← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

وقوله تعالى: ﴿إِلَّا نَكِدًا﴾ النكد العسر الممتنع (١) من إعطاء الخير على جهة البخل. وقال الفراء: (النَّكَد المصدر يقال: نَكِد نَكَدًا فهو نَكِدٌ) (٢). وقال الليث: (النكد الشؤم واللؤم وقلة العطاء وألا يهنأه من يعطاه، ورجل أنَكَد ونَكِد) (٣). وأنشد: وَأَعْطِ مَا أَعْطَيْتَهُ طَيِّبًا ... لاَ خَيرْ في المَنْكُودِ والنَّاكِدِ (٤) الأزهري: (المنكود: العطاء النزر القليل) (٥). وقال أبو بكر: (النكد معناه في اللغة: العسر المبطي البعيد الخير، وهو في صفة البلد) (٦). وأنشد غيره:

стр. 5007

لاَ تُنْجِزُ الوعْدَ إنْ وعَدْتَ وإن ... أَعْطَيْتَ أَعْطَيْتَ تَافِهًا نكدَا (١) فقوله: نكدًا نُصب على الحال، وكذلك في الآية كما تقول: لا يخرج فلان إلا راكبًا (٢). قال قتادة وأبو روق (٣): (﴿إِلَّا نَكِدًا﴾ إلا عسرًا). وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ مضى معنى تصريف الآيات في مواضع. وقوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾. قال عطاء: (يريد لنعم الله، ويوحدونه، ويطيعون أمره) (٤). وقال بعض أهل النظر: (ذكر الشكر في آخر الآية، إشارة إلى نعمتين مذكورتين في الآية للمؤمن، وهو أن الله تعالى لم يجعله كالبلد الخبيث، والثاني: أنه أذن له في الإيمان والطاعات كما أذن للبلد الطيب في إخراج النبات) (٥). ٥٩ - قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا

стр. 5008

لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [قرئ: ﴿غَيْرُهُ﴾ (١)، رفعًا وخفضًا (٢)، فأما من خفض فقال الفراء: (يجعل (غير) نعتًا للإله، وقد يرفع فيجعل تابعًا للتأويل في ﴿إِلَهٍ﴾، ألا ترى أن الإله لو نزعت منه (مِن) (٣) كان رفعًا) (٤)، وقال أبو إسحاق: (الرفع على معنى: ما لكم إله غيره ودخلت (مِنْ) مؤكدةَ، و (مِنْ) خفض جعله صفة لإله) (٥) فقد اتفقا كما ترى على أن (غير) في القراءتين صفة لإلهٍ، الرفع على الموضع، والخفض على (٦) اللفظ، ولا بد من إضمار محذوف في الكلام، وهو خبر ﴿ما﴾؛ لأنك إذا جعلت (غير) من صفة الإله، لم يكن للنفي خبر، والكلام لا يستقل بالصفة والموصوف كقولك: (زيد العاقل)، وتسكت حتى تذكر خبره، ويكون التقدير: ما لكم من إله غيره في الوجود، ونحو ذلك لا بد من هذا الإضمار (٧).

стр. 5009

وقال أبو علي: (وجه من قرأ بالرفع قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٦٢] ، فكما أن قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ بدل من قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ﴾، كذلك قوله: ﴿غَيْرُ اللهِ﴾ (١) يكون بدلاً من قوله ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾ و (غير) يكون بمنزلة الاسم الذي بعد إلا). وعلى ما ذكره أبو علي (غير) يكون رفعًا بالاستثناء، ولا يحتاج إلى إضمار الخبر، قال: (وهذا الذي ذكرنا أولى أن يُحمل عليه من أن يجعل غير صفةً لإله على الموضع (٢). ٦٢ - قوله تعالى (٣): ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾. وقرأ أبو عمرو (٤) ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ مخففة من الإبلاغ، وكلا الأمرين قد جاء في التنزيل، فالتخفيف قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ﴾ [هود: ٥٧] والتشديد قوله: ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٥) [المائدة: ٦٧].

стр. 5010

وقوله تعالى: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾. قال الفراء: (والعرب لا تكاد تقول: نصحتك، إنما يقولون: نصحت لك، فأنا أنصح لك نصيحة ونصاحةً ونصحًا وقد يجوز نصحتك) (١). قال النابغة: نصحتُ بَنِي عَوْفٍ فلم يَتَقَبَّلُوا ... رسولي ولم تَنْجَحْ لديهم رسَائِلي (٢) ومعنى النصح: إخلاص النية من شائب الفساد في المعاملة وهو خلاف الغش (٣). قال ابن عباس: (يريد: أدعوكم إلى ما دعاني الله إليه، وأحب لكم ما أحب لنفسي. ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يريد: إني أعلم أن ربي غفور رحيم لمن رجع عن معاصيه، وأن عذابه أليم شديد لمن أصرّ على معاصيه) (٤). وقال أهل النظر: (في قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ حثٌّ لهم

стр. 5011

على طلب العلم من جهته، وتحذير من مخالفته) (١). ٦٣ - قوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد: موعظة من الله) (٢). وقوله تعالى: ﴿عَلَى رَجُلٍ﴾. قال الفراء: (﴿عَلَى﴾ هاهنا بمعنى: (مع) كما تقول: جاءنا الخير على وجهك ومع وجهك، ويجوزان جميعًا) (٣)، وقال ابن قتيبة: (أي: على لسان رجل منكم) (٤). وقال غيره (٥): (معناه: ذكر من ربكم منزل على رجل)، فـ (على) من صلة الإنزال المحذوف، وعلى هذا دل كلام ابن عباس في هذه الآية؛ لأنه قال في قوله: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾: (يريد أوحى الله إليه، وبعثه إليكم لينذركم) (٦). وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: يعرفون نسبه، فهو منكم نسبًا. ٦٤ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾، قال ابن عباس: (عميت قلوبهم عن معرفة الله وقدرته وشدة بطشه) (٧).

стр. 5012

وقال الزجاج: (أي: قد عَمُوا عن الحق والإيمان) (١). قال الليث: (يقال (٢) رجل عمٍ إذا كان أعمى القلب) (٣). وقال أبو معاذ النحوي (٤): (رجل عم في أمره لا يبصره (٥)، ورجل أعمى في البصر)، قال زهير (٦): وَلَكِنِّني عَنْ عِلْمِ مَا فيِ غَدٍ عَمِ وعلى هذا الوجه فسر ابن عباس؛ حيث قال: (عميت قلوبهم) (٧). وهو اختيار الحسين (٨) بن الفضل فإنه قال: (عمين في البصائر وأعمى في البصر) (٩)، ألا ترى أن قوم نوح لم يكونوا أَضِرَّاءَ مكافيف، إنما وصفوا

стр. 5013

بعمى القلب، وقد يكون العمي والأعمى كالخَضِر والأخضر (١)، وفَعِل يأتي كثيرًا في النعوت من فَعِلَ يفعل نحو: حذِرٍ وطمِعٍ وهرِمٍ وعَجِلٍ. ومن المعتل: شجي وصدٍ للعطشان، ونسي، إذا اشتكى نساه فهو أنسى ونسي. ذكره ابن السكيت (٢). ٦٥ - وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ الآية. انتصب: ﴿أَخَاهُمْ﴾ بقوله: ﴿أَرْسَلْنَا﴾ في أول الكلام، وهو قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٥٩] و (٣) المعنى: وأرسلنا إلى عاد ﴿أَخَاهُمْ هُودًا﴾، وهذا قول الفراء، والزجاج، والأخفش (٤)، ومعنى ﴿أَخَاهُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ابن أبيهم) (٥).

стр. 5014

وقال الكلبي: (ليس بأخيهم في الدين، ولكنه أخوهم في النسب؛ لأنه منهم، فلذلك جعله أخاهم) (١). قال الزجاج: (وقيل للأنبياء: (أخوهم) وإن كانوا كفرة، يعني: أنه قد أتاهم بشر مثلهم من بني أبيهم آدم وهو أحجّ عليهم، قال: وجائز أن يكون (أخاهم)؛ لأنه من قومهم ليكون أفهم لهم بأن يأخذوا عن رجل منهم) (٢). وقال بعض أهل النظر: (قوله تعالى: ﴿أَخَاهُمْ﴾ يعني: صاحبهم ورسولهم، والعرب تسمي صاحب القوم أخ القوم، ومنه قوله ﷺ : "إن أخا صداء (٣) قد أذن [و] (٤) إنما يقيم من أذن" (٥) يريد (٦) صاحبهم، ومن هذا

стр. 5015

قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨] أي: صاحبتها وشبيهتها، وهذا كثير في كلامهم) (١). وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: وحدوا الله ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ قال: يريد: أفلا تخافون نقمته) (٢). ٦٦ - وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾. قال مقاتل: (أي: في حمق) (٣). وقال عبد الله بن مسلم: (أي: في جهل) (٤). قال ابن عباس: [(يريد)] (٥) تدعونا إلى دين لا نعرفه) (٦)، ومضى معنى السفاهة في أول سورة البقرة (٧).

стр. 5016

وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، قال ابن عباس: (يريدون كاذبًا فيما جئت به) (١). وقال مقاتل: (من الكاذبين فيما تقول من نزول العذاب بنا) (٢). وقال الكلبي: (من الكاذبين في ادعائك بالنبوة) (٣). وقال أبو إسحاق في قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ﴾: (فكفروا به ظانين [لا] (٤) مستيقنين) (٥)، وهو قول الحسن، قال: (كان تكذيبهم إياه على الظن لا على اليقين) (٦). وقال بعض أهل النظر: (الظن هاهنا معناه: العلم، والظن بمعنى العلم كثير في الكلام)، ذكرنا ذلك (٧) في سورة البقرة. ٦٨ - وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾. قال الضحاك: (أمين على الرسالة) (٨). وقال الكلبي: (قد كنت فيكم قبل اليوم أمينًا) (٩). والقولان ذكرهما الفراء (١٠)، ومعنى الأمين: الثقة في نفسه، وهو فعيل من أَمِنَ يَأمن

стр. 5017

أَمنًا فهو آمِن وأمين بمعنى واحد، ويقال أيضاً: ما كان فلان أمِينًا , ولَقَد أمن يَأمن أمانة فهو أَمِين، والمأمون: الذي يأمنه غيره (١). ٦٩ - قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾. مضى الكلام في الخلفاء والخليفة (٢) والخلائف في مواضع. قال ابن عباس: (يريد: أنكم من ولد نوح، وقد علمتم ما صنع الله بمن كذبه) (٣). وقال غيره (٤): (هذا معناه: تذكيرهم النعمة عليهم بأن استخلفهم الله وقال في الأرض بعد هلاك قوم نوح، يقول: اذكروا أن الله أهلكهم واستخلفكم بعدهم. ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾. قال الكلبي: (فضيلة (٥) في الطول) (٦) ومضى الكلام (٧) في هذا عند قوله: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]. قال ابن عباس: (يريد: أنكم أجسم وأتم من آبائكم الذين ولدوكم) (٨).

стр. 5018

قال الكلبي: (وكان أطولهم مائة ذراع، وأقصرهم ستين ذراعًا) (١). وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس: (يريد: نِعَم الله عليكم) (٢)، وواحد الآلاء: إلْي وأَلْي وألْو وألَى (٣). قال الأعشى (٤):

стр. 5019

أَبْيَضُ لاَ يَرْهَبُ الْهزال وَلاَ ... يَقْطَعُ رِحْمًا وَلاَ يَخُونُ إلا ونظير الآلاء الآناء، واحدها إِنْي وأُنْىً وإنًى (١)، وحكى الأخفش (٢) إنْو (٣) وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: [كي] (٤) تسعدوا وتبقوا في الجنة) (٥). ٧٠ - قوله تعالى: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾. قال ابن عباس والكلبي (٦): (يريدون من العذاب). ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ إنك تأتينا من العذاب، قاله الكلبي (٧)، وقال ابن عباس: (يريدون أن الله لم يرسلك، يعني: ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٨) في نبوتك وإرسالك إلينا) (٩). ٧١ - قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. يقال: وَقَعَ القولُ والحكمُ إذا وَجَبَ، ومنه قوله: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٨٢]. معناه: إذا وجب، ومثله: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ [الأعراف: ١٣٤] أي: أصابهم ونزل به، وأصله من الوقوع بالأرض، يقال: وقع بالأرض مطر، ووقعت

стр. 5020

الإبل إذا بركت (١). وقوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾، قال ابن عباس: (يريد: عذابًا وسخطًا) (٢). ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾. قال: (يريد: الأصنام التي كانوا يعبدونها) (٣). قال المفسرون: (كانت لهم أصنام يعبدونها وسموها أسماء مختلفة، فلما دعاهم الرسول إلى التوحيد استنكروا عبادة الله وحده) (٤). وقوله: ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: من حجة وبرهان لكم في عبادتها، ﴿فَانْتَظِرُوا﴾. قال ابن عباس: (يريد العذاب) (٥)، ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ الذي يأتيكم من الله في تكذيبكم آياتي. ٧٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ الآية. الكلام في هذا كهو في قوله: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥]، وقد مر، والكلام في (ثمود) وجواز إجرائه يذكر في سورة (٦) هود إن شاء الله (٧).

стр. 5021

وقوله تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾. ﴿آيَةً﴾ (١) نَصْبٌ على الحال (٢) أي: أشير إليها في حال كونها آية، وهذه تتضمن معنى الإشارة، و (آية) في معنى دالة، فلهذا جاز أن يكون حالاً. قال ابن الأنباري: (وهي آية لهم ولغيرهم، ولكنهم اقترحوها، فخصوا بها، وإن كانت فيها عبرة (٣) لجميع الخلق، وكانت هذه الناقة آية من بين سائر النوق؛ لأنها خرجت من حجر صلدٍ بمخض واضطراب كاضطراب المرأة عند الولادة) (٤). قال ابن عباس: (الآية فيها أنها كانت ترد يومًا وتغب يومًا، فإذا وردت شربت جميع الماء وتسقيهم مثله لبنًا لم يُشرب مثله قط ألذ وأحلى) (٥)، فتوسعهم من اللبن ما يصدرون منه بريهم ومقدار حاجتهم،

стр. 5022

وكانت آية لانفرادها من سائر بعضها بهذا الأمر الذي لم يشاهد مثله في غيرها. وقوله تعالى: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾، أي: سهل الله أمرها عليكم فليس عليكم رزقها ولا مؤنتها. ٧٤ - قوله تعالى: ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، قال أبو علي: (هذا على (١) حذف أحد المفعولين كأنه قيل: بَوأكم في الأرض منازل أو بلادًا) (٢). وقوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا﴾. قال ابن عباس: (يريد: تبنون القصور بكل موضع). ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾، قال: (يريد: بيوتًا من الجبال تشققونها (٣) منها، فكانوا يسكنونها شتاء ويسكنون القصور بالصيف) (٤). قال الزجاج: (ويروى أنهم لطول أعمارهم كانوا يحتاجون إلى أن ينحتوا بيوتًا في الجبال؛ لأن السقوف والأبنية (٥) كانت تبلى قبل فناء أعمارهم) (٦).

стр. 5023

٧٥ - قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ﴾ الآية. قال ابن عباس: (يريد الأشراف) (١). قال أهل اللغة (٢): (هم الذين تملأ الصدورَ هيبتُهم)، كما رُوي في قتلى بدر (أولئك الملأ من قريش) (٣) أي: الأشراف الذين يملؤن النفس هيبة وتعظيمًا. وقال الفراء: (الملأ القوم من الرجال ليس فيهم امرأة) (٤). ٧٥ - وقوله تعالى (٥): ﴿الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ الآية. قال ابن عباس: (يريد عن عبادة الله) (٦).

стр. 5024

﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ (يريد المساكين) (١)، ﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ بدل من قوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ (٢)؛ لأنهم المؤمنون. ٧٧ - قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ الآية. قال الأزهري: (العقر عند العرب: كشف عرقوب البعير، ثم تجعل النحر عقرًا؛ لأن العقر سبب النحر، وناحر البعير يعقره ثم ينحره، هذا هو الأصل ثم جعل النحر عقرًا وإن لم يكن هناك قطع للعرقوب) (٣)، قال امرؤ القيس: وَيوْمَ عَقَرْتُ للِعَذارَى مَطيِّتي (٤) وقوله تعالى: ﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾، يقال: عتَا يَعْتُو عُتُوًا (٥) إذا

стр. 5025

استكبر، ومنه يقال: جبار عَاتٍ. قال مجاهد: (العتو (١): الغلو في الباطل). قال ابن عباس: (عقروا الناقة عُتُوًا وتكذيبًا بما جاء به صالح) (٢). وقال الكلبي (٣) ومقاتل (٤): (﴿وَ (٥) عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾: عصوا الله وتركوا أمره في الناقة). وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾، أصل: ﴿ائْتِنَا﴾ (٦) اأتنا بهمزتين (٧) أحدهما للوصل، والثانية للأصل، إلا أنه لما لم يجز اجتماع همزتين في موضع واحدة من كلمة واحدة لينت الثانية، فإذا وصل بكلام قبله سقط ألف الوصل فظهرت همزة الأصل في قوله: ﴿يَا صَالِحُ

стр. 5026

ائْتِنَا﴾ (١) في قراءة من قرأ بالهمز (٢). ٧٨ - وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾. قال الفراء والزجاج (٣): (هي الزلزلة الشديدة) وهو قول الكلبي (٤). قال الليث: (يقال: رَجَف الشيء يَرْجُف رَجْفًا وَرَجَفَاناَ كَرَجَفان البعير تحت الرَّحْل، وكما يرجُف الشجر إذا رجفته الريح، وَرَجفت الأرض إذا تزلزلت) (٥). وقال عمر بن أبي ربيعة (٦):

стр. 5027

ولَمَّا رَأَيتُ الحجَّ قد حان وقتهُ ... وَظلَّتْ جِمال القومِ بالقومِ تَرْجُفُ وقال أبو عبيدة: (الرجف من قولهم: رجفت بهم الأرض إذا تحركت) (١)، يذهب إلى أنها الزلزلة، وأنشد (٢): تحنَّى العِظامُ الرَّاجفاتُ مِنَ البلى ... وليس لداء الرُّكبْتَيْنَ طَبيبُ وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾ يعني: بلدهم، لذلك وحد الدار، كما يقال: دار الحرب، ومررت بدار البزازين (٣)، وجمع في موضع آخر فقال: ﴿فِي دِيَارِهِمْ﴾ [هود: ٦٧] لأنه أراد منازلهم التي ينفرد كل واحد منهم (٤) بمنزله، وقوله تعالى: ﴿جَاثِمِينَ﴾، قال أبو عبيدة: (الجثوم للناس والطير بمنزلة البروك للإبل) (٥)؛ قال جرير: عَرَفْتُ المُنَتَأى وعَرَفْتُ مِنْهَا ... مَطَايَا القِدْرِ كَالحِدَإ الجُثُومِ (٦)

стр. 5028

وقال أبو العباس: (الجاثم المبارك على رجليه كما يجثم الطير) (١). قال الزجاج: (معنى ﴿جَاثِمِينَ﴾ قد خمدوا من شدة العذاب) (٢). وهو قول ابن عباس: (﴿جَاثِمِينَ﴾ يريد: خامدين ميتين) (٣). وقال الكلبي: (احترقوا بالصاعقة فأصبحوا ميتين قد همدوا رمادًا لا يتحركون) (٤)، وهو قول الفراء: (صاروا رمادًا جاثمًا) (٥). وقال ابن الأنباري: (قال المفسرون: معنى ﴿جَاثِمِينَ﴾: بعضهم على بعض، أي: عند نزول العذاب بهم سقط بعضهم على بعض) (٦). قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ٧٩]. قال المفسرون: (إن صالحًا أقبل عليهم بالدعاء إلى توحيد الله وطاعته، فلما خالفوا ونزل بهم العذاب تولى عنهم لليأس منهم) (٧).

стр. 5029

وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾. قال ابن عباس: (يريد قد خوفتكم من الله ومن عقابه) (١)، وخطابه إياهم (٢) بعد كونهم جاثمين كخطاب النبي ﷺ قتلى بدر، وقيل له: أتكلم هؤلاء الجيف؟ قال: "ما أنتم بأسمع منهم، ولكنهم لا يقدرون على الجواب" (٣). ٨٠ - قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا﴾، ذكر الفراء في كتاب المصادر (٤)

стр. 5030

اشتقاق هذا الاسم، وأنكر عليه ذلك أبو إسحاق وقال: (الاسم الأعجمي لا يقال إنه مشتق كإسحاق، لا يقال إنه مشتق من السُّحق، وكتاب الله لا ينبغي أن يُقدم على تأويله إلا برواية صحيحه أو حجة واضحة) (١). وقال النحويون: (إنما صرف لوط لخفته بأنه على ثلاثة أحرف ساكن الأوسط) (٢). وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾، يعني: إتيان الذكران، في قول جميع المفسرين (٣)، ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾، قالوا: (ما نزا (٤) ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط)، قال الزجاج: (وفي هذه الآية دليل على أن فاحشة اللواط لم يفعلها أحد قبل قوم لوط) (٥). ٨١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ الآية كلهم قرءوا: ﴿إِنَّكُمْ﴾ بالاستفهام، إلا نافعًا فإنه رأ: ﴿إِنَّكُمْ﴾ بغير

стр. 5031

استفهام (١)، فمن استفهم كان (٢) هذا استفهامًا معناه الإنكار، كقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠]، وكل واحد من الاستفهامين (٣) جملة مستقلة لا تحتاج في تمامها إلى شيء، فمن ألحق حرف الاستفهام جملة، نقلها به من الخبر إلى الاستخبار، ومن لم يُلحقها بقَّاها على الخبر (٤). وقوله تعالى: ﴿شَهْوَةً﴾، مصدر. قال أبو زيد: (شَهِي يَشْهى شهوةً، وشَها يشهو إذا اشتَهَى) (٥). قال الشاعر: وَأشْعَثَ يَشْهَى النَّوم قلتُ له ارْتَحِلْ ... إذا ما النُّجُومُ أَعْرَضَتْ وَاسْبَكَرَّتِ (٦)

стр. 5032

وانتصابها على المصدر؛ لأن قوله: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ معناه: أتشهونهم شهوة، وإن [شئت] (١) قلت: إنها مصدر (٢) وقع موقع الحال (٣). قال الحسن: (كانوا ينكحون الرجال في أدبارهم، وكانوا لا ينكحون إلا الغرباء) (٤). وقال عطاء عن ابن عباس: (استحكم ذلك فيهم حتى فعل بعضهم ببعض) (٥). وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾. معنى ﴿بَلْ﴾ هاهنا إضطراب عن الأول إلى جميع المعايب من عبادة الأوثان، وإتيان الذكران، وترك ما قام به البرهان (٦). وعلى هذا المعنى دل (٧) كلام ابن عباس حيث قال: (يريد جمعتم مع الشرك معصية لم يفعلها خلق قبلكم) (٨). ٨٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ (٩). يعني: لوطًا واتباعه؛ لأنه قال في غير هذه السورة: ﴿أَخْرِجُوا

стр. 5033

آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (١) [النمل: ٥٦]، أي (٢): عن إتيان الرجال في أدبارهم، عن ابن عباس (٣) ومجاهد (٤)، وقتادة (٥). والعرب (٦)، تقول: تطهير الرجل إذا تنزه عن الإثم وعما يوقعه فيه، فمعنى قوله: ﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾ أي: يتنزهون عما كانوا يأتونه (٧) من المناكير. قال أهل المعاني: (هذه الآية بيان عن حال الجهال في ردهم على نبيهم أقبح جواب، واعتلالهم أفسد اعتلالٍ حين جعلوا تنزههم عن الفاحشة سببًا للمباعدة). وهذا معنى قول قتادة: (عابوهم والله بغير عيبٍ) (٨).

стр. 5034

٨٣ - وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾. قال المفسرون (١): (﴿أَهْلَهُ﴾ ابنتاه)، وهو قول ابن عباس (٢). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾، يعني: زوجته، وجاز أن يقال: امرأة الرجل بمعنى زوجته، ولم يجز أن يقال: مرؤها: بمعنى زوجها؛ لأن الرجل بمنزلة المالك لها, ليست المرأة بمنزلة المالكة للرجل، فإذا أضيفت إلى الرجل بالاسم العام عرفت الزوجية وملك النكاح، والرجل إذا أُضيف إلى المرأة بالاسم العام لم يعرف الزوجية (٣). وقوله تعالى: ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾. يقال: غَبَرَ الرجل يَغبُر غبُورًا إذا مكث وبقي (٤)، قال الهذلي (٥):

стр. 5035

فَغَبَرْتُ بَعْدَهُم بِعيشٍ نَاصِبٍ ... وَإخَالُ أَنّي لاَحِقٌ مُسْتَتْبَعُ (١) يعني: بقيت. قال المفسرون (٢): (إنها كانت من الباقين في عذاب الله)، وهو قول الحسن (٣) وقتادة (٤)، ويجوز أن يكون المعنى: من الغابرين عن النجاة، أي: من الذين بقوا عنها ولم يدركوا النجاة. يقال: بقي فلان عن هذا الأمر أي: لم يدركه، وإلى هذا أشار أبو إسحاق (٥) وابن الأنباري. وقال أبو بكر: (أي: لم تسر مع لوط وأهله، ولم تدخل في جملة الناجين، وأقامت في الموضع الذي نزل بأهله العذاب) (٦). فعلى هذا يحتمل تأويلين: أحدهما: من الغابرين في موضع الهلاك، والثاني: من الغابرين عن النجاة كما ذكرنا (٧).

стр. 5036

٨٤ - قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ الآية. يقال: مطرتنا السماء وأمطرتنا، والأول أفصح (١) وأمطرهم الله مطرًا وعذابًا، وكذلك أمطر عليهم (٢). قال ابن عباس (٣) والمفسرون (٤): (أمطر الله عليهم حجارة من السماء). كما قال في آية أخرى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤]. ٨٥ - قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾. قال المفسرون (٥):

стр. 5037

(مدين: اسم ولدٍ لإبراهيم، وهو مدين بن إبراهيم الخليل، وشعيب بعث إلى أولاد مدين، ومدين صار اسمًا للقبيلة، كما يقال: بكر وتميم). قال الزجاج: (ولم يصرف (مدين) لأنه اسم للقبيلة، وهو أعجمي) (١). وقوله تعالى: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾. قال عطاء عن ابن عباس: (هو شعيب ابن توبة بن مدين بن إبراهيم خليل الرحمن) (٢). وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال بعض أهل التفسير: (البينة شعيب) ومعناه: قد جئتكم بالرسالة، ومجيء البينة هاهنا مجيء شعيب. وبهذا قال الفراء؛ فإنه قال: (لم يكن له آية إلا (٣) النبوة) (٤)، وأنكر الزجاج ذلك وجعله (غلطًا فاحشًا؛ لأن شعيبًا دعا إلى أنه رسول، ولا سبيل إلى علم ذلك إلا بمعجزة (٥). ولو ادعى مدعٍ النبوة بغير آية

стр. 5038

لم تقبل منه (١)، ومعجزة شعيب لم تذكر في القرآن) (٢). وقال عطاء عن ابن عباس: (﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يريد موعظة) (٣) ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾. قال المفسرون: (إن قوم شعيب كانوا أهل كفر بالله وبخس للمكيال والميزان (٤). فأمرهم شعيب بتوحيد الله وإتمام الكيل والوزن) (٥). قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾. أي: بعد إصلاح الله تعالى إياها ببعثه شعيب. وهذا معنى قول ابن عباس (٦)، وإلى هذا أشار الزجاج، فقال: (أي: لا تعملوا فيها بالمعاصي وبخس الناس بعد أن أصلحها الله بالأمر بالعدل، وإرسال الرسول) (٧). وتفسير هذا

стр. 5039

سابق في قوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦]. ٨٦ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾، قال الكلبي: (ولا تقعدوا على طريق الناس تخوفون أهل الإيمان بشعيب بالقتل) (١)، ونحو ذلك قال السدي (٢) ومقاتل (٣)، وقتادة؛ قالوا: (إن مفعول الإيعاد مضمر على معنى: توعدون من أتى شعيبًا وأراد (٤) الإيمان به)، والإيعاء إذا أطلق اقتضى الشر (٥).

стр. 5040

وقوله تعالى: ﴿بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾. يقال: قعد له بمكان كذا، وعلى مكان كذا، وفي مكان كذا، وهذه الحروف تتعاقب (١) في هذا الموضوع لاجتماع معانيها فيه، وذلك أنك إذا قلت: قعد بمكان كذا فـ (الباء) للالتصاق، وهو قد لاصق المكان، و (على) للاستعلاء، وهو قد علا المكان، و (في) للمحل، وهو قد حلّ المكان. وقوله تعالى: ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ (٢) (٣). قال ابن عباس: (كانوا يجلسون على الطريق فيخبرون من أتى عليهم أن شعيبًا كذّاب فلا يفتنكم عن دينكم) (٤). وقال مقاتل: (وتصدون عن دين الله من آمن به) (٥). وقال الكلبي: (وتصرفون عن دين الله الإِسلام من آمن بشعيب) (٦). فالكناية في ﴿بِهِ﴾ يجوز أن تعود إلى ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ لأن المراد به دين الله على قول مقاتل، وعلى قول الكلبي الكناية تعود إلى شعيب، وقال عكرمة:

стр. 5041

(﴿مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ (١) يعني: بالله) (٢). وقوله تعالى: ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾. قال مجاهد: (يلتمسون لها الزيغ) (٣). وقال السدي: (وتبغون هلاك الإِسلام). وقال قتادة (٤): (وتبغون عوج السبيل عن الحق)، [و] (٥) قال الحسن: (لا تستقيمون على طريق الهدى) (٦). قال ابن زيد: (وتبغون اعوجاج السبيل) (٧). وقال أبو إسحاق: (أي: وتريدون الاعوجاج والعدول عن القصد) (٨). وقد ذكرنا مستقصى معنى ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ في سورة آل عمران [: ٩٩].

стр. 5042

وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾. قال الزجاج: (يحتمل ثلاثة أوجه: كثر عددكم، وكثركم بالغنى بعد الفقر، وكثركم بالمقدرة بعد الضعف) (١)، ووجه ذلك أنهم إذا كانوا فقراء أو ضعفاء فهم بمنزلة القليل في قلة الغناء، وإلى هذه المعاني أشار ابن عباس فقال: (فكثركم بعد القلة وأعزكم بعد الذلة) (٢). وقوله تعالى: ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. قال الكلبي: (يعني: آخر أمر قوم لوط) (٣). وقال في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾، (فكثر عددكم، وذلك أنه كان مدين بن إبراهيم وزوجه ريثاء (٤) بنت لوط، فولدت حتى (٥) كثر عدد أولادها) (٦).

стр. 5043

٨٨ - قوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾. قال الزجاج (١) وابن الأنباري (٢) وجماعة أصحاب المعاني (٣): (هذا يحتمل وجهين (٤): أحدهما أن المعنى: (أو لتصيرن إلى ملتنا)، فوقع (العود) على معنى الابتداء كما تقول العرب: قد عاد عليَّ من فلان مكروه، يريدون قد صار إليَّ منه المكروه ابتداءً وأنشدوا على هذا: فإنْ تكُنِ الأيَّامُ أَحْسَنَّ مَرَّةً ... إليَّ فقَدْ عادَتْ لهنَّ ذُنوبُ (٥) أراد: لقد صارت لهن ذنوب ولم يخبر أن ذنوبًا كانت [لهن] (٦) قبل الإحسان، والثاني: أن أتباع شعيب كانوا قبل دخولهم في دينه على الكفر موافقين لقومهم، فخاطبوا شعيبًا بخطاب أتباعه وغلَّبوا خطابهم على خطابه لكثرتهم وانفراده.

стр. 5044

ومعنى الآية: ليكونن أحد الأمرين: إما الإخراج من القرية، أو عودكم في ملتنا , ولا نُقارّكم (١) في مخالفتنا (٢)، وذكرنا الكلام في هذا مشروحًا عند قوله: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ [إبراهيم: ١٣] في سورة إبراهيم. فقال شعيب: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾. [وهذا مختصر معناه: أو لو كنا كارهين] (٣) تجبروننا عليه؟ كقوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]. ومعناه: يتبعونهم وإن كانوا بهذه الصفة؟ وقد ذكرنا (٤) ذلك. ٨٩ - قوله تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾، معنى العود هاهنا: الابتداء كما ذكرنا، والذي عليه أهل العلم (٥) والسنة

стр. 5045

في هذه الآية: إن شعيبًا وأصحابه قالوا: ما كنا لنرجع في ملتكم (١) بعد إذ وقفنا على أنها ضلالة تُكسبُ دخول النار إلا أن يريد الله إهلاكنا، فأمورنا راجعة إلى الله (٢)، غير خارجة عن قبضته، يسعد من يشاء بالطاعة، ويشقي من يشاء بالمعصية، وهذا من شعيب وقومه استسلام للمشيئة، ولم يزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة وانقلاب الأمر، ألا ترى إلى قول الخليل ﵇ ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وكثيرًا ما كان يقول (٣) نبينا محمد ﷺ : "يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك وطاعتك" (٤). وقال أبو إسحاق: (المعنى: وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن
следующие страницы →