للقدرية (١) حيث جوّزوا أن يستبد الإنسان بقدرة يجتلب بها المنافع ويدفع بها المضار.
١٨٩ - و (٢) قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، قال ابن عباس (٣) والمفسرون (٤): (يعني: آدم). ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ كما قال في سورة النساء: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١].
وقوله تعالى: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾. قال ابن عباس: (يريد: ليأنس بها ويأوي إليها) (٥).
قال أهل المعاني: (والحكمة في أن الله تعالى خلق حواء من ضلع آدم هو أن يكون آدم إليها أميل، ولها آلف وأحب؛ إذ الشكل إلى شكله أحب (٦)، ولذلك كانت الأشياء تحن إلى أشكالها، وتهرب من
стр. 5322
أضدادها) (١)، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾. قال المفسرون (٢): (جامعها)، قال أبو إسحاق: (كنى به عن الجماع أحسن كناية) (٣) , والغِشيان (٤) إتيان الرجل المرأة، وقد غَشِيها وتغشاها إذا علاها، ومثله تَجلَّلها (٥).
وقوله تعالى: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾، قالوا (٦): (يريد: النطفة والمني)، والحمل (٧) ما كان في البطن أو على رأس الشجر (٨).
стр. 5323
وقوله تعالى: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾. أي: استمرت بذلك الحمل الخفيف، وقامت وقعدت لم يُثقلها.
قال الكلبي (١) والزجاج (٢): وقوله: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾. أي: صارت إلى حال الثقل ودنت ولادتها. ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾. يعني: آدم وحواء (٣). ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ بشرًا سويًا مثلنا، وذلك أنهما أشفقا أن يكون بهيمة أو شيئًا سوى الإنسان، ويأتي بيان هذا في الآية الثانية.
١٩٠ - قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾.
قال المفسرون (٤): (لما حملت حواء أتاها إبليس في غير صورته التي عرفته حواء، وقال لها: ما الذي في بطنك؟ قالت ما أدري. قال: إني أخاف أن يكون بهيمة أو كلبًا أو خنزيرًا، وما يدريك من أين يخرج أمن دبرك فيقتلك أو ينشق بطنك، فخافت حواء، فذكرت ذلك لآدم، فلم يزالا في هم من ذلك، ثم أتاها، وقال: إن سألت الله أن يجعله خلقًا سويًّا
стр. 5324
مثلك، ويسهل عليك خروجه حتى تلقيه من بطنك سهلاً أتسمينه (١) عبد الحارث؟ ثم لم يزل بها حتى غرّها، فلما ولدت ولدًا سويَّ الخلق سمته عبد الحارث برضا آدم وعلمه، وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث فذلك قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾)، أي: لما آتاهما ولدًا سويًا ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ قال ابن عباس (٢). (يريد: في تسميتهما (٣) عبد الحارث).
و (٤) قال الفراء: (﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ إذ قالت: عبد الحارث، ولا ينبغي أن يكون عبدًا إلا لله (٥). قال: ولم تعرفه أنه إبليس) (٦).
وذكر ابن زيد (إن النبي ﷺ قال: "خدعهما مرتين، خدعهما (٧) في الجنة، وخدعهما في الأرض") (٨).
стр. 5325
وهذا الذي ذكرنا معنى قول سعيد بن جبير (١) والكلبي (٢) وأكثر أهل التفسير (٣).
стр. 5326
واختلف القراء في قوله: ﴿شُرَكَاءَ﴾. فقرأ نافع (١) وأبو بكر.
стр. 5327
﴿شِرْكاً﴾ بكسر الشين، وهذا يتوجه على حذف المضاف بتقدير: جعلا له ذا شرك أو ذوي شرك، فإذا جعلا له ذوي شرك فقد جعلا له شركاء، فالقراءتان تؤولان إلى معنى واحد، والضمير في: ﴿لَهُ﴾ يعود إلى اسم الله كأنه ﴿وجَعَلَا﴾ لله ﴿شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. قال أبو الحسن (١): (وكان ينبغي لمن قرأ: (شركًا) أن يقول المعنى: (جعلا لغيره شركًا)؛ لأنهما لا ينكران أن الأصل لله ، فالشرك إنما يجعل (٢) لغيره)، حكاه الزجاج (٣) وأبو علي هذا (٤) عن أبي الحسن، ثم قال الزجاج (٥): (هذا على معنى: جعلا له ذا شرك، فحذف ذا، مثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
وقال أبو علي: (يجوز أن يكون الكلام على ظاهرة ولا يقدر حذف المضاف في قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ﴾، وأنت تريد لغيره، ولكن (٦) تقدر حذف المضاف إلى شركٍ، كما ذكرنا (٧) فلا يحتاج إلى تقدير: جعلا لغيره شركًا؛
стр. 5328
لأن تقدير حذف المضاف من شرك بمنزلة جعلا لغيره شركًا) (١)، وتقدير (٢) حذف المضاف من ﴿شركًا﴾ أحسن وأولى من تقدير حذفه من قوله: ﴿لَهُ﴾ (٣).
قال الزجاج: (ومن قرأ ﴿شركًا﴾ فهو مصدر شركت الرجل (٤) أشركه شركًا) (٥)، ومن قرأ ﴿شُرَكَاءَ﴾ فحجته (٦) قوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ [الرعد: ١٦]، وأراد بالشركاء في هذه الآية إبليس، أوقع الجمع موقع الواحد، وذلك أن من أطاع إبليس فقد أطاع جميع الشياطين (٧)، فإن قيل: كيف أضيف الشرك إلى آدم وحواء مع منزلتهما من دين الله؟، والجواب عن هذا: ما روي عن قتادة أنه قال: (أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة) (٨)، يعني: أنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما، لكنهما
стр. 5329
قصدا إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامة أمه، وقد يطلق اسم العبد مضافًا إلى من لا يراد أنه مملوك له كقوله (١):
وإني لعبد الضيف ما دام ثاويًا
يريد: أنه خاضع له مطيع، ولم يرد أن الضيف ربه، وقد يقع الاشتراك في الاسم مع وقوع اختلاف في المعنى كما يقال لمملوك زيد: هذا عبد زيد، ثم يقال: إنه عبد الله، فقد جمعهما اللفظ، والمعنى مختلف (٢)، يدل على صحة هذا المعنى ما روي أنه قيل لسعيد بن جبير: (أشرك آدم؟ فقال: معاذ الله، ولكن حواء لما حملت أتاها إبليس فقال: أخبريني عن الذي في بطنك أتلدينه من عينك أم من فيك أم من أنفك؟ قالت: لا علم لي (٣) بذلك.
قال: فإن سألت الله أن يسهل أمر الولادة عليك أتسمينه باسمي؟ قالت: نعم، وخبرها أن اسمه الحارث، فلما ولدت سمت الولد عبد الحارث، فذلك قول الله : ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾) (٤).
стр. 5330
قال أبو علي: (فعلى هذا التقدير: جعل أحدهما، فحذف المضاف كقوله: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].
وقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]) (١)، وهذا يوضح أن حواء ما قصدت الإشراك بالله من حيث الكفر، ولكن قصدت بالتسمية أن الحارث كان سبب سلامة الولد وسلامة أمه، وعلى هذا ينقطع الكلام عند قوله: ﴿آتَاهُمَا﴾.
ثم قال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢). فعاد إلى الخبر عن الكفار ونزه نفسه عن إشراكهم فقال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: أهل مكة) (٣).
وقال عبد الله بن مسلم: (وإنما جعلا له الشرك بالتسمية لا بالنية
стр. 5331
والعقد، وانتهى الكلام في قصة آدم وحواء، ثم ذكر من أشرك بالعقد والنية من ذريتهما فقال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، ولو كان أراد آدم وحواء لقال: عما يشركان، وهذا يدلك (١) على العموم) (٢)، ونحو هذا قال مقاتل، قال: (انقطع الكلام (٣) عند قوله: ﴿فِيمَا آتَاهُمَا﴾. ثم ذكر كفار مكة فقال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾) (٤). قال (٥) السدي: (هذا من الموصول والمفصول يعني: قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ في شأن آدم وحواء، ثم قال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. قال: عما يشرك المشركون، لم يعنهما) (٦).
وقال أبو بكر: (قال طائفة من أهل العلم: الذين جعلوا لله شركاء اليهود (٧) والنصارى وغيرهم من الكفار الذين هم أولاد آدم وحواء ﵉، وتأويل الآية: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ جعل أولادهما له شركاء، فحذف المضاف) (٨). وهذا معنى قول الحسن وقتادة وعكرمة، قال الحسن:
стр. 5332
(عني بهذا من أشرك من ذرية آدم ولم يعن آدم) (١).
وروى سعيد (٢) عن قتادة أنه كان يقول هذه الآية ويقول: (هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصّروا) (٣). وقال عكرمة: (جعلها لمن بعد آدم ممن أشرك بالله) (٤).
ويتوجه قول هؤلاء على ما ذكرنا من حذف المضاف، وهو اختيار ابن كيسان؛ لأنه قال: (هم الكفار جعلوا له شركاء، سموا أولادهم عبد العزى، وعبد اللات، وعبد مناة) (٥).
стр. 5333
١٩١ - قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: أيعبدون ما لا يقدر أن يخلق شيئًا ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ يريد وهم مخلوقون (١)، يعني: الأصنام) (٢).
فإن قيل: كيف وحد ﴿يَخلُقُ﴾ وجمع فقال: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وجعل الواو والنون في جمع غير الناس؟ فقال ابن الأنباري: (أما الجمع بعد التوحيد فسائغ (٣) من قبل أن ما يقع على الواحد والاثنين والجميع و (٤) المؤنث بلفظهما، وأوقعها الله على الأصنام المعبودة من دونه فوحد ﴿يَخلُقُ﴾ للفظها وبيّن معناها في قوله جل وعز ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، وأما جمعه الفعل بالواو والنون وأصحابه غير ناس (٥) فالحجة فيه أن الأصنام لما ادعى عابدوها أنها تعقل وتميز ووصفوها بالسمع والخلق، أجريت مجرى الناس، فجعلت علامة جمعها كعلامة جمع أفعال الناس، وجرى هذا مجرى قوله : ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]، وقوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨].
стр. 5334
وقول الشاعر (١):
تمززتها والديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعشٍ دنوا فتصوبوا) (٢)
قال أصحابنا: (هذه الآية تدل على أن من لا يقدر على الخلق لا يستحق العبادة، ولا يقدر على خلق القليل والكثير غير الله، فلا يستحق العبادة غيره، والقدرية تقول: إن العباد يخلقون أفعالهم وهي مخلوقة لهم لا لله) (٣).
١٩٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾. قال ابن عباس: (يريد: إن الأصنام لا تنصر من أطاعها ولا تنتصر ممن عصاها) (٤).
стр. 5335
وقال أهل المعاني في قوله: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾: (النَّصر المعونة (١) على العدو، يقول (٢): هذه الأوثان لا تستطيع معونتهم على عدوهم وهم يعبدونها عبادة من يقدر على ضرهم ونفعهم) (٣)، وقال الحسن في قوله: ﴿وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾: (أي: ولا يدفعون عن أنفسهم مكروه من أرادهم (٤) بكسر أو نحوه) (٥).
١٩٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى﴾. يخاطب المؤمنين؛ يقول: إن تدعوا المشركين إلى الهدى، وهو قول ابن عباس والكلبي (٦)، قال ابن عباس في هذه الآية: (يريد: إني خذلتهم، وأمليت لهم في الضلالة) (٧)، فدل هذا الكلام على أن المراد بقوله: ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾. المشركون.
قال الكلبي: (وإن تدعوا المشركين إلى الإِسلام) (٨).
стр. 5336
وقال: قوم (١): (وإن تدعوا الأصنام التي عبدوها لا يتبعونكم لأنها لا تعقل). وهو اختيار الفراء (٢)، والآيات السابقة إخبار عن المشركين، وهذه الآية خطاب للمؤمنين، الدليل على ذلك أن المشركين لا يدعون أحدًا إلى الهدى (٣).
وقوله تعالى: ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾. وقرأ نافع (٤) بالتخفيف، وهما لغتان اتبعه اتباعًا وتبعه تبعًا، والمراد به: تركهم الانقياد للحق والإذعان للهدى، والوجه قراءة العامة؛ لأن (اتَّبَع) أكثر في الاستعمال، ألا ترى أنهم أجمعوا على افتعل في قوله: ﴿وَاْتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ (٥) [الأعراف: ١٧٦].
стр. 5337
وقوله تعالي: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾. مثل قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]. وذكرنا ما فيه، وهناك عطف الفعل على الفعل، وهاهنا عطف الاسم على الفعل؛ لأن المعنى: أدعوتموهم أم صَمَتُّم، فهما جملتان الأولى مركبة من فعل وفاعل، والثانية من مبتدأ وخبر، ويعود معناها إلى معنى الأولى؛ لأن معناها: صمتم، وقال الفراء: (قوله (١): ﴿أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾. ولم يقل: أم صمتُّم. وأكثر كلام (٢) العرب أن يقولوا: سواء عليَّ أقمت أم قعدت، ويجوز سواء عليَّ أقمت أم أنت قاعد.
قال: وأنشدني الكسائي:
سواء عليك الفقر أم بتَّ ليلة ... بأهل القباب من نمير بن عامر (٣)
стр. 5338
وأنشد بعضهم:
..... أو أنت بائت) (١)
وقال غيره من أهل المعاني (٢): (إنما قال: ﴿أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ ولم يقل: أم صمتم لإفادة الماضي والحال، و (٣) ذلك أن المقابلة بـ (دعوتم) قد دلت على معنى الماضي، واللفظ قد دل على معنى الحال).
وقال صاحب النظم: (قوله ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ ظاهر هذا النظم أن الاستواء واقع بالداعين، وهو (٤) في المعنى واقع بالمدعوين (٥)؛ لأن حال الداعي في الدعاء والصمات مختلفة، وإنما يتفق ويستوي على المدعوين لأنها أصنام لا تسمع ولا تجيب، فاستوى (٦) عليها الدعاء والصمات،
стр. 5339
وإنما جاز ذلك وحسن لأنه إذا استوى عليها الدعاء والصمات كان مرجع هذا الاستواء إلى الداعين لأنهم إنما يدعون ليجابوا، وإذا لم يجابوا بشيء استوى عليهم الدعاء والصمات.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ تأويله: أم صمتم، وإنما جاز هذا النظم لأن رؤوس الآيات كانت على النون (١)، وهذا النظم وإن كان قليلاً فقد تكلمت العرب بمثله.
قال الأعشى (٢):
إن تركبوا فظهور (٣) الخيل عادتنا ... وإن نزلتم فإنا معشر نزل
стр. 5340
معناه: إن تركبوا ركبنا، وإن تنزلوا نزلنا، فأجاب الشرطين وهما فعلان بخبرين اسمين؛ لأن فيهما دليلًا على الفعل المضمر) (١).
١٩٤ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٢). قال المفسرون (٣): (يعني: الأصنام)، وقال عطاء عن ابن عباس: (يريد: الملائكة) (٤)، وهذا القول ضعيف من جهتين أحدهما: إن المشركين في ذلك الوقت كانوا يعبدون الأصنام لا الملائكة، ولأنه قال بعد هذه الآية ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ الآية [الأعراف:١٩٥]. فدلت هذه أنه يريد الأصنام التي هي جماد لا توصف بالأيدي الباطشة والأرجل الماشية (٥)، وقد مضى القول في أن الأصنام لما جمعت جمع ما يعقل في قوله: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١].
ومعنى الدعاء المذكور هاهنا يحتمل أن يكون العبادة، ويحتمل أن يكون التسمية، كأنه قيل: إن الذين تدعون آلهة من دون الله، ومعنى ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ غير الله.
стр. 5341
وقوله: ﴿عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾. قال الكلبي: (مملوكون أمثالكم) (١)، وقال الأخفش: (﴿عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ في التسخير) (٢) فعلى هذا معنى ﴿عِبَادٌ﴾ أي: مسخرون مذللون لأمر الله، ومنه سمي الرقيق عبدًا؛ لأنه مسخر بذلك، وقال قطرب: (مخلوقة أمثالكم) (٣). فأما وصفها بأنهم ﴿عِبَادٌ﴾ وهي موات كالحائط والباب والثوب، فقال أبو بكر بن الأنباري: (الأصنام وإن كانت (٤) مواتًا تجري مجرى الباب والثوب والحائط في أنها غير حيوان، فإن المشركين لما ادعوا أنها تعقل وتميز، وتضر وتنفع أجريت مجرى الناس، ولذلك قال: ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾، ولم يقل: فادعوهن فليستجبن، ولهذا أيضاً قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ ولم يقل: التي)، وقد سبق (٥) بيان هذا، (فإذا صيرت الأصنام كالناس فأوقع عليها ﴿الَّذِينَ﴾ وقيل في جمعها: فليفعلوا صلح أن يقال لها (٦) ﴿عِبَادٌ﴾، وامتنع ذلك في الأبواب والحيطان والثياب، إذ كانت هذه الأنواع (٧) ما وصفت قط بما يوصف به الناس من العقل والتمييز) (٨).
وقوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾. قال ابن عباس: (يريد:
стр. 5342
فاعبدوهم هل يثيبونكم (١) أو يجازونكم) (٢).
وقال أهل المعاني: (معنى هذا الدعاء: طلب المنافع وكشف المضار من جهتهم، وذلك ما يُئِس منه من قبلهم، وعبادة من هذه صفته جهل وسخف، واللام في: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾ لام الأمر على معنى التعجيز، وهو طلب الفعل إن أمكن) (٣).
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: إن صدقتم أن لكم عند الأصنام منفعة أو ثوابًا أو شفاعة أو نصرة، قاله ابن عباس (٤)، وسلك صاحب النظم في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ طريقة أخرى؛ فقال: (تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ ﴿إِنَّ﴾ على استفهام، وفي الاستفهام طرف من الإنكار كقوله: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦] إلا أنه استثقل همزتان فاقتصر على إحداهما، وقد تستفهم العرب بغير الألف، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] بمعنى: أو تلك على الإنكار، ولا يجوز أن يكون هذا خبرًا؛ لأن تعبيده بني إسرائيل لم يكن منّة عليه، ومثله قول الشاعر (٥):
أفرح أن أرزأ الكرام وأن ... أورث ذودًا شصائصًا نبلا
أراد: أأفرح لأنه ينتفي من ذلك، ولا يرضى أن يقال له ذلك، وإنما
стр. 5343
قال منكراً عليهم أن تكون الأصنام عبادًا أمثالهم لقصورها عن أن تكون مثل العباد في الفهم والسمع والبصر، فحقرها وضعفها بهذا الخبر عن أن تبلغ مبلغ العباد فكيف مبلغ الآلهة، ثم قال : فإن كان كما تقولون أنها تنفع وتضر ﴿فَادْعُوهُمْ﴾ إلى آخر الآية) (١).
١٩٥ - قوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾، قال ابن عباس: (يريد: مثل بني آدم ممن جعلت فيه الروح. ﴿أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا﴾ مثل ما يبطش بنو آدم) (٢)، ومعنى البَطش (٣): التناول عند الصولة، والأخذ الشديد في كل شيء: بَطش، ومنه قوله عز وتعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢].
قال أهل المعاني في هذه الآية: (إنما أنكر عليهم عبادة من لا رجل له يمشي بها , ولا يد (٤) يبطش بها , لأن من عبد جسمًا هذه صفته فقد عبد ما لا شبهة في اليأس من ضره ونفعه، فهو ألوم (٥) ممن عبد من له جارحة يمكن أن ينفع بها أو يضر، فقد عرفهم بهذا أنهم مفضلون عليهم (٦) فكيف يعبدون من هم أفضل منه، فالقصد بالآية بيان جهالتهم في عبادة الأصنام (٧)
стр. 5344
حيث كانوا أفضل من معبوديهم بما خلق الله لهم من هذه الجوارح التي لم يخلقها لمعبوديهم) (١).
وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾. قال ابن عباس (٢): (يريد: الذين تعبدون (٣) من دون الله، ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ أنتم وشركاؤكم)، وهذا يتصل بما قبله اتصال استكمال الحجة عليهم؛ لأنهم لما فزعوا بعبادة من لا يملك ضرًا ولا نفعًا، قيل لمحمد: قل لهم معبودي يملك الضر والنفع فلو اجتهدتم في كيدي لم تصلوا إلى ضري لدفعه عني.
قال الحسن (٤): (إنهم كانوا يخوفونه بآلهتهم فقال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ﴾)، واختلفوا في إثبات الياء (٥) في ﴿كِيدُونِ﴾ وحذفها، فقرءوا بالوجهين، ومثله: ﴿فَلَا تُنْظِرُونِ﴾، والقول في ذلك أن الفواصل وما أشبه الفواصل من الكلام التام تجري مجرى القوافي
стр. 5345
لاجتماعهما في أن الفاصلة آخر الآية، كما أن القافية آخر البيت، وقد ألزموا (١) الحذف هذه الياءات إذا كانت القوافي كقوله:
فهل يمنعني ارتيادي البلاد ... من قدر الموت أن يأتِيَنْ (٢)
وكذلك الياء التي هي لام كقوله:
يلمس الأحلاس في منزله ... بيديه كاليهودي المصل (٣)
ومن أثبت فلأن الأصل الإثبات (٤). ومعنى قوله: ﴿فَلَا تُنْظِرُونِ﴾. أي: لا تمهلوني واعجلوا في كيدي أنتم وشركاؤكم، وهذه الآية تدل على صحة ما قال صاحب النظم في الآية الأولى، ألا ترى أنه بيّن فضل الآدمي على الأصنام في هذه الآية لما بقي (٥) بالأولى، أن تكون الأصنام أمثالهم.
стр. 5346
١٩٦ - قولهم تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ الآية. قرأ القراء (١): ﴿وَلِيِّيَ﴾ بثلاث ياءات، ياء (فعيل) وهي ساكنة، والثانية لام الفعل وهي مكسورة قد أدغمت (٢) الأولى فيها فصارتا ياء مشددة، والثالثة ياء الإضافة.
وروي عن أبي عمرو بالإدغام (٣) الكبير: ﴿وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ بياء مشددة، ووجه ذلك (٤) أنه حذف الياء التي هي لام فعيل، كما حذفت اللام من قولهم: (ما بليتُ به بالةً) (٥)، وكما حذفت الهمزة التي هي لام في قول أبي
стр. 5347
الحسن (١) (من أشياء) كما حذفت الهمزة من قولهم: سواية إذا أردت به سوائية مثل الكراهية، وكما استمر الحذف في التحقير في هذه (٢) اللامات نحو: عُطيّ في تحقير عطاء بدليل قولهم: سميَّة في تصغير سماء، فلما حذفت اللام أدغمت ياء فعيل في ياء الإضافة فقلت: ﴿وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾. فهذه الفتحة فتحة ياء الإضافة (٣) ولا يجوز أن يدغم الياء التي هي لام في ياء الإضافة؛ لأنه إذا فعل ذلك انفك الإدغام، ويذهب سيبويه إلى (إنك إذا قلت هذا: وليُّ يزيد، وعدو وليد، لم يجز إدغام الياء التي هي لام في ياء يزيد لانفكاك الإدغام من وليّ) (٤)، وكأن أبا عمرو في قوله: ﴿وَلِيَّ اللَّهُ﴾ شبه (٥) المنفصل وهو ياء الإضافة بالمتصل، فحذف إحدى الياءات عن ﴿وَلِيَّ﴾ كما يحذف من عُطيّ، والباقون أجازوا اجتماع ثلاث ياءات؛ لأن
стр. 5348
ياء الإضافة منفصل، ولم يجروا المنفصل مجرى المتصل، ولا يجوز في عُطيّ إلا الحذف لأنه متصل (١).
ومعنى ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ أي: الذي يتولى حفظي وتصرفي هو الله لا غيره، ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ يريد: القرآن، أي: أنه يتولاني وينصرني، كما أيدني بإنزال الكتاب (٢). ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [قال ابن عباس: (يريد: الذين لا يعدلون بالله شيئًا ولا يعصونه) (٣)، وفي هذا مدح الصالحين] (٤) بأن الله يتولاهم بنصره فلا يضرهم (٥) عداوة من عاداهم، وفي ذلك يأس المشركين من أن يضره كيدهم ومكرهم. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ الآية [الأعراف: ١٩٧] معنى هذه الآية قد مضى في مثلها من قوله: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ [الأعراف: ١٩٢].
وإنما أعيد هذا المعنى لأن الأول مذكور على جهة التقريع، وهاهنا ذكر على جهة الفرق بين صفة من تجوز له العبادة ومن لا تجوز، كأنه قيل: إن ناصره الله ولا ناصر لكم ممن تعبدون (٦).
стр. 5349
١٩٨ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. ذهب الحسن (١) إلى أن المراد بهذا (٢): المشركون، فيكون المعنى: وإن تدعوا أيها المؤمنون المشركين إلى ﴿الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا﴾ أي: لا يعقلوا (٣) بقلوبهم، ﴿وَتَرَاهُمْ﴾، يا محمد ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ بأعينهم (٤) ﴿وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ بقلوبهم، والأكثرون (٥) على أن المراد بالآية الأنام وبيان صفات ما هي عليه من النقص، وظاهر النظم يدل على هذا المقدم (٦).
стр. 5350
وقوله تعالى (١): ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾. قال الفراء: (يريد: الآلهة أنها صور لا تبصر ولم يقل: وتراها لأن لها أجسامًا وعيونًا، والعرب تقول للرجل والقريب من الشيء: هو ينظر وهو لا يراه، والمنازل تتناظر إذا كان بعضها بإزاء بعض) (٢)، فمعنى ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ هاهنا: يقابلونك، ونحو هذا قال ابن الأنباري (٣) فقال: (المعنى: ﴿وَتَرَاهُمْ﴾ يقربون منك ويدنون وهم غير مبصرين)، وذكر وجهًا آخر فقال: (معنى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ يخيل إليك أنهم يبصرون وهم غير مبصرين) (٤).
وشرح أبو علي الجرجاني هذه الوجه واختاره فقال: (قوله: ﴿وَتَرَاهُمْ﴾، أي: تحسبهم، والرؤية على وجهين أحدهما: العلم وهو كثير كقوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ [غافر: ٢٩] أي: ما أعلمكم إلا ما أعلم، والآخر: الشك كقوله: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ [الحج: ٢] أي: تحسبهم كذلك. ومنه قول الشاعر (٥):
ترى الأكم منه سجدًا للحوافر
стр. 5351
أي: تحسبها كأنها ساجدة، وليس للرؤية التي هي العلم هاهنا معنى فتأويل قوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ (١): تحسبهم ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾؛ لأن لها أعينًا مصنوعة مركبة بالجواهر حتى يحسب الإنسان أنها تنظر إليه) (٢)، فمعنى الوجه الأول: ﴿وَتَرَاهُمْ﴾ يقابلونك، والوجه الثاني: تحسبهم يرونك ﴿وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (٣).
١٩٩ - قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾، قال أهل اللغة: (العفو (٤) الفضل وما أتى بغير كلفة). وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] في سورة البقرة.
قال مجاهد: (أمر أن يأخذ عفو أخلاق الناس) (٥)، وهو قول الحسن (٦) وعروة (٧) بن الزبير (٨) وقتادة (٩)، والمعنى: اقبل الميسور من
стр. 5352
أخلاق الناس، ولا تستنقص عليهم فيستنقصوا عليك، ويتولد منه البغضاء والعداوة (١).
وقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾. العرف والعارفة والمعروف واحد، وهو: كل ما تعرفه النفس من الخير (٢) وتبسأ به (٣) وتطمئن إليه (٤). قال مقاتل (٥) وعروة (٦) والضحاك (٧): (وأمر بالمعروف) وهو قول الكلبي (٨).
وقال أهل المعاني: (المعروف ما يعرف صوابه عند (٩) ذوي العقول السليمة) (١٠).
стр. 5353
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.
قال: لم أمره بالإعراض عنهم مع وجوب النكير عليهم بما يردعهم عن جهلهم؟ قيل: إن هذا في حال اليأس من صلاحهم، فيعمل على طريق الاستخفاف بهم، وصيانة النفس عن مقابلتهم (١) على سفههم (٢).
قال عكرمة: (لما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ : "يا جبريل ما هذا؟ " قال: "لا أدري حتى أسأل", فذهب، ثم رجع فقال: (يا محمد إن ربك يقول: هو أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك") (٣) وتفسير جبريل (٤) ﵇ لهذه الآية موافق لظاهرها لأن في وصل القاطع عفوًا عن جريمة القطيعة، وإعطاء المحارم من جملة المعروف، والعفو عن الظالم إعراض عن جهله وظلمه.
стр. 5354
قال قتادة (١): (في هذه الآية أخلاق أمر الله بها نبيه ﵇ ودلَّه عليها).
وقال عبد الله بن الزبير (٢): (ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس) (٣).
стр. 5355
وقال الصادق (١): (ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية) (٢).
وقال عبد الله بن مسلم: (جمع الله تعالى بهذه الآية لنبيه ﷺ كل خلق عظيم؛ لأن في أخذ العفو صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين، وفي الأمر بالعرف (٣) تقوى الله وصلة الأرحام، وصون اللسان عن الكذب، وغض الطرف عن الحُرمات، وإنما سمي هذا وما أشبهه عرفًا ومعروفًا؛ لأن كل نفس تعرفه، وكل قلب يطمئن إليه، وفي الإعراض عن الجاهلين الصبر والحلم، وتنزيه النفس عن مماراة السفيه، ومنازعة اللجوج) (٤)، فهذا الذي ذكرنا طريقة حسنة في هذه الآية (٥).
وللمفسرين (٦) طريق آخر فيها، قال ابن عباس: (﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أي: (ما (٧) عفا لك من أموالهم، وهو ما فضل من العيال والكلّ (٨)، يقول: ما أتوك به عفوًا فخذه، ولا تسأل ما وراء ذلك، وكان هذا قبل بيان فريضة
стр. 5356
الصدقة، فلما نزلت آية وجوب الزكاة نُسخت هذه) (١).
وهذا قول السدي (٢) ومقاتل (٣) والكلبي والضحاك (٤).
قال الكلبي: (هو فضل المال كان يأخذه بعد الكل والعيال، ليس فيه شيء مؤقت، ثم نزلت الزكاة المفروضة بعد ذلك فنسخت الفضل) (٥).
وقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: بلا (٦) إله إلا الله)، وقال السدي: (بالفضل (٧) من المال، نسخته الزكاة).
стр. 5357
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. قال الضحاك: (وأعرض عن المشركين) (١). وقال مقاتل (٢) والكلبي (٣): (عن جميع من جهل عليك، وجهل أمرك من مشركي مكة، مثل أبي جهل وغيره، نسخة آية السيف) (٤)، فعلى هذه الطريقة جميع الآية منسوخة إلا قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ على قول عطاء (٥)، والأحسن الطريقة الأولى (٦).
قال ابن زيد (٧): نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ : "كيف يا رب والغضب"؟ فنزل قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾) (٨) [الأعراف: ٢٠٠]، نزغ الشيطان وساوسه ونخسه في القلب بما يسول
стр. 5358
للإنسان من المعاصي (١)، روي أبو عبيد عن أبي زيد: (نزغت بين القوم إذا أفسدت) (٢). وقال الليث: (النزغ أن تنزغ بين قوم فتحمل بعضهم على بعض بفساد ذات بينهم) (٣).
قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: يعرض لك من الشيطان عارض) (٤). وقال مقاتل: (وإما (٥) يفتنك الشيطان فتنة) (٦).
وقال الزجاج: (المعنى: إن نالك من الشيطان أدنى وسوسة) (٧).
وقال عبد الله بن مسلم: (وإما يستخفنك الشيطان. قال: ويقال: نزغ بيننا فلان أي: أفسد) (٨).
وقال بعض أهل المعاني: (معنى النزغ: الإزعاج، وأكثر ما يكون عند الغضب، وأصله الإزعاج بالحركة إلى الشر، وهذه نزغة من الشيطان للخصلة الحاملة عليه) (٩)، وموضع (١٠) ﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾ جزم بـ "إِنْ"
стр. 5359
التي للجزاء إلا أنه لا يتبين فيه الإعراب لأنه مبني مع نوع التأكيد بالفتح إذ كانت مشددة ولا بد (١) من تحريك ما قبلها في الجزم لالتقاء الساكنين (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي: اطلب النجاة من تلك البلية بالله، ومضى معنى (٣) الاستعاذة والعوذ، ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ لدعائك ﴿عَلِيم﴾ بما عرض لك.
٢٠١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، قال ابن عباس: (يريد: المؤمنين) (٤). وقال الكلبي: (﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكفر والشرك والفواحش) (٥)، ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾، وقرئ (٦) ﴿طَيْف﴾، اختلفوا في الطيف، فقيل: إنه مصدر.
قال أبو زيد: (طاف يطوف طوفًا وطوافًا، إذا أقبل وأدبر، وأطاف يُطيف إطافة إذا جعل يستدير بالقوم ويأتيهم من نواحيهم، وطاف الخيال
стр. 5360
يطيف طيفًا إذا ألم في المنام) (١)، ونحو هذا قال الزجاج (٢)، وأنشدوا (٣):
أنَّى ألمَّ بك الخيال يطيف
قال ابن الأنباري: (وجائز أن يكون الطيف أصله طيِّف إلا أنهم أستثقلوا التشديد فحذفوا إحدى اليائين وأبقوا (٤) ياء ساكنة) (٥).
فعلى القول الأول هو مصدر، و (٦) على ما قاله أبو بكر من باب هَيّن وهَيْن، ومَيّت ومَيْت (٧)، ويشهد بصحة قول أبي بكر قراءة سعيد بن