عن ابن عباس: (يريد: بالشرك بالله، وقطع الأرحام، وتكذيب النبي ﷺ بعد توحيد الله والتصديق بما جاء به النبي ﷺ ) (٣). قال المفسرون (٤): (الإفساد في الأرض: العمل فيها بالمعاصي، وسفك الدماء، وقوله تعالى: ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ أي: بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسول، وبيان الشريعة، والدعاء إلى طاعة الله ، وهذا معنى قول الحسن، والسدي، والضحاك (٥).

стр. 4993

وقال عطية: (معناه: لا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر، ويهلك الحرث بمعاصيكم) (١)، وطى هذا معنى قوله ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ أي: بعد إصلاح الله تعالى إياها بالمطر والخصب (٢). وقوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، معنى الخوف (٣) الانزعاج لما لا يؤمن من المضار، ومعنى الطمع (٤) توقع المحبوب، قال ابن عباس: (﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا﴾ من عقابه، ﴿وَطَمَعًا﴾ في ثوابه) (٥). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال الفراء: (رأيت العرب (٦) تؤنث القريبة في النسب لا يختلفون فيها، فإذا قالوا: دارك منا قريب، أو فلانة منك قريب، في القرب والبعد ذكروا وأنثوا، وذلك أن

стр. 4994

القرب إذا لم يكن في النسب كان في معنى المكان، فكأنه في تأويل هي: في مكان قريب، فجعل القريب خلفًا من المكان، كما قال الله (١) تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣] وقال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]، ولو أنث ذلك فبُني على بعدت فهي بعيدة، وقربت فهي قريبة، كان صوابًا حسنًا. وقال عروة بن حزام (٢): عَشِيَّةَ لا عَفْرَاءُ مِنْكَ قَرِيبَةٌ ... فَتدْنُو ولا عَفْرَاءُ مِنْكَ بَعِيدُ (٣) فمن أنَّث جمع وثنى، ومن ذكر لم يُثنِّ ولم يجمع؛ لأنه ذهب إلى تأويل المكان) (٤)، وهذا الذي ذكره الفراء هو مذهب أهل الكوفة، وبه قال ابن السكيت. أخبرني العروضي (٥)، قال: أخبرني الأزهري عن المنذري (٦) عن الحراني (٧) عن ابن السكيت قال: (تقول العرب: هو قريب مني، وهما

стр. 4995

قريب مني، وهم قريب (١) مني، وكذلك المؤنث، توحد قريبًا وتذكره؛ لأنه وإن كان فاعلًا فهو في تأويل (هو في مكان قريب مني)، وقد يجوز قريبة وجيدة بالهاء تبنيها على قربت وبعدت) (٢). وأما مذهب البصريين فقال الزجاج: (إنما قيل: ﴿قَرِيبٌ﴾ لأن الرحمة والغفران والعفو في معنى واحد، وكذلك كل تأنيث ليس بحقيقي) (٣). ونحو هذا قال الأخفش قال: الرحمة بمعنى الإنعام (٤)، فلذلك ذكر. ومثل هذا قال سعيد بن جبير: (الرحمة هاهنا: الثواب) (٥). وأما مذهب أهل الكوفة فقال الزجاج (٦): (وهو غلط؛ كل ما قرب في مكان أو نسب فهو جار على ما يصيبه من التأنيث والتذكير) (٧). والذي قاله الفراء هو مذهب أبي عمرو بن العلاء (٨)، وقول الكسائي (٩) وأبي عبيدة (١٠).

стр. 4996

وقال النضر بن شميل (١): (الرحمة مصدر، ومن حق المصادر التذكير كقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾) (٢) [البقرة: ٢٧٥]، وهذا راجع إلى قول الزجاج؛ لأنه الموعظة أريد بها الوعظ، فلذلك ذكر (٣) كما قال: إنَّ السَّمَاحَةَ والمُرُؤءَةَ ضمِّنا (٤) قيل: أراد بالسماحة السخاء، وبالمروءة الكرم (٥).

стр. 4997

٥٧ - قوله تعالى: ﴿وهُوَ الذي يرسل الرياح نشرًا (١) بين يدي رحمته﴾، مضى الكلام في الرياح في سورة البقرة (٢) بأبلغ الاستقصاء، فأما قوله: ﴿نُشْرًا﴾. يقال (٣) أنشر الله الريح مثل أحياها فنشرت هي أي: حييت والإنشار بمعنى: الإحياء يستعمل في الريح، وكذلك لفظ الإحياء (٤). قال المرّار (٥): وَهَبَّتْ لَهُ رِيحُ الجنُوبِ وأحْيَيَتْ ... لَهُ رَيْدَةُ يُحْي المِيَاةَ نَسِيمُهَا (٦)

стр. 4998

ومما يدل على ذلك أن الريح قد وصفت بالموت كما وصفت بالحياة. قال: إني لأَرْجُو أَنْ تَمُوتَ الرِّيحُ ... فَأُقْعُدُ اليَوْمَ وأَسْتَرِيحُ (١) فقوله: ﴿نُشُرًا﴾ جمع: نشُور مثل رَسُول ورُسُل، والنشور بمعنى: المنتشر؛ كالرَّكوب معنى: المركوب، فكأن المعنى: رياح منتشرة، فمن قرأ ﴿الرِّيَاحَ﴾ (٢) بالجمع حسن وصفها بقوله: ﴿نُشُرًا﴾ لأنه وصف الجمع بالجمع، ومن قرأ ﴿الرِّيح﴾ واحدة ﴿نُشُرًا﴾ جمعًا كقراءة ابن كثير، فإنه أراد بالريح الكثرة كقولهم: كثر الدرهم والدينار، والشاء (٣) والبعير، وكقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فلما كان المراد بالريح الجمع وصفها بالجمع، كقول عنترة: فِيهَا اثْنَتَانِ وأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً ... سُودًا كَخَافِيَةِ الغُرابِ الأَسْحَمِ (٤)

стр. 4999

وقرأ ابن عامر: ﴿نُشْرًا﴾ خفف الشين كما يقال: كُتْبٌ ورُسْل، وقرأ حمزة والكسائي ﴿نَشْرًا﴾؛ والنشر مصدر نشرت الشيء ضد طويته، ويراد بالمصدر هاهنا المفعول، والرياح كأنها كانت بانقطاعها كالمطوية فأرسلها الله تعالى منشورة بعد إنطوائها، فقوله: ﴿نَشْرًا﴾ مصدر حال من الرياح، ويجوز أن يكون النشر هاهنا الذي هو الحياة من قولهم: أنشر الله الميت فنشر. قال الأعشى: يَا عَجَبَا لِلْمَيِّتِ النَّاشِرِ (١) فإذا حملته على ذلك -وهو الوجه- كان المصدر يراد به الفاعل، كما تقول: أتاني ركضًا أي: راكضًا، ويجوز أن يكون انتصاب قوله: ﴿نَشْرًا﴾ انتصاب المصادر لا الحال من باب (صُنْعَ الله)؛ لأنه إذا قال: ﴿يُرْسِلُ اَلريَاحَ﴾ دل هذا الكلام على نشر الريح نشرًا، وقرأ عاصم ﴿بُشْرًا﴾ جمع بشيرًا على (بُشْر) من قوله: ﴿يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦] أي: تبشر بالمطر والرحمة. قال الفراء: (النُشر من الرياح الطيبة اللينة التي تنشئ السحاب) (٢). قال ابن الأنباري: (واحدها نشور، وأصل هذا من النَّشْر

стр. 5000

وهو الرائحة الطيبة) (١). ومنه قول امرئ القيس: ............ ونَشْرَ القُطُرْ (٢) وقال أبو عبيدة: (﴿نُشُرًا﴾ أي: متفرقة من كل جانب) (٣). قال أبو بكر: (هي المنتشرة الواسعة الهبوب، والنشر: التفريق، ومنه نشر الثوب، ونشر الخشبة بالمنشار، والنشر المنتشر) (٤). وقرأ حمزة والكسائي: ﴿نَشْرًا﴾ يجوز أن يكون من باب حذف المضاف على معنى: ذوات نشر أي: ريح طيبة (٥). وقوله تعالى: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، قال ابن عباس: (يريد: بين يدي المطر) (٦).

стр. 5001

وقال الكلبي: (قدّام مطره) (١). وقال أبو إسحاق: (أي: بين يدي المطر الذي هو رحمته) (٢) قال أبو بكر: (اليدان تستعملهما العرب في المجاز على معنى التقدمة، يقال: تكون هذه الفتن بين يدي الساعة، يريدون قبيل (٣) أن تقوم، تشبيهًا وتمثيلاً، إذ كانت يد الإنسان تتقدمانه، والرياح تتقدم المطر وتؤذن به) (٤). وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾، يقال: أقلَّ فلان الشيءَ أي (٥) حَمَله، وكذلك استقَلَّه (٦)، والمعنى: حتى إذا حملت هذه الرياح سحابًا ثقالًا بما فيها من الماء، قاله المفسرون (٧). وقوله تعالى: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ أي: سقنا السحاب، والسحاب لفظه مذكر وإن كان جمع سحابة، لذلك ذكَّر الكناية، وهو من باب تمر وتمرة وجَوْز وجَوْزة (٨).

стр. 5002

﴿لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾. قال ابن عباس: (يريد: ليس فيه نبات) (١). وقال الكلبي: (إلى مكان لا ينبُت) (٢). وقال أبو بكر: (أي: سقنا السحاب لبلدِ وإلى بلدٍ محتاج إلى المطر لانقطاعها عنه) (٣). فمنهم من يجعل اللام بمعنى إلى، كما يقال: هديته للدين وإلى الدين، ومنهم من يجعله لام أجل فيقول: سقناه لأجل بلدٍ ميتٍ (٤)، وأما البلد فكل موضع من الأرض عامرٍ أو غير عامر خالٍ أو مسكونٍ فهو بلد، والطائفة منه (بَلْدة)، والجميع البلاد، والفلاة تسمى: بلدة (٥)؛ قال الأعشى (٦):

стр. 5003

وَبَلْدَةٍ مِثْلِ ظَهْرِ التُّرْسِ مُوحِشَةٍ ... للجِنِّ بِاللَّيْلِ في حَافَاتِهَا (١) زَجَلُ وقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ﴾، قال الزجاج وابن الأنباري (٢): (جائز أن يكون فأنزلنا بالبلد الماء، وجائز أن يكون فأنزلنا بالسحاب الماء؛ لأن السحاب آلة لإنزال الماء) (٣). وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾. الظاهر أن الكناية تعود إلى الماء؛ لأن إخراج الثمرات كان بالماء، وقال الزجاج: (وجائز أن يكون فأخرجنا بالبلد من كل الثمرات؛ لأن البلد ليس يخص به هاهنا بلد دون غيره) (٤). وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ أي: مثل ذلك الإخراج الذي أشرنا إليه نخرج الموتى. وقال أبو بكر: (أي: نحيي الموتى مثل ذلك الإحياء الذي وصفناه في البلد الميت، فإحياء الأموات بعد أن صاروا رفاتا في التراب كإحياء الأرض بالنبات) (٥).

стр. 5004

وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: كي تتعظوا) (١). وقال الزجاج: (أي: لعلكم بما بينا (٢) لكم تستدلون على توحيد الله وأنه يبعث الموتى. و (لعل) ترجٍ، والله يعلم أيتذكرون أم لا، وإنما خوطب العباد على قدر علمهم وما يرجوه بعضهم من بعض) (٣)، وقد مضت هذه المسألة في سورة البقرة (٤). ٥٨ - وقوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ الآية. قال المفسرون: (هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر بالأرض العذبة التربة وبالأرض السبخة الملحة)، وهو قول ابن عباس (٥) ومجاهد (٦) والحسن (٧) وقتادة (٨) والسدي. قال أبو بكر: (فشبه المؤمن الذي إذا سمع القرآن فوعاه وعقله وانتفع به فبان أثره عليه بالبلد الطيب؛ إذ كان البلد الطيب يُمرع ويُخصب ويحسن

стр. 5005

أثر المطر فيه، وشبه الكافر الذي يسمع القرآن ولا يؤثر فيه أثرًا محمودًا بالبلد الخبيث؛ إذ كان لا يمرع ولا يخصب ولا يتبين أثر المطر فيه) (١). وقال الحسين بن الفضل: (شبه الله المؤمن والكافر بالأرض، وشبه نزول القرآن بالمطر، وعلى قدر طيبة (٢) التربة ورداءتها زكاء النبت وزيادته) (٣). وهذا الذي ذكره أبو بكر والحسين هو (٤) معنى قول قتادة (٥). وقال الكلبي: (هذا مثل للمؤمن والكافر، المؤمن يعمل عمله طوعًا لله بإذن ربه من غير كد ولا عناء، والكافر لا يعمل عمله إلا في شدة وكدّ لغير الله) (٦)، وفي قوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ دليل على أن ما يعمله المؤمن من خير وطاعة لا يكون ذلك إلا بتوفيق من (٧) الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾. قال الكلبي: (﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ السبخة من الأرض) (٨). قال الفراء: (يقال: خَبُث الشيء يَخْبثُ خُبْثًا وخَبَاثة) (٩).

стр. 5006

وقوله تعالى: ﴿إِلَّا نَكِدًا﴾ النكد العسر الممتنع (١) من إعطاء الخير على جهة البخل. وقال الفراء: (النَّكَد المصدر يقال: نَكِد نَكَدًا فهو نَكِدٌ) (٢). وقال الليث: (النكد الشؤم واللؤم وقلة العطاء وألا يهنأه من يعطاه، ورجل أنَكَد ونَكِد) (٣). وأنشد: وَأَعْطِ مَا أَعْطَيْتَهُ طَيِّبًا ... لاَ خَيرْ في المَنْكُودِ والنَّاكِدِ (٤) الأزهري: (المنكود: العطاء النزر القليل) (٥). وقال أبو بكر: (النكد معناه في اللغة: العسر المبطي البعيد الخير، وهو في صفة البلد) (٦). وأنشد غيره:

стр. 5007

لاَ تُنْجِزُ الوعْدَ إنْ وعَدْتَ وإن ... أَعْطَيْتَ أَعْطَيْتَ تَافِهًا نكدَا (١) فقوله: نكدًا نُصب على الحال، وكذلك في الآية كما تقول: لا يخرج فلان إلا راكبًا (٢). قال قتادة وأبو روق (٣): (﴿إِلَّا نَكِدًا﴾ إلا عسرًا). وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ مضى معنى تصريف الآيات في مواضع. وقوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾. قال عطاء: (يريد لنعم الله، ويوحدونه، ويطيعون أمره) (٤). وقال بعض أهل النظر: (ذكر الشكر في آخر الآية، إشارة إلى نعمتين مذكورتين في الآية للمؤمن، وهو أن الله تعالى لم يجعله كالبلد الخبيث، والثاني: أنه أذن له في الإيمان والطاعات كما أذن للبلد الطيب في إخراج النبات) (٥). ٥٩ - قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا

стр. 5008

لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [قرئ: ﴿غَيْرُهُ﴾ (١)، رفعًا وخفضًا (٢)، فأما من خفض فقال الفراء: (يجعل (غير) نعتًا للإله، وقد يرفع فيجعل تابعًا للتأويل في ﴿إِلَهٍ﴾، ألا ترى أن الإله لو نزعت منه (مِن) (٣) كان رفعًا) (٤)، وقال أبو إسحاق: (الرفع على معنى: ما لكم إله غيره ودخلت (مِنْ) مؤكدةَ، و (مِنْ) خفض جعله صفة لإله) (٥) فقد اتفقا كما ترى على أن (غير) في القراءتين صفة لإلهٍ، الرفع على الموضع، والخفض على (٦) اللفظ، ولا بد من إضمار محذوف في الكلام، وهو خبر ﴿ما﴾؛ لأنك إذا جعلت (غير) من صفة الإله، لم يكن للنفي خبر، والكلام لا يستقل بالصفة والموصوف كقولك: (زيد العاقل)، وتسكت حتى تذكر خبره، ويكون التقدير: ما لكم من إله غيره في الوجود، ونحو ذلك لا بد من هذا الإضمار (٧).

стр. 5009

وقال أبو علي: (وجه من قرأ بالرفع قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٦٢] ، فكما أن قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ بدل من قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ﴾، كذلك قوله: ﴿غَيْرُ اللهِ﴾ (١) يكون بدلاً من قوله ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾ و (غير) يكون بمنزلة الاسم الذي بعد إلا). وعلى ما ذكره أبو علي (غير) يكون رفعًا بالاستثناء، ولا يحتاج إلى إضمار الخبر، قال: (وهذا الذي ذكرنا أولى أن يُحمل عليه من أن يجعل غير صفةً لإله على الموضع (٢). ٦٢ - قوله تعالى (٣): ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾. وقرأ أبو عمرو (٤) ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ مخففة من الإبلاغ، وكلا الأمرين قد جاء في التنزيل، فالتخفيف قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ﴾ [هود: ٥٧] والتشديد قوله: ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٥) [المائدة: ٦٧].

стр. 5010

وقوله تعالى: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾. قال الفراء: (والعرب لا تكاد تقول: نصحتك، إنما يقولون: نصحت لك، فأنا أنصح لك نصيحة ونصاحةً ونصحًا وقد يجوز نصحتك) (١). قال النابغة: نصحتُ بَنِي عَوْفٍ فلم يَتَقَبَّلُوا ... رسولي ولم تَنْجَحْ لديهم رسَائِلي (٢) ومعنى النصح: إخلاص النية من شائب الفساد في المعاملة وهو خلاف الغش (٣). قال ابن عباس: (يريد: أدعوكم إلى ما دعاني الله إليه، وأحب لكم ما أحب لنفسي. ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يريد: إني أعلم أن ربي غفور رحيم لمن رجع عن معاصيه، وأن عذابه أليم شديد لمن أصرّ على معاصيه) (٤). وقال أهل النظر: (في قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ حثٌّ لهم
следующие страницы →