(﴿مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ (١) يعني: بالله) (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾. قال مجاهد: (يلتمسون لها الزيغ) (٣). وقال السدي: (وتبغون هلاك الإِسلام).
وقال قتادة (٤): (وتبغون عوج السبيل عن الحق)، [و] (٥) قال الحسن: (لا تستقيمون على طريق الهدى) (٦). قال ابن زيد: (وتبغون اعوجاج السبيل) (٧).
وقال أبو إسحاق: (أي: وتريدون الاعوجاج والعدول عن القصد) (٨). وقد ذكرنا مستقصى معنى ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ في سورة آل عمران [: ٩٩].
стр. 5042
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾. قال الزجاج: (يحتمل ثلاثة أوجه: كثر عددكم، وكثركم بالغنى بعد الفقر، وكثركم بالمقدرة بعد الضعف) (١)، ووجه ذلك أنهم إذا كانوا فقراء أو ضعفاء فهم بمنزلة القليل في قلة الغناء، وإلى هذه المعاني أشار ابن عباس فقال: (فكثركم بعد القلة وأعزكم بعد الذلة) (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. قال الكلبي: (يعني: آخر أمر قوم لوط) (٣). وقال في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾، (فكثر عددكم، وذلك أنه كان مدين بن إبراهيم وزوجه ريثاء (٤) بنت لوط، فولدت حتى (٥) كثر عدد أولادها) (٦).
стр. 5043
٨٨ - قوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾. قال الزجاج (١) وابن الأنباري (٢) وجماعة أصحاب المعاني (٣): (هذا يحتمل وجهين (٤): أحدهما أن المعنى: (أو لتصيرن إلى ملتنا)، فوقع (العود) على معنى الابتداء كما تقول العرب: قد عاد عليَّ من فلان مكروه، يريدون قد صار إليَّ منه المكروه ابتداءً وأنشدوا على هذا:
فإنْ تكُنِ الأيَّامُ أَحْسَنَّ مَرَّةً ... إليَّ فقَدْ عادَتْ لهنَّ ذُنوبُ (٥)
أراد: لقد صارت لهن ذنوب ولم يخبر أن ذنوبًا كانت [لهن] (٦) قبل الإحسان، والثاني: أن أتباع شعيب كانوا قبل دخولهم في دينه على الكفر موافقين لقومهم، فخاطبوا شعيبًا بخطاب أتباعه وغلَّبوا خطابهم على خطابه لكثرتهم وانفراده.
стр. 5044
ومعنى الآية: ليكونن أحد الأمرين: إما الإخراج من القرية، أو عودكم في ملتنا , ولا نُقارّكم (١) في مخالفتنا (٢)، وذكرنا الكلام في هذا مشروحًا عند قوله: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ [إبراهيم: ١٣] في سورة إبراهيم. فقال شعيب: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾. [وهذا مختصر معناه: أو لو كنا كارهين] (٣) تجبروننا عليه؟ كقوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]. ومعناه: يتبعونهم وإن كانوا بهذه الصفة؟ وقد ذكرنا (٤) ذلك.
٨٩ - قوله تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾، معنى العود هاهنا: الابتداء كما ذكرنا، والذي عليه أهل العلم (٥) والسنة
стр. 5045
في هذه الآية: إن شعيبًا وأصحابه قالوا: ما كنا لنرجع في ملتكم (١) بعد إذ وقفنا على أنها ضلالة تُكسبُ دخول النار إلا أن يريد الله إهلاكنا، فأمورنا راجعة إلى الله (٢)، غير خارجة عن قبضته، يسعد من يشاء بالطاعة، ويشقي من يشاء بالمعصية، وهذا من شعيب وقومه استسلام للمشيئة، ولم يزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة وانقلاب الأمر، ألا ترى إلى قول الخليل ﵇ ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وكثيرًا ما كان يقول (٣) نبينا محمد ﷺ : "يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك وطاعتك" (٤).
وقال أبو إسحاق: (المعنى: وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن
стр. 5046
[يكون] (١) قد سبق في علم الله جل وعز و (٢) في مشيئته أن نعود فيها. وتصديق ذلك قوله: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، قال: وهذا مذهب أهل السنة)، ثم ذكر وجهين آخرين، هما من قول من لا يؤمن بإرادة الله تعالى الخير والشر:
أحدهما: إن هذا على طريق التبعيد، كما يقال: لا نفعل ذلك إلا أن يبيض القار ويشيب الغراب (٣)، وهذا لا يصح مع قوله: ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١]، وقوله: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ [الأنعام: ٣٩]، وآيات كثيرة تصرح بأن الله تعالى يشاء [كل] (٤) ما يحدث في العالم.
والثاني: أن في ملتهم ما يجوز التعبد به من وجوه البر الذي كانوا يتقربون به إلى الله تعالى (٥)، ويكون معنى الآية: وما يكون لنا أن نعود في بعض ملتكم، وفي معنى من معاني شرائعكم إلا أن يردنا الله إليه بأن يتعبدنا به).
قال ابن الأنباري: (و (٦) هذا قول مُتَنَاولُهُ بعيد؛ لأن فيه تبعيض الملة) (٧).
وقال الزجاج: (والقول هو القول (٨) الأول؛ لأن قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا
стр. 5047
اللَّهُ مِنْهَا﴾ أنه النجاة من الكفر ومن أعمال المعاصي، لا من أعمال البر) (١).
وقوله تعالى: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ منصوب على التمييز (٢). قال ابن عباس: (يريد يعلم ما يكون قبل أن يكون) (٣).
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:٨٩]. قال ابن عباس (٤)، والحسن، وقتادة (٥)، والسدي: (احكم واقض).
قال الفراء: (وأهل عُمَان يسمون القاضي الفاتح والفتاح) (٦).
стр. 5048
وروي أبو العباس عن ابن الأعرابي: (الفتاح: الحكومة، ويقال للقاضي: الفَتَّاح لأنه يفتح مواضع الحق) (١).
وروي عن ابن عباس أنه قال: (ما كنت أدري قوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ حتى سمعت ابنة ذي يزن (٢) تقول لزوجها: تعال أفاتحك، أي: أحاكمك) (٣).
قال أبو إسحاق: (وجائز أن يكون ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ أي: أظهر أمرنا حتى ينفتح ما بيننا وبين قومنا وينكشف، فجائز أن يكون يسألون بهذا أن ينزل بقومهم من العذاب والهلكة ما يظهر أن الحق معهم) (٤).
стр. 5049
وعلى هذا فالفتح يراد به الكشف والتبيين، ويؤكد هذا ما روى سعيد (١) عن قتادة في هذه الآية قال: (اقض بيننا وبين قومنا) (٢).
٩٢ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾. هذا ترجمة وتفسير للأسماء المكنية التي في قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾ (٣) [الأعراف: ٩١] علي تأويل: فأصبح ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ ﴿فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [هود:٦٧ - ٦٨] , مثل قوله: ﴿عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١]، قاله أبو علي الجرجاني (٤).
وقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾. يقال: غني (٥) القوم في دارهم: إذا طال مقامهم فيها، والمغاني: المنازل التي كان بها أهلوها، واحدها
стр. 5050
مَغْنى، قال الأسود (١) بن يعفر:
وَلَقَد غَنُوا فِيهَا بِأَنْعَمِ عِيشَةٍ ... فيِ ظِلِّ مُلْكٍ ثَابتِ الأَوتادِ (٢)
أراد: أقاموا فيها.
قال المفسرون (٣): (كأن لم يقيموا فيها ولم ينزلوا فيها). قال الزجاج: (ويكون ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾: كأن لم يعيشوا فيها مستغنين، كما قال الشاعر:
غَنينا زمانًا بالتصَعْلُكِ والغِنى ... وكُلاًّ سَقَاناهُ بكَأسَيهِما الدّهْرُ (٤)
قال: فمعنى (غنينا زمانًا) أي: عشنا زمانًا، بالتصعلك وهو الفقر) (٥).
стр. 5051
ووافقه ابن الأنباري على هذا المعنى، فقال في قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾: (كأن لم يستغنوا فيها، يقال: غني الرجل يغنى (١): إذا استغنى) (٢) وعلى هذا هو من الغنى الذي هو ضد الفقر، وليس من الإقامة (٣) في شيء، يؤكد هذا المعنى ما روي عن قتادة أنه قال في هذه الآية: (كأن لم ينعموا فيها) (٤). ووجه التشبيه في: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أن حال المكذبين يشبه حال من لم يكن قط في تلك الديار، كما قال الشاعر:
كأنْ لم يكُن بينَ الحَجُونِ إلى الصَّفا ... أنيسٌ ولم يَسْمُرْ بمكَّةَ سَامِرُ
بَلَى نحنُ كنَّا أهلَهَا فأبادَنا ... صُروُفُ الليالي والجُدُودُ العَواثرُ (٥)
стр. 5052
وقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ إبانة عن سوء حال المكذب نبيًا من أنبياء الله في أنه بمنزلة من لم يستمتع بالدنيا؛ إذ حصل في العذاب وصار إلى الخسران.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾، هذا ابتداء منقطع من الفصل الأول، جملة من المبتدأ والخبر (١). قال ابن الأنباري: (ووقع التكرير لتعظيم الذم لهم و (٢) تفظيع ما يستحقون من الجزاء على جهلهم، والعرب تكرر مثل هذا في التفخيم والتعظيم، فيقول الرجل [للرجل] (٣): أخوك الذي ظلمنا، أخوك الذي أخذ أموالنا، أخوك الذي شتم أعراضنا) (٤).
٩٣ - قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾، قال الكلبي: (خرج من بين أظهرهم ولم يعذب قومُ نبي حتى يخرج من بينهم) (٥).
стр. 5053
وقال أهل المعاني: (أعرض عنهم إعراضَ آيِسٍ منهم لما نزل العذاب بهم، وذلك أنه كان مقبلًا عليهم بالوعظ والدعاء إلى الحق، فلما تمادوا في غيهم، فأخذهم الله ببأسه، تولى عنهم) (١).
وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾. أي: كيف يشتد حزني (٢). يقال: أسِيت (٣) على الشيء آسَى (٤) أسًى إذا اشتد حزنه عليه.
قال امرؤ القيس:
يَقُولونَ لاَ تَهْلِكْ أَسًى وتَجَمَّلِ (٥)
وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ آسَى﴾ استفهام معناه الإنكار، أي: لا آسى عليهم. ومعنى الآية: أن شعيبًا ﵇ يتسلى عنهم بما يتذكر من حاله
стр. 5054
معهم في مناصحته لهم، وبتأديته رسالة ربه إليهم، وأنه لا ينبغي له أن يأسى عليهم مع تمردهم في كفرهم (١).
٩٤ - قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ﴾، قال ابن عباس: [(يريد] (٢) في مدينة) (٣)، والقرى (٤) في كتاب الله كلها المدائن، وقوله: ﴿مِنْ نَبِيٍّ﴾ محذوف الصفة، والتقدير: من نبي (٥) فكُذب، أو فكذبه أهلها، إلا أخذناهم. كذلك قال أهل التفسير (٦)، وعلى هذا يصح المعنى.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾. قال ابن عباس: (يريد: الفقر والأسقام) (٧). وقال السدي: (يعني: الفقر والجوع) (٨).
قال (٩) أبو إسحاق: (قيل: ﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾ كل ما نالهم من شدة في أموالهم، ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: ما نالهم من الأمراض، قال: وقيل: على العكس من ذلك) (١٠).
стр. 5055
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: كي يستكينوا ويرجعوا) (١).
٩٥ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾، مضى الكلام في حقيقة التبديل عند قوله: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]، ومعنى: ﴿السَّيِّئَةِ﴾ و ﴿الْحَسَنَةَ﴾ هاهنا: الشدة والرخاء. عن ابن عباس (٢) والحسن (٣) وقتادة (٤) ومجاهد (٥).
قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: بدل البؤس والمرض الغنى والصحة) (٦).
وقال أهل اللغة: (السيئة (٧) كل ما يسوء صاحبه، والحسنة (٨) ما يحسن عليه أثره).
стр. 5056
وقال أبو علي: (السيئة والحسنة قد جاءتا في التنزيل على ضربين: أحدهما: سيئة مأخوذ بها، وحسنة مُثَاب عليها, لقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ (١) [الأنعام: ١٦٠]، والثاني: لما يستثقل (٢) في الطباع أو يُسْتَحفُّ (٣) كما في هذه الآية، وكقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ الآية [الأعراف: ١٣١]، وكذلك الفساد، قد يكون (٤) فسادًا معاقبًا عليه كقوله: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [القصص: ٧٧]، ويكون على غير ذلك، كقوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ﴾ [الروم: ٤١] يعني: الجدب) (٥)
والمعنى: أنه تعالى أخبر أنه يأخذ أهل المعاصي بالشدة تارة وبالرخاء تارة (٦).
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ (٧). قال أبو عبيد: (قال الكسائي: يقال: قد عفا الشعر وغيره إذا كثر، يَعْفُو فهو عافٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى
стр. 5057
عَفَوْا﴾ يعني: كثروا، وفي بعض الحديث: (إذا عفا الوَبَر وبرأ الدبر حلت العمرة لمن اعتمر) (١).
ويقال للشعر إذا طال ووَفَى: عما (٢) ومنه قول زهير:
أَذَلكَ أم أَقَبُّ البَطْنِ جأبٌ ... عليه من عَقِيقَتِهِ عِفَاءُ (٣)
وقد عَفَّيت الشيء وأعْفَيتهُ لغتان إذا كثرته (٤) ومنه قوله ﵇ أنه:
стр. 5058
"أمر أن تحفى الشوارب وتُعفي اللِّحى" (١)، يعني: توفر وتكثر) (٢).
وقال ابن الأنباري (٣): (يقال: عما الشيء: إذا زاد وكثر، وأنشد للبيد:
ولَكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ مِنهَا ... بأسْوُقِ عَافيَاتِ اللَّحْمِ كُوم (٤)
أراد: كثيرات اللحم)، فمعنى قوله: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أي: كثروا (٥)، في قول ابن عباس (٦)، ومجاهد (٧) والسدي وابن زيد (٨).
стр. 5059
قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: حتى كثروا فسمنوا، وكثرت أموالهم) (١). وروى عنه أيضاً: (حتى جموا) (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾، يعني: لما صاروا إلى الرخاء ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا﴾ من الدهر الشدة والرخاء، وتلك عادة الدهر، ولم يكن ما مسنا من البأساء والضراء عقوبة من الله، فكونوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤكم ولم يقلعوا (٣) عن الكفر بما مسهم من الضراء، والله تعالى أخذهم بالضراء ليعتبروا ويقلعوا عن الكفر، وتكذيب الأنبياء فلم يعتبروا، وقالوا من غرّتهم وجهلهم: قد أصاب آباءنا في الدهر مثل ما أصابنا. وهذا معنى قول المفسرين (٤) في هذه الآية؛ قال ابن عباس: وهذا كما قال في سورة الأنعام: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية (٥) [الأنعام: ٤٤].
стр. 5060
وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾.
قال المفسرون (١): (لما فسدوا على الأمرين جميعًا أخذهم الله بغتة آمن ما كانوا؛ ليكون أعظم في الحسرة.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد بنزول العذاب) (٢).
وقال أبو إسحاق: (بيّن الله تأولهم بخطئهم في قولهم: ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾، وقد علموا أن الأمم قد أهلكت قبلهم بكفرهم، وإنما أخبر الله تعالى بهذا عن الأمم السالفة لتعتبر أمة محمد ﷺ ؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ (٣) [الأعراف:٩٦]، قال ابن عباس: (وحدوا الله واتقوا الشرك) (٤). وقال عطاء عنه: (يريد آمنوا بالله وحده، وصدقوا أنبياءه، وخافوا الوعيد) (٥).
وقوله تعالى: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. قال المفسرون: (بركات السماء بالقطر، وبركات الأرض بالنبات والثمار) (٦).
стр. 5061
وقال ابن عباس: (يريد: الأمطار والخصب وكثرة المواشي والأنعام) (١) ومضى الكلام في معنى (٢) البركة والمبارك.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا﴾ يعني: الرسل، ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ بالجدوبة والقحط، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من الكفر والمعصية. قال ابن عباس: (يعني: مدائن معروفة أهلكت بالجدب) (٣).
قال أصحاب المعاني: (والآية بيان أن الإيمان بالله والاتقاء يوجب إسباغ الإنعام، والتكذيب يوجب الإهلاك والعذاب).
٩٧ - قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ الآية. هذه ألف الاستفهام ومعناها: الإنكار [عليهم أن يأمنوا، وقد ذكرنا قديمًا لم (٤) دخل الاستفهام معنى الإنكار، (٥)، والفاء في ﴿أَفَأَمِنَ﴾ للعطف، وهو عطف جملة على جملة (٦).
قال ابن عباس: (يعني: مكة وما حولها) (٧).
стр. 5062
قال الزجاج: (أفأمنت الأمة التي كذبت النبي ﷺ ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا﴾) (١)، فعلى هذا المراد بأهل القرى الذين كذبوا محمدًا ﷺ وكفروا به، وقال آخرون: (هذا عام و (٢) معناه البيان عما ينبغي أن يكون عليه العباد من الحذر لبأس الله وسطواته (٣) بالمبادرة إلى طاعته واتباع مرضاته) (٤)
٩٨ - قوله تعالى: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ الآية. قرأ أكثر القراء (٥) ﴿أَوَأَمِنَ﴾ بفتح الواو، وهو حرف العطف دخلت على همزة الاستفهام، كما دخل في قوله: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ [يونس: ٥١]، وقوله: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٠٠]. وهذه القراءة أشبه بما قبله وما بعده؛ لأن ما قبله: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ [الأعراف: ٩٧]، وما بعده: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩]، ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾ (٦) [الأعراف: ١٠٠].
стр. 5063
وقرأ نافع وابن عامر: ﴿أَوَأَمِنَ﴾ ساكنة الواو، و (أو) يستعمل على ضربين: أحدهما: أن يكون بمعنى أحد الشيئين كقولك: زيدٌ أو عمرو جاء، كما تقول: أحدهما جاء، وهي إذا كانت للإباحة والتمييز كذلك أيضاً؛ لأنها لأحد الشيئين كقولك: جالس الحسن أو ابن سيرين، ويدلك على أنها ليست بمعنى الواو أنه إذا جالس أحدهما فقد ائتمر (١) الأمر ولم يخالف، وإنما جاز له الجمع بين مجالستهما من حيث كان كل واحد منهما مجالسته بمعنى مُجالسة الآخر، ليس من حيث كانت (أو) بمعنى (الواو).
والضرب الثاني: أن يكون للإضراب (٢) عما قبلها. كقولك: (أنا أخرج) ثم تقول: (أو أقيم)، أضربت عن الخروج وأثبتَّ الإقامة. كأنك قلت: (لا بل أقيم)، كما أنك في قولك: (إنها لإبل أو (٣) شاء) مُضرِب عن الأول، فوجه هذه القراءة: أنه جعل (أو) للإضراب، لا على أنه أبطل الأول، ولكن كقوله: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ﴾ [السجدة:١ - ٣]، فكأن المعنى في هذه الآية: أأمنوا هذه الضروب من معاقبتهم والأخذ لهم، وإن شئت جعلت (أو) هاهنا التي لأحد الشيئين، ويكون المعنى: أفأمنوا إحدى هذه العقوبات (٤).
стр. 5064
وقوله تعالى: ﴿ضُحًى﴾، الضحى (١) صدر النهار في وقت انبساط الشمس، وأصله الظهور من قولهم: ضَحَا للشمس (٢): إذا برز لها. قال أبو الهيثم (٣): (والضُّحَى على فُعَل حين تطلع الشمس فيصفو ضوؤها) (٤). قال الحسن: (والمعنى: إنهم لا يجوز لهم أن يأمنوا ليلاً ولا نهارًا) (٥).
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾. قال الزجاج: (يقال لمن كان في عمل لا يُجدي عليه أو في ضلال: (إنما أنت لاعب)، وإنما قيل لهم ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ أي: وهم في غير ما يجدي عليهم) (٦).
٩٩ - قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ الآية. قد ذكرنا معنى المكر في اللغة، ومعنى مكر الله في سورة آل عمران عند قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤].
стр. 5065
قال المفسرون: (معنى مكر الله: استدراجه إياهم بالنعمة والصحة، وذلك مما يبطرهم ويحملهم على المعصية والتمادي في الغي فيكون في الحقيقة إضرارًا بهم من حيث لا يشعرون) (١).
وقال الزجاج في هذه الآية (٢): (أي: فأمنوا (٣) عذاب الله أن يأتيهم بغتة). وهذا القول غير الأول.
١٠٠ - قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾، قال ابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد (٤): (أولم يتبين)، والمراد بقوله: ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾ كفار مكة ومن حولهم، قاله ابن
стр. 5066
عباس (١) ومجاهد (٢)، و (٣) أما فاعل الهداية في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ فقال (٤) الزجاج: (كأن المعنى: أولم يبين الله أنه لو يشاء) (٥).
وقال غيره: [المعنى (٦) أولم يهد لهم مشيئتنا) فـ (أن) (٧) في قوله: ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ﴾ في موضع رفع لأنه فاعل (يهد)، والمعنى: أولم يهد لهم أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم؛ كما قال في آية أخرى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ [السجدة: ٢٦]، وهذا هو قول أبي عبيد (٨).
وقوله تعالى: ﴿أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾. قال ابن عباس: (يريد أخذناهم) (٩). وقال الكلبي (١٠) ومجاهد (١١): (عذبناهم).
стр. 5067
وقوله تعالى: ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. قال ابن الأنباري: (هذا فعل مستأنف و (١) منقطع من الذي قبله؛ لأن قوله أصبنا ماضٍ، ﴿وَنَطبَعُ﴾ مستقبل) (٢).
وقال أبو إسحاق: (المعنى: ونحن نطبع على قلوبهم) (٣).
قال أبو بكر: (ويجور أن يكون معطوفاً على أصبنا إذ كان بمعنى: نصيب، والتأويل: أن لو نشاء نصيبهم ونطبع، فوضع الماضي في موضع المستقبل عند وضوح معنى الاستقبال؛ كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ١٠] والمعنى: يجعل؛ يدل علي ذلك قوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾) (٤) [الفرقان: ١٠].
قال الفراء: (وجاز أن تُرد (يَفْعَلُ) على (فَعَلَ) في جواب (لو) كما قال: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ﴾ [يونس: ١١]، قوله: ﴿فَنَذَرُ﴾ مردودة على ﴿لَقُضِيَ﴾ وإذا جاءك جواب (لو) آثرت فيه (فَعَلَ) على (يَفْعَلُ)، وعطف (فَعَلَ) على (يَفْعَلُ)، و (يفعل) على (فَعَلَ)، جائزة لأن التأويل كتأويل الجزاء) (٥). وفي قوله:
стр. 5068
﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ تكذيب للقدرية، ودليل على أن الله تعالى إذا شاء وطبع على قلبٍ فلا يعي خيراً ولا يسمع هدى (١).
١٠١ - قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا﴾، قال ابن عباس: (﴿تِلْكَ الْقُرَى﴾ التي أهلكتْ أهلها، يعني: قرى قوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوط وشعيب، ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ نتلو عليك من أخبارها كيف أهلكت. قال: يعزي نبيه بما صنعوا بأنبيائهم، وما صنع الله بهم) (٢).
وقال أهل المعاني: (إنما قصّ الله أنباء القرى لما في ذلك من الاعتبار بما كانوا عليه من الاغترار بطول الإمهال مع اتساع النِعَم حتى توهموا أنهم على صواب) (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾. قال ابن عباس: (يريد: الأنبياء الذين أُرسلوا إليهم) (٤).
وقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾. قال ابن
стр. 5069
عباس (١) والسدي (٢): (فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم فآمنوا كرهأ وأقروا باللسان وأضمروا التكذيب).
وقال مجاهد: (فما كانوا -لو أحييناهم بعد هلاكهم- ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل هلاكهم) (٣).
وقال آخرون: (﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات والآيات التي سألوها، فما كانوا ليؤمنوا -بعد ما رأوا العجائب- بما كذبوا من قبل رؤيتهم تلك العجائب) (٤). وهذا الوجه كأنه اختيار أبي إسحاق؛ لأنه
стр. 5070
قال: (هذا إخبار عن قوم لا يؤمنون، كما قال لنُوح: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، واحتج على هذا بقوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾، قال: وهذا يدل على أنه قد طبع على قلوبهم، قال: والكاف في ﴿كَذَلِكَ﴾ نصب؛ المعنى: مثل ذلك الذي طبع الله على قلوب كفار الأمم الخالية يطبع الله على قلوب الكافرين الذين كتب عليهم أن لا يؤمنوا أبداً) (١).
١٠٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾. قال ابن عباس: (يريد الوفاء. بالعهد الذي عاهدهم وهم في صلب آدم حيث يقول: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾) (٢) [الأعراف: ١٧٢]، ونحو هذا قال مجاهد (٣) ومقاتل (٤).
قال أصحاب المعاني: (إذا أُخذ على الإنسان العهد فنقضه قيل: ليس له عهد، أي: كأنه لم يعهد إليه، فلما أخذ الله تعالى (٥) على هؤلاء العهد بالتوحيد والمعرفة، وأقروا بذلك، فلما خالفوا ذلك لم يكن لهم عهد، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ (٦).
стр. 5071
وروي عن ابن مسعود: (أن العهد هاهنا معناه: الإيمان, كقوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ (١) [مريم: ٨٧]. يعني: آمن، وقال: لا إله إلا الله) (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾. (٣) قال الزجاج: (دخلت ﴿إِنْ﴾ واللام على معنى التوكيد واليمين) (٤).
قال ابن عباس: (يريد: لعاصين) (٥). وقال الضحاك: (لناقضين) (٦).
١٠٣ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، الكناية يجوز أن تعود إلى الأنبياء الذين (٧) جرى ذكرهم، ويجوز أن تعود إلى الأمم الذين تقدم إهلاكهم (٨).
стр. 5072
وقوله تعالى: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ (١)، (قال ابن عباس (٢): (فكذبوا بها) يعني: بالعصا والتسع الآيات) (٣). وقال أبو إسحاق: (قوله: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ أي: فظلموا بالآيات التي جاءتهم؛ لأنهم إذا جاءتهم الآيات فكفروا فقد ظلموا أبين الظلم؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، فجعلوا بدل الإيمان بها الكفر، فذلك معنى: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ (٤)، وقوله: ﴿فَانْظُرْ﴾ أي: بعين قلبك كيف كان عاقبتهم وكيف فعلنا بهم.
١٠٥ - قوله: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾، وقرأ نافع (٥) ﴿حَقِيقٌ عَلَى﴾ مشددة الياء, و ﴿حَقِيقٌ﴾ على هذه القراءة يجوز أن يكون بمعنى: فاعل. قال شمر: (تقول العرب: حَق عليَّ أن أفعل ذلك) (٦).
وقال الليث: (حَق الشيء معناه: وجب، ويحِق عليك أن تفعل كذا، وحقيق عليَّ أن أفعله، فهذا بمعنى: فاعل) (٧).
стр. 5073
قال الزجاج: (والمعنى: واجب علي ترك القول على الله جل وعز إلا بالحق) (١). ونحو هذا قال ابن عباس في تفسيره هذه الآية فقال: (يقول: الواجب علي ﴿أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (٢)، ويجوز أن يكون بمعنى: مفعول. قال الليث: (وحقيق فعيل في موضع مفعول) (٣).
قال شمر: (وتقول العرب: حق عليّ أن أفعل كذا، وإني لمحقوق عليَّ أن أفعل خيراً، أي: حقّ عليّ ذاك، بمعنى: استحق) (٤)، هذا معنى كلامه، وعلى هذا تقول: فلان مَحْقُوق عليه أن يفعل كذا، ومَحْقُوق بأن يفعل كذا، ومَحْقُوق أن يفعل كذا (٥) قال الأعشى:
لَمَحْقوقَةٌ أَنْ تَسْتَجِيبِي لصْوتِهِ ... وَأَنْ تَعْلَمِي أَنَّ الْمُعَانَ مُوفَّقُ (٦)
стр. 5074
وقال جرير (١):
قصِرْ فإِنَّكَ بالتَقصِيرِ مَحْقُوقُ
وحجة نافع في تشديد الياء أن حق يُعَدى بعلى. قال الله تعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾ [الصافات: ٣١]، وقال: ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ [الإسراء: ١٦]. فحقيق يُوصل بعلى من هذا الوجه أيضاً، فإن ﴿حَقِيقٌ﴾ بمعنى: واجب، فكما أن (وجب) يتعدى بعلى كذلك تعدّى ﴿حَقِيقٌ﴾ به إذا أريد به ما أريد بواجب، وقراءة العامة ﴿حَقِيقٌ عَلَى﴾ مرسلة الياء، و ﴿حَقِيقٌ﴾ على هذه القراءة بمعنى: محقوق، و ﴿عَلَى﴾ بمعنى الباء (٢).
قال الفراء: (والعرب تجعل الباء (٣) في موضع على فتقول: رميت على القوس وبالقوس، وجئت على حال حسنة وبحال حسنة) (٤).
قال الأخفش: (هذا كما قال: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾
стр. 5075
[الأعراف:٨٦] (١)، وكما وقعت الباء في قوله: ﴿بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ موقع على، كذلك ﴿عَلَى﴾ وقعت موضع الباء في قوله: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ﴾ ويؤكد هذا الوجه قراءة عبد الله: ﴿حقيق بأن لا أقول﴾ (٢) و ﴿حَقِيقٌ﴾ على هذه القراءة يرتفع بتقدير: أنا حقيق بأن لا أقول، وعلى قراءة نافع يرتفع بالابتداء، وخبره ﴿أَنْ لَا أَقُولَ﴾ (٣).
ومعنى قوله: ﴿إِلَّا الْحَقَّ﴾) (٤)]؛ قال ابن عباس: (يريد: أنه لا إله غيره) (٥).
ومعنى هذا: أن موسى يقول: واجب عليّ أن لا أقول في وصف الله إلا ما هو الحق، وهو توحيده وتنزيهه عن الشرك.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال ابن عباس: (يريد بالعصا) (٦).
стр. 5076
وقوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. أي: أطلق عنهم وخلهم، وكان (١) فرعون قد استخدمهم في الأعمال الشاقة من نحو ضرب اللبن، ونقل التراب (٢).
١٠٧ - قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ أي: العصا، وهي مؤنثة, والثعبان: الحية الضخم الذكر في قول جميع أهل اللغة (٣)، وهو أعظم الحيات في قول الفراء (٤). وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾. قال الزجاج: (أي: بين أنه حية لا لبس فيه) (٥).
١٠٨ - قوله تعالى: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، معنى النزع في اللغة: قلع الشيء وإخراجه عن مكانها المتمكن فيه (٦)، قال ابن عباس: (يريد: إخراج يده) (٧).
стр. 5077
قال الزجاج: (والمعنى: إخراجها من جيبه ومن جناحه، يدل على ذلك قوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ الآية (١) [النمل: ١٢]، وقوله: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ الآية [طه: ٢٢] (٢).
١٠٨ - وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾، قال ابن عباس: (وكان لها نور ساطع يضيء ما بين السماء والأرض) (٣).
١١٠ - قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾. قال ابن عباس: (يريد: من ملككم) (٤).
قال المفسرون: (لما قال موسى لفرعون: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] وآراه الآية، قال الأشراف من قومه: إن هذا ساحر يريد أن يخرجكم معشر القبط من أرضكم ويزيل ملككم بتقوية أعدائكم بني إسرائيل عليكم) (٥).
قوله تعالى: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾. ذكر أبو إسحاق فيه ثلاثة أوجه: (إحداها (٦) أن يكون هذا جواباً من فرعون لما قال الملأ: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ قال فرعون مجيباً لهم: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾، قال ابن عباس:
стр. 5078
(يريد: تشيرون به عليّ) (١)، فعلى هذا أضمر القول، وتم كلام الملأ عند قوله: ﴿مِنْ أَرْضِكُمْ﴾. والتقدير: قال ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾، وهذا (٢) الوجه ذكره الفراء (٣) أيضاً.
قال أبو إسحاق: (وجائز أن يكون ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ من قول الملأ (٤)؛ كأنهم خاطبوا فرعون ومن يخصه)، قال: (وجائز أن يكون الخطاب لفرعون وحده؛ لأنه يقال للرئيس المطاع: ما ترون (٥) في هذا، أي: ما ترى أنت وحدك) (٦).
قال ابن الأنباري على هذا الوجه: (والملوك الغالب عليها (٧) أن يكون لها أتباع يأتمرون بأمرها (٨) ويقفون عند قولها (٩)، فلما كان هذا معروفاً للملوك خاطبوه وهو واحد بخطابه ومعه أتباعه وأهل مملكته) (١٠).
стр. 5079
١١١ - وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، وقرئ ﴿أرجِئه﴾ مهموزاً (١)، وهما لغتان قرئ بهما، يقال: أرجأت الأمر وأرجيته: إذا أخرته، ومنه قوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ [التوبة: ١٠٦]، ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]، قرئ في الآيتين (٢) باللغتين (٣)، وكان حمزة وعاصم يقرآن بغير همزة، وجزم الهاء من ﴿أَرْجِهْ﴾؛ قال الفراء: وهي لغة العرب يقفون على الهاء المكني عنها في الوصل إذا تحرك ما قبلها، أنشدني بعضهم:
فَيُصْلِحُ اليَوْمَ وَيُفْسدُهْ غَدَا (٤)
стр. 5080
قال: وكذلك يفعلون بهاء التأنيث فيقولون: هذه طلحهْ قد أقبلت وأنشد:
لَمَّا رَأى (١) أَنْ لَا دَعَةْ وَلَا شِبَعْ (٢)
ولا وجه لهذا عند البصريين في القياس ولا الاستعمال.
قال الزجاج: (وهذا شعر لا يعرف قائله، ولا هو بشيء، ولو قاله شاعر مذكور لقيل له: أخطأت؛ لأن الشاعر قد يجوز أن يخطئ) قال: (وهذا مذهب لا يعرج عليه) (٣).