← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الواحدي, على بن أحمد التفسير البسيط لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ)./ على بن أحمد الواحدي, إبراهيم بن علي الحسن, الرياض١٤٣٠هـ. ٢٥مج. (سلسلة الرسائل الجامعية) ردمك:٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ٣ - ٨٦٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٠) ١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي, على بن أحمد أ- العنوان ... ب- السلسة ديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠ رقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠هـ ردمك ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ٣ - ٨٦٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج١٠)

стр. 5392

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ)

стр. 5393

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5394

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ)

стр. 5395

تفسير سورة الأنفال ١ - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية، قال المفسرون: نزلت الآية حين اختلف أهل بدر في الغنائم، وكان الشبان في ذلك اليوم قتلوا وأسروا، والأشياخ وقفوا مع رسول الله ﷺ في المصاف، فقال الشبان: لنا الغنائم؛ لأنا أبلينا، وقال الأشياخ: كنا ردءًا لكم، ولو انهزمتم لانحزتم (١) إلينا فلا تذهبوا بالغنائم دوننا (٢). وقال عبادة بن الصامت (٣): فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا؛ فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى

стр. 5396

رسول الله ﷺ فقسمه بيننا على السواء (١). والنفل: الغنيمة (٢) وجمعه الأنفال، ونفلت فلانا نفلاً: أعطيته، والإمام ينفل الجند: إذا جعل لهم ما غنموا، قال الأزهري: وجُماع معنى النفل والنافلة ما كان زيادة على الأصل، وسميت الغنائم أنفالًا لأن

стр. 5397

المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحل لهم الغنائم، وصلاة (١) التطوع نافلة؛ لأنها زيادة أجر للمؤمن (٢) على ما كتب له من ثواب ما فرض عليه (٣). ونذكر استقصاء النافلة عند قوله تعالى: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] إن شاء الله (٤). وأما معنى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ فقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ إخبار عمن لم يسبق ذكره إيجازًا واختصارًا؛ لأن حالة النزول كانت تدل على من سأل وتنبيء عنه، ومثله في القرآن كثير. وأكثر أهل العلم قالوا: معنى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ أي: عن حكمها وعلمها سؤال استفتاء (٥) (٦).

стр. 5398

قال الزجاج: وإنما سألوا عنها لأنها كانت حرامًا على من كان قبلهم (١). وقيل: (عن) معناه (من) أي: يسألونك من الأنفال أن تعطيهم، فهذا سؤال استعطاء، يدل على هذا المعنى ما روي عن الخليل أنه كان يقول: (عن) هاهنا زيادة صلة، معناه: (يسألونك الأنفال) (٢)، وكذلك هو في قراءة ابن مسعود، وهو قول الضحاك وعكرمة (٣).

стр. 5399

وقال صاحب النظم (١): قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ ليس في هذا بيان أنهم [عن أَيشِ (٢)] (٣) سألوا من حكم الأنفال، فلما قال: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ دل ذلك على أن السؤال وقع عن الأنفال لمن هي (٤). وقوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي: أنها لله لا شك في ذلك، وللرسول يضعها حيث يشاء من غير مشاركة فيها , ولا مشاجرة فيما يراه منها (٥)، قال سعد بن أبي وقاص: لما كان يوم بدر جئت بسيف (٦)، قلت: يا رسول الله، هب هذا لي، فقال: "هذا ليس لي ولا لك لكن اذهب فاطرحه

стр. 5400

في القبض" (١)، فلما نزل قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ قال رسول الله ﷺ : "يا سعد، إنك سألتني السيف وليس لي، وإن قد صار لي فاذهب فخذه" (٢). وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: بطاعته واجتناب معاصيه، ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾. قال المفسرون (٣): أمروا بالطاعة والجماعة وترك المفارقة والمخالفة، ومعنى (ذات بينكم). قال أحمد بن يحيى (٤): أي: الحالة التي بينكم (٥)؛ فالتأنيث عنده للحالة، وهو قول الكوفيين (٦). وقال الزجاج: معنى ذات بينكم: حقيقة وصلكم، والبين: الوصل (٧)، فذات عنده بمعنى النفس كما يقال: ذات الشيء ونفسه،

стр. 5401

وذكرنا معنى (ذات) مستقصى عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٩ - ١٢٠]. وقال صاحب النظم: (ذات) كناية عن الخصومة والمنازعة هاهنا، وهي الواقعة بينهم. وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال ابن زيد: أسلموا لله ولرسوله [في الأنفال (١)] فإنهما يحكمان فيها ما أرادا ويضعانها حيث أرادا (٢). وقال أبو إسحاق (٣): أي: اقبلوا ما أمرتم به في الغنائم وغيرها (٤). هذا الذي ذكرنا معنى الآية وتفسيرها، فأما حكمها فقال مجاهد وعكرمة والسدي (٥): هي منسوخة (٦)، نسخها قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١]، فكانت الغنائم يومئذ للنبي ﷺ خاصة، فنسخها الله بالخمس، وهذا قول ابن عباس في رواية الوالبي عنه.

стр. 5402

وقال ابن زيد: الآية ليست بمنسوخة؛ لأن الأنفال لله -لا شك مع الدنيا بما فيها والآخرة-، وللرسول يضعها في مواضعها التي أمره الله بوضعها فيها (١). والقول هو الأول؛ لأن قوله: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ تمليك له إياها وذلك التمليك نسخ بالخمس (٢)، وابن زيد ذهب إلى أن معنى قوله لله والرسول أن الحكم فيها له، وهذا لم ينسخ.

стр. 5403

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5404

٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية. يقال: وجل يوجل وجلًا فهو وجل وأوجل: إذا فرق وخاف، وقال معن بن أوس (١): لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تغدو المنية أول (٢)

стр. 5405

قال المفسرون وأهل المعاني (١): هذه الآية تتضمن وصف المؤمنين بوجل القلوب عند ذكر الله (٢). قال الزجاج: تأويله: إذا ذكرت عظمة الله جل وعز وقدرته وما خوف به من عصاه وجلت قلوبهم أي: فزعت (٣). يقول: إنما المؤمن الذي إذا خوف بالله فرق قلبه وانقاد لأمره خوفًا من عقابه، ومفهومه: ليس المؤمن الذي يخالف الله ورسوله ويترك اتباع ما أنزل في كتابه، والإشارة فيه إلى إلزام أصحاب بدر طاعة الرسول فيما يرى من قسمة الغنيمة. قال ابن عباس: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: خافت قلوبهم وخشعت لذكر الله (٤). وقال مجاهد: فرقت قلوبهم (٥).

стр. 5406

فإن قيل: قوله: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وقوله في آية أخرى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الرعد: ٢٨. كيف يجمع بينهما والآيتان متدافعتان؛ لأن الوجل خلاف الطمأنينة؟ قيل: هذا جهل وذهاب عما عليه الآيتان لأن الاطمئنان إنما يكون من (١) ثلج اليقين (٢)، وشرح الصدور، ولمعرفة التوحيد والعلم به، وما يتبع ذلك من الدرجة الرفيعة والثواب الجزيل الموعود به، والوجل إنما يكون من خوف العقوبة أو عند خوف الزيغ عن الهدى وما يستحق به الوعيد، فتوجل القلوب لذلك فكل واحدة من الحالتين غير صاحبتها فليس هنا إذًا تضاد ولا تدافع وهذان المعنيان المفترقان في هاتين الآيتين اجتمعا في آية واحدة وهو قوله: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]؛ لأن هؤلاء قد سكنت نفوسهم إلى معتقدهم ووثقوا فانتفى عنهم الشك والارتياب فهو معنى قوله: ﴿تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وهذا كله كلام أبي علي الفارسي (٣). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. قال ابن عباس: يريد تصديقًا ويقينًا (٤)، وزيادة الإيمان الذي هو التصديق (٥) يكون على وجهين:

стр. 5407

أحدهما: وهو الذي عليه عامة أهل العلم أن ذلك يكون بانشراح الصدور ووضوح الدليل، فكل من زاده الله شرح الصدر واتضاح الدلائل زاده معرفة ويقينًا، وما من آية ظهرت له إلا زاد تصديقه لقوة المعرفة التي تقوي بها البصيرة؛ لأنه يكون من الشك أبعد، واليقين مهما كان احتمال الشك عنه أبعد كان أقوى، وإلى هذا أشار النبي ﷺ في قوله: "لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح" (١).

стр. 5408

يريد أن معرفته بالله أقوى وإلا فكان غيره من الصحابة يصدق الرسول كما يصدق هو. الوجه الثاني في زيادة التصديق: أنهم يصدقون بكل ما يتلى عليهم من عند الله، يصدقون بالأول والثاني والثالث، وكل ما يأتي من عند الله؛ فيزيد تصديقهم؛ لأن من صدق إنسانًا في شيئين كان تصديقه له أكثر من تصديق من صدقه في شيء واحد، وهذا معنى قول أبي إسحاق (١)، يدل على صحة هذا قول مقاتل: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾: تصديقًا مع تصديقهم (٢) بما أنزل عليهم من قبل ذلك من القرآن (٣). فعلى هذا ما من آية استأنفوا بها تصديقًا إلا ازدادوا إيمانا. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. قال ابن عباس: يريد بالله يثقون، لا يرجون غيره (٤). ٤ - قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ الإشارة في قوله (أولئك) إلى من وصف بالأوصاف التي تقدمت. قال ابن عباس: يقول: (برئوا من الكفر) (٥)، وقال الكلبي: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ صدقًا منهم لأنه لم يكن يوم بدر مع رسول الله ﷺ إلا الصادق في إيمانه (٦).

стр. 5409

وقال مقاتل: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ لا شك في إيمانهم كشك المنافقين (١)، وقال أهل المعاني: أولئك الذين أخلصوا الإيمان لا كمن كان له اسمه على ظاهر الحال وهم عن ذلك بمعزل لما يشوبه من الفساد (٢). فأما وجه انتصاب قوله (حقًّا) فمذهب الفراء فيه أنه انتصب على معنى أخبركم بذلك حقًا (٣)، أي: إخبارًا حقًا، وهذا كما ذكرنا في قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥١]، فعنده أن هذا نصب من نية الخبر، ومذهب سيبويه وأصحابه أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف دل عليه الكلام (٤)، قال المبرد: (حقوا حقًّا) (٥)، ومعنى حقوا حقًا أي: أتوا ما وصفوا به وفعلوه حقًّا صدقًا، من قول العرب: حققته حذره وأحققته أي: فعلت ما كان يحذر (٦)، وقال الزجاج: (حقًا) منصوب بمعنى دلت (٧) عليه الجملة وهي قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أي: أحق ذلك حقًّا (٨).

стр. 5410

ومعنى هذا كأنه قال: أخبركم بذلك أحقه حقًا، ومعنى هذا راجع إلى معنى قول الفراء، فعلى قول الزجاج والفراء يعود هذا التأكيد المذكور بقوله (حقًا) إلى إخبار الله تعالى، وعلى قول المبرد يعود إلى تأكيد إيمانهم وتحقيقه، وعلى هذا فكل من استجمع شرائط الإيمان واعتقادها فهو مؤمن في الحال على الحقيقة من غير استثناء (١)، وإنما الاستثناء للحالة المقابلة؛ لأن العبد على غير أمن من العاقبة فيرجو الموافاة على الإيمان إن شاء الله [والناس مختلفون في هذا فأهل الحديث ذهبوا إلى أن المؤمن يقول: أنا

стр. 5411

مؤمن إن شاء الله] (١) لا على الشك فيما يجب عليه الإيمان به، ولكن على معنى: أن المؤمن الحقيقي من يكون من أهل الجنة، قالوا: وجميع عمر العبد كطاعة واحدة يتوقف بعضها على بعض في الصحة، فإذا شرع في صلاة أو صوم فما لم يفرغ منها ولم يخرج منها على الصحة لا يقال: إنه مصل على الحقيقة وصائم على الحقيقة، وكذلك ما لم تحصل موافاته على السلامة والإيمان لا يعلم أنه مؤمن على الحقيقة (٢)، فأما في علم الله فيجوز أن يكون مؤمنًا على الحقيقة ولكنا لا ندري ذلك. وقال قوم من أصحابنا (٣) وهو مذهب الإمام أبي إسحاق الإسفراييني ﵀: إنه يكون في الحال مؤمنًا على الحقيقة وإن جاز أن يتغير في العاقبة (٤)، وليس سلامة العاقبة من شرط استحقاق الاسم على الحقيقة، وتغير (٥) الأحكام في المستقبل لا يمنع ثبوتها في الحقيقة في الحال كالحركة إذا وجدت بالمحل أوجبت له حكم المتحرك، وجواز (٦) وجود السكون لا يمنع من استحقاق حكم المتحرك وكذلك في جميع الأسماء المشتقة من معان، قالوا: والأصل في هذا أن الأسامي مبقاة على استعمال

стр. 5412

أهل اللغة، وأهل اللغة لم يطلقوا هذا الاسم بشرط موافاة العاقبة، فللرجل أن يقول: أنا مؤمن حقًا، وأنا مؤمن على الحقيقة، أموت على الإيمان إن شاء الله، وهذا مذهب مخالفينا في هذه المسألة (١). وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قال عطاء: يعني درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم (٢)، ونحو هذا قال أهل المعاني: لهم مراتب بعضها أعلى من بعض على قدر أعمالهم (٣). وقوله تعالى: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ قال أهل اللغة: الكرم اسم جامع لكل ما يحمد ويستحسن (٤)، والكريم: المحمود فيما يحتاج إليه فيه، فالله تعالى يوصف بأنه كريم (٥)، وقال تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٧]، ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧]، ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)﴾ [النمل: ٢٩]، ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]، ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، ونذكر شرح كل واحد في موضعه، فالرزق الكريم: هو الشريف الفاضل الحسن الممدوح. قال هشام بن عروة: يعني ما أعد الله لهم في الجنة من لذيذ المآكل والمشارب (٦) وهنيء العيش (٧).

стр. 5413

٥ - وقوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ الآية، اختلفوا في متعلق الكاف في قوله (كما) قال المفسرون: لما رأى النبي ﷺ كثرة المشركين يوم بدر وقلة المسلمين قال: من قتل قتيلًا فله كذا وكذا، ومن أسر أسيرًا فله كذا وكذا، ليرغبهم في القتال، فلما أظفر الله بالمشركين وأمكن منهم قال سعد بن عبادة للنبي ﷺ : يا رسول الله إن جماعة من أصحابك وقوك (١) بأنفسهم ولم يتأخروا عن القتال جبنًا ولا بخلًا ببذل مهجهم (٢)، ولكنهم أشفقوا عليك من أن تغتال، فمتى أعطيت هؤلاء مما سميته لهم بقي خلق من المسلمين بغير شيء فأنزل الله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ يصنع فيها ما يشاء فأمسك المسلمون (٣) وفي أنفس بعضهم شيء من الكراهة لما سمعوا، فأنزل الله : ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ أي امض لأمر الله في الغنائم كما مضيت لأمره (٤) في الخروج وهم له (٥) كارهون (٦)، وهذا قول الفراء (٧) وأبي إسحاق (٨).

стр. 5414

قال أبو إسحاق: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ ويكون تأويله: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون كذلك تنفل من رأيت (١) وإن كرهوا، قال: وموضع الكاف في (كما) نصب، المعنى: الأنفال (٢) ثابتة (٣) مثل إخراج ربك إياك من بيتك بالحق (٤). وعلى هذا: الكاف تتعلق بقوله: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وهذا يدل على أن الله نزعها من أيديهم، ويكون التأويل: نزعها الله من أيديهم بالحق كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، والكاف بمعنى: مثل، وهو نعت مصدر محذوف على تقدير: الأنفال ثابتة لله والرسول ثبوتًا بالحق مثل إخراج ربك من بيتك بالحق، فالعامل في الكاف: معنى قوله: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. قال أبو بكر بن الأنباري: والآية مفتتحة بحرف يتعلق بآية قبلها، وهو سائغ جائز إذ كان أواخر الآيات مجراها مجرى أواخر الأبيات (٥)، وغير مستنكر أن تفتتح الأبيات (٦) بألفاظ تتعلق بما قبلها، من ذلك قول امرئ القيس: وقوفًا بها صحبي على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل (٧)

стр. 5415

قال أبو عباس (١): كان أصحابنا ينصبون (وقوفًا) على القطع من: الدخول، وحومل، وتوضح والمقراة (٢). وقال غيره: نصبه على الحال من الضمير الذي في (نبك) أي: قفا نبك في حال وقوف (٣) صحبي (٤)، ولا يختلف أهل اللغة والنحو في تعلق "وقوف" بما ليس بحاضر معه في بيته. وقال ابن قتيبة: يريد أن كراهتهم لما فعلته في الغنائم ككراهتهم للخروج معك، كأنه قال: هذا من كراهتهم كما أخرجك وإياهم ربك وهم كارهون (٥). وعلى هذا (الكاف) متعلق بمحذوف يدل عليه باقي الكلام؛ لأن

стр. 5416

مجادلتهم في الأنفال وتشبيه تلك القصة بإخراج الله إياه على كره منهم يدل على كراهتهم، ثم قال: ومن تتبع هذا من كلام العرب وأشعارهم وجده، قال الشاعر (١): فلا تدفنوني إن دفني محرم ... عليكم ولكن خامري أم عامر يريد: لا تدفنوني ولكن (٢) دعوني للتي إذا صيدت يقال لها: خامري أم عامر (٣)، يعني الضبع لتأكلني، فحذف وأبقى من الكلام ما يدل على المحذوف (٤). وقال بعضهم: (الكاف) متعلق بما بعده وهو قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ وهذا يحكي عن الكسائي (٥) وهو معنى قول مجاهد (٦)، يقول: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق على كره فريق من المؤمنين كذلك هم

стр. 5417

يكرهون القتال ويجادلونك فيه (١). وهذا الوجه اختيار صاحب النظم، وقد سلك في تحقيق هذا التشبيه طريقًا حسنًا فقال: ظاهر هذا النظم يدل على أنه شبه مجادلتهم في الحق وهو مذموم عنده بإخراج الله تعالى إياه من بيته، وهو غير مذموم لأنه من فعله ، وإذا كان كذلك فلابد من أن نقدر في التشبيه تحريفًا عن موضعه ويكون التشبيه واقعًا في المعنى الباطن على قوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ لأن الذم وقع على كراهة المؤمنين للخروج كما هو واقع على مجادلتهم في الحق، ويكون التقدير: كما كانت كراهتهم لإخراج الله إياك بالحق يجادلونك في الحق بعد ما تبين، ويجوز أن يدخل حرف التشبيه على شيء، والمراد به ما بعده مما هو متعلق به داخل في قصته (٢)، كما نقول في حرف الاستفهام، فإنه يدخل على شيء والمستفهم عنه غيره كقوله : ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]. والمعنى: أفهم الخالدون إن مت؛ لأن الاستفهام في الحقيقة واقع على [الخلود دون الموت، وفي ظاهر اللفظ وقع على الموت، وكذلك قوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] الاستفهام في الحقيقة واقع على الانقلاب، وهو في الظاهر واقع على الموت والقتل، كذلك في هذه الآية دخل حرف التشبيه في الإخراج وهو في الحقيقة واقع

стр. 5418

على الكراهة] (١). وقال أبو عبيدة: الكاف بمعنى حرف القسم، و (ما) بمعنى (الذي) والتقدير: والذي أخرجك من بيتك بالحق يجادلونك. قال أبو بكر (٢): وهذا بعيد؛ لأن (الكاف) ليست من حروف الأقسام (٣)، وأما التفسير فقوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ أي أمرك بالخروج من المدينة ودعاك إليه ﴿مِنْ بَيْتِكَ﴾ يعني المدينة قاله مجاهد والحسن، وابن جريج، وعامة المفسرين (٤)، قالوا: إن الله تعالى أمر نبيه بالخروج من

стр. 5419

المدينة لطلب عير (١) قريش، وكره ذلك طائفة من المؤمنين لأنهم علموا أن قريشًا تمنع عيرها منهم، وأنهم لا يظفرون بالعير عفوًا دون القتال فذلك قوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ أي الخروج معك. قال أهل المعاني: وهذه الكراهة من المؤمنين كانت كراهة الطبع؛ للمشقة التي تلحق في السفر (٢)، لا كراهة أمر الله ورسوله (٣). وقيل: كانت الكراهة قبل أن علموا أن الله أمر به وأن النبي ﷺ عزم على ذلك، هذا قول عامة أهل التفسير (٤) في هذه الآية.

стр. 5420

وقوله تعالى: ﴿بِاَلحَق﴾ أي بالوحي، كأنه أوحى إليه وأمره بالخروج لأن جبريل نزل وأخبره بعير قريش وأمره بالمسير إليها، هذا معنى قول الكلبي (١)، قال عطاء عن ابن عباس: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ يريد الهجرة من مكة إلى المدينة (٢)، ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ يريد لتركهم مكة وديارهم وأموالهم.

стр. 5421

٦ - قوله تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ قال المفسرون: إن عير قريش أقبلت من الشام فندب رسول الله ﷺ أصحابه وقال: إن الله، ينفلكموها، فخرجت طائفة كارهة، فلما التقوا أمروا بالقتال ولم يكونوا أعدوا له أهبة، فشق ذلك عليهم وقالوا: هلا أخبرتنا فكنا (١) نعد له (٢)، قال ابن عباس وابن إسحاق: وكان جدالهم نبي الله قولهم: لم تعلمنا قتالًا فنستعد له إنما خرجنا للعير (٣). وقوله تعالى: ﴿فِي الْحَقِّ﴾ أي في القتال، عن ابن عباس (٤)، ومجاهد (٥). وقوله تعالى: ﴿بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ (٦) قال السدي: بعد ما تبين لهم أنك لا تصنع إلا ما أمرك الله به (٧). وقال أبو صالح عن ابن عباس: يجادلونك في القتال بعد ما أمرت به (٨).

стр. 5422

وقال أبو إسحاق: يجادلونك في الحق بعد ما تبين وعدهم الله أنهم يظفرون بأهل مكة أو (١) بالعير (٢)، يريد أن هذا التبين كان بوعد الله إياهم الظفر (٣). قال أهل المعاني: إنما كانت تلك المجادلة طلبًا للرخصة لأنهم لم يستعدوا للقتال، وقيل عددهم [وكانوا رجالة] (٤)، ولم يكن فيهم إلا فارسان؛ فخافوا، وحال الصعوبة تخيل إلى النفس الشبهة، وإن كانت الحال ظاهرة والدلالة واضحة (٥). وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾، قال ابن إسحاق: كراهة للقاء القوم (٦)، يريد أنهم لشدة كراهتهم للقتال كأنهم (٧)

стр. 5423

يساقون إلى الموت عيانًا، فذلك معنى قوله: ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾، وقال صاحب النظم: أي: يعلمون أنه واقع بهم، ومنه قول النبي (١) ﷺ : "من انتفى من ابنه وهو ينظر إليه" (٢) أي: يعلم أنه ابنه، وقوله : ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: ٤٠] أي: يعلم (٣). ٧ - قوله : ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ إحدى: تأنيث أحد على غير بنائه (٤)، كأنهم استأنفوا للمؤنث بناءً كصفراء من أصفر، وعطشى (٥) من عطشان، و (الطائفتان) العير والنفير في قول المفسرين (٦).

стр. 5424

قوله تعالى: ﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾ (أن) في موضع نصب على البدل من (إحدى) قاله الفراء (١) والزجاج (٢)، قالا: ومثله قوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ [محمد: ١٨] فـ (أن) في موضع نصب كما نصبت الساعة، ومثله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾ [الفتح: ٢٥] (أن) في موضع رفع بـ (لولا) (٣)، وقال أبو علي الفارسي: (إحدى) في موضع نصب بأنه المفعول الثاني و (أنها لكم) بدل منه، والتقدير: وإذ (٤) يعدكم الله ثبات إحدى الطائفتين، أو ملك إحدى الطائفتين، ونحو هذا مما يدل عليه (لكم). وقوله تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد التي ليس فيها حرب ولا قتال (٥)، وقال الزجاج: أي تودون أن الطائفة التي ليست فيها حرب ولا سلاح -وهو (٦) الإبل- تكون لكم، و (ذات الشوكة) أي: ذات السلاح (٧).

стр. 5425

وتأنيث (ذات) لأن المراد بها الطائفة , والمعنى: وتودون أن الطائفة غير ذات الشوكة تكون لكم، وأما (الشوكة) فهي هاهنا السلاح (١)، وأصلها: النبت الذي له حد، شبّه السلاح به، ومنه يقال: رجل شائك السلاح إذا كان حديد السنان والنصل، وهو فاعل من الشوك، ثم يقلب شائك فيقال: شاكي السلاح، كما يقال: جرف هار، وهاير، ومنه قول زهير: لدى أسد شاكي السلاح ضبارم (٢) ... له لبد أظفاره لم تقلم (٣) قال أبو عبيد: الشاكي والشائك (٤) جميعًا: ذو الشوكة والحد في سلاحه (٥). وكما يوصف الرجل بهذا يوصف السلاح أيضًا به، فيقال: سلاح (٦) شاك وشائك، قال عنترة:

стр. 5426

فتعرفوني أنني أنا ذاكم ... شاك سلاحي في الحوادث معلم (١) ومنه قول المجدث (٢): وألبس من رضاه في طريقي ... سلاحًا يذعر الأبطال شاكا (٣) وهذا من قولهم: هو شاك السلاح بحذف الياء، كما قالوا رجل مال (٤): ذو مال، ونال من النوال (٥)، وكبش صاف (٦): ذو صوف، وكذلك رجل شاك (٧)، وسلاح شاك (٨)، فأما قولهم: شاكّ في السلاح بالتشديد مع (في) فمعناه: ذو شكة، والشكة: السلاح (٩).

стр. 5427

وقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ قال ابن عباس: ﴿يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ يظهر الإسلام (١)، وقال أهل المعاني (٢): معنى يحق الحق: يظهره ويعليه لأن الحق حق حيث كان، ولكنه إذا لم يكن ظاهرًا أشبه الباطل؛ لأن من صفة الحق ظهوره، فإظهاره تحقيق له من هذا الوجه (٣). وقوله تعالى: ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾، قال ابن عباس: أي بعداته (٤)، وقال عطاء عنه (٥): موعود من الله قد سبق في علمه، ووعد نبيه بذلك في سورة الدخان: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ (٦) يريد: ننتقم له من أبي جهل (٧)، فـ (كلماته) على هذا ما قد أخبر به من إظهار الحق وإعزازه

стр. 5428

بقوله (١): ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (٢) على ما تقدم به وعده (٣). وقال بعضهم: (بكلماته) أي بأمره إياكم أن تجاهدوهم (٤). قوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ قد ذكرنا الكلام في معنى (الدابر) فيما تقدم (٥)، قال أبو إسحاق: أي: ظَفَركم بذات الشوكة أقطع (٦) لدابرهم (٧)، وفي هذا بيان عن النعمة عليهم بالظفر بقريش حين خرجوا (٨) يحمون العير، وإن كرهوا هم ذلك، وأن ما أراد الله لهم كان خيرًا مما أرادوا هم. ٨ - قوله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ اللام في صلة قوله (يقطع) أي: يقطع دابرهم ليحق الحق، قال ابن عباس: يريد أن يحق الله مواعيده للمؤمنين (٩)، وذكرنا أن معنى إحقاق الحق إظهاره وإعلاؤه على غيره (١٠).

стр. 5429

وقوله تعالى: ﴿وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ أي: يعدمه ويهلكه؛ لأن الباطل باطل، وكان الكفر باطلاً قبل بدر، ولكن معنى إبطاله ههنا: إعدامه, كما أن معنى إحقاق الحق: إظهاره، وإلى هذا [أشار ابن عباس في معنى (يبطل الباطل) فقال: يريد: ﴿وَيَقْطَعَ (١) دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧] ألا ترى أنه] (٢) أشار إلى إعدامهم وإهلاكهم (٣)، وقال صاحب النظم: ﴿وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ أي: يفني الكفر، والآية بيان عن إرادة الله تعالى إظهار الحق وإعدام الباطل به على كره من المشركين، وإعزاز للمسلمين. ٩ - قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ الآية، يجوز أن يكون العامل في (إذ)، (ويبطل الباطل) فتكون الآية متصلة بما قبلها (٤)، ويجوز أن تكون الآية مستأنفة على تقدير: واذكر إذ، بمعنى التذكير بالنعمة (٥). وقوله تعالى: ﴿تَسْتَغِيثُونَ﴾ أي تطلبون منه المغوثة (٦) [والغوث والإغاثة] (٧)، ويقول الواقع في بلية: أغثني، أي: فرج عني، ومعنى الإغاثة والغوث والمغوثة: سد الخلة في وقت الحاجة (٨)، وقال المفسرون (٩):

стр. 5430

﴿تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾: تستجيرون به من عدوكم وتدعونه للنصر عليهم، وذلك أن المهاجرين والأنصار لما رأوا أنفسهم في قلة عدد استغاثوا، قال ابن عباس: حدثني عمر بن الخطاب [﵁] (١)، قال: لما كان يوم بدر ونظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف (٢) استقبل القبلة (٣) ومد يده يدعو: اللهم أنجز لي ما وعدتني، الله إن تهلك هذه العصابة من أهل (٤) الإسلام لا تعبد في الأرض، فما زال يهتف حتى سقط رداؤه، فأنزل الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ (٥). وذكرنا معنى الإمداد في آخر سورة الأعراف وفي سورة آل عمران. وقوله تعا لي: ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ وقرأ نافع (٦) بفتح الدال (٧)،
следующие страницы →