الصدقة، فلما نزلت آية وجوب الزكاة نُسخت هذه) (١).
وهذا قول السدي (٢) ومقاتل (٣) والكلبي والضحاك (٤).
قال الكلبي: (هو فضل المال كان يأخذه بعد الكل والعيال، ليس فيه شيء مؤقت، ثم نزلت الزكاة المفروضة بعد ذلك فنسخت الفضل) (٥).
وقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: بلا (٦) إله إلا الله)، وقال السدي: (بالفضل (٧) من المال، نسخته الزكاة).
стр. 5357
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. قال الضحاك: (وأعرض عن المشركين) (١). وقال مقاتل (٢) والكلبي (٣): (عن جميع من جهل عليك، وجهل أمرك من مشركي مكة، مثل أبي جهل وغيره، نسخة آية السيف) (٤)، فعلى هذه الطريقة جميع الآية منسوخة إلا قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ على قول عطاء (٥)، والأحسن الطريقة الأولى (٦).
قال ابن زيد (٧): نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ : "كيف يا رب والغضب"؟ فنزل قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾) (٨) [الأعراف: ٢٠٠]، نزغ الشيطان وساوسه ونخسه في القلب بما يسول
стр. 5358
للإنسان من المعاصي (١)، روي أبو عبيد عن أبي زيد: (نزغت بين القوم إذا أفسدت) (٢). وقال الليث: (النزغ أن تنزغ بين قوم فتحمل بعضهم على بعض بفساد ذات بينهم) (٣).
قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: يعرض لك من الشيطان عارض) (٤). وقال مقاتل: (وإما (٥) يفتنك الشيطان فتنة) (٦).
وقال الزجاج: (المعنى: إن نالك من الشيطان أدنى وسوسة) (٧).
وقال عبد الله بن مسلم: (وإما يستخفنك الشيطان. قال: ويقال: نزغ بيننا فلان أي: أفسد) (٨).
وقال بعض أهل المعاني: (معنى النزغ: الإزعاج، وأكثر ما يكون عند الغضب، وأصله الإزعاج بالحركة إلى الشر، وهذه نزغة من الشيطان للخصلة الحاملة عليه) (٩)، وموضع (١٠) ﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾ جزم بـ "إِنْ"
стр. 5359
التي للجزاء إلا أنه لا يتبين فيه الإعراب لأنه مبني مع نوع التأكيد بالفتح إذ كانت مشددة ولا بد (١) من تحريك ما قبلها في الجزم لالتقاء الساكنين (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي: اطلب النجاة من تلك البلية بالله، ومضى معنى (٣) الاستعاذة والعوذ، ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ لدعائك ﴿عَلِيم﴾ بما عرض لك.
٢٠١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، قال ابن عباس: (يريد: المؤمنين) (٤). وقال الكلبي: (﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكفر والشرك والفواحش) (٥)، ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾، وقرئ (٦) ﴿طَيْف﴾، اختلفوا في الطيف، فقيل: إنه مصدر.
قال أبو زيد: (طاف يطوف طوفًا وطوافًا، إذا أقبل وأدبر، وأطاف يُطيف إطافة إذا جعل يستدير بالقوم ويأتيهم من نواحيهم، وطاف الخيال
стр. 5360
يطيف طيفًا إذا ألم في المنام) (١)، ونحو هذا قال الزجاج (٢)، وأنشدوا (٣):
أنَّى ألمَّ بك الخيال يطيف
قال ابن الأنباري: (وجائز أن يكون الطيف أصله طيِّف إلا أنهم أستثقلوا التشديد فحذفوا إحدى اليائين وأبقوا (٤) ياء ساكنة) (٥).
فعلى القول الأول هو مصدر، و (٦) على ما قاله أبو بكر من باب هَيّن وهَيْن، ومَيّت ومَيْت (٧)، ويشهد بصحة قول أبي بكر قراءة سعيد بن
стр. 5361
جبير (١) ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَيَّفٌ﴾ بالتشديد، هذا هو الأصل في الطيف (٢) ثم يسمّى الجنون والغضب والوسوسة طيفًا لأنه لمة من الشيطان (٣) يشبه بلمّة الخيال.
قال الأزهري: (الطَّيف في كلام العرب الجنون، رواه أبو عبيد عن الأحمر (٤).
وقال الهذلي (٥):
стр. 5362
وإذا بها وأبيك طيف جنون (١)
وقيل للغضب: طيف لأن عقل من استفزه يعزب حتى يصير في صورة المجنون الذي زال عقله) (٢).
وأما الطائف فيجوز أن يكون بمعنى: الطيف، مثل العافية والعاقبة، ونحو ذلك مما جاء المصدر فيه على فاعل وفاعلةٍ، قال الأعشى (٣):
وتصبح (٤) من غبِّ السرى وكأنما (٥) ... ألم بها من طائف الجن أولق
قال الفراء (٦) في هذه الآية: (الطائف والطيف سواء، وهو ما كان
стр. 5363
كالخيال، والشيء يُلم بك).
وقال الليث: (طائف الشيطان، وطيف الشيطان ما يغشى الإنسان من وساوسه) (١).
ومنهم من قال: (الطيف كالخطرة، والطائف كالخاطرة (٢). وهذا أكثر لأن المصدر على فَعْل أكثر منه على فاعل (٣)، وقال أبو عمرو (٤): (الطائف ما يطوف حول الشيء، وهو هاهنا ما طاف به من وسوسة الشيطان، والطيف اللمة والوسوسة) (٥)، فأما التفسير، فقال ابن عباس في
стр. 5364
رواية عطاء: (إذا مسهم عارض من وسوسة الشيطان) (١).
[وروي عنه (٢): (نزغ من الشيطان)] (٣).
وقال مجاهد (٤) وسعيد بن جبير (٥): (هو الرجل يغضب الغضبة فيذكر الله فيكظم الغيظ).
وروى ليث (٦) عن مجاهد قال: (هو الرجل يهمّ بالذنب فيذكر الله فيدعه) (٧).
стр. 5365
ونحو ذلك قال الكلبي (١)، وروى الحكم (٢) عن عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال: (الطيف الغضب) (٣).
وقال أهل المعاني: (ينبغي للعاقل إذا أحس من نفسه إفراطًا في الغضب أن يذكر غضب الله على المسرفين فلا يقدم على ما يوبقه) (٤).
وقوله تعالى: ﴿تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾. قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: استعاذوا فأبصروا عظمة الله تعالى) (٥).
وقال السدي: (معناه: إذا زلُّوا تابوا) (٦)، وقال مقاتل: (يقول: إن المتقي إذا أصابه نزغ من الشيطان تذكر (٧) وعرف أنها معصية فأبصرها ففزع من مخافة الله) (٨)، فعلى هذا معنى (٩) ﴿مُبْصِرُونَ﴾ أي: يبصرون مواقع خطاياهم بالتذكر والتفكر.
стр. 5366
وقال أبو إسحاق: (أي: تفكّروا فيما أوضح الله لهم من الحجة فإذا هم على بصيرة) (١).
وقال الفراء: (﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ أي: منتهون إذا أبصروا) (٢).
وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ﴾. معنى (إذا) هاهنا: المفاجأة، كقولك: خرجت فإذا زيد، و (إذا) في قوله ﴿إِذَا مَسَّهُمْ﴾ (٣) بمنزلة الجزاء في أن لها جوابًا كجوابه، والفرق (٤) بينها وبين الجزاء أن (إذا) عبارة عن الوقت كقولك: آتيك إذا احمَرَّ البُسْرُ، وليس كذلك (إنْ) كقولك: آتيك إن كان (٥) كذا، فهذا شرط لا عبارة فيه (٦) عن زمان ما , ولهذا قال الشافعي: (إذا قال لامرأته: إذا لم أطلقك فأنت طالق (٧)؛ طلقت في الوقت، وإذا قال: إن لم أطلقك فأنت طالق؛ لم يقع الطلاق ما لم يطلقها) (٨).
стр. 5367
٢٠٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾، اختلفوا في هذه الكناية، فالأكثرون على أن المراد بها: الشياطين، وهو قول الحسن (١) وقتادة (٢) والسدي (٣) والضحاك (٤) والكناني (٥) واختيار الزجاج (٦)، قال: (يعني به: الشياطين؛ [لآن الكفار إخوان الشياطين] (٧) لاجتماعهم على الضلالة)، وعلى هذا المراد بالإخوان: الكفار، وعادت الكناية إلى الشياطين لأنهم قد ذكروا في قوله ﴿طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١]، و (٨) هو اسم جنس.
وقال آخرون: المراد بالإخوان: الشياطين، فقوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾، أي: إخوان المشركين من الشياطين، وهذا قول ابن عباس (٩) في رواية عطاء،
стр. 5368
ومجاهد (١) والكلبي، وابن مسلم (٢) وابن جريج (٣) ومقاتل (٤)، قال الكلبي: (لكلّ كافرٍ أخ من الشياطين) (٥). وهذا القول اختيار الفراء (٦) وأبي بكر؛ قال: (والكناية على هذا تعود إلى الجاهلين في قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وهم المشركون، ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ وهم الشياطين) (٧).
و (٨) قوله تعالى: ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾. هذا من فعل الشياطين على القولين جميعًا، قال مقاتل: (يدعونهم إلى المعصية) (٩)، وقال أبو بكر: (أي: يزينونه لهم ويريدون منهم لزومه والإقامة عليه) (١٠).
стр. 5369
وقال أهل المعاني: (يطولون لهم الإغواء حتى يستمروا عليه) (١)، وذكرنا معنى المدّ في قوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] واختلف القراء (٢) في قوله: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ فقرءوا من المدّ والإمداد جميعًا، وعامة ما جاء في التنزيل مما يحمد ويستحب أمددت على أفعلت كقوله: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ﴾ [الطور: ٢٢]. وقوله: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ [النمل: ٣٦] وما كان خلافه يجيء على مددت قال: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]، فالوجه هاهنا قراءة العامة وهو فتح الياء ومن ضم الياء استعمل ما هو للخير في ضده كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] (٣).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾، قال الليث: (الإقصار الكف عن الشيء) (٤). وقال أبو زيد: (أقصر فلان عن الشيء يقصر إقصارًا إذا كف عنه وانتهى) (٥).
стр. 5370
قال ابن عباس: (يريد: لا يألون في ضلالتهم) (١).
وقال ابن زيد: (لا يسأمون ولا يفترون) (٢)، وقال الضحاك (٣) (الشياطين يمدون المشركين (٤) في الضلالة ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾. يعني: المشركين، بخلاف ما قال في المؤمنين ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]) ونحو هذا قال مقاتل بن سليمان: (﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ عن الضلالة، ولا يبصرونها كما أقصر المتقي عنها حين أبصرها) (٥).
وهو قول ابن جريج: (لا يقصر الإنسان من أهل الشرك كما يقصر الذين اتقوا) (٦).
فعلى قول ابن عباس قوله: ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ من (٧) فعل الشياطين وعلى قول الباقين من فعل المشركين، وقال قوم: إنه من فعلهم جميعًا.
стр. 5371
قال مقاتل (١) بن حيان: (﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ عن المعصية هؤلاء وهؤلاء) (٢).
وقال الفراء: (﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ يعني: المشركين وشياطينهم) (٣).
وروي مثل هذا عن ابن عباس قال: (لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات، ولا الشياطين يمسكون عنهم) (٤).
٢٠٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾، قال الكلبي (٥): (يعني: أهل مكة ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ سألوكها، وكانوا يسألونه الآيات تعنتًا، فإذا أبطأت ﴿قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾).
قال الفراء: (العرب تقول: اجتبيت الكلام (٦) واختلقته، وارتجلته (٧) إذا افتعلته من قبل نفسك) (٨).
стр. 5372
وقال أبو زيد: (الاجتباء تقوله العرب في الكلام يبتدئه الرجل من نفسه) (١).
وقال الزجاج (٢): (﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ أي: هلا اختلقتها، وأتيت بها (٣) من قبل نفسك).
ونحو هذا قال المفسرون، و (٤) روي عن ابن عباس: (لولا أحدثتها فأنشأتها) (٥).
وقال مجاهد (٦): (لولا اقتضبتها (٧) وأخرجتها من نفسك).
وقال ابن زيد (٨): (لولا تقولتها وجئت بها من عندك).
стр. 5373
وقال قتادة (١): (هلا افتعلتها (٢) [وأنشأتها من قبل نفسك واختيارك).
وقال الضحاك: (افتعلتها] (٣) من تلقاء نفسك) (٤).
قال الزجاج: (فأعلمهم ﷺ أن الآيات من قبل الله لقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ (٥) [الأعراف:٢٠٣] , أي: (٦) لو كنت آتي بالآيات من قبل نفسي للزمني تعجيل ما تطلبون مني، لكن ليس الأمر كذلك لأني ﴿أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾.
وقوله تعالى: ﴿هَذَا﴾ أي: هذا القرآن الذي أتيت به ﴿بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
стр. 5374
قال ابن الأعرابي (١): (البصيرة الثبات في الدين).
وقال غيره: (البصيرة العبرة، يقال: أما لك بصيرة في هذا أي: عبرة تعتبر بها (٢) وأنشد (٣):
في الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر
أي: عبر) (٤).
وقال الفراء (٥) والزجاج (٦): (البصيرة في الدين، وأصلها من ظهور الشيء وبيانه).
وقال أهل المعاني (٧) في قوله: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: (هذا القرآن، وهذا الوحي دلائل من ربكم تقود إلى الحق، وتهدي إلى الرشد من استدل بها دون من أعرض عنها متعاميًا عما فيها، ومن هذا يقال للطريقة من الدم (٨) يستدل به على الرميَّة: بصيرة).
стр. 5375
وقال المفسرون (١): (هذا القرآن حجج وبيان وبرهان من ربكم، وأصلها من ظهور الشيء حتى يبصرها الإنسان فيهتدي إليها وينتفع بها (٢)، فمعنى البصيرة في أصل اللغة (٣) ما يبصر به الشيء، ويدخل في هذا العبرة والحجة والدليل والبرهان).
٢٠٤ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. الإنصات السكوت للاستماع، يقال: نَصَتَ وأَنصت وانتصت بمعنى واحد (٤)، وقد ورد الإنصات متعديًا في شعر الكميت (٥) بمعنى الإسكات وهو قوله (٦):
أبوك الذي أجدى علي بنصره ... فأنصت عني بعده كلَّ قائل (٧)
стр. 5376
قال الأصمعي (١): (يريد: فأسكت عني) (٢). واختلف المفسرون في وجه نزول الآية على قولين أحدهما: أنها نزلت في تحريم الكلام في الصلاة، قال أبو هريرة: (كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت هذه الآية وأُمروا بالإنصات) (٣).
وقال قتادة: (كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم كم صليتم وكم بقي، وكانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم فأنزل الله هذه الآية) (٤) ونحو هذا قال معاوية (٥) بن قرة (٦). وقال ابن مسعود: كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة؛ سلام على فلان، سلام على فلان، فجاء القرآن: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ الآية) (٧).
القول الثاني: أن الآية نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام، قال ابن عباس: (إن رسول الله ﷺ قرأ في الصلاة المكتوبة وقرأ أصحابه وراءه رافعين أصواتهم فخلطوا عليه فنزلت هذه الآية) (٨).
стр. 5377
وروى عن أبي هريرة مثل ذلك (١) قال: (نزلت هذه الآية في رفع الأصوات وهم خلف رسول الله ﷺ في الصلاة) (٢).
وروي أيضًا عن ابن مسعود (٣) مثل هذا، وقال الكلبي: (كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنار فأنزل الله هذه الآية) (٤).
وفي الآية قول ثالث: وهو أنها نزلت في السكوت للخطبة؛ أُمِروا بالإنصات للإمام يوم الجمعة، وهذا قول سعيد (٥) بن جبير ومجاهد (٦) وعطاء (٧) وعمرو (٨) بن دينار، وزيد بن أسلم (٩) والقاسم
стр. 5378
بن مخيمرة (١) وجماعة.
واحتج ابن المبارك (٢) لهذا القول بأن قال: (لا ترى خطيبًا يخطب يوم الجمعة فأراد أن يقرأ في الخطبة (٣) آية من قوارع القرآن إلا قرأ هذه الآية قبل قراءته ثم قرأ القرآن) (٤).
واختار الفراء (٥)، وأبو إسحاق (٦) القول الأول، وقالا: (كان الناس يتكلمون في الصلاة المكتوبة، يأتي الرجل القوم فيقول: كم صليتم؟ فيقول الناس: كذا وكذا، فنهوا عن ذلك، فحرم الكلام في الصلاة لما نزلت هذه الآية).
ولا حجة في الآية لمن أبى وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة خلف الإِمام؛ لأن قوله: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ على القول الأول أمر بالإنصات عن الكلام الذي لا يحل في الصلاة، وعلى القول الثاني أمر بالإنصات عن رفع الأصوات خلف الإِمام، وفي القول الثالث أمر بالإنصات لاستماع القرآن
стр. 5379
في الخطبة، وقد قال الأوزاعي (١): (إن الله أمر بالإنصات عن الكلام لا عن قراءة القرآن لأنهم كانوا يتكلمون في الصلاة) (٢).
فإن احتج بعموم اللفظ ولم يقصر الآية على سببها قيل له: حكم الآية ممتثل (٣) عند الشافعي (٤) ﵁؛ لأن السنة أن يسكت الإِمام ويتنفس فيقرأ المأموم الفاتحة في حال سكتة الإمام، كما قال أبو سلمة (٥): (للإمام سكتتان فاغتنم القراءة في أيهما شئت) (٦)، على أن الإنصاف هو ترك
стр. 5380
الجهر، والعرب تسمي تارك الجهر منصتًا وإن كان يقرأ في نفسه إذا لم يُسمع أحدًا، وأيضًا فإن الفاتحة مخصوصة بالقراءة من بين غيرها بالسنة لقوله ﷺ : "إذا كنتم خلفي فلا تقرءوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة إلا بها" (١).
стр. 5381
فالمأموم ينصت إلا عن الفاتحة. للخبر، على أنا نقول: إن جاز لغيرنا أن يُعدّي الآية إلى غير السبب النازل فيه جاز لنا أن نأوّلها بما ذكره أبو إسحاق، وهو أنه قال: (يجوز أن يكون: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ (١) اعملوا بما فيه، ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ لا تجاوزه إلى غيره؛ لأن معنى قول القائل: سمع الله دعاءك تأويله: أجاب الله دعاءك، وفعل ما أردت؛ لأن الله سميع لم يزل) (٢)، وعلى هذا فلا معنى لترك القراءة في الآية وليست الآية من ترك القراءة في شيء.
وذهب قوم من أهل الظاهر (٣) إلى أن هذه الآية عامة، ويجب الإنصاف لقارئ الطريق، ومعلم الصبيان، وليس الأمر على (٤) ما ذهبوا إليه؛ فإن هذا الإنصات إنما يجب في الصلاة، وعند الخطبة يوم الجمعة،
стр. 5382
على ما ذكرنا عن الأئمة والسلف (١)؛ يدل على هذا ما روى الجريري (٢) عن طلحة بن عبيد الله بن كريز (٣) قال: (رأيت عبيد بن عمير (٤) وعطاء بن أبي رباح يتحدثان والقاص يقصّ فقلت: ألا تستمعان إلى الذكر وتستوجبان الموعود، فنظرا إليّ وقالا: إنما ذلك في الصلاة: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. ثم أقبلا علي حديثهما) (٥).
٢٠٥ - قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾، الخطاب في هذا للنبي ﷺ ، وغيره داخل فيه لأنه عام لسائر المكلفين.
قال ابن عباس: (يعني بالذكر القراءة في الصلاة) (٦).
﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ قال: (يريد: يتضرع إليّ ويخاف مني) (٧).
стр. 5383
ومعناه: (١) استكانة لي وخوفًا من عذابي.
﴿وَخِيفَةً﴾ قال الزجاج: (أصلها خوفة. فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها) ذكر ذلك في سورة طه (٢). ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾ دون الرفع ﴿مِنَ الْقَوْلِ﴾ من القرآن.
قال (٣): (يريد: لا ترفع بذلك صوتك، تسمع نفسك، وإن جاوزك إلى من هو إلى جانبك فلا بأس). ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. قال: (يريد: بكرة وعشيًا، يريد: الصلوات) (٤).
فعلى (٥) هذا القول الآية وردت في القراءة في الصلوات كلها لقوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢].
وقد مر، فأمر ان يقرأ في نفسه في بعضها وهو صلاة الإسرار، ودون
стр. 5384
الجهر في بعضها وهو ما يرفع فيها (١) الصوت بالقراءة والمسنون دون الجهر لقوله: ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠].
وقال قتادة (٢): (أمر الله بذكره ونهى عن الغفلة، أما ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ فصلاة الصبح، وأما بالعشي فصلاة العصر)، وعلى هذا القول الآية مقصورة على الصلاتين.
وقال مجاهد (٣) وابن جريج (٤): (أمر أن تذكروه في الصدور بالتضرع والاستكانة، ويكره رفع الصوت والنداء بالدعاء).
وعلى هذا الآية وردت في ذكر الله تعالى بالقلب، وترك الصياح في الدعاء (٥).
وقوله تعالى: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. الغَدْو مصدر، يقال: غَدوت أغدُو (٦) غدوًا وغدوَّا ومنه قوله: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢] أي: غدوها للسير، ثم سمي وقت الغدو غدوًا كما يقال: دنا الإصباح، أي: وقته، ودنا الإمساء، ويجوز أن يكون الغدو هاهنا جمع غدوة، قال الليث:
стр. 5385
(الغدوُّ جمع مثل الغدوات وواحد الغدوات غدوة) (١).
قال الراجز (٢):
جرَّت عليه كلَّ ريح ريدة ... هو جاء سفواء نؤوج الغدوة
وأما ﴿وَالْآصَالِ﴾، فقال الفراء: (واحدها أُصُل، وواحد الأصل أصيل.
قال: ويقال: جئناهم مؤصلين، أي: عند الآصال) (٣).
وقال الزجاج: (الآصال العشيات جمع الجمع) (٤).
стр. 5386
ومنه قول النابغة (١):
وقفت فيها أصيلًا كي (٢) أسائلها
أي: عشية، ويقال: الأصيل (٣) مأخوذ من الأصل وهو أسفل كل شيء، وما بعد العصر ينتهي إليه النهار إلى آخر النهار، فقيل لذلك الوقت: أصيل (٤).
стр. 5387
٢٠٦ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾، قال ابن عباس (١) وغيره من المفسرين (٢): (يعني: الملائكة)، قال الزجاج: (تأويله أنه من قرب من رحمة الله ومن فضله فهو عند الله جل وعز) (٣).
فعلى هذا قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يراد به: قرب الرحمة والفضل لأقرب المكان (٤).
وقال غيره من أهل المعاني: (هذا تشريف للملائكة بإضافتهم إلى الله ، يراد بذلك: أنهم بالمكان الذي كلامه وشرفه وجعل الأمور تصدر عنه).
وقال بعضهم: (إنما قيل في صفة الملائكة ﴿الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ لأنهم رسل الله إلى الإنس، كما يقال: إن عند الخليفة جيشًا عظيمًا وإن كانوا متفرقين في البلدان) (٥).
стр. 5388
وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. جاء هذا على الجواب لمن استكبر من الناس عن عبادة الله، كأنه قيل: من هو أكبر منك أيها الإنسان لا يستكبر عن عبادة الله (١).
стр. 5389
المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
عمادة البحث العلمي
سلسلة الرسائل الجامعية
التَّفْسِيرُ البَسِيْط
لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي
(ت ٤٦٨ هـ)
من أول سورة الأنفال إلى آية (٩٢) من سورة التوبة
تحقيق
د. إبراهيم بن علي الحسن
أشرف على طباعته وإخراجه
د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي
الجزء العاشر
стр. 5390
المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
عمادة البحث العلمي
سلسلة الرسائل الجامعية
التَّفْسِيرُ البَسِيْط
لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي
(ت ٤٦٨ هـ)
من أول سورة الأنفال إلى آية (٩٢) من سورة التوبة
تحقيق
د. إبراهيم بن علي الحسن
أشرف على طباعته وإخراجه
د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي
الجزء العاشر
стр. 5391
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الواحدي, على بن أحمد
التفسير البسيط لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي
(ت ٤٦٨ هـ)./ على بن أحمد الواحدي, إبراهيم بن علي الحسن,
الرياض١٤٣٠هـ.
٢٥مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)
ردمك:٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)
٣ - ٨٦٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٠)
١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي, على بن أحمد
أ- العنوان ... ب- السلسة
ديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠
رقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠هـ
ردمك ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)
٣ - ٨٦٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج١٠)
стр. 5392
التَّفْسِيرُ البَسِيْط
لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي
(ت ٤٦٨ هـ)
стр. 5393
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 5394
التَّفْسِيرُ البَسِيْط
لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي
(ت ٤٦٨ هـ)
стр. 5395
تفسير سورة الأنفال
١ - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية، قال المفسرون: نزلت الآية حين اختلف أهل بدر في الغنائم، وكان الشبان في ذلك اليوم قتلوا وأسروا، والأشياخ وقفوا مع رسول الله ﷺ في المصاف، فقال الشبان: لنا الغنائم؛ لأنا أبلينا، وقال الأشياخ: كنا ردءًا لكم، ولو انهزمتم لانحزتم (١) إلينا فلا تذهبوا بالغنائم دوننا (٢).
وقال عبادة بن الصامت (٣): فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا؛ فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى